قديم 10-17-2011, 01:52 AM   #1
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية SIHAM NAWWARA
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3,495
معدل تقييم المستوى: 11
SIHAM NAWWARA is on a distinguished road
امراة في ظل الاسلام


رواية: ابتسام أشرف الكيلاني

منقول


المقدمة



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:

ترى كيف كانت حياة المرأة في ظل الإسلام؟
أهي الظلم؟.. أم العدل؟
أهي السجن؟.. أم الحرية؟
أهي الذل؟.. أم الكرامة؟
أهي حياة في ظل الاستبداد والتسلط؟
أم في ظل المودة والرحمة؟
أهي حياة الذل والهوان؟.. أم الكرامة والعزة؟
أهي حياة التنازل عن كل الحقوق؟ أم حياة تُحترم وتُصان فيها الحقوق؟
سنحكم من خلال سرد زينب لمراحل حياتها، أمام الرفيقة العزيزة التي التقتها على غير موعد، بعد أن أصبحت أماً وجدّة، وقررت أن تفتح أمامها سجل الذكريات، وتعرض الأحداث حلوها ومرّها في لقاءات تجمعهما بعد طول افتراق.
الحقيقة أنني لم أقصد كتابة قصة.. وإنما قصدت عرضاً واقعياً لحياة امرأة عاشت في ظل الإسلام، وفي حياتها مواعظ وعبر وأحداث، قد يكون في عرضها فائدة لمن يقرأ.. ويستوعب، وهي أحداث واقعية، شاهدتها بنفسي على مسرح الحياة، ولم أضف إليها من عندي إلا القليل ابتغاءً لتسلسل الأحداث، ولوضع الحلول لها من خلال المنهج الذي سنّه من خلق الإنسان وعرف حقيقته، وما يصلح له من تشريعات ونظم.



اللقاء الأول


ذكريات الطفولة


التقيتها بعد فراق دام سنين طويلة، منذ كنا في المدرسة الابتدائية أعز رفيقتين، بل أعز أختين.

كانت صداقتنا أكبر من سنّنا، عميقة وقوية، وانتهت المرحلة الابتدائية، وكنا فيها متفوقتين، كنت لا أعلم عن خصوصياتها الكثير، غير أنها وحيدة بين عدة إخوة لها، ومتوفاة الأم. عندها عاطفة دينية تدفعها للبحث عن كل ما يُقرّبها من الخالق، ويحميها من غضبه، تسحرها قصص الصالحين.. وتحاول أن تتخذ منهم قدوة ومثلاً أعلى. وكنت مثلها، لي نفس تطلعاتها، وهذا ما قرّبها مني وقرّبني منها.
وقد تزوج أبوها بعد وفاة أمها من خالتها التي احتضنت الأولاد، وتعاملت معهم بعاطفة الأمومة، فالخالة لم تُرزق بأولاد فانصرفت بعاطفتها نحوهم جميعاً. وكثيراً ما حدثتني عن تقوى خالتها، وكيفية صلاتها، والأدعية التي ترددها، وأنها عندما تكبر ستكون مثلها لعلها تفوز بالجنة، وكانت الجنة في أحلامنا الطفولية، نتحدث عنها ونحلم بها.
وانتهت المرحلة الابتدائية، وحملت كلّ منّا معها شهادة بالتفوق، وتواعدنا أن نلتقي معاً في المدرسة الإعدادية، ولكننا لم نلتق، ومرت الأيام وتتابعت السنون، والتقيتها فجأة في ذلك البلد البعيد.. في دبي.. بعد تلك السنين الطويلة، التقت الأعين.. وتجاوبت الأرواح، ورأيت فيها الصورة التي تخيّلتها دائماً مُسلمة في مظهرها، مؤمنة في تصرّفها.. وفيّة محبة.. عناق طويل جمعنا بعد فرقة في دار غربة.. لهفة وشوق لمعرفة كل ما مضى.
على مقعد في حديقة جميلة جلسنا متجاورتين، تبثّ كل منّا للأخرى ما تحمله من مشاعر، ونتلهف لمعرفة أخبار السنين التي مرّت، وما جرى فيها من أحداث، تفاعلت معها كل منا حسب ظروفها. ووعدتني أن نلتقي كل أسبوع لتقصّ عليّ جزءاً مما مرّ معها، بعد أن طلبت منها هذا بإلحاح، إذ وردت على لسانها عبارة مختصرة عبّرت عما تحمله في داخلها من كنوز، يجب أن تُكتشف قالت:
- خمسون عاماً في ظل الإسلام.. في ظل العدل والرحمة.. في ظل الكرامة والألفة في ظل لا إله إلا الله.. في بعضها كان الظل قريباً دانياً، وفي بعضها كان بعيداً فسعيتُ إليه واحتميت به، إنني أسعد امرأة في العالم.. إنني امرأة عاشت في ظل الإسلام.
وهكذا انتهى لقاؤنا الأول، وكان لقاءً عارضاً وقصيراً، على أن نلتقي كما وعدت زينب كل أسبوع لأسمع منها التفاصيل التي ترسم الصورة الصحيحة لامرأة عاشت في ظل الإسلام.


التوقيع
أشكرك كثييييييييييرا رحمة على التوقيع الرائع
اضغط هنا لتكبير الصوره




اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم اشف الريم شفاء لا يغادر سقما
أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيها
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيها و تمدها بالصحة و العافية
.اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين
اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن حساني ; 10-17-2011 الساعة 07:15 PM
SIHAM NAWWARA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-17-2011, 01:55 AM   #2
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية SIHAM NAWWARA
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3,495
معدل تقييم المستوى: 11
SIHAM NAWWARA is on a distinguished road
افتراضي


