قديم 05-28-2011, 08:57 PM   #1
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية The LeGend's ™
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: Jeddah
العمر: 33
المشاركات: 4,914
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 15
The LeGend's ™ is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى The LeGend's ™
منقول رواية اين الحقيقة ..


هذه من اجمل الروايات الإسلامية ((وهي للاديبه ابتسام الكيلاني...من ادباء الشام))...
فقد قرأتها واستفدت منها من نواحي مختلفة..

استمتعت...وعرفت الفرق بين الأديان ..وتعلمت الشيء الكثير عن دين الهندوسية ..والنصرانية وما شابه..

احسست بحماس شديد لهذا الدين العظيم..فقصتها تحكن عن اناس ابو إلا ان يبحثو عن الحقيقة ...

ولم تغرهم اي اكاذيب باطلة ...بل بحثو وبحثو...فهل وجدوها ام لا..؟!!

اترككم مع الرواية الان هي طويلة ولكنها ممتعة جدا ومفيده ...فلا تتجاهلها ...

انقلت عن ااختكم في الله......مشتاقة للجنان..

* * * * * * * * * *


أين الحقيقة؟؟

(1)

رواية: ابتسام الكيلاني

بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:
إنهم مجموع من الشباب والفتيات يبحثون عن الحقيقة..
ترى هل سيهتدون إليها؟..
إنهم يعيشون في الأعماق ويرفضون الزبد..
يستعملون عقولهم... ويقاومون الغفلة...
تأسرهم آيات الكون.. ويأبون الأوهام..
يسعون إلى الحرية.. ويأبون العبودية..
لا شك أن للحياة حقيقة..
ترى ما هي؟.. وأين هي؟
هل الحياة دار تتحقق فيها الرغبات والشهوات؟.. ولا شيء غير ذلك؟
هل الحياة كفاح متواصل لملء البطون والجيوب ثم ينتهي الأمر بالفناء؟..
أم للحياة معنى آخر يبحث عنه هؤلاء الشباب؟
سنرافقهم في رحلتهم.. ونتعرف على ما وصلوا إليه..
ترى هل ستتحقق طموحاتهم ويصلون إلى الحقيقة؟ أم يعودون خائبين لينغمسوا في غثاء الحياة مع المنغمسين؟..


ابتسام الكيلاني



الفصل الأول

في بلاد الحضارة
هل الإنسان بحاجة إلى الدين؟
وهل يكفي أن يرث الإنسان ديناً؟

أسندت أم عمر رأسها بيدها، وراحت وراء الماضي والذكريات..
هاهي الفرحة تعم البيت، إنه أول مولود ذكر يطل على الأسرة.
ثلاثة إخوة: الأكبر رزق بأربع بنات ولم يأت الصبي، والأوسط رزق بثلاث بنات، والأصغر كان الاستفتاح ببنت أيضاً، ولكن هاهو الحال يتغير ويطل الصبي وتعم الفرحة الجميع، إنهم يعتزون بأبيهم ويودون أن ينجب أحدهم ولداً يسمى على اسم جده، وشاء الله سبحانه أن يكون هذا المولود من نصيب الأخ الأصغر..
جاءه عمر بعد أن استفتح برغداء ابنته البكر.
وتمر الأيام والليالي والصبي موضع اهتمام الجميع، يوجه ليكون صورة أخرى عن جده في الدين والعلم والأخلاق، لقد اختيرت له أفضل المدارس، وأفضل المدرسين، وبعد أن أنهى دراسته الجامعية، أرسلوه ليكمل دراسته في فرنسا، بالرغم من صعوبة ذلك.
ترى أين هو الآن؟
هاهو... إنه يعيش وسط هذا البحر المتلاطم من القيم والعادات التي تخالف ما نشأ عليه، وما غرس في أعماقه من مبادئ، لقد جلس على حافة فراشه، بينما انطلقت أفكاره بعيداً إلى أرض الوطن؛ إلى أمه.. وأبيه وإخوته.. إلى المدرسة والشارع.. إلى رفاقه وأساتذته.
وأخرجه من أفكاره صوت رفيقه سامي:
- إنك لم تجبني، هل ستذهب معي لنسجل في الدورة الصيفية لإتقان الفرنسية؟
- نعم.. نعم.. سأذهب، فأنا بحاجة لهذه التقوية.
- إذن هيا بنا ودع عنك ما تفكر فيه، أنت الآن في فرنسا، وعليك أن تجاري الظروف وإلا فشلت وعدت كما جئت.
- كيف أتخلى عن هويتي وأخلاقي؟.. كيف تريدني أن أرمي وراء ظهري ما حملته من احترام للمرأة؟.. وأن تتحول المرأة في نظري ببساطة إلى مجرد متعة وملهاة؟.. كيف؟.. قل لي بربك؟..
- سيضطرك الواقع إلى ذلك.
- سأهزم هذا الواقع إن شاء الله.
- الغد آت وسنرى.
- هداك الله وهداني.. سأرتدي ثيابي ونذهب قبل أن يفوت الوقت.
وخرجا مسرعين إلى الحافلة التي أقلتهما إلى المكان الذي تنظم فيه تلك الدورات لتقوية اللغة الفرنسية. ويتجمع في تلك الدورات شباب وشابات من مختلف دول العالم، وأجريت الاختبارات بعد تسجيل الأسماء، وحددت المستويات، ووجد عمر نفسه مع مجموعة من الفتيات الجميلات، إلى جانب عدد من الشباب، والجنسيات مختلفة، ويبدو أن الجميع يدينون بالنصرانية، ولفتت نظره سيدة ربما كانت مسلمة، ففي احتشامها واتزان تصرفاتها ما يوحي بذلك، لا شك أنها مسلمة، فقد توج رأسها الحجاب، كما جلست بجانبه فتاة شقراء حيته بلطف وأخبرته أن اسمها آن وهي من النرويج، ولفت نظره خلو وجهها من الزينة، وحركاتها من الميوعة، ولباسها من التبذل، مما أذهب عنه بعض ما شعر به من الغربة.
واعتلى المشرف المنصة معرفاً بنفسه:
- اسمي جون.. اختصاصي علم الأحياء.. أهوى اللغات وخاصة لغة بلدي، ومن أجل إتقان اللغة، سنناقش في هذه الدورة موضوعات متعددة.. مثل الدين والعلم.. والدين والجنس.. والمرأة والعمل..
ووجد عمر نفسه يستعيذ بالله، فقد أحس أنه وحيد وقد يهزم، ماذا يفعل؟ وكيف سيتصرف؟ ولكن كيف ينسى أن الله معه ولن يتخلى عنه؟
وشعر بنظرات الفتيات تلاحقه، فقد كان في سمرته وعنفوانه جاذبية، ربما شدت إليه نظرات الفتيات الجميلات.. آه لو يعلمن مدى حرمانه، وكم يقاوم وهو في فورة شبابه وقد وضعت أمامه كل هذه المغريات، ومع ذلك ففي أعماقه مبادئ ومثل تمنعه من أن يمد يده، ولكن إلى متى؟..
واستعاذ بالله مرة أخرى.. وانتهت الجلسة.
وذهب عمر إلى مقر إقامته وهو يفكر فيما يخبئه له الغد، ونام وفي أحلامه اختلطت الأمور، ورأى أيدي الفتيات تمتد إليه، كل منهن تريد منه شيئاً، واستيقظ منهوك القوى، لم يصلّ الصبح وقد فات الوقت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إن سامي يستعجله ليذهبا إلى الجامعة، وقد بدا سعيداً منشرحاً، وراح يقص على عمر أحداث البارحة، والزميلة التي سعد بصحبتها، وتواعد معها على لقاءات مستقبلية، وتمتم عمر:
- اتق الله يا رجل.
بينما انصرف بأفكاره بعيداً حيث الفتيات الجميلات هناك في مقر الدورة، يبدو أن هذه الدورة ستكون القاضية على ما تبقى من مقاومة في كيانه المستهدف للإغراء والاستثارة في حله وترحاله، وتمتم:
أين النجاة ولا مفر؟..
ثم استدرك:
إليك ربي سأفر، اللهم امنحني الحماية والثبات.
ثم علا صوته موجهاً الكلام لسامي:
- يبدو أنه من الخطأ أن يأتي الإنسان إلى هذه البلاد قبل أن يتمم نصف دينه ويتزوج.
رد سامي:
- يا أخي تمتع قليلاً.. قبل أن تسجن وراء أسوار الزواج.
- أعوذ بالله من الشيطان الذي تسهل له طريق الإيقاع بك.
- آه. إن الأمر صعب.. صعب جداً.. وأنت لا تدعني لسعادتي أبداً..
- إنها سعادة لحظات، تذهب ويأتي الندم، ولات ساعة مندم، فكم من متعة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها.
ومرت الأيام وجاء موعد الدورة، إنهم يتناقشون في موضوع المرأة والعمل، فلنر ماذا سيقولون، وفكر.. قد يشارك ويدلي بدلوه، فهو متحدث بارع، وله رأيه في هذا الموضوع. وبدأت الندوة وانبرت للحديث فتاة إنكليزية، قالت:
- إن المرأة كالرجل تملك كثيراً من الخبرة والذكاء ويجب أن تمارس العمل خارج البيت لتثبت شخصيتها وتؤكد وجودها.
وأيدتها فتاة هولندية فيما ذهبت إليه وقالت:
- إنها تشعر بالأسف والحزن لما آل إليه وضع المرأة وخاصة في العالم الثالث، حيث تتعرض في كثير من الأحيان لاختزال آدميتها، بحيث تنتهي في بعض الأماكن إلى مجرد حاضنة للأولاد، أو أداة للإنجاب.
وتكلمت سيدة بريطانية معترضة وقالت:
- إنني أعمل في بيتي منذ عشر سنوات، ولا أشعر بضجر ولا اختزال لشخصيتي، وليس العمل خارج البيت شرطاً للمعرفة، فالمعرفة باب مفتوح للجميع، إنني أستقيها من ينابيعها وأقدمها لأطفالي وزوجي، إنني أجد آدميتي وإنسانيتي في بيتي، فالأسرة السليمة أساس الوجود البشري، وأساس الحضارة، والمرأة تصنع هذا الأساس.
قالت سيدة أمريكية:
- هذا الكلام فيه كثير من الخيال والبعد عن الواقع، وأظن أنك تمثلين عنصراً غريباً في المجتمع المتحضر، إن حرية المرأة واستقلالها لن يتحققا إلا من خلال عملها خارج البيت واستغنائها عن مساعدة الزوج.
وعندئذ نهضت تلك السيدة المحتشمة قائلة:
- لا داعي لأن يأسف البعض لأننا نحن نساء العالم الثالث محرومات من ممارسة كثير من الأعمال التي يمارسها الرجال، إننا نحن النساء أحرى بالحزن والأسف والندم، لأننا خدعنا عندما حملنا حملين ثقيلين في يد واحدة، وقيل لنا هذا هو التقدم، ومن هنا الرقي، فأجهدنا الحمل وفقدنا السيطرة عليه، وكان ما كان، لقد أبعدنا عن رسالتنا السامية والتي هي بناء الإنسان، أهملنا البيت والأسرة، فكان نصيبنا الشقاء والخسران، لقد غرروا بنا، نعم، هذا هو شعور كل امرأة عاملة، وما سمعته خلال سنوات كنت فيها أعمل خارج بيتي، مملكتي، يثبت ذلك. أنا أم أنشئ من يبنون المستقبل، فلماذا يستهان بعملي وجهدي؟.. لماذا يدفعون بي لمزاحمة الرجال؟
- وتلا ذلك لحظة صمت.. ثم انبرت فتاة هولندية تدعى سلفا تعرض من جسدها أكثر مما تستر، انبرت قائلة:
- هذا كلام غريب، أنت تسيرين في عكس التيار تماماً، وأنا أرثي لحالك، أنت ضد حركات التحرر في العالم.
ونهضت النرويجية التي تجلس بجانب عمر قائلة:
- لا داعي للرثاء إنها على حق، وليست وحدها، وستجد كثيرات يشاركنها هذا التيار وهن مطمئنات، لقد قرأت كتاباً للكاتبة الأمريكية "دانيال كرايتندل" حول هذا الموضوع وإنها تنتقد حركة تحرير المرأة وتدعو المرأة للعودة للبيت وممارسة وظيفتها كزوجة وأم، وعندئذ ستتخلص من القلق والاكتئاب والإحباط، كما تدعو المرأة إلى الزواج المبكر والمكوث في المنزل مع الأطفال حتى دخولهم المدارس على الأقل، ليت كل النساء الهائمات وراء السراب يقرأن هذا الكتاب ليتحررن من الخديعة الكبرى "حركة تحرير المرأة".
وسألت السيدة البريطانية:
- ما اسم هذا الكتاب؟ إنني أود أن أطلع عليه.
قالت النرويجية آن:
- اسمه "ما لم تخبرنا به أمهاتنا".
وطلب مدير الجلسة أن يشارك الشباب في النقاش أيضاً، فتكلم شاب من السويد، وآخر من ألمانيا، وأيدا ما ذهبت إليه الفتاة الهولندية سلفا والأخرى الإنكليزية سارة.
وتأكد عمر أن تلك السيدة المحتشمة عربية مسلمة، وقد شدته جرأتها فنهض قائلاً:
- إنني أؤيد السيدتين اللتين أيدتا رسالة المرأة التي خصّها الله بها وهي الأمومة وبناء الأسرة السليمة، لقد أمر كتابنا السماوي المرأة بالاستقرار في البيت فقال سبحانه "وقرن في بيوتكن" أي أن يكون البيت مجالها الأساسي، فيه تطمئن، ومنه تعطي بقدر ما تستطيع، لا أن تكون كالكرة تارة في المرمى وتارة خارج المرمى، يلفها القلق وينهكها العمل، ولا يلتفت أحد لشكواها.
وانبرت الفتاة الهولندية سيلفا قائلة:
- هل معنى ذلك أن الخروج من البيت محرم على المرأة في دينكم؟ إنه السجن كما يبدو لي..
قال عمر:
- لا، أبداً.. للمرأة أن تستمتع بكل نعم الله، كما يستمتع الرجل، ودون تجاوز لأوامره سبحانه، ولها أن تمارس أي عمل مشروع إن كانت لها الرغبة ولديها الوقت، أو اضطرتها الظروف، على أن تؤمن أن عطاءها الأساسي في البيت، فهو ميدانها الخاص لا يشاركها فيه أحد.
وعندما جلس قالت له الفتاة النرويجية التي تجلس بجانبه:
- أحسنت فيما قلت، أرجو أن أطلع على دينكم من خلالك.
إنني منذ زمن أبحث عن ترجمة موثوقة لكتابكم المقدس، أو أي كتاب يعطيني فكرة صحيحة عن الإسلام.
سألها عمر عن اختصاصها قالت:
- أتابع تخصصي في مقارنة الأديان، وأتابع بحثي عن الحقيقة، وأنت ما اختصاصك؟ هل أنت عربي؟..
قال عمر:
- إنني أتابع دراستي في الطب وأنا عربي، ولكن عن أي حقيقة تبحثين؟..
قالت آن:
- أبحث عن عقيدة أؤمن بها وأجد فيها جواباً لأسئلة كثيرة تحاصرني وتقتلني.
- ألست مسيحية؟.
- بلى. إنني مسيحية بالوراثة، وأريد أن أختار عقيدتي عن علم ومعرفة واقتناع، ولذلك اخترت هذا الاختصاص.. وأنت.. ألست مسلماً؟.
- بلى.. ولكن يبدو أنني مثلك أخذت الدين بالوراثة وإن كنت أعرف أموراً كثيرة عن ديني وأنا مقتنع بها.
وانتهت الندوة وسار عمر في طريق العودة، وفي ذهنه تتصارع الأفكار، ولكنه كان يشعر بالراحة، لقد عبر عن رأيه، ولم يأبه لنظرات الاستنكار من بعض الشباب وبعض الفتيات، وشعر براحة غريبة عندما تذكر الفتاة النرويجية التي كادت تجلس بجانبه، وتبحث عن الحقيقة، وسيحاول أن يتعرف عليها أكثر في الجلسات القادمة، إنها مختلفة عن البقية في أمور كثيرة، وتذكر عبارتها "إنني أتابع بحثي عن الحقيقة".
ترى هل يعلم هو الحقيقة؟..
لقد تلقى دينه وقيمه عن والديه، وهو مقتنع بكل ما تلقاه، ولكنه لا يستطيع أن يدعي أنه يعلم كل شيء، وربما كان يجهل أكثر مما يعلم.. سيحاول أن يبحث معها.
ونقلته الحافلة إلى البيت، والتقى صاحبة البيت، إنها في عمر والدته، ويتعامل معها بكل احترام، وإن كانت تبدو في قمة المادية أحياناً، ولا تذكر الله أبداً، ولها ولد شاب، وزوجها رجل وقور وهادئ، ولكنه ضال مع الضالين.
وبادرته قائلة: يبدو أن النوادي الليلية لم تسرقك بعد.
قال: ولن تسرقني إن شاء الله.
قالت: أنت نوع فريد لم يصادفني من قبل.
قال: هذا حسن!
حياها ودخل إلى غرفته، فلديه أمور كثيرة يجب أن يقوم بها قبل أن يأوي إلى فراشه، وليبدأ بالصلاة، وبعد أن توضأ سأل الله أن ينير قلبه ويعينه على الثبات حتى النهاية، وأدى صلاة المغرب والعشاء جمعاً، ودعا الله أن يتقبل منه، ويكون عوناً له على متابعة المسيرة، بعيداً عن المغريات القاتلة التي تحيط به من كل جانب، وانبعثت في ذاكرته كلمات لرسول الله صلى الله عليه وسلم حفظها من والده:
"حفت النار بالشهوات.. وحفت الجنة بالمكاره.." رواه مسلم "رياض الصالحين رقم 103".
وتمتم: شتان بين الجنة والنار...
ثم أوى إلى فراشه وقد عزم أن يتدارس قضايا الدين مع تلك الفتاة النرويجية الهادئة التي تبحث عن الحقيقة، ومن خلال ذلك قد يعمق معرفته بدينه، وسيتعرف على معتقدات أخرى ألبسوها ثوب الحقيقة ولا يدري عنها إلا القليل..
وصحا في اليوم التالي على ضوضاء خارج غرفته، أطل من النافذة فرأى شاباً لا يعرفه، يتحدث مع صاحبة المنزل، وأمتعته بجانبه، يبدو أنه مستأجر جديد، يتكلم الفرنسية، لونه الضارب في السمرة يشير إلى أنه من إفريقيا، ترى من أي بلد هو؟..
رأى مدام فيوليت تتجه نحو غرفته وتطرق الباب، فتح الباب ورد التحية، وسألته:
- أومر (أي عمر)، هل تقبل هذا الشاب ضيفاً عندك لعدة ليال ريثما أجد له غرفة أخرى.
وتكلمت المروءة بداخله:
- نعم لا مانع.. أهلاً وسهلاً..
وانفرجت أسارير الشاب بعد أن غطاها اليأس ممزوجاً بالرجاء، وتوجه إلى عمر شاكراً معرفاً بنفسه:
- اسمي أحمد، آت من جنوب إفريقيا.. أتكلم العربية بصعوبة.
ورحب عمر به وشعر بالراحة، وزال ما اعتراه من التوتر الذي شعر به عندما قال: نعم لاستضافة غريب لا يعلم عنه شيئاً.. إن اسمه أحمد يتكلم العربية الفصحى وإن كان بصعوبة، وجه ضارب في السمرة من الوجوه التي يألفها عمر، بل يشعر بنوع من البهجة عندما يراها، لا يدري ما السبب وما التعليل، فمنذ صغره لازمته هذه المشاعر، إنه يحب السود، لعله الإسلام زرع في نفسه هذا الميل، أن تستوعب أعماقه جميع الأجناس والألوان، وخاصة من ظلمهم الطغيان، وحاصرتهم العنصرية، يحبهم كما أحب بلالاً وياسراً وعماراً وسمية، ويرجو أن يجتمع بهم في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
وجرت أحاديث فيما بعد بينه وبين أحمد، أخبره عن نشأته في تلك البلاد التي تسود فيها الديانة المسيحية، وأنه تعرض في مستهل شبابه لضغوط من قبل المبشرين المنتشرين في تلك البلاد، وقد أسست لهم جامعات ومعاهد لتأهيلهم وتدريبهم للقيام بهذه المهمة، كانوا يوجهون الانتقادات لنبيه ودينه فلا يستطيع الرد، فقد أخذ دينه وراثة عن أبيه، يصلي.... ويصوم... لا يشرب الخمر ولا يقارب الزنا... ومع ذلك يعجز عن مناقشتهم والرد عليهم، مما حفزه على الدراسة والاطلاع، وكثيراً ما كانوا يظهرون الشفقة عليه لأنه لن يستطيع أن ينجو ويدخل في ملكوت الرب مهما قدم من عمل صالح.
قال عمر: عجباً لهم إذا كان العمل الصالح لا ينجي الإنسان؛ فما الذي ينجيه؟..
قال أحمد: حسب عقيدتهم. المخلص هو شيء واحد، هو الإيمان بأن المسيح عليه السلام عذب وصلب وقبل ليخلص المؤمنين به من خطيئة أبيهم آدم ومن كل خطيئة يرتكبونها.
قال عمر: عجباً لهم، هل العمل ليس له قيمة؟! أعمل ما أشاء ثم أؤمن بما يريدون فأنجو ولو كان عملي سيئاً؟..
قال أحمد: نعم، هذه عقيدتهم التي يبرزونها للناس ويناضلون بها، مع أن ربنا سبحانه يخبرنا بغير هذا في القرآن الكريم:
)وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى( النجم 39-40.
)وكل امرئ بما كسب رهين( الطور21.
ومن أجل هذا جئت إلى هنا لإكمال دراستي في مقارنة الأديان وقد تأثرت بالداعية أحمد ديدات.
وأسعد عمر ما سمع، لا بد أن هذا الزميل سيساعده على التماسك والمقاومة، وعرض عليه أن يشترك معهم في تلك الدورة لتقوية لغته فوافق، وقال له عمر:
- سأعرفك على أخ يشاركنا العيش هنا اسمه سامي. قال أحمد:
أرحب بهذا يساعدني أن أتعرف على زملاء من العرب، فهذا يسعدني على تقوية لغتي العربية لغة القرآن الكريم.
- أراك تتكلم الفصحى، وهذا هو الصواب.
- نعم لقد درست اللغة العربية في معهد أقامه أحد الصالحين في بلادنا، وكان استيعابي لها بدافع من عقيدتي، وحرصي على فهم كتاب الله.
- هذا جيد.. أشعر بانفراج غريب في داخلي.. شعور من كاد يغرق فمدت يد لإنقاذه..
- أنا أكثر انشراحاً منك.. إنه وعد الله للمتقين:
)ومن يتق الله يجعل له مخرجاً..( الطلاق2.
وسارا معاً باتجاه غرفة سامي..

