قديم 01-07-2011, 06:50 PM   #1
المديـــــــر العـــــام
 
الصورة الرمزية Emad Alqadi
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
المشاركات: 24,043
مقالات المدونة: 35
معدل تقييم المستوى: 10
Emad Alqadi will become famous soon enough
افتراضي فقط دقيقة !!!


بَسْ دقيقة

بقلم محمد عبد الوهاب جسري



كنت أقف في دوري على شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر في الحافلة إلى مدينة تبعد حوالي 330 كم، وكانت أمامي سيدة ستينية قد وصلت إلى شباك التذاكر وطال حديثها مع الموظفة التي قالت لها في النهاية: الناس ينتظرون، أرجوكِ تنحّي جانباً. فابتعدت المرأة خطوة واحدة لتفسح لي المجال، وقبل أن أشتري بطاقتي سألت الموظفة عن المشكلة، فقالت لي بأن هذه المرأة معها ثمن بطاقة السفر وليس معها يورو واحد قيمة بطاقة دخول المحطة، وتريد أن تنتظر الحافلة خارج المحطة وهذا ممنوع. قلتُ لها: هذا يورو وأعطها البطاقة. وتراجعتُ قليلاً وأعطيتُ السيدة مجالاً لتعود إلى دورها بعد أن نادتها الموظفة مجدداً.



اشترت السيدة بطاقتها ووقفت جانباً وكأنها تنتظرني، فتوقعت أنها تريد أن تشكرني، إلا أنها لم تفعل، بل انتظرتْ لتطمئن إلى أنني اشتريت بطاقتي وسأتوجه إلى ساحة الانطلاق، فقالت لي بصيغة الأمر: احمل هذه... وأشارت إلى حقيبتها.

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يتعاملون بلباقة ليس لها مثيل. بدون تفكير حملت لها حقيبتها واتجهنا سوية إلى الحافلة، ومن الطبيعي أن يكون مقعدي بجانبها لأنها كانت قبلي تماماً في الدور.

حاولت أن أجلس من جهة النافذة لأستمتع بمنظر تساقط الثلج الذي بدأ منذ ساعة وأقسم بأن يمحو جميع ألوان الطبيعة معلناً بصمته الشديد: أنا الذي آتي لكم بالخير وأنا من يحق له السيادة الآن! لكن السيدة منعتني و جلستْ هي من جهة النافذة دون أن تنطق بحرف، فرحتُ أنظر أمامي ولا أعيرها اهتماماً، إلى أن التفتتْ إلي تنظر في وجهي وتحدق فيه، وطالت التفاتتها دون أن تنطق ببنت شفة وأنا أنظر أمامي، حتى إنني بدأت أتضايق من نظراتها التي لا أراها لكنني أشعر بها، فالتفتُ إليها.

عندها تبسمتْ قائلة: كنت أختبر مدى صبرك وتحملك.

- صبري على ماذا؟

- على قلة ذوقي. أعرفُ تماماً بماذا كنتَ تفكر.

- لا أظنك تعرفين، وليس مهماً أن تعرفي.

- حسناً، سأقول لك لاحقاً، لكن بالي مشغول كيف سأرد لك الدين.

- الأمر لا يستحق، لا تشغلي بالك.

- عندي حاجة سأبيعها الآن وسأرد لك اليورو، فهل تشتريها أم أعرضها على غيرك؟

- هل تريدين أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي؟

- إنها حكمة. أعطني يورو واحداً لأعطيك الحكمة.

- وهل ستعيدين لي اليورو إن لم تعجبني الحكمة؟

- لا، فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه، ثم إن اليورو الواحد يلزمني لأنني أريد أن أرد به دَيني.

أخرجتُ اليورو من جيبي ووضعته في يديها وأنا أنظر إلى تضاريس وجهها. لا زالت عيناها جميلتين تلمعان كبريق عيني شابة في مقتبل العمر، وأنفها الدقيق مع عينيها يخبرون عن ذكاء ثعلبي. مظهرها يدل على أنها سيدة متعلمة، لكنني لن أسألها عن شيء، أنا على يقين أنها ستحدثني عن نفسها فرحلتنا لا زالت في بدايتها.

أغلقت أصابعها على هذه القطعة النقدية التي فرحت بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم بعض النقود وقالت: أنا الآن متقاعدة، كنت أعمل مدرّسة لمادة الفلسفة، جئت من مدينتي لأرافق إحدى صديقاتي إلى المطار. أنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفي لأعود إلى بيتي، إلا أن سائق التكسي أحرجني وأخذ مني يورو واحد زيادة، فقلت في نفسي سأنتظر الحافلة خارج المحطة، ولم أكن أدري أنه ممنوع. أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك، حيث دفعت عني دون أن أطلب منك. الموضوع ليس مادياً. ستقول لي بأن المبلغ بسيط، سأقول لك أنت سارعت بفعل الخير ودونما تفكير.