اللقاء الثاني

المرحلة الإعدادية

في مواجهة التبشير

وكان اللقاء الثاني في بيت صديقتي زينب، في الموعد المحدد كنتُ أطرق الباب، واستقبلتني زينب بكل الحب والمودة، ولفتت نظري بساطة البيت وجماله بكل ما فيه، نظام.. ونظافة.. وجمال، وبدأت زينب الحديث قائلة:
- لم تخبريني شيئاً عن أحوالك.
- قلت: سأعطيك ملخصاً عن حالي، وربما جاء دوري فيما بعد لأتحدث عن نفسي، إنني زوجة وأم، وأعمل في ميدان التدريس، وأعيش مثلك في ظل الإسلام.
قالت: أما أنا فأبدأ من حيث افترقنا في ذلك اليوم الذي أنهينا فيه مرحلة من حياتنا، كنا فيها كأختين، نحلم ونتخيّل ولا ندري ماذا يُخبئ لنا الغد، وكانت فرحة أبي بنجاحي وتفوقي كبيرة وكذلك خالتي، وأخبرني أبي أنه يرسم لي مستقبلاً زاهراً، فأنا ابنته الوحيدة بين ثلاثة أبناء، وأنا الصغيرة، حيث جئت بعد شوق طال لمجيئي، ففي رعاية البنت وتنشئتها ثواب عظيم عند الله تعالى، وكان والدي يتمنى أن ينال هذا الثواب. إنه غرس الإسلام الذي أبدل بكراهية الأنثى محبتها والابتهاج بمجيئها، بعد أن كانوا في الجاهلية يسودّ وجه أحدهم إذا أُخبر بمجيئها، أيتركها على هون أم يدسّها في التراب.
ومضى الصيف بين الترحال والنزهات، وفوجئت بأبي يسمي لي المدرسة الإعدادية التي سألتحق بها لأكمل دراستي، لقد اختار لي مدرسة خاصة، كنت أسمع عنها وعن أنها تستوعب بنات الأسر الغنية والعريقة، وأن التعليم فيها جيد وخاصة اللغة الإنكليزية التي أصبحت بنداً مهماً في كل مجالات الدراسة والعمل، ولا توجد في بلدنا مدرسة أخرى تضاهيها في ذلك.
وتذكرت الوعد الذي بيننا للقاء في المدرسة الإعدادية الحكومية الوحيدة في بلدتنا، وحاولت أن أرفض، ولكن والدي أنكر عليّ ذلك، وأخبرني أن تسجيلي قد تم وهو أعلم بمصلحتي، اقتنعت وسلّمت بالأمر، وحلمت أننا لابد أن نلتقي ولكن كيف؟ أنا لا أعرف الكثير عنك، أين يقع البيت الذي تقيمين فيه، في أي جهة من جهات المدينة؟ وأنا الصغيرة التي تجهل مثل هذه الأمور. ولم تكن الهواتف متوفرة في كل بيت. ولكن ظل الحلم يراودني زمناً طويلاً.
وابتدأ العام الدراسي، وفاجأني جو المدرسة، كان يشرف على المدرسة مجموعة من الراهبات بزيّهن المعروف وصلبانهن المتدلية، لا يوجد في المدرسة أي مظهر من مظاهر الإسلام، سوى عدد قليل من الطالبات كنّ يضعن الحجاب وهنَّ خجلات منه، ويرفعنه عند دخولهن المدرسة، بل كانت هناك حرب خفية ضد الإسلام، أحسست بذلك في أعماقي، ربما كنتُ مؤمنة بالفطرة، بل كل منا مؤمن بالفطرة لا شك في ذلك، ولكن هناك ما دعّم إيماني، توجيهات تلقيّتها عبر السنوات التي مرت من أمي وأبي وخالتي، ثم المدرسة، الابتدائية، ولا أنسى صحبتنا وأحلامنا أن نرتع غداً في رياض الجنة، ونقلت مشاعري عن المدرسة لخالتي وأبي، لقد استنكرت خالتي اختيار أبي لمدرسة كهذه وقالت:
"هذه المدرسة يجب أن تغلق، لماذا نحارب في بلدنا؟"
أما أبي فقد تمسك برأيه وقال:
"إن على المؤمن أن يصبر ويقاوم، وليكن نوراً يضيء في الظلمات أينما ذهب، المهم أن تتمسكي بما آمنت به، وتنمّي معرفتك بهذا الدين الذي تنتسبين إليه. فالعواطف وحدها لا تكفي ولا بد من العلم والعمل."
ولا تزال كلماته -رحمه الله- ترن في أذني حتى الآن، إنها معركة بدأتها مبكرة.
وأكثر ما كان يزعجني تلك الحصة الصباحية التي تقام فيها طقوس دينية، لا علاقة لنا بها نحن المسلمات ومع هذا يجب أن نحضرها، إنه النظام، كلمات تقال تخالف تماماً عقيدتي في وحدانية الله تعالى، موسيقى ترافق الكلمات، حركات لا أفهمها، قصص تُروى لنا تحاول شدّنا بعيداً عن دين المسلمين.
كنت أشعر بالغربة، كما أشعر بالاعتزاز بما استقر في يقيني عن ربي. طبعاً لم يكن يجرؤ أحد على المعارضة أو المناقشة. قالت لي إحدى الطالبات عندما حاولت أن أستفهم عن إله له أولاد وزوجات وكيف تساوي الثلاثة واحداً، قالت لي:
"إن قضايا الدين لا تخضع للعقل، ويجب أن نؤمن بها هكذا دون مناقشة"
وعجبتُ وسألت نفسي: هل في الإسلام ما يتنافى مع العقل؟..
ومرت بذاكرتي قصة ذلك الأعرابي الذي هداه عقله وتأمله في الكون إلى وجود الله وأنه سبحانه العليم الخبير عندما قال:
"أسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على العلي القدير؟.."
وأحسست بالراحة وشفتاي ترددان:
"قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفواً أحد".
نعمْ لم يلد ولم يولد، ولا يمكن أن يكون مكوناً من أجزاء. هذه الراحة التي كنت أشعر بها كلما ضايقني أمر، فأذكر الله، وألجأ إليه، إنه شعور لازمني طوال حياتي، إنه الإسلام معي في كل الجولات التي خضتها في خضَمِّ الحياة الواسعِ، كما أن أبي وإخوتي وخالتي كانوا معي دائماً.
قلت لزينب: وهل كنت تحدثينهم عما يجري في المدرسة؟..
قالت: نعم كنت أحدث خالتي في كل شيء، فهي قريبة مني، وحنانها كان يدفعني للحديث، فكنت أجد في كلماتها راحة وطمأنينة.
قلت: وهل كنت تخبرين والدك بما يجري؟
قالت: عندما يسألني، وكان يمنحني نصائحه التي تزيدني فهماً وعلماً بديني، فعندما سألته عن عقيدة التثليث وكيف يمكن أن يساوي الثلاثة واحداً؟ وكيف يمكن أن يتقبل العقل مثل هذا الكلام؟
قال: إنها من التحريف الذي حلَّ برسالة عيسى عليه السلام وتَقبَّلَها الناس إما بالوراثة، وإما بسبب الحاجة والفقر. أما أن يتقبلها العقل فلا.
وقصّ علي حكاية طريفة سمعها في إحدى رحلاته إلى إفريقيا قال:
"إنهم يستغلون حاجة الفقير للغذاء، وحاجة المريض للدواء، وحاجة الجاهل للعلم، ولقاء سدِّ حاجات ضرورية يتقبل بعضُهم عقيدةً يحكم العقل ببطلانها، وكثيرون يرفضون ذلك، أما الحكاية فقد جيء بأحد فقراء المسلمين ليلتقي بأحد رجال الدين فيلقنه تعاليم النصرانية فإذا تقبلها ضمنت له حياة كريمة.
قال له رجل الدين:
- إن عليك أن تؤمن بالأب والابن وروح القدس وأن هذه الأقانيم الثلاثة هي إله واحد.
قال الرجل: كيف؟ إن هذا غير معقول؟!
قال رجل الدين:
- القضية بسيطة جداً.
"وأخذ بطرف ثوبه وثناه ثلاث ثنيات وقال: هذا الأب وهذا الابن وهذا روح القدس أليسوا ثلاث ثنيات؟ افتح هذه الثنيات فيعود القماش كما كان قطعة واحدة أي إلهاً واحداً.
ففكر الرجل الفقير قليلاً ثم قال:
- دع لي إلهي الواحد.. هنيئاً لكم إلهكم المثلث وسأفعل كل ما تريدون مني."
قلت لزينب: إنها من نعم الله العظيمة أن يحاط الإنسان برعاية واهتمام والدين يفهمان الإسلام فهماً صحيحاً ويثقان بتعاليمه ومبادئه.
قالت: نعمْ فللأبوين تأثير كبير في تنشئة الأولاد وصدَقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أبلغنا أن الأبوين هما اللذان ينميان نبتة الإيمان في القلوب عندما قال:
"كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يُنصِّرانه أو يهوِّدانه أو يمجِّسانه".
ولولا تلك الرعاية التي أُحطتُ بها لتحولت إلى أحد أمرين: إما النصرانية، وإما الفراغ الكامل من العقيدة والدين.
ولقد كانت تصادفني نماذج عجيبة في تلك المدرسة التي أمضيت فيها أربع سنوات، فقد فاجأتني إحدى الطالبات مرة بأنها تستحيي أن تقول إنها مُسلمة، وكأنما صفعتني كلماتُها، وبدأت أتقربُ منها وأحاول أن أفهم دوافع هذا الشعور، وهكذا أحسست أن عليَّ مهمة، ولكن لن أستطيع أن أقوم بها دون الاستعانة بأبي وخالتي.
قلت لزينب:
- أشعر أن اجتماعنا قد طال، والوقت قد تأخر، وعليَّ أن أعود إلى البيت، بالرغم من شوقي لسماع المزيد عن تلك الفتاة التي تستحيي من دينٍ جاء من لَدُن عليم خبير وحوى الخير للإنسانية جمعاء.
وَدَّعتُهَا وتواعدنا على اللقاء في بيتي في الأسبوع القادم.


التوقيع
أشكرك كثييييييييييرا رحمة على التوقيع الرائع
اضغط هنا لتكبير الصوره




اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم اشف الريم شفاء لا يغادر سقما
أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيها
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيها و تمدها بالصحة و العافية
.اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين
اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن حساني ; 10-17-2011 الساعة 07:17 PM
SIHAM NAWWARA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-17-2011, 01:57 AM   #3
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية SIHAM NAWWARA
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3,495
معدل تقييم المستوى: 11
SIHAM NAWWARA is on a distinguished road
افتراضي


اللقاء الثالث

حرب خفية في المدرسة التبشيرية

قوامة الرجل أهي تسلط واستعباد؟



وحلَّ الموعد وجاءت زينب لتُسمعَني ما أشتاقُ إلى سماعه من ذكريات امرأة تقول إنها عاشت في ظل الإسلام، وإنها أسعد امرأة في العالم بالرغم مما مرّ بها من أحداث، بعضها حلو وبعضها مُرّ كما هي حال الدنيا.