يتبع..


0 الحلقة الثانية ::سلسلة عقد المرجان فيما يتعلق بالجان::
0 بكرآ احلى الف مبروك
0 على صفاف نهر المزدهره تقف زهرة البردي..جديد"AnGeLLoVe"
0 برشلونه أكثر ناد إزعاجا بالعالم
0 رسالة ليس لها صاحب..{..بقلمي حصرياً..}
0 الاتحاد & الهلال- موعد الثلاثاء وهيبة النمور دوري ابطال اسيا 2011 -
0 الثورات العربية ::المجموعة اقوى من فرد وأذكى شخص في العالم يدعى (ن ح ن)::
0 قـــم لــلــمــغــنــي وفــه الــتصــفــيــرا..!
0 حمود الزهراني الف مبروك..
0 الحوت الازرق..
0 سارة شما
0 كبرياء قاتله الف مبروك
0 الحلقة الثالثة..{شعر الحكايات}..شوقيات
0 الف الف مبروك القلب الرقيق
0 مبروك الف مبروك أ / حسام الدين
التوقيع
The LeGend's ™ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2011, 08:58 PM   #2
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية The LeGend's ™
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: Jeddah
العمر: 33
المشاركات: 4,914
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 15
The LeGend's ™ is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى The LeGend's ™
افتراضي