قاطعتُ المرأة مبتسماً: أتوقع بأنك ستحكي لي قصة حياتك، لكن أين البضاعة التي اشتريتُها منكِ؟ أين الحكمة؟

- "بَسْ دقيقة".

- سأنتظر دقيقة.

- لا، لا، لا تنتظر.. "بَسْ دقيقة"... هذه هي الحكمة.

- ما فهمت شيئاً.

- لعلك تعتقد أنك تعرضتَ لعملية احتيال؟

- ربما.

- سأشرح لك: "بس دقيقة"،لا تنسَ هذه الكلمة.

في كل أمر تريد أن تتخذ فيه قراراً، عندما تفكر به وعندما تصل إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك دقيقة إضافية، ستين ثانية.

هل تعلم كم من المعلومات يستطيع دماغك أن يعالج خلال ستين ثانية؟ في هذه الدقيقة التي ستمنحها لنفسك قبل إصدار قرارك قد تتغير أمور كثيرة، ولكن بشرط.

- وما هو الشرط؟

- أن تتجرد عن نفسك، وتُفرغ في دماغك وفي قلبك جميع القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية دفعة واحدة، وتعالجها معالجة موضوعية ودون تحيز،

فمثلاً: إن كنت قد قررت بأنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجرد عن نفسك ربما تكتشف بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً، أو جزء منه، وعندها قد تغير قرارك تجاهه.

إن كنت نويت أن تعاقب شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له عذراً فتخفف عنه العقوبة أو تمتنع عن معاقبته وتسامحه نهائياً.

دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة، في حين أنها قد تكون كارثية.

دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن هواك.

دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك، وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة قوم بأكملهم...

هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة؟

- صحيح، وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليكِ اليورو.

- تفضل، أنا الآن أردُّ لك الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر. والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.

أعطتني اليورو. تبسمتُ في وجهها واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة،
لأنتهبه إلى نفسي وهي تأخذ رأسي بيدها وتقبل جبيني قائلة : هل تعلم أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي،
فالآخرون لم يكونوا ليدروا ما هي مشكلتي،
وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب واحد يورو من أحد..

- حسناً، وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة يورو؟

- سأعتبره مهراً وسأقبل بك زوجاً.

علتْ ضحكتُنا في الحافلة وأنا أُمثـِّلُ بأنني أريد النهوض ومغادرة مقعدي وهي تمسك بيدي قائلة: اجلس، فزوجي متمسك بي وليس له مزاج أن يموت قريباً!

وأنا أقول لها: "بس دقيقة"، "بس دقيقة"...

لم أتوقع بأن الزمن سيمضي بسرعة. كانت هذه الرحلة من أكثر رحلاتي سعادة، حتى إنني شعرت بنوع من الحزن عندما غادرتْ الحافلة عندما وصلنا إلى مدينتها في منتصف الطريق تقريباً.

قبل ربع ساعة من وصولها حاولتْ أن تتصل من جوالها بابنها كي يأتي إلى المحطة ليأخذها، ثم التفتتْ إليّ قائلة : على ما يبدو أنه ليس عندي رصيد.
فأعطيتها جوالي لتتصل.
المفاجأة أنني بعد مغادرتها للحافلة بربع ساعة تقريباً استلمتُ رسالتين على الجوال، الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن 10 يورو، والثانية منها تقول فيها : كان عندي رصيد في هاتفي لكنني احتلتُ عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.
إن شئت احتفظ برقمي، وإن زرت مدينتي فاعلم بأن لك فيها أمّاً ستستقبلك.
فرددتُ عليها برسالة قلت فيها: عندما نظرتُ إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أتجرأ أن أقولها لك، أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية، أشكركِ على الحكمة واعلمي بأنني سأبيعها بمبلغ أكبر بكثير.

"بس دقيقة"...
حكمة أعرضها للبيع، فمن يشتريها مني في زمن نهدر فيه الكثير الكثير من الساعات دون فائدة؟


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
Emad Alqadi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-08-2011, 01:57 PM   #2
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية sweetheart31
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: الاردن-فلسطينيه وافتخر
المشاركات: 1,719
معدل تقييم المستوى: 10
sweetheart31 is on a distinguished road
افتراضي