جاءت إلى بيتي المتواضع المغروس بين شجرات النخيل.
وعلّقت زينب على البيت قائلة:
- بيتك يبعث الراحة في النفس.. خاصة أن حراساً أشداء محيطون به.. ما أروعهم من حراس!. ترى ماذا توحي إليك شجرات النخيل هذه؟.
قلت: إنها تذكرني باستمرار أنني فرع من شجرة انغرست جذورها هنا في أعماق الأرض.. أرض الجزيرة العربية، أجدادي كانوا هنا تضمهم الأرض نفسها.. وتظللهم السماء نفسها.. وترافقهم دائماً شجرة النخيل.
قالت: جميل جداً أن يعرف الإنسان من هو.. وإلى من ينتمي.. ويعتز بانتمائه..
قلت: والآن خَبِّريني عن تلك الفتاة التي تستحيي من انتسابها، إلى الإسلام.
قالت: لقد كانت جارتي، تقاسمني المقعد، واسمها فاطمة.
قلت: اسمها فاطمة وتستحيي من الإسلام؟ ما أغرب هذا!!
قالت: لا تعجبي.. لقد وَجهتُ لها نفس الاعتراض.
فقالت: كيف لا أستحيي من الإسلام وأنا لا أسمع عنه في هذه المدرسة إلا ما يعيب؟
قلت: وأين والداك من كل ذلك؟
قالت فاطمة: والداي؟ كل منهما له شأنه الذي يُغنيه، وإذا اجتمعا فخصام دائم، والدتي دائمة الصراخ، وإذا افترقا عاب كلّ منهما الآخر، لا وقت عند أحدهما لتوجيهنا وإرشادنا، والدي مشغول بعمله في الصباح والمساء، ووالدتي مشغولة بزياراتها وزينتها وتتصرف تصرفات عجيبة، تميس طرباً إذا جاملها إنسان باطراد جمالها أو شبابها أو زينتها، يُخيّل إليّ أنها لا ترى إلا نفسها، أما نحن أولادها ففي المرتبة الثانية أو الثالثة، وأحياناً لا تشعر بوجودنا.
أحسست بالشفقة نحو فاطمة وقررت أن تكون صديقتي، فهي بحاجة إلي، ربما كان عندي بعض الخير الذي هي بحاجة إليه، والعناية الإلهية وضعتها في طريقي، ووضعتني في طريقها، وهي طيبة ولطيفة، إنها نبتة جميلة غُرست ثم أُهملت، فأصابها الضعف.. وتكاد تذوي.
قلت: فعلاً وما أكثر الغرسات المهملات في أسر شغلتها المادة.. ولفّتها دوامة الحياة.
قالت زينب: هذا صحيح.
ومع ذلك أحسست أنها قريبة مني عندما قالت:
- لا تظني أنني أكره الإسلام.. لا.. ولكن ربما لا أعرفه، إنه يعرض علينا في هذه المدرسة بطريقة مُنَفِّرة، بينما يلبسون معتقداتهم ثوباً محبباً.
وبدأت رحلتي معها يساندني أبي وخالتي والجو الذي نشأت فيه.
وكانت فاطمة تروي لي بعض ما يقلقها من سهام وُجّهَتْ للإسلام ورجاله، وقد تراكمت في أعماقها خلال الفترة التي قضتها في المدرسة الإعدادية.
قلت لها:
- ستدركين عند فهمك للحقيقة أن تلك السهام التي تُوَجَّهُ لشرع الله كلها زائفة، وستمتلكين، إن شاء الله تعالى، سهاماً حقيقية توجهينها إلى عقائد ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان.
قالت: من الأمور التي تشغلني زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحدى عشرة زوجة. فكثيراً ما سمعتهم يهمزون ويلمزون حول هذا الموضوع.
قلت: إنه رسول الله تعالى الذي سعدت المرأة في كنفه، فليس من العدل أن تحظى برعايته وقربه امرأة واحدة فقط.. إن أية امرأة تتمنى أن تكون بين زوجاته صلى الله عليه وسلم. هذا ما أحسه في أعماقي كامرأة مسلمة يشدها الأسلوب الذي تعامل به رسول الله صلوات الله عليه مع نساء بيته، بل مع النساء كافة. وهناك نواح أخرى كثيرة؛ منها أن حكمة المولى عز وجل اقتضت أن يضم بيت رسول الله عدداً من الزوجات تتولى كل منهن وصف ناحية من نواحي حياته الغنية بالحكمة والرحمة، وبذلك يتسع بيت النبوة لينتشر نور الرسالة بواسطة نساء حكيمات مؤمنات، وهذه خصوصية جعلها الله سبحانه له وحده من دون سائر المسلمين، وبفضل أمهات المؤمنين ضمت كتب السيرة كل صغيرة وكبيرة عن حياته صلى الله عليه وسلم، ومن خلالهن رضي الله عنهن عرف الجميع كيف كان يتعامل الرسول الكريم مع المرأة.. الزوجة.. والبنت.. والقريبة.. والبعيدة..
قالت فاطمة:
- أرجو أن توضحي لي بقية الجوانب في قضية زواجه صلى الله عليه وسلم.. والتي بها سوف أواجه شبهاتهم وهمزهم ولمزهم، وإن كان ما قلته قد أراحني..
قلت: سوف أفعل بقدر استطاعتي.. سجلي عندك يا عزيزتي ما يلي:
1- لقد كان تعدد الزوجات سائداً في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لعددهن حد معين.
2- ومع ذلك فقد اكتفى الرسول الكريم بزوجة واحدة وهو في عز شبابه وهي أكبر منه بخمس عشرة سنة وبقي معها حتى توفيت، ورافقته ذكراها حتى آخر حياته.. إنها السيدة العظيمة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
3- زواجه من الأخريات تم في الفترة الأخيرة من حياته، أي بعدما تقدمت به السن، وجميع زوجاته ثيبات (أرامل) وكبيرات في السن ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها.
4- كان زواجه منهن لمصلحة الدعوة الإسلامية.. وشملت حكماً كثيرة منها التعليمية.. والتشريعية والاجتماعية والسياسية.
قالت فاطمة: هل يمكن أن تذكري لي بعض الأمثلة؟
قلت: نعم لك ذلك، فمن الناحية التعليمية: كان لأمهات المؤمنين الفضل الأكبر في نقل أخباره وأفعاله صلى الله عليه وسلم في المنزل. وقد عرف علماء المسلمين لهن هذا الفضل، فها هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول:
"ما أشكل علينا - أصحاب رسول الله - حديثٌ قطُّ فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً".
وأما من الناحية الاجتماعية: فقد تزوج صلى الله عليه وسلم بابنة الصديق أبي بكر وزيره الأول، ثم بابنة وزيره الثاني الفاروق عمر رضي الله عنه، وفي هذه المصاهرة تقوية للصلات الاجتماعية كما فيها اعتراف بفضل الصاحبين الأكرمين.
وأما من الناحية السياسية: فزواجه صلى الله عليه وسلم من سودة بنت زمعة بعد وفاة السيدة خديجة وكانت رضي الله عنها أكبر منه سناً توفي زوجها وتركها بلا عائل.. وكان أهلها بنو عبد شمس أعداء لبني هاشم ولرسول الله، وكان الهدف تأليف القلوب، ولو كان هدفه صلى الله عليه وسلم المتعة لتزوج من العذارى من بنات قريش المؤمنات.. ومثل سودة.. رملة بنت أبي سفيان حامل لواء قريش وأمها هند بنت عتبة وكانا من ألد أعداء الدعوة الإسلامية، وكان في هذا الزواج حكمة بالغة وسياسة حكيمة، ولما بلغ أبا سفيان الخبر افتخر برسول الله وقال: "هو الفحل لا يُجدع أنفه".. وفيما بعد أعلن إسلامه.. وقد دخل الهلاليون في دين الله أفواجاً عندما تزوج الرسول الكريم من ميمونة بنت الحارث الهلالية.. كما أعلن بنو المصطلق إسلامهم عندما تزوج النبي الكريم من ابنة سيدهم جويرية بنت الحارث التي أسرها المسلمون وأعتقها الرسول الحكيم وتزوجها، فالمصاهرة كان لها أثرها الكبير في دمج القبائل وتآلفها وهذا ما سعى إليه الرسول الكريم بحكمة عندما عدَّدَ الزوجات.
قالت فاطمة: لم تذكري لي شيئاً عن الحكمة التشريعية.
قلت: الحكمة التشريعية كانت في زواجه صلى الله عليه وسلم بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، بعد أن طلقها زيد بن حارثة وكان الرسول الكريم قد تبناه، وكان العرب يعتبرون المتبنّى ابناً حقيقياً، له أحكام الابن من النسب تماماً. فأبطل الإسلام ذلك عملياً من خلال زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مطلقة زيد، وكان هذا الزواج بأمر من الله تعالى:
)فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً( الأحزاب 37
قالت فاطمة: جزاك الله خيراً، هذا يكفيني، وسوف أحاول الاطلاع والقراءة لأتعرّف على حقيقة الدين الذي أحمله بالوراثة.. وأجهل عنه الكثير.. ولكن عندي إشكالاً آخر.
قلت: ما هو؟
قالت فاطمة:
لماذا أباح الإسلام للرجال أن يتزوجوا أكثر من واحدة؟ ألا يكفي الرجل زوجة واحد؟ أليس في هذا ظلم للمرأة؟
قلت: تأكدي أنه ليس في شريعة الله ظلم لأحد.. لقد اشترط سبحانه العدل عند تعدد الزوجات، العدل في كل شيء إلا ميل القلب لأن القلوب بيد الله تعالى.
قالت: أليس في هذا التعدد استهتار بمشاعر المرأة؟ وهل تقبلين أنت بذلك؟
قلت: قد أقبل وقد لا أقبل.
قالت: كيف؟ وضحي لي ذلك.