الفصل الثاني

تطابق بين كتب الهندوس وأناجيل النصارى مع الباحثة عن الحقيقة

جلست آن في غرفتها تاركة العنان لأفكارها، في داخلها خوف وقلق يلازمها منذ الطفولة، إنها لا تنسى أبداً إحساسها بالخوف عندما كان يغادر والدها البيت منطلقاً إلى عمله، إنه خوف لم تكن تستطيع التعبير عنه، بل لا يوجد من يستمع لها، اهتمامات أمها موزعة بين أولادها الثلاثة، هذا عدا العمل الذي ينتظرها خارج البيت أيضاً، لذلك كانت تلجأ إلى صدر جدتها، فتجد بعض الراحة، وهكذا سارت بها الأيام بين القلق والخوف، في داخلها إحساس قوي بالضعف وبحاجتها لسند قوي تركن إليه، ولكن أين هو؟.. وتذكرت كلمات جدتها:
"المسيح مخلصنا من كل الشدائد والأهوال.. آمني به واذكريه، إنه الابن البار والإله المخلص لكل المؤمنين به، صلب وعذب من أجلنا وليكون فداءنا.. آمني به ورددي اسمه إنه الأب والابن والروح القدس.. إلهنا الواحد.."
ترى أين الحقيقة في هذه الكلمات؟..
لم تكن تطمئن للثلاثة التي تساوي واحداً، ومع ذلك كانت ترتاح عندما تلج أبواب الكنيسة برفقة جدتها، تشعر بشيء من الأمان والراحة، تهرب من ضوضاء الخارج، ومن متغيرات الحياة التي لا تهدأ، ولا تثبت على حال... وطرق باب غرفتها فانتبهت، وعادت إلى واقعها وتساءلت:
- من بالباب؟..
وجاء الجواب:
- أنديرا.. هل أدخل يا آن؟
- آه نعم.. نعم تفضلي يا أنديرا.. ماذا تريدين؟
ودخلت الفتاة الهندية تحمل في يدها وعاء فيه شيء من الطعام قائلة:
- إنها أكلة هندية حضرتها والدتي، نتناولها في الصباح، أرجو أن تعجبك، وهذه الورقات من والدي لتقرئي ما فيها.
- شكراً لك ولوالدك ولوالدتك.
- اليوم الأحد... هل ستذهبين معنا إلى الكنيسة؟..
- لا يا عزيزتي.. عندي مهمات كثيرة سوف أؤديها هذا اليوم.. صلّوا من أجلي.. لا تنسوني.
- سنفعل وإن كنا نحب ذهابك معنا... طاب يومك وإلى اللقاء.
وعادت آن مرة أخرى إلى التفكير: لقد يسر الله لها السكنى في كنف هذه العائلة الهندية، فخففوا عنها بعض ما تشعر به من غربة. وهي عائلة صغيرة مكونة من الأب الذي يعمل في أحد المصانع، والأم والابنة، وولد لا يزال طفلاً، وقد هاجروا إلى فرنسا سعياً وراء الرزق، ووفقهم الله، وقد تنصروا قبل هجرتهم هرباً من ذل عاشوه في زمرة المنبوذين، والأب يتمتع بذكاء جعله ناجحاً في عمله ومحبوباً من رؤسائه.
وبرز تساؤل في داخلها:
ترى ما أسس الهندوسية التي فروا منها؟..
وهل يمكن أن يكون فيها بعض الحقيقة؟..
ولكن لو كان فيها حقائق لماذا هرب منها هؤلاء؟..
ومع ذلك فقد يغير بعض الناس دينهم سعياً وراء مصلحة ما.. تريد أن تعرف الحقيقة، ستطلب من سانج بعض الكتب التي تتحدث عن الهندوسية وغيرها من أديان الهند.
لقد أخبروها أنهم نفروا من الطبقية الظالمة التي تسود المجتمع الهندوسي والتي هي جزء من الدين. وقد كانوا من طبقة المنبوذين فنفروا من الذل والظلم، وجاءت إحدى المؤسسات التبشيرية وانتشلتهم.
وفطنت للورقات التي أرسلها له سانج، وبدأت تقرأ ما جاء فيها:
الهندوسية ديانة وثنية قديمة، يقال إنها بدأت من القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وخلال هذا الزمن الطويل أضيف لها ما أضيف، كتبها كثيرة وصعبة الفهم، منها: الويدا ويتألف من أربعة كتب، وقوانين مينو وهو شرح للويدات الأربعة، وهناك كتب أخرى كثيرة. وهم يعبدون آلهة متعددة، فلكل ظاهرة أو عمل إله، فإله الماء وإله الهواء، وإله الجبال، وأحياناً لكل منطقة إله، ويتقربون إلى آلهتهم بالقرابين والعبادة، وهم يعبدون الطبيعة والأجداد، ويقدسون البقرة. ويتكون المجتمع الهندوسي من أربع طبقات:
الطبقة الأولى: الذين خلقوا من فم الإله براهما، وهم البراهمة، ومنهم المعلم والكاهن والقاضي.
الطبقة الثانية: الكاشتر وخُلقوا من ذراعي الإله براهما يتعلمون ويحملون السلاح.
الطبقة الثالثة: الويش: وخُلقوا من فخذ براهما وهم زراع وتجار ويملكون المال.
الطبقة الرابعة: الشودر: وخُلقوا من قدمي براهما، ويشكلون طبقة المنبوذين، وليس لهم عمل إلا خدمة الطوائف الثلاث الآنفة الذكر، وعملهم مقصور على المهن الحقيرة والقذرة، وهم الفئة المظلومة.
والمنبوذون أحط من البهائم وأذل من الكلاب، حسب ما ورد في قانون مينو، والمنبوذ المحظوظ هو الذي يحظى بخدمة البرهمي دون أجر أو ثواب.
وختمت الوريقات بهذه العبارات:
"هذا قليل من كثير مما يعانيه المنبوذون في ذلك المجتمع، وقد حاول غاندي التخفيف من معاناتهم ولكنه فشل."
وبعضهم يفرون إلى معتقدات أخرى وخاصة النصرانية بواسطة المبشرين المنتشرين في كل أنحاء الهند، إذ يمدونهم بالعون ويفتحون لهم سبل الخلاص، وبعضهم تغزوه الشيوعية أو الاشتراكية، فينضوون تحت لوائها، وبعضهم يختار الإسلام ويجد فيه العدالة.
وعندما انتهت آن من قراءة الورقات.. وضعتها جانباً.. وتنهدت وهي تتمتم:
أين الحقيقة؟.. وأين العدالة؟ أليس لها مكان في هذه الأرض؟.. إلى متى يأكل القوي الضعيف؟.. ويستغل الكبير الصغير؟.. تماماً كما تفعل الطبقات الظالمة مع المنبوذين.. حروب وجوع وخوف في العالم الثالث.. وتخمة وطغيان في الدول المسيطرة.. مع أن معظم الطعام يأتي من العالم الثالث.. أين العدالة في هذا العالم المختل؟.. هل العدالة في الشيوعية والاشتراكية؟..
لقد جربتها بعض الشعوب، فتحولت إلى قطيع يساق بعصا الإرهاب لينتج ويعمل ثم لا يجد ما يملأ بطنه.
آن تود أن تناقش ما بداخلها مع أي إنسان، ستنتظر حتى تعود الأسرة الهندية من الكنيسة، وستفتح حديثاً مع الأب، فهو ذكي جداً.. ويبدو أنه يبحث عن الحقيقة مثلها.. لعله لم يجد في المسيحية إلا السراب.. كما وجدت.. على كلٍ فهي تجد أمامها عدة أبواب:
الباب الأول: عند الشاب المسلم عمر الذي التقته في الدورة.
والباب الثاني: هذه الأسرة التي ستطّلع من خلالها على معلومات كانت غامضة..
والباب الثالث: تلك السيدة التي تحدثت في الدورة فشدتها بحديثها، وعندما ذهبت إليها لتبدي إعجابها بما سمعت دعتها تلك السيدة.. بل هي دكتورة في الشريعة الإسلامية، واسمها سماح، دعتها لزيارتها في المؤسسة التي تشرف على إدارتها وتتبنى التعريف بالإسلام، وتعليم اللغة العربية للراغبين والراغبات.
والآن.. الباب الثاني في متناول يدها، وهاهم قد عادوا من الكنيسة، ستخرج إليهم وتلقي ما تحمله من تساؤلات، الأب ذكي ومثقف، ولابد أن تجد عنده شيئاً.
نهضت وخرجت من غرفتها لتنفذ ما عزمت عليه، واستقبلوها بالترحاب وشكرتهم على اهتمامهم بها وبدأت حديثها مع سانج.. بينما ذهبت الأم لبعض أعمالها، وجلست أنديرا مصغية للنقاش، فهي طالبة جامعية وتهتم بهذه الأمور وقد ورثت الذكاء وحب المعرفة عن والدها. قالت آن:
- أشكرك يا سيد سانج على المعلومات التي أرسلتها إليّ عن الهندوسية، ولكن لديّ بعض الأسئلة، وأود أن أطرحها عليك.
قال سانج: تفضلي وسأجيبك، ولعلني بحاجة لمثل هذه الأحاديث.
- هل اخترت النصرانية لأنك اقتنعت بما فيها من قيم وعقائد؟.. أم فراراً من ظلم المجتمع الهندوسي؟
- سأكون صريحاً وأقول الحقيقة.. كلا، لم تقنعني تعاليم المسيحية.. ولم أرتح لنظامها الكنسي.. ورضيت بها فراراً من بطش الهندوسية وتعاليمها الجائرة.. وإن كان يوجد بعض التشابه بين المسيحية والهندوسية.
قالت آن: كيف؟.. أستغرب هذا.. الهندوسية تقوم على تعدد الآلهة، وإنهم يعتقدون أن لكل ظاهرة طبيعية إلهاً يعبد، فللماء إله.. وللهواء إله.. وللأنهار.. والجبال.. إلخ..
قال: هذا صحيح ولكن تم في القرن التاسع قبل الميلاد جمع الآلهة في ثلاثة هم:
براهما: الموجد، فشنو: الحافظ، سيفا: المهلك.
ومن يعبد أحد الآلهة الثلاثة فقد عبدها جميعاً، وهذه الآلهة تنضم لتكوّن إلهاً واحداً.
قالت آن: هذا شبيه إلى حد بعيد بالنصرانية.. الأب والابن والروح القدس إله واحد.
قال سانج: نعم.. ويعتقد الهندوسي بأن آلتهم قد حلت كذلك في إنسان، أو ظهرت على شكل إنسان اسمه كراشنا.. كما يقول المسيحيون قد حلّ اللا*** في الناسوت (أي حل الإله في الإنسان).
قالت آن: فعلاً هذا أمر عجيب، ولعل المسيحية أخذت عقيدة التثليت هذه عن الهندوسية، فالهندوسية أقدم بكثير..
- نعم هذا ما يخطر لي دائماً، وقد سألتني في البداية لماذا اخترت النصرانية؟ وهل اقتنعت بما فيها من عقائد؟.. وسأجيبك: لقد اخترت النصرانية لأنها اليد التي امتدت لتنتشلني مما كنت فيه، وربما يجرني هذا إلى الحديث عن نفسي وقد يطول الحديث وتملين الجلوس.
قالت: لا.. لا.. أبداً.. يسعدني ذلك وأود أن أسمع، إذا لم يكن لديك مانع، فأنت مثقف ومتكلم، وهذا يتنافى مع ما أخبرتني به عن طبقة المنبوذين.
قالت أنديرا: وأنا يا أبي أود أن أسمع، ولعل ما يشغلك يشغلني.
قال: حسناً، سأوجز لكما قصة حياتي:
كان أبي رحمه الله إنساناً بسيطاً يعمل عند رجل من (الويش) وكان تاجراً غنياً، وفي داخله مشاعر إنسانية قلّ أن تجديها عند أمثاله من الطبقات العليا في المجتمع الهندوسي، ولم يرزق بأولاد، وعندما ولدت فرح بولادتي وأخبر أبي أنه سيشرف على تربيتي ويساعد في تعليمي، وكان متأثراً بتعاليم غاندي، ولقد لقيت تصرفاته هذه معارضة كبيرة من أقربائه وأصدقائه، ولكن الله ألقى محبتي في قلبه، وأصر على موقفه حتى أنهيت دراستي، وسلمني إحدى مؤسساته، واختار لي الزوجة، ومنحني مسكناً، وكان يجالسني ويتحدث معي، ولعلك لا تعلمين أن عقوبة المنبوذ الذي يجالس أو يتحدث مع من هم أعلى منه، أن يُكوى أُسته وينفى من البلاد، وقد يسقى زيتاً مقلياً.
صاحت آن: هذا فظيع.. فظيع جداً.. إنه ظلم لا حدود له.. إنني أبحث عن العدالة.. رباه أين أجدها؟.
قال سانج: ولكن ظهر بعض التحسن البسيط في أوضاع المنبوذين أخيراً، خوفاً من أن تتخطفهم الشيوعية أو النصرانية التي تغزو بلادنا دون هوادة.
قالت آن: لقد أثار اهتمامي ما ذكرته عن التشابه بين الهندوسية والمسيحية، وهذه ملاحظة جيدة، وأظن أن قلة ينتبهون إلى مثل هذه الأمور.
قال سانج: لعلني أبحث مثلك عن الحقيقة، فأنا ألاحقها في كل مجال، وقد لفت نظري كتاب مع أحد العمال المسلمين في المؤسسة التي أعمل فيها يبحث في مقارنة الأديان، فاستأذنت في قراءته، ولمست فيه حقائق كثيرة، وسأطلعك عليه إذا أردت ذلك، وهو كتاب موثق.
قالت آن: طبعاً أود أن أطلع عليه، فهو يدور في مجال اختصاصي، خاصة إذا كان موثقاً، لأن كثيراً ممن يكتبون عن الأديان مغرضون، ولهم أهدافهم الخاصة، والآن أكمل ما بدأت به من عرضك الموجز لقصة حياتك.
قال سانج: لقد عاجل الموت السيد الكريم الذي كنت عنده، وبدأ أقرباؤه ينفذون ما أرادوه لي من شر وأذى، ولم أجد أمامي إلا الفرار مع زوجتي وابنتي، وسمعت عن مؤسسة تبشيرية يمكن أن أجد في كنفها الأمن والكفاية فتنصّرت مع عائلتي، ثم غادرت البلاد ومعي توصية منهم إلى المؤسسة التي أعمل فيها هنا وفي هذه البلاد أبحث عن حقيقة الدين الذي انتقلت إليه دون اقتناع، فهناك أمور كثيرة تثير الأسئلة في أعماقي.
آن: هل قرأت الكتاب المقدس؟ وفي أي النواحي سارت أسئلتك؟
قال سانج: سأحدثك أولاً عن أمر صدمني، هو تعرض السيد المسيح للصلب والتعذيب دون ذنب جناه.
يعذب لأن غيره ارتكب أخطاء، ولن تمحى أخطاؤهم إلا إذا عُذّب البريء!.. ويبكي.. ويصلي.. ويتوسل إلى الله أن ينقذه ولكن دون جدوى.. أين العدالة؟.. بل أين العقل والمنطق؟.. هل أنا مخطئ؟.. صححي لي خطئي.
آن: لا، لست مخطئاً.. أي عاقل سيصدمه هذا الأمر.
سانج: ثم كيف يتحول الإله إلى إنسان؟ فيأكل الطعام، ويعرض له كل ما يعرض للبشر من نوم ويقظة وحزن وغضب.. وخوف.. وبكاء.. و.. و.. أليس هذا غريباً؟.. الله في خاطري هو مالك الكون بما فيه، وقادر على كل شيء، فما الذي يدعوه أن يهبط من عليائه؟.. ويُظلم.. ويُقهر.. ويخاف.. إنه أمر غير مفهوم ولا يتقبله العقل.
آن: صدقت.. ويقال لنا أننا لن ننجو مهما فعلنا من خير في هذه الدنيا، إلا إذا آمنا أن المسيح ضحّى من أجلنا.
سانج: الذي أفهمه أن المسيح لم يضح ولكنه أكره على ذلك، وإليك هذا النص من إنجيل متّى (26):
"وابتدأ يحزن، ويكتئب وقال لهم: نفسي حزينة جداً حتى الموت، ثم تقدم قليلاً وخرّ على وجهه، وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن فلتبعد معي عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت.."
إنه يخاطب ربه يخاطب الله كإنسان ضعيف، ولاحظت أن كلمة أب ترمز في الكتاب المقدس إلى الله سبحانه، وإنها أبوة رمزية وصاحبت أكثر أنبياء الكتاب المقدس.
آن: نعم هذا صحيح وبالنسبة لإنسانية المسيح أذكر ما ورد في إنجيل لوقا (22) في وصف حالة المسيح:
"وإذا كان في جهاد كان يصلي بأشد الحاجة، وصار عرق كقطرات دم نازلة على الأرض..".
بل أكثر من هذا فقد أمر أعوانه أن يستعدوا للمقاومة ويشتروا السيوف وإليك ما ورد في لوقا (22، 35 – 36):
"يقول المسيح لأتباعه: حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شيء؟ فقالوا: لا، قال لهم: لكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً".
قال سانج: عجباً لإله يصلي ويستنجد ويضطرب ويخاف!.. وعجباً لمن يدعون أنه قدم نفسه للصلب والعذاب ليخلصهم.. مع أنه أمرهم أن يستعملوا السيوف للدفاع عنه!.. من يقرأ الإنجيل بعقله يعلم أن الصلب كان عدواناً واغتيالاً وليس تضحية.
قالت انديرا: كفى يا أبي، إنكما تثيران في نفسي شكوكاً فوق شكوكي، وإنني معكما أودّ أن أصل إلى الحقيقة فهناك أمور كثيرة تؤرقني.
قالت آن: أظن أنه يكفي ما تناولناه لهذه الجلسة، فنحن بحاجة للطعام والراحة، ولكن أعطني ذلك الكتاب الذي تحدثت عنه.
وتناولت آن الكتاب وحيّتهم وذهبت إلى غرفتها وفي داخلها شوق لمعرفة ما حواه من مقارنة بين الهندوسية والمسيحية.
ولجت غرفتها وأغلقت الباب، إنها لا ترغب في الطعام الآن، إن ما تناولته في الصباح من تلك الأكلة الهندية لم يهضم بعد، تناولت الكتيب واستلقت على السرير وبدأت بالقراءة، لقد عرض الكاتب الديانة الهندوسية تاريخياً وعقائدياً، وذكر أن البراهمة يحيطون كراشنا الإنسان الذي حل فيه الإله بأساطير تشبه إلى حد بعيد ما جاء في الأناجيل عن المسيح، وقلبت الصفحات بحثاً عما يثبت ذلك.. لقد أثبت الكاتب مقارنة موثقة بين ما جاء عن المسيح في الأناجيل، وما أورده كتاب البراهمة عن كريشنا.
وراحت تقرأ ما ورد:
- آمن الناس بكريشنا واعترفوا بلا***ه وقدّموا هدايا من صندل وطيب (الديانات الشرقية ص 500).
- وآمن الناس بيسوع وقالوا بلا***ه وأعطوه هدايا من طيب ومر (متّى: الإصحاح الثاني العدد 2).
- كريشنا صُلب ومات على الصليب ولما مات حدثت مصائب وعلامات شر عظيم /كتاب ترقي التصورات مجلد1 ص17.
- يسوع صُلب ومات على الصليب ولما مات حدثت مصائب جمة متنوعة / إنجيل متى: الإصحاح22 وإنجيل لوقا.
- ومات كريشنا ثم قام من بين الأموات، وصعد كريشنا بجسده إلى السماء وكثيرون شاهدوه صاعداً /دوان ص282.
- ومات يسوع ثم قام من بين الأموات وصعد يسوع إلى السماء وكثيرون شاهدوه صاعداً /إنجيل متّى: الإصحاح 28و24.
- يسوع الألف والياء وهو الأول والوسط وآخر كل شيء. /سفر الرؤية الإصحاح الأول العدد 8.
- كريشنا هو براهما العظيم القدوس وظهوره بالناسوت سر من أسراره العظيمة الإلهية. /فشنوبودانا ص492.
- يسوع هو يهوى (الإله) العظيم القدوس وظهوره في الناسوت سر من أسراره العظيمة الإلهية. /رسالة ثيموثاوس الإصحاح3.
- كريشنا الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عند الهنود الوثنيين القائلين بألوهيتة. /كتاب القصائد لمورس وليمس.
- يسوع الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عند النصارى. /كافة الرسائل والأناجيل.
- قال كريشنا: أنا علة وجود الكائنات، فيّ كانت، وفيّ تحل، وعليّ جميع ما في الكون يتكل. /ديانة الثنود موريس وليمس 212.
- من يسوع وفي يسوع وليسوع كل شيء، كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان. /يوحنا الإصحاح الأول عدد31.
- قال كريشنا: أنا صلاح الصالح، وأنا الابتداء والوسط والأخير والأبدي وخالق كل شيء، وأنا فناؤه ومهلكه. /موريس وليم ديانة الهنود.
- وقال يسوع: أنا هو الأول والآخر ولي مفاتيح الهاوية والموت. /رؤيا الإصحاح الأول 17-18.
وضعت آن الكتاب بجانبها.. وهي تفكر.. ما أكثر نقاط التلاقي بين العقيدتين.. إنه أمر عجيب، ترى ما السر وراء ذلك، هل استعان كُتّاب الإنجيل الكثر بالديانة الهندوسية عندما خطّوا ما خطّوا بعد غياب عيسى عليه السلام فالإنجيل لم يمله عيسى عليه السلام.. بل كتب بعد عصره بسنوات طويلة.. وتمتمت آن:
شيء محير وشكوك لا تهدأ في أعماقي، إلى متى؟"..
وتذكرت عمر.. والسيدة سماح.. ترى هل ستجد في الإٍسلام شيئاً يريحها؟
إن الكتب التي قرأتها عنه مملوءة بما ينفر، فهي تظهر هذا الدين في قمة المادية والسعي وراء الشهوات.. ستتابع طريقها حتى تصل إلى الحقيقة.
وتذكرت أن الندوة القادمة ستكون عن الجنس والدين.. الأمر هام، سترى ماذا سيقولون.. وأحست بالنعاس واستلقت على سريرها.. بينما الأفكار تصطخب في داخلها.. ستنام قليلاً ثم تعود لمتابعة طريقها الذي عزمت على السير فيه حتى النهاية.. وحتى تجد الجواب لكل الأسئلة التي تموج في أعماقها منذ بدأت تعي الحياة.. عندما شاهدت جدتها تتهاوى تحت وطأة الموت.. لا تزال النيران تشتعل في أعماقها كلما تذكرت الموت.. هل هو النهاية والفناء والتراب؟..
وغلبها النوم وفي أحلامها رأت أباً يقتل ابنه، ثم يلتفت إلى مجموعة من الناس كانت تقف بينهم ويقول:
"هذا ولدي لقد ضحيت به تكفيراً لأخطائكم وآثامكم.. فاسجدوا له واعبدوه.. إنه يستحق ذلك.."
ووجدت نفسها تصرخ:
- هذا ظلم.. هذا جنون..
واستيقظت وهي تردد:
- أين العدالة؟..
أين الحقيقة؟..