لا استطيع المرور عن احد موضوعاتك دون قرائته ايها القاضي
قد اقرأ بعضها ولا اعلق فهذا لا يعني عدم اهتمامي او تاثري بالموضوع..لا
ولكن ما قرأته الان في موضوعك الرائع اخذ مني دقيقه لافكر فيما ساعلق على هذا الموضوع الاكثر من الرائع
اتمنى من جميع الاعضاء بل واغلب الناس قرائته فهو بقيمة هذه العجوز الرائعه
فعلا في حياتناا نحتاج للكثير من الوقفات للتفكير المجدي والنافع
فنحن نهدر ثلاثة ارباع يومنا على شيء قد تنسى في ربعك الباقي ما كنت تفكر فيه
حكمة جميله وموضوع جدا رائع
فلم نعهد منك الا الجميل والمفيد
دمت بود استاذي القاضي


0 الفرق بين الرومنسيه والحب..
0 نادال يتاهل بصعوبه للدور الثاني
0 امك..ثم امك......تهنئه للام
0 لقاء مع الرائعه ~~الاميرة يــاسمين~~
0 شهر الرحمة على الابواب ....ولكن؟؟
0 المسلسل الرمضاني الافضل برايك؟
0 صور تبين عظمة الخالق..سبحان الله
0 حكمة عجوز انتفع منها‏
0 اقتراح لتقريب الاعضاء
0 الى كل ضمير حي وقلب نابض... الى برق
0 مسابقة المنتدى الطبي الترفيهيه..شاركووو
0 أهكذا يستقبل بوش ياعــــرب؟؟؟؟؟
0 كيس سندويش ينقذ طفله ولدت قبل اوانها
0 موراتي يوجه تهمة الخيانة لمورينيو
0 ميسي يتسلم الحذاء الذهبي
التوقيع
لا تسألي العين الحزينه كيف أدمتها المقل
لا تسألي الطير الشريد بأي اسباب رحل
رغم الرحيل ... رغم ما فعلت بنا الايام
قلبي لم يزل يحيا وحيدا بالامل
اضغط هنا لتكبير الصوره
sweetheart31 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-09-2011, 04:51 PM   #3
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية <<meemoo>>
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: الــريـآأإأض
المشاركات: 1,087
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 8
<<meemoo>> is on a distinguished road
افتراضي


صــرآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآحــهـ مــآ أقـدر أعــبرر عـن مدى إعــجآبي بالمــوضوع
مــووووووضووووع في غـآآآيـة الــروووعهـ والأهــميهـ
ســلمــت يمــنآآكـ
بــإنتــظآآآر جــديدكـ بكــل شووووق
تقـبل مروووري
أخـــتكـ:.:.:.:مـــلآلآلآكـ


0 إقـترآآآح!!
0 لقْاءَ مْـعّ والّدْة عضـْْـو / ـهْ ..,
0 أحـــلام الــيقـظهـ..................!!!
0 إعْررُفِ عًمٍـرْ عَّقـْلـَكـِ الـحِقـُيقي
0 فـتااة تستأذن امها بالزنا فتسمح لها ولكن بشرط..؟؟؟
0 أنــشوودة أج ــآمـل <<رووع ــهـ
0 ~..نكـــت..~
0 ســـ~_~ـــركـ فـــي بـــيررررر~~~~
0 لـو تـمسحينـها امـسح روووحكـ
0 الـحقووووا عرريس لـ بيسكوووو........
0 مــعنى الــحزززن
0 امممممممم مدري وش احط العنوان بس ههههآآي
0 { نروح آلمدرسه بدري ..ونضحك دخل آلطآبور ..}
0 سؤااااااااااااااااااال المــليووووووووووووووون
0 مــــــؤثــــرررررررهـ
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
Looooty منووووره التوووقيع
<<meemoo>> غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-17-2016, 10:02 AM   #4
المديـــــــر العـــــام
 
الصورة الرمزية Emad Alqadi
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
المشاركات: 24,043
مقالات المدونة: 35
معدل تقييم المستوى: 10
Emad Alqadi will become famous soon enough
افتراضي


هذا من المواضيع التي أعجبت بمضمونها، وتوقعت أن تصل الحكمة للجميع بالمجان
فقد نقلته للمنتدي بدون أن أطلب ثمنا لبيع الحكمة منه

بالحقيقة قد يكون التركيز انصب علي الحكمة التي باعتها المرأة
ولكنني تعايشت القصة بإنسانيها والعطاء بها بدون انتظار المقابل

هذا امر أعيشه بشكل يومي هنا
حبذا أن نكسب من العالم أخلاقهم فقد نشر أجدادنا الأخلاق و حسن المعاملة بالعالم
وافتقدنا نحن أحفادهم هذا الإرث الجميل


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
Emad Alqadi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2016, 01:01 PM   #5
عضو موقوف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2016
العمر: 34
المشاركات: 2,890
معدل تقييم المستوى: 0
زهرة الرياض is on a distinguished road
افتراضي


موضوووع في غااااليه الرووووعة
الله يعطيك الف عااافية
جزاك الله كل خير
سلمت يمناك


زهرة الرياض غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:37 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.