قلت: لن أقبل إذا لم يكن هناك ما يدعو إلى هذا التعدد، وسأقبل لو وجد ما يدعو إلى زوجة أخرى، فهنالك أسباب تدفع الرجل إلى الزواج، منها أن تكون الزوجة عقيماً لا تُنجب، ومنها أن تصاب بمرض ما، ومنها أن يزيد عدد النساء على عدد الرجال كما في الحروب والأزمات، فيؤدي هذا إلى انتشار الفساد، وحمايةُ المجتمع مقدّمة على أي شيء آخر.
قلت لزينب: إن تعدد الزوجات من جهة أخرى تصنعه النساء، فالمرأة بملء إرادتها تقبل أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، إنه إحساس المرأة الذي يدفعها للقبول، فهي بحاجة لبيت وأسرة، وليكن من خلال التعدد، كما أن الزوجة الأولى بإمكانها أن ترفض وتنسحب من حياة ذلك الزوج الذي تزوج بأخرى.. والإسلام لم يفرض التعدد وإنما أباحه وشرط له، ولن يوجد التعدد الظالم إلا في ظل البعد عن الإسلام، وفي حالة انحسار الإسلام عن القلوب، ثم أيهما أفضل للمرأة والإنسانية: أن يؤمّن لها التعدد بيتاً وأسرة، أم أن تكون مجرد متعة يلتقي بها الرجل ثم يلقي بها في سلة المهملات هي وما حملت في أحشائها، ثم تُلقي هي ما في أحشائها للمحاضن، وتنشأ أجيال لا تعرف لها أسرة ولا بيتاً؟ إنه انفلات يؤدي إلى دمار المجتمع إذا استمر ولم يواجه بنظام دقيق حكيم.
قالت زينب: والأهم من كل هذا أن واضع هذا النظام هو أحكم الحاكمين وهو أعلم بما يصلح لمخلوقاته، ولكن هذه الحقيقة غائبة عن قلوب غفلت عن أنه سبحانه هو الخالق وهو الرب المدبر.
وهكذا بدأت فاطمة تدرك شيئاً فشيئاً حقيقة هذا الدين، الذي كانت تستحيي من الانتساب إليه. وكثيراً ما وقفت بجانبي وتصدت لأباطيل تثار حول الإسلام، وهكذا تمتنت علاقتي بها وزارتني وزرتها، والتقيت والدتها وأحسست أنها مرتاحة جداً لصحبتنا، وكثيراً ما كانت تشاركنا مناقشاتنا، وفي إحدى الجلسات أبدت رفضاً لسيادة الرجل على الأسرة، وكنت قد سمعت من والدي كلاماً حول هذا الموضوع، كما قرأت عنه في كتاب كان له أثر كبير في حياتي، وهو كتاب "شبهات حول الإسلام".
وبماذا أجبت امرأة تعترض على سيادة الرجل على الأسرة؟
أجبت أن المرأة أيضاً سيدة في بيتها، وأسرتها، حسب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها"(1)
قالت أم فاطمة: لكن الذي يمارس السيادة هو الرجل.
قلت: وأنت ألا تشاركينه؟ ألا تناقشينه؟ ألا تبدين رأيك؟ لقد كان رسول الله صلوات الله عليه يناقش زوجاته ويستشيرهنّ حتى في الأمور العامة. إن سيادة الرجل ليست دكتاتورية وتسلطاً وإنما هي مسؤولية وتكليف، ولأنه الأقدر على تحمّل أعبائها، فهو الذي عليه أن يواجه العالم الخارجي وهو الذي عليه أن يعمل، وهو الذي عليه أن يُنفق، وهو الأدرى بما يكتنف الحياة الخارجية من مخاطر.
قالت أم فاطمة: أنتِ مع الرجل كما يبدو لي.
قلت: لست مع الرجل ولست ضده، أنا مع واقع الحياة، مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ثم على أساسها نظّمت شريعته الأمور.
قالت: عجباً إنك صغيرة جداً على مثل هذا الكلام.
قلت: لا.. إنني أستقيه من أسرتي من نموذج أعيشه فعلاً، إنني لا أستطيع أن أتخيل أسرة بلا مسؤول عنها.. إنها الفوضى والدمار، كما لا أقبل أن أكون أنا المسؤولة مع وجود رجل في الأسرة، فهذا واجبه وهو الأقدر، ولا يمكن أن أعيش مع رجل من النوع الذي يتخلى عن مسؤوليته وواجبه.
قالت: كلامك جميل، لكن ليت الرجال يفهمون حدود دورهم هذا ويتخلون عن دور السيد المطاع.
قلت: إن للمرأة العاقلة الحكيمة دوراً في هذا الشأن، فهي تستطيع أن تؤثر في الرجل وتساعده ليكون راعياً صالحاً في أسرته، على المرأة أن تحاول ولابد أن تنجح.
قالت: يُقنعني كلامك وأشعر أنك أكبر مني سناً، إنك تفتحين في داخلي نوافذ كانت مغلقة ولم تمتد إليها يد لتفتحها شكراً لك..
وهكذا استمرت لقاءاتنا وبدأت الأمور تتغير ضمن أسرة فاطمة، ولفت نظر الأب هذا التغير، وطلبتُ من أبي أن يزوره وقال أبي:
- كان يجب أن يحدث هذا منذ زمن، منذ أن سكنوا إلى جوارنا، ولكن مشاغلي الكثيرة حالت دون ذلك. وسأفعل إن شاء الله.
وتُبودلت الزيارات، وأخبرني أبي عن حوارات كثيرة دارت بينهما وجلّها حول مكانة المرأة ودورها وطبيعتها.
وطلبت من زينب أن تذكر لي مثالاً مما دار بين الوالدين.
قالت زينب: تصوري أنه كان يعتقد أن المرأة لا شيء، مجرد كائن ناقص العقل وناقص الدين، وأنها مجرد ضلع أعوج لا قيمة له، وأن عليها أن تطيع الرجل طاعة عمياء دون اعتراض.
وأفهمه أبي أن الضلع الذي ضربه الرسول الكريم مثالاً للمرأة له دور هام جداً في جسد الإنسان، فالأضلاع هي التي تحفظ أهم الأجهزة في جسد الكائن البشري، إنها تحفظ القلب والرئتين، واعوجاج الضلع ليس عيباً فيه وإنما هو أمر أساسي، ولا قيمة للأضلاع ولن تستطيع أن تقوم بمهمتها إلا إذا كانت معوجّة من أعلاها، كما أنه لا قيمة للمرأة إذا فقدت فطرتها وعاطفتها، وتخلت عن مشاعر الحب والرحمة. إن المرأة تُكمّل الرجل الذي يتصرف من خلال عقله ومصالحه مبعداً مشاعره الأخرى عن ميدان عمله، بينما المرأة الطبيعية تسبق مشاعرها جلّ تصرفاتها وخاصة من خلال الأمومة وسهر الليل وتحمل المشاق والمبادرة السريعة والعفوية لحماية طفلها من كل سوء.
قلت: والحقيقة أن للمرأة مهمة عظيمة أعدّها الله سبحانه لها وهي احتضان الأجيال، كما تحتضن الأضلاع المعوجّة أهم أجهزة الجسد، إنها المهمة التي لا يستطيع الرجل القيام بها، والتي من أجلها وُضعت الجنة تحت قدميها.
قالت زينب: ومع ذلك فلن تعجز المرأة عن القيام بأية مهمة تجد أن الأمة بحاجة إليها، وإن كانت المرأة تفضل أن تكون أماً وزوجة على أية مهمة أخرى.
قلت: ما أسعدني وأنت تعيدين على مسامعي تلك الذكريات.. وما أجمل أن يتولى المسلمون بعضهم بعضاً بالنصيحة دون مراء ولا شحناء وإنما بالتي هي أحسن كما أمرنا الله سبحانه.
قالت: كنا حريصين جميعاً على التي هي أحسن، وكشف طريق الحق يجب أن يكون بتؤدة وشيئاً فشيئاً دون ملل ولا يأس. فطريق الحق لا ينكشف للبصائر دفعة واحدة، وإنما لابد من التكرار والتدرج لتتحرك الفطرة التي غطّاها الباطل وقد يأخذ الأمر سنوات.
قلت: نعم صدقتِ هذا ما يجب على حملة الحق أن يفعلوه.
قالت: فعلاً أحداث كثيرة من هذا النوع حدثت أمامي ومعي خلال السنوات التي مرّتْ من حياتي، وأنا أسعى ليرى الجميع الطريق السويّ الذي أراه، وسأذكر لك قصة رفيقة لي اسمها مريانا تدين بالنصرانية.
أتخيلها الآن يوم التقينا لأول مرة: فتاة في مثل سني تحمل حقيبتها خارجة من باب المنزل الذي في جوارنا وقد سُكِنَ حديثاً ولم نتعرف على سكانه بعد، وكنت في طريقي إلى المدرسة التي لم تكن بعيدة عن بيتنا، حييتها وقد أحسست بنوع من البهجة لمرآها ، فتاة في مثل سني جميلة المحيا تضع على رأسها وشاحاً جميلاً وإن كانت خصلات من شعرها تتدلى من خلاله، وردّت التحية بابتسامة. سألتها عن اسمها قالت: مريانا عبد الله.
وخطر في ذهني خاطر: إنها نصرانية إذن.. اسمها يدل على ذلك.
قلت: إلى أي مدرسة أنت ذاهبة؟
قالت: مدرسة الراهبات التي في حيّنا هنا، وهذا أول يوم أتوجّه فيه إلى هذه المدرسة هنا في مدينتكم.
قلت: ،من أين أنتِ؟
فذكرت ناحية قريبة وتأكد لي أنها نصرانية، فالقرية التي ذكرتها يسكنها النصارى.
قلت: أهلاً وسهلاً بكم في حيّنا ومدينتنا وسأرافقك إلى مدرسة الراهبات فهي مدرستي أيضاً وأنا في الصف الثالث الإعدادي.
قالت: هذا حسن وأنا في الصف الثالث كذلك..
وسرنا جنباً إلى جنب.
وتمتّنت بيننا أواصر الصداقة وجرت زيارات بيننا وبينهم، ولاحظت أن عاداتهم قريبة جداً من عاداتنا، نساؤهم محتشمات وفي اجتماعاتهم لا يوجد اختلاط بين النساء والرجال إلا في حدود ضيقة وبعيدة عن مجرد التسلية والاستمتاع.
وأصبحت مريانا من رفيقاتي المقربات، وكثيراً ما كانت تسألني عن أمور تتعلق بالدين، وكنت أشعر أن بعض الأمور في الإسلام تشغل تفكيرها وتدفعها إلى المقارنة والاستنتاج، وكانت ذكية جداً ومنافسة خطيرة لي، وانتهى ذلك العام . وحملت كلّ منّا شهادتها وفي مخيلتها صورة لحياة جديدة في المرحلة الثانوية، وأمل أن يجمعنا صف واحد ومدرسة واحدة، وانتهى اللقاء علىأن نبدأ الحديث عن المرحلة الثانوية في لقاء جديد هو في علم الغيب.