يتبع...


0 حرفي الأول في كيان شامخ ..!!
0 رَسَائِل رَجُل مَجْنُوْن بِهَا لِامْرَأَة مُتَحَرِّرَة بِه ..{the legends}
0 الحلقة السابعة من روائع نزار قباني "فساتيني "
0 الإثارة الجنسية الذاتية
0 يريد ان يحرق القرءان ـ انظروا ماذا رد عليه المذيع
0 عالم قلبي ابن ليبيا يرجوكم الدعاء..
0 اقتراح اضافة قانون جديد الدخول للاهمية..
0 مهلا.. باقي ستة ايام صيام بعد رمضان
0 مون 3 مرحبا برجووووعك..
0 كيف تستطيع فهم الاخرين وانت صامت
0 Delirium Female الف مبروك الرقابة
0 برشلونه أكثر ناد إزعاجا بالعالم
0 Die Lehre von der Sunniten und in deutscher. عقيدة اهل السنة والجماعة بالغة الالمانية
0 الاخت روح الحب تبتعد عن المنتدى لظروف خاصة
0 ماذا فعل السجين المحكوم عليه بالإعدام..؟
التوقيع
The LeGend's ™ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2011, 08:59 PM   #3
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية The LeGend's ™
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: Jeddah
العمر: 33
المشاركات: 4,914
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 15
The LeGend's ™ is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى The LeGend's ™
افتراضي


أين الحقيقة؟؟

(2)


رواية: ابتسام الكيلاني

الفصل الثالث

الدين والجنس

الكنائس بين حافتي التطرف ضد ثم مع موقف الإسلام

حلَّ اليوم الذي يجتمعون فيه، ويمارسون نقاشاتهم لتقوية لغتهم الفرنسية. وها هي آن تسبق الجميع بالحضور.. وتبعها عمر ومعه أحمد، حياها بابتسامة رقيقة وعرفها بأحمد وعرف أحمد بها ثم جلسا بجانبها، وها هي الهولندية سلفا تتهادى في مشيتها ومعها بعض الشباب، وقد علت الضحكات.. وتطايرت الكلمات، وها هم مجموعة من الشباب والفتيات يدخلون إلى القاعة دفعة واحدة، وقد بدا بينهم نوع من الانسجام، فيهم الأبيض والأسود والأصفر..

ترى أين الحقيقة بين هؤلاء؟

وأين عمر من هؤلاء.

هذا ما دار في ذهن آن..

واقتربت سلفا منهم قائلة:

- كيف أنتم؟.. هل استعددتم لهذه الندوة؟.. لا شك أن النقاش سيكون حامياً.. فالأمر جد خطير.. الجنس والدين.. المسافة بينهما تبدو واسعة جداً.

قال عمر: سنرى بعد قليل.

وتذكر ما قالته له هذه الفتاة في لقاء سابق وهي تتحداه:

- ما أراك إلا وحيداً لعلك مصاب بالشذوذ، ورد عليها:

- إنني من عالم طاهر، من الصعب أن تفهميه.

وسمع آن تقول موجهة الكلام لسلفا:

- يبدو أنك في قمة الاستعداد..

ردت سلفا: نعم ولن يغلبني أحد..

ونظرت إلى أحمد وقالت:

- هل هو محمدي آخر؟..

سأل أحمد: من هذه الفتاة؟..

قال عمر: إنها فتاة هولندية.. ولها اهتماماتها الخاصة واقتناعاتها.. والحرية في رأيها انفلات من كل القيم.

قال أحمد: صادفت كثيرات وكثيرين من هذا النوع.. وحتماً لها هذه مؤيدون كثر..

قال عمر: نعم لا شك في ذلك.

ولاحظت آن أن السيدة سماح لم تأت.. وكذلك ابنتها منال.. ترى لماذا؟ ما الذي أخرها، كانت تحب أن تسمع رأيها في هذا الموضوع، ستحاول زيارتها بعد الندوة، وعرضت الأمر على عمر، فوافق مع أحمد على مصاحبتها، ودخل المشرف ووجه تحية للجميع، ثم بدأ حديثه:

- لن نضيع الوقت، إنكم تعلمون أن نقاشنا اليوم سيكون حول الجنس والدين، وطبعاً المهم في هذه النقاشات تمتين اللغة، وإغناء ما تملكون من مفرداتها، أرجو من الجميع أن يشاركوا والآراء كلها مقبولة، ولكم كامل الحرية، فباريس بلد الحرية.. والآن من سيبدأ؟..

ونهضت سلفا وبدأت حديثها قائلة:

- إن الجنس وممارسته في بلادنا أمر طبيعي، والحرية مكفولة للجميع، والكل يمارس هذا الأمر الطبيعي كما نتنفس الهواء.. ونأكل الطعام.. ونشرب الماء.. والكنائس لم تعد تتدخل في هذه الأمور.

وأيدها عدد من الشباب، وانطلق أحدهم يقول:

- ولماذا تتدخل الكنائس؟.. وما علاقة الكنائس بأمر فطري طبيعي تمارسه كل الكائنات الحية من خلال حاجتها إليه، ولن يستطيع الدين أن يكبت هذه الحاجة طويلاً، لقد تمرد العلم على الدين وحصره داخل الكنيسة، وهذا ما يحصل الآن في معظم بلاد الدنيا بالنسبة للجنس.

وهنا تكلم أحد الشباب من الجنس الأصفر قائلاً:

- البوذي الحقيقي لا يزني فالزنا محرم في ديانتنا، والحاجة الفطرية تتحقق من خلال علاقة شرعية هي الزواج، ففي الديانة البوذية يركز بوذا على الأخلاق والقيم، وإن سعادة الإنسان لا تتحقق إلا من خلال ذلك، وهناك وصايا عشر لبوذا، لا تسرق، ولا تغتصب.. ولا تكذب، لا تشرب خمراً.. لا تزن، لا تحضر مرقصاً، ولا حفل غناء،.. لا تأخذ ذهباً ولا فضة.

وتكلمت الإنكليزية التي تدرس اللا*** وتستعد لتكون مبشرة قائلة:

- لا شك أن سيطرة الجنس تدمر المجتمعات وتستعبد البشر، والمسيحي الحقيقي لا يزني، فقد ورد تحريم ذلك في الكتاب المقدس، ففي إنجيل متّى الإصحاح الخامس جاء ما يلي:

"قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزنوا، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم".

وهكذا فالأمر شديد الخطورة والذنب عظيم.

عجباً ها هو سامي ينهض يريد الكلام!.. وتمتم عمر:

- اللهم ألهمه الرشد.

قال سامي:

- ولكن يبدو أن الكنيسة تنازلت عن هذا الأمر، فبالأمس حضرت حفلاً راقصاً في النادي التابع للكنيسة، ومعظم الكنائس هنا لها نواد خاصة بها، وبعد أن انتهت مراسم الصلاة والترتيل دلفنا جميعاً فتية وفتيات إلى ساحة رقص ملحقة بالكنيسة، وتلاقت الأيدي والصدور وانسابت الموسيقى.. وأطل راعي الكنيسة على الساحة سعيداً مبتسماً مباركاً الأجساد المتلاصقة، ولم يكتف بذلك وإنما أطفأ بعض الأنوار ليكون الجو ملائماً وأكثر إثارة، ورافق الحفل تناول النبيذ، وبعد الانتهاء انفض الجمع أزواجاً كل فتى يحتضن فتاة، وكل فتاة تتأبط ذراع فتى.

وردت نورما الإنكليزية التي تستعد لتكون مبشرة:

- لا شك أنها حفلات بريئة وتشجع الشباب على ارتياد الكنيسة وسماع الصلوات والتراتيل، والدخول في ملكوت الله، فالكنيسة معذورة لأن الشباب انفضوا عنها، فاضطرت إلى ابتكار وسائل كثيرة لجلبهم، ومنها هذه الوسيلة.

ونهض أحمد ليتكلم فكررت سلفا سؤالها الذي لم تتلق جواباً عليه:

- أنت محمدي أيضاً؟ لقد أصبحتما اثنين.

وأشارت بيدها إلى عمر.

قال أحمد: لست محمدياً ولكنني مسلم، أؤمن بالله رباً لا إله إلا هو، وبمحمد نبياً ورسولاً. هذا أنا، أما بالنسبة للكنيسة فأرى أنها تخطئ عندما تدعو إلى الدين بوسائل ليست من الدين في شيء، وبذلك تهدم الدين من جهة، وتضلل الناس من جهة أخرى، وكأن الدين مجرد طقوس كنسية لا علاقة له بتصرفات الإنسان وأعماله، ولقد التقيت بمبشرين يقولون: اعمل ما شئت، وخلاصك بالإيمان بأن عيسى ضحى على الصليب طائعاً مختاراً لينقذ الإنسان، وكانوا يظهرون الشفقة علي والقلق من أجلي، لأنني سأعذب في النار لعدم التصديق بقصة الصلب هذه، وفي رأيي أن مثل هذه العقيدة تفتح الباب واسعاً أمام النزوات والشهوات والشرور، افعل ما تشتهي وما تمليه عليك الأهواء، ستجد المخلص في انتظارك، لقد صلب من أجلك.

والتفتت آن إلى عمر قائلة:

- ما رأيك بما يجري؟.. ألا تريد أن تشارك؟..

قال عمر: بلى، سأدلي بدلوي في الأخير، لماذا لا تشاركين أنت؟..

ردت آن: سوف أفعل.

ونهضت قائلة:

- لي ملاحظة بسيطة تحيرني بالنسبة للكتب المقدسة والجنس، أعني كتب النصارى واليهود، لأنني لا أعلم الكثير عن كتاب المسلمين.

وسألها مدير الجلسة: وأنت بماذا تدينين؟..

قالت آن: لم أستقر بعد، وأعود إلى ملاحظتي، ففي العهد القديم في سفر الأمثال ورد ما يلي:

"وأغوت الزانية الرجل بعسل كلامها فذهب وراءها كثور إلى المذبح، كطير إلى الفخ، أيأخذ الإنسان ناراً في حضنه ولا تحترق ثيابه؟.. أيمشي على الجمر ولا تكتوي رجلاه؟ هكذا من يدخل على امرأة صاحبه؟".

وفي إنجيل متّى السفر الخامس:

"أن كل من ينظر لامرأة ليشتهيها فقد زنى بها قلبه".

هذا كما هو واضح تحريم صريح للزنا ودواعيه في كلا العهدين القديم والجديد.

بينما نجد العهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى، يصور الأنبياء زناة، لا يتورعون عن ارتكاب حتى زنى المحارم، فابنتا لوط مثلاً تسقيانه خمراً حتى يفقد وعيه وتنام كل واحدة معه وتحمل منه، ومثل هذا كثير في العهد القديم، ومن أراد المزيد فليعد إلى العهد القديم، ونشيد الإنشاد هو غزل مكشوف بأعضاء المرأة، ولا يدع عضواً من أعضائها إلا ويصفه ويضع له التشبيهات، إنني في حيرة، وأسأل هل من توضيح أو تعليل لهذا التناقض؟..

قال أحمد: لا تعليل سوى أن تلك الكتب قد حُرّفت وبُدّلت فاختلط فيها الحقّ بالباطل.

قالت نورما: إن ما ورد في التوراة عن الأنبياء دليل على أنهم بشر وليسوا آلهة ويخطئون كما يخطئ كافة البشر، ولا داعي للحيرة والتساؤل..

قالت آن: كيف؟.. إن عقلي يرفض هذا، كيف يرتكب الأنبياء ذنوباً إلى حد الفاحشة، آثاماً يرتفع أي إنسان صالح عن الإتيان بها، ولو فعل ما هو أقل منها بكثير.. اندفع يطلب المغفرة ويعترف بذنبه أمام رجل دين يعتقد أنه بعيد عن مثل هذه الذنوب.