التوقيع
أشكرك كثييييييييييرا رحمة على التوقيع الرائع
اضغط هنا لتكبير الصوره




اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم اشف الريم شفاء لا يغادر سقما
أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيها
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيها و تمدها بالصحة و العافية
.اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين
اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن حساني ; 10-17-2011 الساعة 07:58 PM
SIHAM NAWWARA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-17-2011, 02:45 AM   #4
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية SIHAM NAWWARA
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3,495
معدل تقييم المستوى: 11
SIHAM NAWWARA is on a distinguished road
افتراضي


اللقاء الرابع


في المرحلة الثانوية، أساتذة يبنون، وآخرون يهدمون

تشويه متعمد للتاريخ

المستقبل لهذا الدين

في جو ربيعي بين شجيرات النخيل وزقزقة العصافير.. وامتداد البحر كان اللقاء الرابع.

قالت زينب: ما أجمل هذا الكون! تُرى هل كل الناس يتمتعون بما خلق ربي من تناسق وتوازن وجمال؟
قلت: لاشك أن هناك من لا يلتفت إلى هذا أبداً، كما أن هناك من يستمتع ولكن بعيداً عن مشاعر القرب من الله سبحانه وأولئك هم الغافلون.
قالت زينب: لقد نسيت فئة أنساهم الظلمُ والطغيانُ الذي وقع عليهم، كلَّ مُتع الدنيا، وضمَّتْهم جدران باردة، ولازمتهم مطارق العذاب، ترى هل نسوا ذكر الله أم لا تزال قلوبهم عامرة به مضاءة بنوره، مطمئنة إلى رحمته.. فالله وحده يعلم ما حلّ بهم..
قلت: كأنك تتحدثين عن ظروف مرّت بك ولا تزال مرارتها تخالط مشاعرك التي عشت بها مطمئنة في ظل الإسلام، بالرغم من جرعات مُرّةٍ تناولتِها ولن يزول طعمها.
قالت: نعمْ وسأحدثك عن تلك الظروف في حينها، أما الآن فدعيني أعود إلى المرحلة الثانوية، وسأقص عليك بعض الأحداث التي مرّت بي في تلك المرحلة:
من الأحداث السعيدة جداً في هذه الفترة زواج أخي الكبير، وأخي لم يكمل تعليمه بعد الثانوية وإنما انغمس في العمل مع والده، وكان يهوى التجارة، وعنده فكر عملي لا يملكه الذين يحملون الشهادات العليا، لقد أسعدني زواجه من فتاة لا تكبرني بالكثير، فهي إحدى قريباتنا الخلوقات الواعيات وتحمل الشهادة الثانوية أيضاً. لقد أصبحنا صديقتين حميمتين، وكان سكن أخي في الطابق العلوي في البناية التي نسكنها.. وكثيراً ما باحت لي بأسرارها.. وبحت لها بأسراري، فكانت بمثابة أخت لي عوضتني عن الذي فقدته من خصوصية العلاقة بين الأختين، وكم حمدت ربي على ذلك.
وانتهت الإجازة وفتحت المدارس أبوابها واجتمعنا مرة أخرى أنا وفاطمة ومريانا في صف واحد. وعمّتنا الفرحة بعد أن بذلنا جهداً لنحقق هذا الهدف، وكانت أيامنا الأولى استعراضاً للمدرسين والمدرسات الذين سيتولون مهمة تعليمنا في ذلك العام وربما بقية الأعوام. وتراوحت مشاعرنا بين التقدير والإحباط.. وأحياناً الصدمة واليأس.
وتعود إليَّ أحداث ذلك الماضي وسأذكر لك بعضها:
سأبدأ بأستاذ الدين لقد كان كبيراً في السن وضعيف الشخصية، وإن كان غزير المعلومات، ولكن أين مَن يسمع وينتبه فكانت الحصة تُستغل في أمور كثيرة، ككتابة الواجبات أو استذكار الدروس أو التهريج. وقد حاولنا أن نحول الحصة إلى مناقشات مفيدة، ولكننا فشلنا أنا وفاطمة وبعض الطالبات الواعيات وحاولت معنا مريانا إذ حضرت بعض الحصص بالرغم من أن التلميذات المسيحيات مسموح لهن بعدم حضور حصة الدين، وهكذا مرّت أعوام وحصة الدين صفر في تأثيرها وخاصة أن علامة الدين لا قيمة لها في سجل الدرجات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فهي تُحذف من مجموع الدرجات ولا أثر لها في الرسوب والنجاح.. والهدف معروف.. أن تُهمل هذه المادة ولا يهتم بها.
أما أستاذ اللغة العربية فقد كان أديباً وشاعراً معروفاً، وكنا في حصته ملزمات بالإصغاء فَهِمْنا أم لم نفهم، والويل لمن تأتي بحركة أو تتلفظ بكلمة، فإنها تواجه بغضبة كبرى، لأن أي حركة أو صوت يمكن أن يقطع سلسلة أفكاره، فهو لا يستعين بالمخطوط والمكتوب على الورق, وإنما بما خُط في ذاكرته من معلومات حول الشاعر أو الأديب الذي يقدم لنا معلومات عنه، ولاشك أننا كنا نستمتع بحصته رحمه الله، وإن كان بعضنا يسرح بأفكاره بعيداً عن الحصة وما فيها، وفي نهاية الحصة تدبّ فوضى لا مثيل لها، وتقوم بعض الطالبات بتقليد الأستاذ في ثورة غضبه وتنطلق عاصفة من الضحك، بينما أكون منشغلة في استرجاع بعض ما قاله الأستاذ من معلومات قيمة وتدوينها في دفتري قبل أن أنساها، لأنه كان يضيق بتقليب الورق وحركة الأقلام.
وأما أستاذ الفلسفة وعلم النفس الذي لازمنا خلال الفترة الثانوية، فقد كان ذا شخصية قوية نتعامل معه باحترام ومحبة، بالرغم مما قيل عنه من أنه لا يؤمن بالله، وأنه من المعجبين بكارل ماركس ونظريته التي لا ترى في الإنسان إلا الجانب المادي، وإلى آخر ما نادت به هذه النظرية من مساواة مزيفة لا تتجاوز ملء البطون بالحد الأدنى من حاجات الإنسان. ومع ذلك فقد كان أستاذنا ذا خلق واستقامة، مخلصاً في مهمته، وكان معجباً ببعض الشخصيات الإسلامية وكثيراً ما كان يذكرها ويستشهد بها، أمثال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما والمعتصم.. وإن كان يردّ ما فيهم من عظمة إلى تفوق العربي وأصالته، ولم نكن نجرؤ على مناقشته في هذه الأمور.. ولم يكن هو أيضاً يتعرض لمثل هذه الأمور خلال حصصه، فهمه الأكبر هو إدخال المعلومات في أذهاننا.
ولقد علمتُ فيما بعد أنه عاد إلى حظيرة الإيمان والتقوى، بعد أن خابت آماله في شخصيات كان يعتبرها مثله الأعلى في تحقيق العدل والحرية أو ما يسمونه الاشتراكية، ولكن عند الامتحان وعندما وصلت تلك الشخصيات إلى ما كانت ترجو من مراتب ومسؤوليات، أصبحت المنفعة الكبرى تعود إلى ذواتهم.. همّهم الأكبر الاستمرار، ولم ينفذوا شيئاً من المبادئ المثالية التي كانوا ينادون بها.
وهكذا أحس أنه خُذل، خذله عقله، وخذلته حساباته، وخذلته نظريات ليس لها أي أساس يدعمها سوى تصورات ومخططات البشر، وفكر أن يعود إلى دينه ويتعرف عليه.
وأما السبب المباشر في تحوله هذا فقد حدث به تلاميذه عندما سألوه عن تبدّل لمسوه في حديثه وتصرفاته، قال:
- في ليلة شديدة البرودة من ليالي الشتاء كنتُ في سهرة عند أحد الأصدقاء، نتذاكر أحلامنا وما آلت إليه، وأنا في طريق العودة، والضياع يلفّني ويشلّ تفكيري، انزلقت قدمي وهويتُ في حفرة لم أنتبه لها وسمعت صوتي ينادي يا الله. وشعرت بقشعريرة غريبة سرت في جسدي.. وخيّل إليّ أن كل من حولي يردد نفس النداء، الله.. الله.. قطرات المطر تعبر.. وصرير الريح ينادي.. وحفيف الأشجار يهمس.. والبرق يضيء والرعد يزمجر.. مهرجان كوني.. يعلن الحقيقة الكبرى.. أن للكون رباً لا إله إلا هو، وخرجت من الحفرة والنداء يلاحقني.. نداء الكون لخالقه كيف غفلت عنه؟ أين كانت حواسي؟ بل أين كانت روحي؟.. الآن شعرت بها تصحو.. تنطلق.. تعلو.. تناجيه.. سبحانه.. هل يعفو؟.. هل يقبلها في معيته.. وغمرني إحساس بالطمأنينة والرضى، وعدتُ إلى البيت مسرعاً لأغسل رجس الإلحاد عن جسدي بعد أن زال عن روحي.. ووقفتُ بين يدي الله أناجيه وأشعر بيديه الرحيمتين تستقبلاني، أبكي تسيل الدموع من عيني.. يملؤني شعور عجيب بالراحة والرضى، ولم أنم تلك الليلة أبداً، بل رحتُ أراجع الماضي في نور الحقيقة التي أضاءت في أعماقي.. ربي لقد عدت إليك فاقبلني..
قلت لزينب: ما أحلى هذه العودة يا زينب، ألست معي أن هذه المشاعر لا يتذوقها إلا التائبون الذين يمدون أيديهم إليه سبحانه، فتشف أرواحهم، وتنطلق ويحسّون للحظات أنهم معه جل جلاله في رحاب عفوه ومرضاته.. وقد أعلنها لهم إنه يحب التوابين ويحب المتطهرين. قال تعالى: )إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهّرين( البقرة (222).
فلماذا لا تنطلق أرواحهم في رحاب حبّه ورحمته.. سبحانه..؟
قالت: فعلاً إنها مشاعر من الصعب جداً أن تصوّرها الكلمات.. وكم أسعدتني عودة ذلك الإنسان إلى رحاب الإسلام، فقد كنا جميعاً نلمس صدق كلماته ومدى إخلاصه في مهمته.
وكان الفرق واضحاً بينه وبين أساتذة آخرين، وأذكر بهذه المناسبة أستاذ التاريخ وكان غير مسلم، وكان مخرباً لعقولنا يحشوها بالأباطيل بدل أن يبنيها بالحقائق، كان حريصاً على تشويه تاريخنا، وجعلنا نشعر بالضآلة والقصور، كان يردد دائماً:
"ماذا فعل العرب للإنسانية؟ إن ما فعلوه لا يعدو ما فعلته شمعة تعجز عن إنارة ما حولها، أين هم مما فعله الرومان والبيزنطيون؟ أين هم من حضارة اليوم؟ إنهم لم يصنعوا أية حضارة، وقد نعطيهم أكثر من حقهم إذا قلنا إنهم كانوا مجرد ناقلين عن الآخرين".
وكان حريصاً على إظهار تكريمه للمرأة، من خلال ترديده لبعض العبارات مثل: نحن وراء المرأة ولو قادتنا إلى جهنم، والنساء أولاً.. وأمثال هذه العبارات التي يعبرون بها عن تحضّرهم، وجريهم وراء شعارات غربية الهدف، منها خداع المرأة ثم استغلالها.. وقد اغترّ بأفكاره كثير من الطالبات.
وكانت تدور أحياناً مناقشات بيننا وبينه، أعني بعض الطالبات اللواتي لديهن بعض الثقافة وإن كان ضئيلاً. وأذكر أنني رفعتُ أصبعي يوماً فقال:
- ماذا تريدين؟
قلت: أريد أن أدافع عن أمتي يا أستاذنا.
فسمح لي أن أذكر أن التطور الهائل الذي حصل لمادة الرياضيات بدأناه نحن.
وأن أحكام الميراث في قرآننا هي أول ضوء أخضر في هذا الميدان.
كما أننا دخلنا علم الفلك من باب واسع حرصاً على تحديد أوقات الصلاة والعبادات.
وأن ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع.
وأن فرانسيس بيكون وكذلك روجر بيكون أبوَي الفلسفة التجريبية كانا تلاميذ الحضارة الإسلامية، ورسل الحضارة الإسلامية إلى بلادهم.
وأن لغتنا العربية كانت لغة العلم لعدة قرون كالإنكليزية الآن.
وأن علومنا وجّهها الإسلام لمصلحة الإنسانية.
وأننا أول من نادى بحرية الإنسان وكرامته.
وأن علومنا لم توجه أبداً ضد إنسانية الإنسان وكرامته كما يحدث الآن.
فابتسم ابتسامة صفراء وقاطعني قائلاً:
- هوني عليك أنا معك في كل ما قلت ولا داعي لكل هذا الحماس ولا تنسي أنني عربي مثلك.
ووجدت نفسي أجهش بالبكاء، ودقّ الجرس وخرج من الفصل وقد امتقع وجهه.. والتفت حولي رفيقاتي يرددن:
- لماذا تبكين؟ لقد أثلجت صدورنا بما قلت؟.. لقد امتلكت جرأة لم نمتلكها، هوّني عليك إنه لن يستطيع أن يؤذيك أبداً.. نحن جميعاً معك.
قلت من خلال دموعي:
إنني لا أخشاه أبداً، إن معي ربي وكفى به حامياً ونصيراً.
قلت لزينب: هل كل الطالبات وقفن معك؟..
قالت: أغلبهن كنَّ معي وإني سمعت إحداهن تقول:
لماذا كل هذا الهجوم؟ إنه أستاذنا وليس عدواً لنا وإنما يريد دفعنا إلى الأمام لنجاري الغرب في حضارته.
وردّت عليها أخرى:
- إنه لا يريد منا إلا أن نكون أذناباً وأتباعاً تجري وراء الغرب إلى مالا نهاية بعد أن يقتلع جذورنا ويمحو مشاعر العزة والكرامة من نفوسنا.
وسألت زينب عن موقف الأهل، وهل كانت تنقل لهم ما يجري في المدرسة؟ قالت:
- نعم كنت أنقل لهم مثل هذه الأمور وأجد التوجيه، وأكتسب معلومات جديدة من خلالها..
- من أنا؟
من أي أرض نبتّ وما هي جذوري؟
وقد كان تعليق أحد إخوتي:
- إنك ستواجهين حرباً مستمرة إذا أردت فعلاً أن تعيشي في ظل الإسلام وتتغذي من جذوره، فعليك أن تستعدي لذلك وتواجهي هذه الحرب بالحكمة والموعظة الحسنة، ولابد من العلم والمعرفة.
أما أبي فقد ذكر لي بعض الكتب التي تفيد في هذا الموضوع، وفيها شهادة من آخرين على سمو وإنسانية الحضارة الإسلامية، ومن الكتب التي ذكرها: كتاب للألمانية زغريد هونكه، ومن أقوالها في هذا الكتاب:
"لا مبالغة من القول بأن المسلمين هم مبتكرو التجربة بالمعنى الدقيق للكلمة، وهم المبدعون الحقيقيون للبحث التجريبي، وقد أبدعوا في علوم البصريات والكيمياء والطب، وجهودهم هي الأساس لما نشهده اليوم من تقدم علمي".
أما جوستاف لوبون فقد عدَّدَ في الطب وحده ثلاثَ مئة كتاب نقلها الغرب من العربية إلى اللاتينية.
قلت لزينب:
- وهناك أمر مهم جداً ذكره أولئك الذين شهدوا للحضارة الإسلامية، وهو أن ما أنتجته تلك الحضارة كان لمصلحة الإنسان وليس لتدميره وقهره، وإنتاج تلك الحضارة شمل الناس جميعاً دون تعصب أو عنصرية، هذه العنصرية التي نلمسها اليوم في تعامل حضارة القرن العشرين مع الإنسان، حيث يسمح لإسرائيل مثلاً أن تمتلك كل أنواع الأسلحة المدمّرة لمواجهتنا وإبادتنا، ثم نُمنع نحن من امتلاك أي سلاح فعّال، وتُتهم بالإرهاب والتطرف عندما ندافع عن حقوقنا. وقد قرأت بحثاً للدكتور عبد الحافظ حلمي عميد كلية العلوم في مصر يقول فيه:
"لقد تحولت العلوم لأول مرة في التاريخ الإنساني إلى مسألة عالمية وإلى تراث إنساني يثور على القوميات والعصبيات الضيقة حيث انصهرت الحضارات السابقة في بوتقة الحضارة الإسلامية.."
ويقول: إنه ذكر في أحد المؤتمرات العلمية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:
"هلاك أمتي في عابد جاهل وعالم فاجر".
فما كان من منظم المؤتمر العالم السويدي إلا أن علّق قائلاً:
"لو عرفنا هذا الكلام من قبل لجعلناه شعاراً للمؤتمر".
قالت زينب:
- أمثال هذه الاعترافات كثيرة جداً وإن كان كثيرون أيضاً قد شوّهوا الحقائق وطمسوها، ومن يسعى وراء الحقيقة لابد أن يجدها.
قلت: وربما كان من أحدث هذه الاعترافات ما قاله ولي العهد البريطاني بمركز الدراسات الإسلامية في أكسفورد وهو ينتقد جهل الغربيين بالإسلام إذ قال:
"إن جوهر هذا الدين يكمن في حفاظه على نظرة متكاملة للكون حيث يرفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، وبين الدين والعلم، وبين العقل والمادة.."
قالت زينب:
- الحمد لله أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، والحمد لله والرحمة لمن وجّهني للمطالعة والقراءة ولفت نظري إلى الكون، فرأيتُ إبداع الخالق وعشت في ظل شريعته، إن إبداعه سبحانه موجود في كل ما يقع عليه بصر أو يحيط به علم.. أو تسمعه أذن.. أو تمسّه روح.
وضحكت زينب قائلة:
- والآن أعود بك لاستعراض بعض أحداث الفترة الثانوية وقد شُغلنا عنها بيقظة نحسها كلما وجهت إلينا سهام تريد اجتثاثنا من الجذور، ولعل في هذه السهام خيراً لنا فقد طال رقودنا ولولاها لما صحونا أبداً.
وأعود لأستاذ التاريخ الذي حاول أن يوجد علاقات مع بعض التلميذات ويبدو أن سيرته وما يفعل وما يقول وصلت إلى المسؤولين فنقل من مدرستنا، وجيء لنا بأستاذ آخر كان اليأس يقطر من كلماته، وكانت أصداء انهزام العرب والمسلمين، أمام الصهيونية تتردد مع أنفاسه، فالدولة اليهودية أُنشئت، والشعب الفلسطيني مشرّد، واغتصبت الأرض، وأعلنت الهدنة، وتبخرت الشعارات، وكان يردد دائماً:
"بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء"..
ولم أسترح لهذه النغمة المتشائمة اليائسة فذكرتُ لأبي فوجّهني إلى أحد كتب محمد الغزالي رحمه الله، وفعلاً وجدت ما أنعش الأمل في صدري، وأحسست أن المستقبل لهذه الأمة، وأن عليّ أن أعلن ذلك وأن أُنقذ أستاذي من يأسه.