قال سانج: فعلاً إنه أمر يدعو للحيرة، يرتكب الأنبياء في الكتاب المقدس كل أنواع الموبقات بكل بساطة، ولا تحرك فيهم ساكناً، فلا يستغفرون.. ولا يتوبون.. ولا يخجلون..

قالت أنديرا: أليس في هذا دعوة صريحة للناس أن يفعلوا الآثام والخطايا، وأن يرضوا أهواءهم وشهواتهم غير مبالين بالنتائج فالأنبياء القدوة زناة.. و...و..

وتكلم صحافي أمريكي أسود اسمه لويس وقد ارتسمت الدهشة على وجهه:

- هل يعقل أن يفعل الأنبياء ما حرّمه الله على لسانهم؟.. أليسوا القدوة للناس؟ كيف يأمرون بالشيء ويفعلون ضده؟

وسادت لحظة صمت.

قال عمر: الحقيقة لقد حوت تلك الكتب تناقضات كثيرة، وما جاء في التوراة عن الأنبياء أمر عجيب وقصص لا يتقبلها عقل.. إنها دعوة صريحة للانحراف والدمار.

قالت سلفا: لماذا لا تقول إنها دعوة صريحة للتحرر ومجاراة الفطرة التي خلقها الله، وتريدون كبتها وإلغاءها ولن تستطيعوا ذلك، ربما هذا ما أرادت أن تقوله لنا التوراة.

وأيدها مجموعة من الشباب والفتيات.

قال أحمد: التوراة نهت عن الزنا وحرمته وذكرت أن ابن الزنا لا يدخل الجنة إلى الجيل العاشر، ومع ذلك تدعي تلك الكتب أن الأنبياء قد زنوا بل ارتكبوا أبشع أنواع الزنا.. زنا المحارم وهنا التناقض المحير العجيب.

قالت آن: من أجل ذلك لا يثق الإنسان بما جاء في هذه الكتب.. ولا شك أنها تعرضت للتحريف، والتوراة نفسها تؤكد ذلك، ففي المزامير الإصحاح 56 يقول الله:

"ماذا يصنعه بي البشر، اليوم كله يحرفون كلامي".

وقد أكد العلماء أن نسخ التوراة ضاعت في عهد بختذصر ولما ظهرت نقولها بواسطة عزرا ضاعت تلك النقول أيضاً في حادثة أنتيبوكس، ثم تولى كتابتها عدد كبير من الكتاب، كل من خلال عصره وظروفه..

وهنا نهض المشرف قائلاً:

- لقد خرجتم عن الموضوع، لا تنسوا أن الموضوع: الجنس وموقف الدين، وليس الكتب المقدسة وما حوت.. وقد نخصص جلسة للأديان والكتب السماوية. ليتكم تظهرون لنا موقف الإسلام من الجنس.

قال أحمد: حسناً لا شك أن للإسلام موقفاً واضحاً من هذا الأمر، فالإسلام يعترف بالدوافع الفطرية ويظهر هذا في عدد من آيات القرآن الكريم.. منها قوله تعالى:

"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث.." آل عمران(4).

هذا الميل الفطري في الإنسان لا ذنب فيه ولا إثم، ولكن الإثم والذنب أن ينساق الإنسان وراء شهواته حتى يصبح عبداً لها، ولذلك وضع الله للإنسان المنهج الذي يضمن مصلحته ومصلحة المجتمع من خلال التنفيذ العملي المضبوط المنظم لهذه الميول والشهوات. وبهذا يتميز الإنسان عن الحيوان.

المشرف: ليتك تذكر لنا بعض النصوص القرآنية.

- الآيات التي تنظم وتضبط كثيرة، أذكر منها:

)كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين( الأعراف31

و)ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة( الروم21

و)ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً( الإسراء17.

يجب أن يبتعد الإنسان عما يقربه من الزنا لئلا يقع فيه.

وسألت فتاة سويدية: ماذا تقصد بقولك، ما يقربه من الزنا؟!

قال أحمد: عرض الأجساد العارية.. تبادل النظرات المحرمة.. استباحة اللمسات الرقيقة.. الاختلاط الماجن غير المهذب.

قال أحد الشباب: معنى ذلك أنكم تضعون الإنسان في سجن ضيق لا يمكن احتماله، وتكبتون أحاسيسه ومشاعره، وبذلك تدمرونه وتملؤون نفسه بالعقد والتشوهات، وتدفعونه إلى الشذوذ والانحراف دفعاً..

وأيدته سلفا: هذا ما فعلته الكنيسة عندما وجهت الناس إلى الرهبانية ودفعتهم إلى كبت دوافعهم واستقذارها؛ ولكنها عجزت ولم تستطع ضبط الأمر، واضطرت إلى التراجع، والاعتراف بتلك الدوافع وغض الطرف عن إروائها وإشباعها.

ونهض عمر أخيراً ليتكلم:

أولاً: أود أن أذكركم أن الشذوذ والانحراف تئن منها المجتمعات المنفلتة التي تدعي التحرر.

ثانياً: اسمحوا لي أن أوضح أن ما فعلته الكنيسة يختلف عما دعا إليه الدين، فالكنيسة استقذرت العملية الجنسية واعتبرتها إثماً ولو عن طريق الزواج، واعتبرت المرأة شراً لا بد منه، أما الإسلام فقد اعترف بهذا الميل الفطري، وأوجد الطريق السوي لإروائه، واعتبر ذلك نوعاً من أنواع العبادة، ولهذا الإرواء المنظم أهدافه التي هي في مصلحة الإنسان، وارتفع الإسلام بالإنسان وحماه من أن يكون عبداً لشهواته ونزواته، وهناك فرق بين الكبت الذي ينشأ من الشعور بقذارة هذه الغريزة، وبين التحكم فيها لتروى من طريق صحيح، ولتكون العامل الأساسي في استمرار البشرية من جهة والمحافظة على الخلية الطبيعية التي تنمو من خلالها الأجيال من جهة أخرى وهي الأسرة.

قالت المبشرة نورما:

- إنني معك، لا شك أن سيطرة الجنس على كل شيء قد أدى فيما أدى إلى دمار الأسر.. وتشرد الأطفال وانتشار الأنانية، والسعي وراء الشهوات التي لا ترتوي ولن ترتوي.

قال عمر: إنني أكبر فيك هذه الشهادة خاصة أنها جاءت من فتاة تعيش في ظل هذه الفوضى التي يسمونها حرية، ونسوا أنه لا بد من ضوابط، لئلا تنقلب إلى عبودية لمن يلهثون وراءها.

قالت آن: لا شك أن ما يدعونه حرية جنسية قد أضر بالمرأة بالدرجة الأولى فهي التي تستغل وهي التي ضلت الطريق، وجرحت مشاعر الأمومة ومتعة الاستقرار في أسرة.

قال أحمد: إنني أسجل احترامي للمرأة.. أمّاً وزوجة وأختاً وبنتاً من خلال عقيدتي، كما أعترف بتلك الغريزة وأنها جزء من الفطرة وأنها موجودة في الإنسان والحيوان لحفظ النوع، وأن الله سبحانه ميز الإنسان بالإرادة والعقل وحدد له الطريق المشروع لإرواء غريزته.. واعتبار إروائها من هذا الطريق عبادة:

"إن في بضع أحدكم لأجراً".

أما الانفلات والفوضى والاستسلام للغرائز فهي من طبائع الحيوان وبذلك ينقلب المجتمع الإنساني إلى مجتمع حيواني تشيده الغرائز والشهوات، لا العقل والإرادة.

قالت سلفا: لا شك أنك تأتينا بكلام من عالم المثل، ولا شك أنك تخضع لتقاليد وعادات مختلفة.. لا تصلح لنا ولا نصلح لها.. إنكم تسبحون فوق السحب ونحن نعيش على الأرض.

قال عمر: الإنسان هو الإنسان، وما يصلح له هنا يصلح له هناك، وما استعبدت الشهوات أمة إلا وحل بها الخراب والدمار والشقاء.. وهذا ما أشعر ببداياته هنا..

قالت: لا شك أنك حديث عهد هنا، ستخضع قريباً لما نخضع له وتدعو لما ندعو له..

قال عمر: لا شك أن الأمر صعب، ولكنني مصمم على الاستمرار في الطريق السوي، مع أن الإغراء يحيط بي من كل جانب.

قال أحمد: وأنا معك وأؤيدك، سأنتظر مهما طال الانتظار حتى تسمح لي الظروف باختيار الزوجة وتكوين الأسرة، لن أتنازل عن مبادئي، ولن أكون عبداً للنزوات، وأسأل الله العون في مجتمع ترتفع فيه رؤوس الشياطين متحدية ساخرة، توقعه في شراكها ثم تدوسه وهي تمد ألسنتها عابثة مستهزئة بكرامة الإنسان وحريته المزيفة.

قالت الهولندية سيلفا:

- وأنا أتحداكم، وسيأتي اليوم الذي أراكما فيه تسيران مع الواقع بعيداً عن التحليق في عالم المثل التي لا تسمن ولا تغني من جوع، أمثالكما يجب أن يعيشا في عالم آخر، لأنكما ستتعبان أهل الأرض بهذه المبادئ...

وأيدها عدد من الشباب والفتيات، وتحفظ البعض.

ونهضت آن قائلة:

- إنني أعيش في هذه الأجواء التي تسمونها حرية وحضارة منذ ولادتي، ومع ذلك لم آلفها ولم تؤثر علي، وأشعر معها بالغربة والضياع، وألهث بحثاً عن الحقيقة، وأحب أن أعرف موقفكم من الأسرة، هل أنتم معها أم ضدها، وإذا كنتم معها فأي أسرة هذه التي يذهب كل فرد فيها وراء شهواته... ونزواته، إنها تشكل جواً موبوءاً وتنشئ ثماراً فاسدة، وهذا ما يلمسه العقلاء في مجتمعاتنا، وإن كنتم ضد الأسرة، فأي مجتمع هذا الذي لا رابطة بين أفراده تضفي على الحياة جواً من المودة والرحمة، إلا رابطة المصالح التي توجهها الشهوات، إنه مجتمع بعيد عن إنسانية الإنسان، إنه مجتمع يدمر نفسه من القواعد.

وختم المشرف على الحلقة قائلاً:

- أرى أن كل فريق منكم في واد، واللقاء بينكما بعيد، ولكن كل شيء ممكن، والمهم أن لغة الجميع في تحسن مستمر، وأودعكم الآن وإلى اللقاء، مع جولة جديدة.


يتبع


0 الحلقة الثانية ::سلسلة عقد المرجان فيما يتعلق بالجان::
0 ــأرجوكـم ـألـتـ.ـزمــمـوا ـالــصــمـتـ..!!
0 الف مبروك جريح غزة التميز
0 الحلقة الثانية ..{شعر الحكايات}..الشوقيات..
0 قوانين حب في الأحلام ارتضي بها ولكي جل حلمي وواقعي ..! {the legends}
0 مجرد قناع..!!
0 رومانسية الكون تراجيديا..!
0 هل تعلم ان عقوبات تارك الصلاة 15 عقوبة في الدنيا والاخرة وفي القبر ..!!
0 الحلقة الثالثة ::سلسلة عقد المرجان فيما يتعلق بالجان::
0 عبد الرحمن الحساني مبروك التفوق
0 الــعـــيــن الـــخــــضـــرآء
0 الاسم : امير المؤمنين عمر بن الخطاب..
0 cr – mad 10 rid – 07 الف مبروك التفوق
0 فلسطين ومادة القواعد..!
0 جدول مباريات الدوري المصري 2010/2011 كامل
التوقيع
The LeGend's ™ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2011, 09:00 PM   #4
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية The LeGend's ™
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: Jeddah
العمر: 33
المشاركات: 4,914
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 15
The LeGend's ™ is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى The LeGend's ™
افتراضي


الفصل الرابع

السعي وراء الحقيقة

أين يجد الإنسان الأمن والطمأنينة

شعر عمر بالراحة لأن سامي رضي أن يأتي معهم لزيارة سماح في المعهد الذي تديره، ويقوم هذا المعهد على التعريف بالإسلام وتدريس القرآن الكريم واللغة العربية لمن يرغب في ذلك.

وقد لاحظ عمر أن سامي قد تأثر مما سمع في الحوار الذي دار حول الدين والجنس، وداعبه أمل أن ينصلح حاله، سيقف إلى جانبه ويشد من أزره لعله يغير طريقه بعد أن يعرف حقيقة دينه، ومن هو المسلم الحق.

وفكرت آن وهم في طريقهم إلى زيارة سماح – ترى ماذا ستجد عند هذه السيدة؟.. لقد التقت مع بعض المسلمين خلال حياتها السابقة فلم تجد عندهم ما تريد، ومنهم من وجهها للاطلاع على القرآن، ترى هل المسلمون غير الإسلام؟.. الكتب التي قرأتها عن الإسلام لم تمنحها ما تريد، ويبدو أن عمر وأحمد مختلفان عمن شاهدت من قبل من المسلمين.. وها هو سامي، إنه مختلف عنهما.. مع أنه مسلم.. لا بد من أخذ الإسلام من ينابيعه.

أما أحمد فقد أحس بسعادة غامرة وهو في صحبة عمر وآن وحتى سامي.. وإن كان له اتجاهه الذي لا يرضى عنه أحمد.. ولكن هذه السيدة التي سيزورونها ترى ماذا عندها؟.. إنه لم يرها ويتخيلها كما وصفوها له.. مسلمة أحبت هذا الدين.. وأحبت الناس جميعاً.. ولذلك تدعوهم إلى الطريق الذي وجدت فيه الخير والرضى.. سيراها بعد قليل ويحكم..

ولام سامي نفسه لماذا أطاع عمر وجاء معه لزيارة هذه السيدة.. كان بإمكانه أن يمضي سويعات جميلة ممتعة في مكان آخر.. ولكن قضي الأمر ولا يمكن التراجع.. وإن كانت كلمات السيدة سماح وتصرفاتها قد حظيت باحترامه.. كما أحس بنوع من الحيرة والتقدير نحو الفتاة النرويجية آن..

وسار الركب كل منهم له حديثه مع نفسه.. وها هم يلجون ذلك البناء الذي ضم المعهد، وحمل اسم المعهد العربي الإسلامي واستقبلتهم السيدة سماح مرحبة وعرفتهم بابنتها منال، شابة في مقتبل العمر.. تتابع دراستها في كلية الطب، وفوجئوا بأن الجميع ينادون السيدة سماح بالدكتورة، وعرفوا أنها تحمل درجة دكتوراه في علوم الشريعة الإسلامية.

وفي غرفة معدة لاستقبال الضيوف، قدمت القهوة العربية، والغريب أن آن تقبلتها وشربتها بتؤدة كما فعل عمر وسامي، وكانت تسترق النظر إليهما وتجاريهما في طريقة الشرب، وسألها عمر:

- هل تذوقت القهوة العربية من قبل؟

قالت: لا.. ولكن طعمها ليس غريباً عليّ.. نكهتها تشدني، ترى ماذا وراء هذه النكهة؟..

قال عمر: هكذا أنت دائماً تبحثين عما وراء الأشياء.

ابتسمت آن ولم تجب.

قالت منال معلقة على الموضوع:

- البعض هنا يستسيغها وقد يطلبها، والبعض الآخر لا تروق له وهكذا الدنيا.

وفكر سامي: ماذا تقصد بقولها وهكذا الدنيا؟.. إنها فتاة مختلفة.. كل شيء فيها مختلف.. حشمتها هدوؤها.. نظراتها.. ووجد نفسه يجري مقارنة بينها وبين الأخريات.. وأخرجه من أفكاره صوت عمر يعرف السيدة بأحمد:

- إنه أخ مسلم من جنوب إفريقيا.. يتابع دراسته في مقارنة الأديان، وقد أحب أن يراك بعد أن أخبرناه عنك، ولقد افتقدناك في الندوة السابقة، ترى لماذا تخلفت عن الحضور؟..

قالت السيدة سماح:

- الحقيقة أنه شغلني أمر خاص، فقد جاءني خبر من الوطن أن أختي التي تعيش هناك تعاني من مرض خطير في الدم، فحاولت الاتصال بها، لعلها تستطيع المجيء إلى هنا حيث يوجد أطباء مسلمون جيدون يمكن أن يقدموا لها العلاج الناجح إن شاء الله. ولقد شغلني هذا الأمر طوال اليوم، وأختي تعيش في مأساة منذ سنوات عندما اقتاد زبانية السلطة أولادها الأربعة إلى حيث لا يعلم إلا الله، وأصغرهم في الثاني الثانوي وأكبرهم في السنة الرابعة في الجامعة وتركوها مع بنت وحيدة وزوج كهل هدته الخطوب، كانت ظروفاً قاسية، قاومت وعاشت على الأمل، تأمل أن تراهم في يوم ما يعودون إليها، ولذلك رفضت الهجرة، ولكن يبدو أن شعلة الأمل قد انطفأت، فقد مرت السنون ومطارق الظلم والظلام تدمر كل شيء حتى قضت على الشعاع في شعلة الأمل، وبدأت تلك المطارق تهد الجسد المنهك حتى تهاوى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال أحمد: نعم لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل، وويل للظالمين والطغاة من النار.

قال سامي: وهل وصلت إلى نتيجة في مسعاك؟

قالت الدكتورة: لا.. لم أصل إلى شيء، فخروجها من البلد صعب وغير مسموح به، لماذا لا أدري؟.. يدعون أنهم يحافظون على أمن البلد بهذه الوسائل، التي تجعل حياة الناس جحيماً لا يطاق.

قال عمر: أي أمن هذا الذي تهدده امرأة ضعيفة.. مريضة؟..

قالت منال: يبدو أن الله سبحانه حرمهم من الشعور بالأمن، هذا في الدنيا، والآخرة أدهى وأمرّ، ويحضرني قول الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم في مناقشة قومه موضحاً لهم أنه لا أمن مع الظلم:

)فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون( الأنعام 81- 82.

وتساءلت آن عن معنى الكلمات التي نطقتها منال باللغة العربية، وبطريقة خاصة شدّت إليها انتباه آن وإن لم تفهم المعنى.

وتولى أحمد الرد:

إنها آيات من القرآن الكريم.

وأعاد لها المعنى مترجماً.

قالت آن: وهل هناك سبيل للشعور بالأمن؟ إنني أبحث عن هذا السبيل.. إن القلق يلازمني ويقضّ مضجعي.

قالت الدكتورة سماح:

- لاشك أنه سبيل واحد هو الإيمان بالله الواحد.. والارتباط والتسليم له سبحانه.. وهذا هو الإسلام الذي دعا له كل الأنبياء وقد وضح القرآن الكريم هذه الحقيقة:

)ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم( يونس 62 – 64.

قال عمر: وكمثال على ذلك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عندما جاءه رسول كسرى فوجده ينام في ظل شجرة في ظاهر المدينة وليس بجانبه أحد، فقال قولته الشهيرة التي ذهبت مثلاً: "عدلت فأمنت فنمت".

قال سامي: وتخيلوا صورة الحكام وذوي السلطان الآن، إنهم لا يخطون خطوة إلا في حماية مالا يحصى من الحرس والمجندين، ولكن الذي يحيرني أن عمر رضي الله عنه قضى قتلاً.

قال أحمد: لا داعي للحيرة.. المهم إحساسه رضي الله عنه بالأمن والطمأنينة من خلال ارتباطه بربه دون حرس أو جند وأما النهاية المحتومة فقد اختار له الله سبحانه الشهادة وبيد مجوسي كافر، وهو بين يدي ربه وحوله قومه ورعيته، من كان مثل عمر يستحق هذه النهاية.

قالت آن: حديثكم هذا يهمني جداً.. أشعر بالراحة وأنا أستمع لكم.

قالت الدكتورة سماح: ليتك تزوريننا دائماً.. ويمكنك هنا أن تتلقي دروساً في اللغة العربية، وتتعرفي على ديننا فقد لمست عندك هذه الرغبة.

قالت آن: نعم أرغب في ذلك، ولم أجد أحداً يمنحني ما أريد من معلومات، والمعلومات التي قدمت لي عن الإسلام قليلة وبعضها نفّرني منه، ولكن الله جمعني بكم فوجدت في تصرفاتكم وتعاملكم ما غيّر رأيي.

قال عمر: نحمد الله على ذلك.. لاشك أنك تبحثين عن الحقيقة بصدق، ولذلك مهد لك سبحانه وتعالى الطريق.

قالت آن: إنني منذ طفولتي أبحث عن الحقيقة، وتؤرقني أسئلة لم أجد لها جواباً حتى الآن، والخوف يلاحقني منذ طفولتي، خاصة بعد أن رأيت الموت بعيني، يأخذ جدتي التي كنت أجد معها بعض الأمن، خاصة عندما تصحبني إلى الكنيسة وأشعر أنني مع الله.. وفي معيته..

قال أحمد: لقد ذكر كتابنا المقدس القرآن الكريم هذه الحقيقة، إن من أراد الأمن والطمأنينة فعليه أن يكون مع الله:

)الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب( الرعد 28.

هذا الذكر يشعر المؤمن بقربه من الله فتطمئن روحه وترتاح نفسه.

قالت آن: أرجو أن أصل إلى هذه الدرجة من الصلة بالله، أما الكنيسة فقد خذلتني من خلال تعاليم يرفضها العقل، ولذلك هجرتها منذ مدة طويلة، ورحت أبحث بنفسي علني أهتدي إلى الحقيقة.. وأجد الجواب على أسئلتي.

قالت السيدة سماح: إنني أدعوك للانضمام إلى معهدنا لعلك تجدين ما تبحثين عنه، وإذا أردت فهم القرآن الكريم فهماً دقيقاً فعليك أن تتعلمي اللغة العربية، فهي اللغة الوحيدة التي بإمكانها استيعاب مقاصد وتوجهات ذلك الكتاب العظيم.

قالت آن: يسعدني ذلك، وتعلم اللغات هوايتي وأنا أتقن عدة لغات، ويمكن أن أشارك معكم في بعض المهمات، فما تقومون به من تعريف بالإسلام والعربية أمر جيد ويشدني، وأستأذن أن أحضر معي شخصين يبحثان عن الحقيقة مثلي، رجل وفتاة من الهند يعيشان معي في نفس المنزل.

قالت الدكتورة: لا مانع، ونرحب بمن تحضرينه معك، فمن واجبنا أن نعرف بهذا الدين الذي تُنشر عنه الأكاذيب من كل الجهات، ويحارب بكل الوسائل، بينما من يحملون اسمه غافلون.

قالت آن: حسناً سأدعو أنديرا وأباها سانج لمشاركتي في التعرف على دينكم ولغتكم، وأظن أن هذا سيسعدهما، فهما هاربان من الهندوسية، ولم يقتنعا بالنصرانية، ففيها مالا يحتمله العقل، وما لا يشبع الروح.

قالت الدكتورة: أهلاً بكم.. أهلاً بكل الذين يبحثون عما يغذي الروح، كما يبحثون عما ينمي الجسد ويريح العقل.

قال أحمد: وأنا وعمر وأظن سامي أيضاً نعرض إمكاناتنا إن كان لدينا إمكانات للتعاون معكم في تأدية رسالة هذا المعهد.

ولم يعترض سامي على الاقتراح، لقد بدأ يشعر بنوع من الراحة وهو مع هذه المجموعة، هدوء افتقده منذ زمن بعيد، منذ تعرف على تلك البيئة المختلفة المملوءة بالإثارة والغليان.. وتذكر صديقته إيفا، فقد أخبرته أنه إن لم يأت فستجد غيره.. وإن كانت تهواه ويصعب عليها فراقه.. إنه في حيرة من أمره.. ووجد نفسه يدعو ربه أن يثبته على الطريق الصحيح..

في هذه الأثناء كانت السيدة سماح تحدد لهم المواعيد التي سيحضرون فيها.. وتعرفهم بنظام المعهد.. ودعتهم لجولة فيه، ونهضوا وشاركهم سامي دون أن يتكلم.. واقتربت منه منال وسألته:

- هل أنت موافق على الانضمام إلينا والعمل معنا؟

- نعم.. نعم يشرفني ذلك.

- لقد لاحظت أنك كنت بعيداً عما يدور فهل لديك مشكلة ما.. يصعب حلها؟..

- نعم.. هناك ما يشغلني حالياً وأرجو أن أتخلص من ذلك، وأكون معكم بكليتي.

وطافت بهم السيدة سماح في أنحاء المعهد، وشرحت لهم ظروفه وما يتعرض له من مشاكل، والأنشطة الهامة التي يقوم بها.. ثم ودعتهم متمنية لهم التوفيق.. وتواعدوا جميعاً على اللقاء في الدورة القادمة، حيث سيناقشون فيها موضوع الكتب السماوية وما حوت.


0 إهداء الى اخي الحب الخالد..
0 ღ moon madrid ღ الف مبروك..
0 قوانين حب في الأحلام ارتضي بها ولكي جل حلمي وواقعي ..! {the legends}
0 اإهـداإء
0 إذهبي إليه..فلست أنا من يغفر يا خائنة ..."بأحباري"
0 نعم للوحدة الوطنية..
0 اشرف عفانة الف مبروك
0 هلمووا معي لنبارك لاختنا صاحبة الابتسامة الجميلة روح الحب ..
0 الف مبروك marwh
0 الف مبروك &ارق انسانة&
0 الحلقة الثالثة ::سلسلة عقد المرجان فيما يتعلق بالجان::
0 الحلقة التاسعة عشر من روائع نزار قباني ..( هــذا أنا)
0 الف مليون مبروك r.k.o
0 وقتك مهم لدي, تصاميم فلاشية, إهداء اليكم..
0 نطفة في رحم المستقبل ورسائل خلف الستار ..
التوقيع
The LeGend's ™ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2011, 09:01 PM   #5
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية The LeGend's ™
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: Jeddah
العمر: 33
المشاركات: 4,914
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 15
The LeGend's ™ is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى The LeGend's ™
افتراضي


الفصل الخامس

في الكتب السماوية الثلاثة؟ تميز الإسلام

استيقظ سامي نشطاً يستقبل يوماً جديداً في تلك الديار البعيدة.. إنه يشعر أن تغيراً ما يجتاح أعماقه.. لم تعد الرغبة في لقاء إيفا وغيرها من الفتيات المتحررات تحركه وتدفعه للقاء مملوء بالمحرمات والنزوات.. يشعر كأنه تحرر بين يوم وليلة من قيد شلّ عقله.. وأنام قيمه.. إنه يشعر بالحرية.. كيف حدث هذا لا يدري.. هل أعادته تلك البيئة الصالحة إلى صوابه.. إلى فطرته.. ولكن عمر معه منذ مدة طويلة وهو يحاول إنقاذه ويفشل.. لاشك أن لمساته تركت آثاراً لم ينتبه لها سامي.. حتى تكاثرت الأصوات واللمسات.. وجاءت اليقظة المباركة أخيراً، ونهض من فراشه سيتوضأ ويصلي لعل الله سبحانه يقبله، ولكنه سبحانه وعد العائدين إليه بالقبول.. إنه كريم حليم ولن يردع..

واستيقظ عمر منشرحاً مطمئناً.. لقد وجد زمرة صالحة تشد من أزره وتقويه.. وتعينه على مقاومة حبائل الشيطان التي تحيط به.. لقد حذره أبوه وأوصته أمه، ولا ينسى ما قاله له عمه: "إن أخشى ما أخشى عليك أن تعود لنا بالشهادة ونجد فيك عمر آخر غير الذي ربيناه على قيمنا ومبادئنا وعندئذ شهادتك لن تساوي شيئاً بعد أن أضعت نفسك وهويتك.."

وتمتم عمر:

الحمد لله.. الحمد لله.. لن أضل الطريق إن شاء الله ولن أسمح لقيمهم الزائفة أن تقيد روحي التي انطلقت إلى آفاق رحبة مذ عرفت طريقها.

وها هو أحمد يردد كلمات وقد أنهى وضوءه:

"اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي.."

إنه دعاء سمعه من شيخه، وعلم منه أن الرسول الكريم صلوات الله عليه كان يردده خلال وضوئه.. وسأل نفسه:

"هل استيقظ رفيقاي؟"..

ما أسعده لقد هيأ الله له أخوين صالحين في بلاد الغربة هذه.. بل إنها أسرة كاملة.. إنها حكمة المولى سبحانه التي جمعته بمن يحتاجون له ويحتاج لهم.. وخطر له أمر لماذا لم يسأل أحدهم السيدة سماح عن زوجها وما عمله؟.. وعن بقية أولادها.. سيفعل ذلك عندما يلقاهم.. وتذكر موعد الندوة المسائية:

"ترى هل سيحضرون جميعاً؟.. وهل ستحضر آن معها من ذكرت؟ إنهم من الهنود وإنهم فارون من ظلم الهندوسية؟"..

سيسعده أن يلتقي بأناس هم من وطنه الأصلي الهند كما أخبره جده.

وجلست آن في غرفتها ترتب أوراقها، وحملت ورقة وسجلت فيها هذه التساؤلات:

"من أنا؟.. ولمَ خُلقت؟.. وإلى أين أمضي؟.. وما العلاقة بيني وبين خالق الكون؟.. وبيني وبين بقية المخلوقات؟ وما حقيقة الموت؟ وماذا بعد الموت؟"..