قلت لزينب: يعجبني فيكِ هذا السعي الدائم للكشف عن حقيقة هذا الدين.
قالت: إنه واجب كل مؤمن أن يكون الإسلام ينبوعاً لأقواله وأفعاله، وهكذا في إحدى حصص التاريخ وجدت الفرصة سانحة لأقول ما عندي.
قلت: أتسمح لي بكلمة يا أستاذ؟..
قال: تفضلي بكل سرور.
قلت: إن رسولنا الكريم بشّرنا في أحد أحاديثه أن المستقبل لهذا الدين ولهذه الأمة.
قال: أي حديث تقصدين؟
قلت: قال رسولنا الكريم:
"ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر".
قال: إذن هناك تعارض بين الحديث وحديث الغرباء؟
قلت: لا تعارض. هذه الغربة تعترض المسلمين خلال مسيرتهم، إنها سنة الحياة، علو وهبوط.. ينصرون الله فينتصرون، ويخذلون شريعته فيهزمون، وهكذا ولكن النهاية لهم إن شاء الله تعالى.
قال: أحسنت وشكراً لك لقد أعدت إليّ بعض الثقة، وأيقظت في أعماقي مشاعر كانت نائمة.
قلت: هناك حديث آخر في هذا الموضوع..
قال: ما هو؟ اذكريه لي.
قلت: قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:
"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها".
قال: إن هذا يبعث في النفس التفاؤل، ولكن لابد من الحركة والعمل، ونحن نيام توالت علينا الصدمات فانهزمنا من الداخل والخارج، إن وضع أمتي يكاد يقتل كل أمل في نفسي إننا أبطال في مواجهة بعضنا بعضاً..، جبناء في مواجهة أعدائنا.. سحرتنا المناصب والكراسي، فبتنا عبيداً لها.. عسى المولى عز وجل أن يخرجنا مما نحن فيه.
قالت زينب: وسأحدثك عن مدرِّسة لها في نفسي أثر لا يُمحى، إنها أستاذة العلوم ، وأنت تعلمين أن الشهادة الثانوية في زماننا كان لها ثلاثة فروع: فرع أدبي وفرع علمي وهذا خاص بالشباب، وفرع خاص بالبنات ويشمل مواد علمية وأدبية، ويؤهّل الفتاة للانتساب لأي فرع من فروع الجامعة.
أستاذة العلوم هذه كانت ذكية متفهمة لمادتها قريبة من الطالبات، والمهم أنها مؤمنة عن علم ويقين، فقد كانت تفتح لنا في كل يوم نوافذ تطل على قدرة الله ورحمته، فكانت حصة العلوم بمثابة مناجاة لخالق الكون ومدبره تقربنا منه سبحانه، وكأننا في صلاة خاشعة، لقد كان هذا شعوري خلال الفترة التي درّست لنا فيها تلك المدرِّسة العظيمة، ومن بعد أصبح عندي القدرة أن أفتح النوافذ وأرى آثار القدرة الإلهية تحيط بي من كل جانب.
قلت لزينب: وأظن أن هذا الدافع كان وراء دراستك للطب، وأذكر أننا عندما كنا في المدرسة الابتدائية كان حلمنا أن ندرس الإسلام والفقه.
قالت زينب: نعم فكرت أن أتخصص بمادة العلوم فلقد استهوتني هذه المادة، فالله سبحانه جعل الإنسان خليفة في هذه الأرض ليتفاعل مع موجوداتها، ويتعرف على خيراتها، ويستفيد مما سُخّر له، وأظن أن تأخرنا نحن المسلمين نابع من إهمالنا للعلم، لقد أهملنا جانباً مهماً في ديننا.
قلت: فعلاً لقد ابتعدنا عن هذا الميدان كثيراً، واستغله غيرنا بعد أن وقف دينهم المحرف في طريقهم فأبعدوه، أما نحن فديننا يدعو إلى العلم ويحضّ عليه، وقد امتلأت صفحات القرآن الكريم بنداءات موجهة لأولي الألباب، وقد علّم الله آدم الأسماء كلها أي ما يتعلق بهذا الكون من أجل استغلاله والاستفادة منه، وعمل أجدادنا ما في وسعهم واستجابوا لنداءات القرآن الكريم فأبدعوا وأفادوا واستفادوا.
قالت زينب: لقد أخذ أكثر المسلمين جانباً واحداً من الدين التزموا به هو جانب العقيدة والعبادة، وأهملوا الدعوات الأخرى الموجّهة إليهم وقد جاءتهم في كتاب الله بأساليب مختلفة متنوعة تنبه إلى أهمية العلم وعلو شأنه:
)هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ إنما يتذكر أولو الألباب( الزمر 9.
)يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات(.. المجادلة11.
)ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب( الزمر21.
وهكذا نسوا حظاً مما ذُكِّروا به، فانتهى الأمر بهم إلى هذا الحضيض الذي هم فيه، واستيقظ الآخرون وسَعوا وراء المادة فأنشؤوا تلك الحضارة، التي يلمس كل عاقل زيفها وعفنها، بالرغم من المظاهر المادية التي تبهر الفهوم، وأنشأتها الأيدي والعقول، ولكنها حضارة في جانب واحد ولم تحقق، ولن تحقق السعادة للإنسان.
والآن سأحدثك عن مدرِّسة الفيزياء، لم تكن مسلمة، وكانت تحارب الإسلام وكل مظهر من مظاهره، ترفض أن نضع الحجاب في حصتها، قالت لنا في إحدى المرات:
"ألا تخجلن من تلك الأغطية؟ ألا تشعرن بالإهانة؟ لماذا تسترن ما خلق الله؟
- وبماذا أجبتن؟
قلت: أتسمحين لي بالكلام..؟
فسكتت لحظة.. ثم قالت: نعمْ تفضلي.
قلت: أما لماذا نستر ما خلق الله؟ فاللباس سمة من سمات الإنسان وقد ميّزه الله به عن الحيوان، وكلنا نستر ما خلق الله.
وأما أن نشعر بالإهانة فلماذا؟ إننا ننفذ أمر الله ونحن مدركات لحكمته سبحانه، إنني أشعر بالإهانة عندما يكرهني أحد على مخالفة أمر من أوامر الله، وأستجيب مضطرة.
أما أن أستحيي من حجابي فلماذا؟ وأنا أدرك أن فيه احتراماً وتقديراً للمهمة التي يجب على المرأة أن تقوم بها بعيداً عن إثارة الشهوات ولفت الأنظار.
قلت لزينب: أحسنت لقد قلت هذا الكلام في زمن لم تكن فيه المرأة تستغل كما تُستغل الآن. لقد أضحت في كثير من المجتمعات مجرد جسد يعرض، وسلعة تباع.. ألا تذكرك عروض الأزياء بعروض الجواري؟ ولكن مع الفرق فالجواري كن كاسيات ولكن أولئك شبه عاريات.
قالت زينب: نعم هذا ما يخطر لي كلما طالعتني أجساد كاسية عارية.. في المجلات أو الصحف أو التلفاز أو الشارع، ولكن مدرّستي هذه لم يعجبها كلامي. وقالت:
- إنك فيلسوفة وإن كانت فلسفتك لا تعجبني.. إنها فلسفة العبيد.
قلت لزينب: عجباً لهؤلاء أي منطق يتبعون؟.. الراهبات يرتدين ما يشبه لباس المسلمة فلماذا لا يُوجّه لهن مثل هذا الكلام؟.. حتى فرنسا بلد الحرية والثورة ضاقت بفتيات مسلمات، سترن ما أمر الله بستره، وتوجهن لطلب العلم، فأغلقت الأبواب في وجوههن، وأعلن المسؤولون هناك أن هذا تحد للحضارة الفرنسية، أي حضارة هذه التي يهددها الاحتشام. ويرتفع في ظلها العري والإباحية؟
قالت زينب: يا عزيزتي.. إنها الكراهية التي لا منطق لها.. وفي إحدى المرات راقبتنا ونحن نصلي في ركن مهمل، خصصناه لصلاتنا، إن خشينا أن تفوتنا الصلاة، وعندما انتهينا من الصلاة اعترضت قائلة:
- لماذا هذه الحركات العجيبة في الصلاة؟ ألا يكفي أن يناجي الإنسان ربه بكلمات؟
قلت: لقد تذكرت سؤالاً وجهه ليوبولد فايس "محمد أسد" قبل أن يسلم إلى أعرابي رآه يصلي، إنه نفس السؤال، لماذا هذه الحركات؟ ورد عليه الأعرابي رداً جعله يفكر بهذا الدين طويلاً، كان رد الأعرابي:
"إن الله خلق روحي وجسدي فأنا أعبده بروحي وجسدي".
وفي أحد الأيام تأخرت في الصلاة قليلاً ودخلت غرفة الصف بعد دخول المدرسة بلحظات قليلة.
قالت المدرّسة: أين كنتِ؟
قلت: كنت أصلي.
قالت: ولماذا الصلاة كل يوم؟.. وهل تتعطل أمور ربك إذا لم تصلي له كل يوم؟..
قلت: لا تتعطل أموره سبحانه.. إن الأمر كله بيده، ولكن تتعطل أموري أنا لو انقطعت صلتي به.. وأحسست بغصّة: لماذا يُقاوم الإسلام، ويُفسح المجال لأي ناعق أن يقول ما عنده ويعلنه على الملأ ويتحدى به العالم، ولو كان تأليهاً لبشر.. أو تعصباً لقوم.. أو حتى عبادة لبقر وحجر. وهكذا مرت تلك الأيام بحلوها ومرها.
قلت لزينب: المهم أنك لم تتخلي عن ذلك الظل الذي اخترته وأحببته.
قالت: نعمْ إنه ظل الإسلام الذي منحني الرضى والطمأنينة.. طوال حياتي وفي كل الظروف التي مرت بي، فالحمد لله رب العالمين، وسأحدثك إن شاء الله في اللقاء القادم عن صاحبات لي رافقنني في معظم الطريق ولهن أثرهن في حياتي.