هل ستجد الجواب على أسئلتها؟ إنها ترجو ذلك.. فالقلق والخوف يملآن روحها.. ولكن راحة غريبة تشعر بها وهي برفقة تلك المجموعة المختلفة.. جو آخر يبعدها عما تحسه من جوع روحي، وهي في عالم تكاد تُغرقه المادة ويسيطر عليه الظلم.. ويطل عليه شبح الموت والدمار.. الموت الذي يخيفها، فمنذ رأته وهي طفلة عندما جثت بجانب جدتها المتوفاة.. وقد أصابتها قشعريرة غريبة عندما لمست يدها الباردة.. اليد التي كانت تمنحها الحنان والدفء والطمأنينة.. وانتهى الأمر في حفرة من تراب تضم إلى جانب التابوت الحشرات والديدان.. ذكريات تملؤها رهبة.. وتشعل ناراً من أسفل قدميها إلى رأسها.. وتكاد تختنق.. وانطلقت إلى خارج غرفتها.. حيث وجدت السيد سانج يبدؤها بالتحية.. فشعرت بشيء من الراحة.. وسألها:

- هل تريدين شيئاً.

- لا.. لا.. لا أريد شيئاً.. بل أود أن أعرض عليك أمراً..

- تفضلي اعرضي ما شئت..

وراحت آن تذكر له ما عرفته عن السيدة سماح والمعهد الذي تشرف عليه، وأنها ستستقبلهم لو شاء لتعرفهم على الإسلام.. وقد علمت أنهم يبحثون عن الحقيقة.. فأعلن موافقته.. وخرجت أنديرا في تلك الأثناء واستوضحت الأمر وشاركت بالموافقة..

استيقظت الدكتورة سماح على صوت الهاتف.. إنه من الوطن، نهضت مسرعة، وجاءها صوت أختها وبلغتها أنها بخير إن شاء الله، ويشرف على علاجها طبيب جيد، ولم يؤذن لها بالخروج من البلد بعد، وأن القضية تحتاج إلى وقت، الله أعلم بمداه، ولابد من الصبر، وتمتمت:

- اللهم ألهمنا الصبر واجعلنا من الصابرين، ويلهم! لماذا يكبلون الإنسان بالقيود؟.. مم يخشون!.. أي خطر تسببه لهم امرأة مريضة حرمت فلذات أكبادها، ودمرها القهر والظلم؟.. اللهم احرمهم الأمن والطمأنينة.. أو اهدهم سواء السبيل..

وقادتها الذكريات إلى ذلك اليوم الذي خرجوا فيه من الوطن فراراً من الظلم والبطش، الذي كاد يصل إليهم، لولا أن مشيئة الرحمن تداركتهم، وأعمت الأبصار والبصائر عنهم، حتى تجاوزوا الحدود ووصلوا سالمين إلى تلك البلاد حيث شعروا ببعض الأمن، بعد أن كانت الأخطار تتهددهم من كل جانب، وأقرباؤهم وأصدقاؤهم يُسحبون إلى السجون وتختفي أخبارهم، وتذكرت كيف وصلهم خبر من ذلك الشخص المخلص بأن يرحلوا إن استطاعوا، لأن الخطر يهدد الأسرة جميعها وخاصة الأب.. وتمتمت:

- اللهم فرّج الهمّ والغمّ عن المؤمنين، وامنحنا الأمن والإيمان..

وجاء زوجها علاء ومعه طارق ومنال يسألان ما الأمر؟.. فأخبرتهم بما ذكرته لها أختها.

قال الدكتور علاء:

لا بأس وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، لعل في ذلك مصلحة لها ولأسرتها، فلربما لو جاءت لمنعوها من العودة.. أو أعادوها إلى السجن.. أو الذهاب والإياب إلى مراكزهم حيث التحقيقات والمضايقات التي لا نهاية لها.

قالت سماح: الحمد لله على كل حال، ولننطلق الآن إلى أعمالنا.

وفي الطريق ابتعدت عن الواقع.. وطاف بها خيالها على الشخصيات الجديدة التي انضمت إلى المعهد ووعدت بالمساعدة المادية والمعنوية.. انتقلت من شخص إلى آخر وتوقفت عند آن التي تبحث عن الحقيقة.. ما أكثر الذين يلفهم الجهل ويعيشون على سطح الحياة حيث الزبد ولا شيء غيره.. ولكن لاشك أن هناك من يغوص في الأعماق ويصل إلى ما يريد..

وتذكرت منال سامي.. ترى من أي صنف هو؟.. إنها لم تتعرف عليه كما يجب.. هل هو رواد الحقيقة؟.. أم لا يزال بين السطح والأعماق.. ونبهها صوت طارق:

- ماذا بك؟! هيا بنا..

وانطلقا إلى مناهل العلم.. وهما توأمان واختارا نفس الاختصاص –الطب كأبيهما- وسيتخصص كل منهما في فرع من فروعه الكثيرة، وجاء المساء وبدأ رواد الدورة يتوافدون.. وها هي آن تدخل القاعة، إنها في شوق للقاء تلك الوجوه.. لأول مرة تشعر أنها في مركب آمن.. ترى هل اقترب اللقاء.. لقاء آن مع الحقيقة؟.. كم هي في شوق للاطلاع على كتاب المسلمين، سترى ماذا سيقولون عنه اليوم، لقد قرأت عن القرآن في كتب بعض المستشرقين فلم تجد إلا النقد والذم، وجاءها صوت المشرف على الدورة يحيي الحاضرين ويذكرهم بموضوع المناقشة:

- موضوعنا اليوم الكتب السماوية: التوراة، الإنجيل، القرآن.. وأكرر: المهم اللغة لغتنا الفرنسية وما المناقشة إلا وسيلة للوصول إلى اللغة السليمة، والآن من سيبدأ؟..

نهض أحمد: أقترح أن نناقش عدة أمور في كل من هذه الكتب: الإله.. الرسل، العلم والعقل، وهل هي وحي سماوي أم كتب بشرية؟..

قال المشرف: لا مانع ولنبدأ بمناقشة القضية الأخيرة أهي وحي أم لا؟..

وفكر عمر أن تركيز المشرف على قضايا الأديان يحيره.. لا بأس.. فالأمور تجري لصالح الدين الحق.

ونهض صحافي أمريكي يعمل بالتبشير قائلاً:

- حسب معلوماتي أن القرآن ألفه محمد ليخرج الناس من النور إلى الظلمات وأن 75% من القرآن مأخوذ من الكتاب المقدس.

قال أحمد: قبل أن أرد على ما قلت يسبقني سؤال:

- هل اطلعت على القرآن الكريم؟.. وهل اطلعت على كتابك المقدس بشقيه القديم والجديد قبل أن تصدر هذا الحكم؟..

قال الصحافي الأمريكي:

- لم أطّلع على القرآن، وإن قرأت بعض ما كتب عنه واطلعت إلى حد ما على الكتاب المقدس.

قال أحمد: أما أنا فأعرف قرآني وقد اطلعت على كتابكم المقدس ويمكنني أن أقارن وأرد، لقد بلّغ محمد صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه من ربه ولم يؤلفه، والقضية لا تحتاج إلى أدلة كثيرة، فمحمد أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يؤلف في حياته ولا حتى أسطراً قليلة من شعر أو نثر، ومع ذلك، فقد أعجز القرآن الكريم العرب أهل الفصاحة والبلاغة أن يأتوا ولو بسورة من مثله، مع أنه تحداهم ولا يزال يتحدى.. ومنكروه يلفهم العجز، لاشك أنه كلام الله ووحي السماء، وأنّى للبشر أن يأتوا بمثله..

قالت منال: وعدا ذلك فالنبي الأمي صلوات الله عليه لُقِّبَ بالصادق الأمين قبل النبوة لصدقه وأمانته، فليس من المعقول أن يصدق مع الناس ويكذب مع ربه.

قال عمر: من قرأ القرآن دون غرض وبموضوعية لابد أن يرشده عقله أنه وحي إلهي أنزله رب السماوات والأرض ليكون منهاجاً شاملاً للإنسان على هذه الأرض. بينما قارئ الكتب الأخرى يملؤه الشك وتعذبه الحيرة لكثرة ما يصادفه من تناقضات واختلافات.. وتحديات للعقل والمنطق والعلم.

قالت أنديرا: وهل ما ورد فيه، يخرج الناس من النور إلى الظلمات كما قال السيد؟

قال أحمد: إن هذه العبارة تملؤني عجباً.. إن النور الإلهي يملأ كل جوانب القرآن الكريم.. وهذا النور يكشف كل جوانب الحياة، كما ينير الطريق السوي لمن أراد الهداية وطلبها، كما أن أي تالٍ منصف للقرآن الكريم يحس بهذا الدور يملأ جوانب نفسه.

قال المشرف: ليتك تذكر بعض آيات القرآن الكريم لنسمع ونحكم.. طبعاً باللغة الفرنسية وليس العربية.

قال أحمد: لك ما تريد ولكن الذي سأنقله بالفرنسية سيكون ترجمة لمعنى الآيات.. لأن القرآن الكريم لا يُترجم، ولا تودّى معانيه كاملة إلا من خلال اللغة العربية، ولذلك أدعو من هو أقدر مني على تأدية هذه المهمة.

فنهض شاب مصري يدعى إبراهيم وهو مسيحي ويدرس اللا*** يقول:

- لقد درست القرآن وتأثرت به وأستطيع أن أذكر لكم بعض الآيات منقولة المعنى إلى الفرنسية.

وذكر الآيات الآتية:

)سبّح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون مالا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون( الصف 1 -3.

)تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور( المُلك: 1 -2.

)فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره( الزلزلة 7.

)يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير( المجادلة 11.

)والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان( الرحمن1 -8.

قالت منال: عجيب أمر هذا الشاب إنه نصراني ويعترف بنور القرآن.

قالت آن: لعله يبحث عن الحقيقة.

قال أحمد: ولعل القرآن الكريم غلبه.

قال المشرف: هذا جيد.. النور واضح في تلك الآيات.. وسأحاول الاطلاع على كتابكم.. وقد وعدتني الدكتورة سماح بالمساعدة.

قالت المبشّرة الإنكليزية نورما:

- لا بأس بما أوردتموه ولكن ما ردكم على القضية الأخرى.. هل كتابكم أخذ من كتابنا المقدس؟..

قالت الدكتورة سماح:

- لاشك أن هذه المقولة بعيدة كل البعد عن الحقيقة.. فالتوراة مثلاً بكل ما فيها موجهة لشعب مختار هم بنو إسرائيل، تذكر حروبهم وما جرى لهم من خير أو شر وما وجه إليهم من وصايا، وما وُعدوا به من أمور ستتحقق لهم في آخر الزمان، بينما القرآن الكريم موجه للناس جميعاً.. هو كلام الله سبحانه وموجه للعالمين والسورة التي نكررها في صلاتنا تبدأ بقوله تعالى:

)الحمد لله رب العالمين(.

قال أحمد: وفرق كبير أيضاً بين الأناجيل والقرآن الكريم، فالإنجيل يركز على الروح.. بينما يشمل القرآن الكريم كل جوانب الحياة وكل اتجاهات النفس البشرية.. ويضع المنهج الذي يحيط بكل أمور الحياة.. لقد أهملت الأناجيل الدنيا وشمل القرآن الكريم الدنيا والآخرة.

قال الصحافي الأمريكي: ليتك تذكر لنا بعض الأمثلة..

قال أحمد: مثلاً الحرب في التوراة حرب إبادة هدفها سيطرة شعب بعينه على كل أمم الأرض، وإليكم ما ورد في الإصحاح السابع من سفر الاستثناء:

"إذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي تدخل لترثها وتبيد الشعوب الكثيرة من قدّامك.. سبع أمم أكثر منكم عدداً وأشد منكم، وسلمهم الرب إلهك بيدك فاضربهم حتى لا تبقي منهم بقية فلا تواثقهم ميثاقاً ولا ترحمهم".

فالله سبحانه في زعمهم قد أمر بإبادة كل ذي حياة من الأمم السبع التي تفوقهم عدداً دون شفقة ولا رحمة.

قال سانج: الأمر واضح، إنها حروب إبادة حتى للأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ.

قال أحمد: نعم حروب إبادة وهذا ما أكدته التوراة وأصرت عليه، ففي سفر التثنية أيضاً الإصحاح العشرون ورد ما يلي:

"أما مدن هؤلاء الشعوب (الآموويين والكنعانيين واليبوسيين إلخ..) التي يعطيك الرب فلا تستبقِ منها نسمة" أي أثر لحياة ومن أراد زيادة فليعُدْ للتوراة ففيها الكثير من هذا النوع من الحروب.

قال عمر: هذا ما فعله الإسرائيليون في فلسطين.. والصليبيون في القدس حيث قتلوا فيها 70 ألفاً كما أراقوا قبلها دماء 60 ألفاً في معرة النعمان، بينما أهملت تعاليم المسيح كلياً لأنها أخذت الجانب المضاد تماماً، مثل قوله:

"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"..

أما قرآننا فقد التزم جانب العدل والرحمة معاً.

)يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم(.. (الحجرات 13).

)وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله.. ( (الأعراف 61).

قالت منال: وهناك أمر مهم فالحروب شُرعت في الإسلام لدفع الظلم وحماية المستضعفين ولو كانوا من غير المسلمين. قال تعالى:

)الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله(.

وقال تعالى:

)ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقويّ عزيز( (الحج 40).

فالمسلم مأمور أن يدفع الظلم والعدوان عن الجميع، ورُمز لذلك بدور العبادة ويلاحظ أن الصوامع والبيع ذكرت قبل المساجد.

قال المشرف: لاشك أن الفرق واضح بين القرآن والكتب الأخرى، ولا يمكن أن يكون القرآن مأخوذاً منها.. والآن لنعد إلى مناقشة صحة هذه الكتب ولنبدأ بالقرآن.

تمتم عمر: إن أمر هذا المشرف يحيرني..

قالت آن: لا داعي للحيرة، إنه يريد الحقيقة.

وتكلمت الدكتورة سماح:

- صحة القرآن الكريم وعدم تعرضه لأي تحريف أمر واضح وضوح الشمس في صحراء العرب، فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي دوّن وحفظ خلال الثلاثة والعشرين عاماً التي توالى فيها نزول القرآن الكريم على رسول الله.. ومحمد صلوات الله عليه، هو النبي الوحيد الذي تولى إملاء القرآن الكريم على نخبة من الكُتّاب سُمُّوا كُتَّاب الوحي، وهو الكتاب الوحيد الذي حفظه الملايين من ألفِهِ إلى يائه.. وشهدوا على صحته وخلوّه من أي تحريف أو زيادة أو نقصان، وتناقلت الأجيال هذه الحقيقة.. فالقرآن واحد عند جميع الشعوب الإسلامية وفي كل أنحاء الأرض، لا اختلاف بين قديمه وحديثه ولو بحرف واحد. ومن أراد أن يتحقق من ذلك فالقرآن بين يديه.. القرآن الكريم هو الأثر السماوي الفذ الذي بقي مستعلياً على التحريف.

قال أحمد: أود أن أؤكد على ناحية مهمة وهي أن كلا الكتابين (التوراة والإنجيل) لم يدوّنا في عهد موسى وعيسى، ولم يمل أحد منهما كتابه.. ولم يطلبا من أحد حفظ ما يقولان ويفعلان، وتناقل البعض ما رأوه وسمعوه.. ومرّت سنون طويلة، وخطر للبعض أن يسجل ما سمع وما حفظ، وكثرت النسخ، وكل شخص دوّن ما سمع أو حفظ من خلال ظروفه وثقافته، وتنوعت النصوص وكثرت وتباينت، فضلاً عن ندرة الكتابة وضعفها في تلك القرون.

قالت الإنكليزية نورما:

- الذي أعلمه أن الكنيسة اختارت من بين عدد من الأناجيل ما ثبتت صحته، وهناك أناجيل كثيرة لم تعترف بها، فالإنجيل الذي بين أيدينا لاشك أنه صحيح..

وقال الصحافي الأمريكي:

- وبالنسبة للعهد القديم فقد اختارت منه الطائفة البروتستانتية وكذلك الأرثذوكس ستاً وستين سفراً من ثلاثة وسبعين سفراً، واعتبرت السبعة أسفار الأخرى مشكوكاً في صحتها، أما الستة والستون فهي صحيحة.

قالت منال: معنى ذلك أن الطائفة الكاثوليكية تعتمد أسفاراً محرفة مشكوكاً في صحتها.

قالت سلفا: لاشك أنه ثبت لدى الكنيسة الكاثوليكية أن تلك النسخ صحيحة فاعتمدتها، ولابد أن عندها البرهان على ذلك.

قالت آن: إن ما تقولينه عن كتبكم فيه الدليل الدامغ على تحريفها، وأنها ليست التي بلّغها موسى وعيسى فالأناجيل الأربعة اختيرت من بين سبعين إنجيلاً، والستة وستون سفراً اختيرت من بين ثلاثة وسبعين سفراً، إذن أنتم أنفسكم أتباع هذه الكتب تشهدون بأنها حُرّفت.

قالت فتاة نرويجية موجهة الكلام لآن: وأنت ماذا تتبعين؟..

قالت آن: لا أتبع أحداً.. إنني أبحث عن الحقيقة وسأجدها إن شاء الله.

قال الدكتورة سماح:

- أود أن أوضح أمراً هاماً، وهو أن النسخ الأصلية التي دوّنت بعد عهد عيسى عليه السلام بسنوات هذه النسخ قد ضاعت ولا وجود لها، والموجود بين أيدي الناس الآن هي تراجم فقط، وهذا ما يؤيده ويعترف به علماء اللا*** أنفسهم، وهذه التراجم بينها اختلافات لا تُحصى، بينما القرآن الكريم دوّن كله في عهد رسول الله وبين يديه، وحفظ في الصدور، وانتقل بنصه الأصلي سوراً وآيات وكلمات وحروفاً خلال الأجيال المتعاقبة، من عهد رسول الله وحتى عصرنا هذا، وسيبقى كما هو حتى قيام الساعة، كما وعد الله سبحانه:

)إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( (الحجر 9).

قال أحمد: وحتى هذه الأناجيل الأربعة التي اختيرت والتي تناولت الكتابة عن أقوال وأفعال سيدنا عيسى وتنسب إلى مؤلفيها.. إنجيل متى.. إنجيل لوقا.. إنجيل مرقص إلخ.. هي كالكتب التي ضمت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ولا أحد يعتبرها وحياً، وقد قرر نقاد مسيحيون أن عقائد الإنجيل من صنع بولص وليست من صنع الحواريين، وعيسى عليه السلام كان يتكلم العبرية أو الآرامية، وأقواله نقلت برواية آحاد ولم تدون إلا بعد غيابه بفترة طويلة جداً.

قالت سلفا: كلكم تقرون أن الأناجيل قد حرفت ومشكوك فيها، كيف هذا وأتباع هذه الكتب موجودون في كل أنحاء العالم.

قال أحمد: لا شك أنهم يؤمنون بها دون أن يقرؤوها أو يناقشوا ما ورد فيها، وكيف وصلت إليهم..

وتذكر عمر معلومة مرت معه ولم يذكرها أحد قال:

- يجب أن لا ننسى أن نسخ العهد القديم ضاعت أثناء الغزو البابلي في عهد بختنصر بل أبيدت، وعندما أعادوا كتابتها ضاعت مرة أخرى في عهد أنتيوكس وهذا أمر يعرفه الجميع.

وتكلم المشرف: أحسنتم لا شك أن لغتكم تتحسن وربما حرارة الموضوع أدت إلى ذلك ولننتقل الآن إلى مناقشة "الإله" في كل من هذه الكتب. فليتفضل من يريد الكلام.

قال الصحافي الأمريكي لويس:

- الإله في العهد القديم "التوراة" والعهد الجديد "الإنجيل" إله واحد، خلق الأرض والسماء وأوجد البشر من خلال آدم وحواء، وخلق كل ما في الأرض ونحن نصلي له ونعبده.

وقالت المبشرة الإنكليزية نورما:

- وهذا لا يمنع أن الله واحد في ثلاثة هم الأب والابن والروح القدس، وأنه رحيم بنا إذ أرسل ابنه ليكون فداء لنا كما جاء على لسان يوحنا المعمدان في الكتاب المقدس:

"هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" 1-29 وقد صلب المسيح من أجل هذا لكي لا يهلك من يؤمن به وتكون للمؤمنين به وبصحبه الحياة الأبدية.

وتكلمت آن:

- لقد قرأت الإنجيل والتوراة مراراً فلم أجد فيهما ما تصبو إليه نفسي من تمجيد لله سبحانه، فالإنجيل يقدم ما لا يقبله العقل من ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة.. والتوراة تقدم لنا صورة مادية عجيبة لله. فتارة نجده مصارعاً وتارة يفعل ويندم وتارة أخرى يقول ويعد وقد ينسى إلخ..

وتكلمت فتاة ألمانية تدعى ليندا قالت:

- لست مسلمة ولكني عشت في بلد عربي مسلم فترة من الزمن برفقة والدي الذي كان يمثل البلد هناك، ولمست عن قرب وضوح عقيدة المسلمين في الإله.. فالإله عندهم واحد أحد ليس كمثله شيء، خلق كل شيء وهو رب كل شيء، والكل عبيده، وأنا أقرأ الآن ترجمة للقرآن الكريم، وأزداد اقتناعاً بأن الله في القرآن إله يتقبله العقل والقلب معاً، وفي ظل الإيمان به يجد الإنسان الراحة والطمأنينة.

وعرف شاب مصري بنفسه:

- اسمي إبراهيم مسيحي من مصر.. أدرس مقارنة الأديان.. هدفي كما قال الذين وجهوني للدراسة وأمدوني بالمال أن أحارب الأديان وأرفع من شأن ديني.. ولكن للأسف الشديد فوجئت أثناء دراستي بأمور كثيرة منها ما يختص بموضوع نقاشنا، وهو أن الإله في العهد القديم هو رب بني إسرائيل فقط وهم شعبه المختار من بني إسرائيل، وهذا تجده مبثوثاً في كل أنحاء التوراة، ففي الإصحاح (43 أسفيا) يخاطب الله شعبه قائلاً:

"كل مكان تدوسه أقدامكم يكون لكم.. وقد اختارك الرب لتكون شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض".

وفي (أشعيا 49):

"هكذا قال الرب ها أنا ذا أرفع إلى أمم الأرض يدي. إلى الشعوب أقيم رايتي.. فيأتون بأولادك في الأحضان وبناتك على الأكتاف يحملون.. ويكون الملوم حاضنيك.. وسيداتهم مرضعاتك.. بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك ويلحسون غبار رجليك.."

إذن تلحس شعوب الأرض تراب نعل إسرائيل بأمر الرب، ويلح على سؤال الشعوب الأخرى من ربها؟...

عمر: لقد شعرت بعمق بفضل ديني، وأنه نعمة كبرى يجب أن أشكر الله عليها في الصباح والمساء.. استقر هذا الشعور في أعماقي بعدما قرأت خلال الأيام السابقة في ذلك الكتاب الذي يؤمن به اليهود والنصارى، ولمست ما بث فيه من عنصرية وتحريف، بينما القرآن يذكرني دائماً أن الله رب العالمين وأن رعايته ورحمته تشمل الناس جميعاً، فأنا أكرر في صلاتي يومياً "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم.." وأستعيذ برب الناس من كل شر فأقول كما أمرني ربي: "قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس.." برب الناس لا برب العرب ولا برب غيرهم وإنما برب الناس جميعاً.

ونظرت آن إلى عمر وقد غمرت وجهها مسحة من الاقتناع والرضى، وفي أعماقها تساؤل:

"ترى هل بدأت الحقيقة تنكشف؟

إنها تشعر باقترابها منها.

قال أحمد: لا شك أن لإله العهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى معاً صفات أخرى تجعل العقل في حيرة.. فهو يندم لأنه خلق الإنسان كما ورد في سفر التكوين الإصحاح السادس:

"فندم الرب على عمله الإنسان على الأرض.. وقال: امحوا البشر الذي خلقته.. حتى الحيوانات من الدبيب حتى طير السماء.. لأني نادم أني عملتهم".

قالت الدكتورة سماح:

- وهناك ما هو أكثر من ذلك فالله عندهم يتعب بعد أن خلق الكون ويستريح في اليوم السابع ويطرد آدم وحواء من الجنة لأنهما أكلا من شجرة المعرفة وأصبح بإمكانهما منافسة الله سبحانه في علمه ومعرفته، ويخشى أن يأكلا من شجرة الخلود أيضاً فلا يموتا، ويندم مرة أخرى لأنه أغرق الأرض وأهلك من فيها بالطوفان، ويعاهد نوحاً أن يفعل هذا مرة أخرى ولكنه قد ينسى –أستغفر الله العظيم. الله سبحانه ينسى؟... وعندئذ سيتذكر عهده لنوح عندما يرى قوس قزح الذي أوجده خصيصاً ليذكره بعهده.. هذا ما تقوله التوراة التي حرفوها ومن أراد المزيد فليرجع إلى سفر التكوين في العهد القديم، والحقيقة أن المسلمين اليوم أمة التوحيد بل أبطال التوحيد النقي في العالم كله.

قالت آن: وهناك ما هو أكثر غرابة وهو ما ورد في الإصحاح (32) من سفر التكوين من مصارعة تمت بين إله التوراة ويعقوب، وامتدت إلى طلوع الفجر ولم ينتصر فيها أحد، وإن الإله لم يستطع أن ينطلق فقال ليعقوب اطلقني، ويعقوب لم يطلقه إلا بمقابل وهو أن يباركه ذلك الإله العجيب.. إنها المادية المطلقة، رسموا بها صورة عجيبة للإله الذي يزعمون أنهم شعبه المختار.

قالت المبشرة نورما:

- لا جواب لي على ما ذكرتم، والقضية تحتاج إلى من هو أعلم مني وقد غرستم في أعماقي تساؤلات كثيرة لا بد لها من جواب.

قالت سلفا: إن الإله الذي أرسل لنا ابنه ليكون لنا فداء يستحق أن يطاع ويعبد.. وهو إله واحد في ثلاثة، أحبنا وخلصنا من الخطيئة، ويجب أن نحبه ونخلص له.

قالت الفتاة الألمانية ليندا: إن ما يحيرني في العقيدة المسيحية وإن كنت لا أزال ملتزمة بها، قضية الفداء هذه.. ثم هذا الإله الضعيف الذي يخاف ويختبئ ويهرب خوفاً من الصلب.. وهذا الأب القاسي الذي لا يلين لصرخات ابنه مع أن بإمكانه أن ينقذه من أيدي الظالمين، ثم يعفو ويسامح ويتجاوز عن أخطاء عباده لو شاء ذلك فإذا كان البابا يستطيع أن يمنح صكوك الغفران لمن يشاء، وقد منح اليهود صك الغفران وبرأهم من دم المسيح، فكيف يعجز إله البابا عن ذلك؟..

هذه أسئلة تضج بها أعماقي.. ولا أجد لها جواباً..

قال عمر: ذكرتني كلماتك بأبيات أبي العلاء التي يقول فيها:


عجبي للمسيح بين النصارى
ليت شعري وليتني كنت أدري


كيف قالوا إن الإله iiأبوه
ساعة الصلب أين كان iiأبوه؟!


وتدخل المشرف قائلاً:

أظن أننا تجاوزنا الوقت المخصص، وسنتابع الموضوع في الندوة القادمة.. وأدعوكم يوم السبت القادم لرحلة بحرية في ضوء القمر تكونون فيها أحراراً وتدعون من تشاؤون لمرافقتكم، ومن يريد الاشتراك فليسجل اسمه.

وقرر الجميع المشاركة في الرحلة.. وكانت الهولندية سيلفا أكثرهم اهتماماً وسعادة بما عرض عليهم المشرف.



يتبع...


0 محشش يحكي قصته لما كان في بطن امه .. إهداء الى الولد اللطيف .. ههههههاي اخر حاجة ..
0 الاسلام والتطهير العرقي
0 قـــلــب الأمـ
0 قـــلــــبــتــ الأوراقــ,, وتــــم تـــمـــزيـــقــهــا..{والفآآآعــل مــجــهــول}
0 عبد الرحمن الحساني مبروك التفوق
0 .La doctrina de los suníes y grupo en espa عقيدة السنة والجماعة بالاسبانية
0 test
0 الزوايا النفسية [4]~.,الكآلوس,.~ (الجزء الثاني )
0 غريبون نحن
0 رسالة إعتذاري الى جميع أعضاء منتدى برق الغالي بلا استثناء..
0 مرثية بوعزيزي..إهداء إلى شعب تونس الخضراء..{the legends}
0 سارة شما
0 اخرجوا منها سالمين..!
0 عقيدة أهل السنة والجماعة..
0 العاب بلاك بيري2010 .. العاب مشهورة عالميا ..تفضل واختار اللي يعجبك..
التوقيع
The LeGend's ™ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية [ادب] دمــعة أنثـى منتدي الأدب العالمي و روائعه 6 11-30-2018 07:54 AM
روايه ((لعنة جورجيت)) $$حبيب حبيبته$$ قسم الروايات المكتملة 42 03-27-2017 05:00 PM
جميع الروايات العالمية باللغة الانكليزية عبدالرحمن حساني منتدى المواضيع المميزة 107 05-01-2013 06:01 PM
.. ريال مدريد vs. برشلونه ذهاب نصف نهائي دوري الابطال عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 4 04-26-2011 04:08 PM
|[ .. برشلونة vs. ريال مدريد .. ]|ǁ .. نهائي كوبا ديل ري .. ღ . عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 10 04-21-2011 07:34 PM


الساعة الآن 08:48 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.