التوقيع
أشكرك كثييييييييييرا رحمة على التوقيع الرائع
اضغط هنا لتكبير الصوره




اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم اشف الريم شفاء لا يغادر سقما
أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيها
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيها و تمدها بالصحة و العافية
.اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين
اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن حساني ; 10-17-2011 الساعة 07:34 PM
SIHAM NAWWARA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-17-2011, 02:47 AM   #5
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية SIHAM NAWWARA
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 3,495
معدل تقييم المستوى: 11
SIHAM NAWWARA is on a distinguished road
افتراضي


اللقاء الخامس

اهتمام الإسلام بالأسرة

قوامة الرجل هل هي لمصلحة المرأة


المرأة والعمل


الطلاق لماذا؟



وبدأت زينب الحديث:

- لقد كنت ذكرت لك شيئاً عن رفيقتيّ العزيزتين، فاطمة ومريانا، ولكن الحكاية لم تنته فلكل واحدة منهما قصة سأسردها لك، وسأبدأ بفاطمة:
لقد رافقتني فاطمة طوال مرحلتي الدراسية، وتخرجنا معاً في كلية الطب بعد الاختصاص بطب الأطفال، وكنا مغرمتين بالعمل في هذا الميدان، وقد اختارت فاطمة العمل في مشفى خاص، أما أنا فقد كانت لي عيادتي الخاصة، وهذه رغبة والدي رحمه الله.. وقد كان يشرف على المشفى الخاص طبيب جراح، درس في الخارج وكان ماهراً في عمله محبوباً من الجميع، وكانت فاطمة تحدثني عنه باستمرار، كنا صديقتين وأختين، ألف بيننا الإيمان والرضى، وحديثها كان ينم عن الإعجاب والتقدير لإنسان أمضى فترة طويلة من حياته في بلاد بعيدة، لا تدين بالقيم التي يؤمن بها، بل وفي كثير من الأحيان تحارب قيمنا هذه، ومع ذلك عاد أشد تمسكاً بما يؤمن، وكأن رحلته إلى تلك البلاد كانت سبباً مباشراً في توجيهه ليختار طريقه، ويصمم على السير فيه مهما كانت الظروف.
قلت: الحمد لله هناك كثيرون يعودون من مثل هذه الرحلة وقد خلت عقولهم من كل قيمنا وأخلاقنا يعودون أتباعاً وذيولاً لقيم أخرى.. ويؤمنون بنظريات هي الضياع والذل والتبعية.
قالت زينب: وهذا ما جعل فاطمة تحترم هذا الإنسان.. ويبدو أنه هو الآخر قد رأى في فاطمة إنسانة عاقلة لم يغرقها التيار الجارف، الذي انحدر بكثير من الفتيات إلى هاوية التقليد الأعمى لكل ما هو غربي، رأى فيها المرأة المتحضرة، المتعلمة التي تأبى أن تتنازل عن هويتها، مظهراً وعقيدة، ومع ذلك تلتقط الخير أينما وجد لتستفيد منه وتفيد، وقد أخبرتني فاطمة أنه أرسل إليها أخته لتسألها عن رأيها فيه، وهل تقبله زوجاً لو تقدم إليها؟ فأجابتها أن الأمر بيد والدها، وأما رأيها فيه فهو إنسان عظيم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
وهكذا تزوجا، وكان زواجاً ناجحاً مباركاً، وغمرتني الفرحة، إنها أسرة جديدة تتكون، لتدعم البناء الحضاري لأمة تسعى قوى الشر مجتمعة لتركيعها وإذلالها.
وفي نفس العام تم زواجي من قريب لي، طبيب له عيادة خاصة به، وأحسست أني سأبني أسرة تدعم الكيان الإسلامي العظيم الذي أعيش في ظله، وسأحدثك فيما بعد عن أحداث حياتي تلك.
وأعود إلى فاطمة، لقد سار مركب الحياة بها وبزوجها مساره الصحيح، حياتها طبيعية فيها الألفة والمودة والرحمة، ولا تخلو من خلافات تحسم لصالح المركب الذي يجب أن يستمر ليحضن البراعم الندية، ولقد رزقها الله بولد ثم ببنت، واستمرت علاقتي بها لم تنقطع وكثيراً ما أخذتُ بمشورتها وأخذتْ بمشورتي.. الزوج كان القيم وهو المسؤول الأول وهي إلى جانبه تعينه ويعينها.. تحمل له الحب والاحترام، إنه يقوم بواجبه على خير وجه، لم يتخلَّ عن اهتمامه بأسرته بالرغم مما يحمل من مسؤوليات جسام في الخارج، لم يفعل كما يفعل كثير من الرجال حينما يتركون العبء على المرأة فتخيب آمالها وتشعر أن الزوج قد أخلَّ بالعهد وتخلى عن مهمة ألزمه الله بها.
قلت لزينب: إن كلماتك عن القوامة عبّرت عما في نفسي، وإن كان كثير من الرجال يسيئون فهمها ويظنون أنها سيادة دكتاتورية، بينما آخرون يتخلون عنها ويتركون تكاليفها لتحملها المرأة، فتشعر بالظلم وأنها تحمل أكثر مما تستطيع، كما أن كثيرات من النساء يسئن فهمها ويعتبرن قوامة الرجل ظلماً لهن ويرفضنها، وخاصة اللواتي سحرتهن مقولة حقوق المرأة.
قالت زينب: فيما قلت كثير من الحقيقة ولكن أنا على يقين أن أي امرأة لو خُيِّرَتْ بين رجل ضعيف لا يريد حمل المسؤولية التي كُلّف بها، وبين رجل قوي لا يتخلى عن مسؤوليته تجاه أسرته، لاختارت الرجل القوي المسؤول.
وهكذا كان شعور فاطمة دائماً أنها أحسنت الاختيار، ولم تخف مشاعر الإعجاب في داخلها نحو الزوج العزيز، وإن كانت تشكو أحياناً من ثورات غضبه، نصرة لحق أو دفعاً لظلم، وتقول: أخاف عليه ممن يدوسون الحق ويرفعون راية الظلم خاصة أنهم أصحاب سلطة، وكنت أطمئنها أن الأمر كله بيد الله تعالى.
وجاء اليوم الذي اختاره الله فيه، لينضم إلى قافلة الشهداء عندما أعلن كلمة الحق في وجه الظلم والطغيان الذي عم.. حتى وصلت أنيابه إلى نقابة الأطباء التي هو مسؤول عنها.. فلم يستطع السكوت.. فكان أن جاء زوار الفجر فأخذوه.. وقد أنهى صلاته وجلس للدعاء.. وقريباً من بيته قتلوه.. وروت لي فاطمة التفاصيل وفي عينيها دموع.. قالت: أرجو أن تكتب له شهادة في سبيل الله.. وهذا سيعزيني ويخفف عني.. لقد اغتالوا حتى الدموع في عيني.. فهذه الدموع التي ترينها هي أول دموع تظهر بعد اغتياله.. رحمه الله.
وسألتها: ماذا ستفعلين؟
قالت: سوف أغادر البلد ومعي ابني وابنتي، وسأجاهد لأضمن لهما ولنفسي حياة سليمة والله سبحانه لن يتخلى عنا، وسأجد بعونه تعالى من يقف إلى جانبي..
وفعلاً جاهدت وأعانها الله فهي الآن مسؤولة في هيئة صحية دولية.
وسألت زينب: هل استمرت الاتصالات بينكما؟
قالت: لم تنقطع صلتي بها وأنا معها وهي معي وإن بعدت الشقة، وقد علمت منها أخيراً أن ابنها قد أنهى دراسته العليا واستلم عملاً مهماً، وأما ابنتها فقد تزوجت من أستاذ جامعي بعد أن تخرجت في كلية الهندسة، وقد نقلت لي خبراً سرني عن ابنتها، وهو أنها تريد أن تمارس حقاً منحه لها الإسلام وتخلت عنه كثير من النساء، أتدرين ما هو هذا الحق؟
قلت: لا أدري لعله حق العمل.
قالت: لا إنه حق التفرغ للأسرة والبيت الذي هو مملكة المرأة وموطن راحتها وطمأنينتها.
قلت: إن الإسلام لم يمنع المرأة من العمل خارج البيت ضمن حدود الشريعة، وقد عملت المرأة المسلمة في صدر الإسلام أعمالاً كثيرة.. وفي كافة المجالات.
قالت زينب: نعم لا شك في ذلك ولكن الإسلام لم يوجب عليها العمل خارج البيت كما أنه لم يحرمه إن رغبت فيه ووجدت فيه خيراً لها ولمجتمعها.
قلت: إن ما دفعت إليه المرأة فنادت به وطالبت به هو ظلم كبير لها، لقد غرروا بها وجعلوها تحمل حملين ثقيلين في آن واحد.. العمل في البيت والعمل خارج البيت.. ولقد ذكر محمد رشيد العويد في كتابه "رسالة إلى حواء" استفتاءً قامت به مجلة ماري كير الفرنسية شمل 2،5 مليون فتاة عن رأيهن في الزواج من العرب ولزوم البيت، فأجابت 90% منهن بنعم. أما الأسباب فهي:
مللت المساواة مع الرجل.
مللت حالة التوتر الدائم ليل نهار.
مللت الاستيقاظ عند الفجر للجري وراء المترو.
مللت الحياة الزوجية التي لا يرى فيها الزوج زوجته إلا عند اللزوم.
مللت الحياة العائلية التي لا ترى فيها الأم أطفالها إلا حول المائدة.
قالت زينب: لا شك أنهن صادقات مع أنفسهن ويصورن الحقيقة التي يعشنها.. فعلاً هذا ما حدث ويحدث.. المرأة العاملة تحمل بطيختين بيد واحدة.. وتئن ولا يلتفت إليها أحد.. وما التقيت بامرأة عاملة إلا وشكت من حمل تنوء به.. هذا عدا أمومة وئدت وديست بالأقدام.. وحُرم الطفل من قلوب راعية رحيمة مستعدة لتحمل كل الأعباء. لقد اغتالوا الأمومة.. تلك المهمة السامية.. التي كلفت بها المرأة ولا تستطيع القيام بها إلا الأم.. ومن أجل ذلك وضعت الجنة تحت قدميها.. بينما مهمات الحياة الأخرى يمكن لأي إنسان أن يملأ فراغها.. سواء كان رجلاً أو امرأة.. من خلال العلم والعمل.
قلت: لقد نطقت بالحق يا زينب، إن دعاة حقوق المرأة يريدون وأد أهم حق من حقوق الإنسان.. وهو أن ينشأ في رعاية أمّ متفرغة له. ما أشقى تلك الأمّ التي تسلّم ولدها لحضن آخر لتذهب هي إلى عمل يمكن أن يقوم به أي رجل أو أي إنسان آخر.. ومظلوم ذلك الطفل الذي حرم صدر أمه ورائحة أمه ولمسات أمه.
قالت زينب: أذكر بهذه المناسبة حادثة مؤسفة كان لها أثر عميق في حياتي:
زميلة لي رافقتني في كل المراحل الدراسية ما عدا العليا.. وكانت مهووسة بشيء اسمه حقوق المرأة وعمل المرأة.. وحملت لواء الدعوة إلى تحررها وسفورها.. وعاشت بعيدة عن تعاليم الدين وقيمه.. واختارت مهنة التدريس لتثبت أفكارها.. وترأست جمعية نسائية تدعي الدفاع عن حقوق المرأة.. وكانت تشكو دائماً أن ابنتيها لا ترضخان لمبادئها.. هذه الزميلة تعرضت لحادث مأساوي، فلم تقو على تحمله، وقد تجلت فيه حكمة المولى عز وجل.. جاءها المولود الذكر بعد طول انتظار.. ومع ذلك لم يحجزها عن القيام بمهمات تعتبرها مقدسة، وضعت الصغير الذي لم يتجاوز عمره الأشهر في عربة، لتنطلق إلى ميدان العمل الهام، واستدارت لتغلق الباب، فسبقتها العربة لتهوي بالطفل إلى أسفل السلم، وتوفي الطفل وانهارت الأم ولم تقو على تحمل الصدمة، وفقدت استقرارها النفسي.. ونفرت من كل متع الدنيا، وبعد فترة قصيرة لحقت بطفلها واستقرت في رحاب من حاربت تعاليمه واستهانت بقيمه.
قلت: لاشك أن الإيمان بالله والشعور بوجوده، خير معين للإنسان على تحمل أحداث الحياة، وأظن أن رصيد هذه المرأة من الإيمان كان صفراً، ولذلك تهاوت بهذا الشكل، والله أعلم.
قالت زينب: النفس الراضية المطمئنة هي النفس المؤمنة، التي تستعين بالله وتلجأ إليه في الشدائد، فيُعينها ويُهوّن عليها الأمر، ولقد مررت بتجارب مماثلة سوف أحدثك عنها عندما أحدثك عن مراحل حياتي الأخرى، والآن لنعد إلى ابنة فاطمة التي تريد أن تمارس حقاً تخلّى عنه كثير من النساء، وهو حقها في الاستقرار بالبيت، ولتؤدي مهمة أساسية ستُسأل عنها يوم القيمة، وقد أيدها زوجها فيما ذهبت إليه، وبالأمس وصلتني رسالة منها تعبّر عن سعادتها وإحساسها بالرضى مع الزوج والأولاد، وأنها تمارس هوايات محببة إليها مثل الخياطة.. والمطالعة.. وحضور الندوات والمحاضرات.. وأن وقت الفراغ لا وجود له في حياتها.. وتسأل هل الوقت الذي يصرف في منح المحبة والرحمة للأولاد والزوج والناس يعتبر وقتاً ضائعاً؟
قلت: وبماذا أجبتها؟
قالت: طبعاً أجبتها بأنه وقت مأجور لأنه يصرف على أسمى مهمة على وجه الأرض، فالأسرة التي تُؤسّس على المودة والرحمة هي أسرة مستعدة للعطاء، والمرأة هي الشعلة الدائمة التي بإمكانها أن تمد الوجود كله بمشاعر الخير والنماء من خلال بيتها وأسرتها، ومع ذلك فكثيرات من النساء يسعين وراء السراب، ثم يكتشفن أنهن خُدعن، وحمّلن أنفسهن ما لا تطيق.
قلت: ولكن ألا تظنين أن المرأة مضطرة في كثير من الأحيان إلى طرق أبواب العمل خارج البيت، سعياً وراء الرزق، ولتأمين حاجات الأسرة، لأن دخل الرجل لا يكفي، أو هو عاطل عن العمل لسبب من الأسباب، أو غير موجود؟
قالت زينب: لاشك أن كثيرات لهن مثل هذه الظروف.. في هذه الحالة يجب أن تمنح التقدير الذي تستحقه والمعونة التي تحتاجها.. وأن تُراعى ظروفها، من قبل الأسرة والمسؤولين عن عملها، سواء الدولة أو المؤسسات الخاصة..
قلت: لاشك أن المرأة تتعرض لظلم كبير في هذا المجال، حتى إنها في كثير من البلدان تمنح أجراً أقل من الرجل مع أنها تقوم بنفس العمل، عدا عدم مراعاة ظروفها في فترة الحمل والولادة، ثم عدم منحها الفرصة الكافية للإشراف على الطفل وهو في أمس الحاجة إليها.
قالت زينب: بل وأكثر من ذلك ففي بعض البلاد (العربية) لا يسمح لها باستحضار مساعدة لها، تحل محلها في البيت حال انشغالها بالعمل، وحجتهم في ذلك أن راتبها دون الحد الذي نص عليه القانون، وإذا كان راتبها يسمح واستحضرت مساعدة، أخذوا منها ضريبة ضخمة تعادل ما تأخذه المساعدة ويتكرر هذا كل عام، (وهذا ما حصل في بعض دول الخليج بالنسبة للمرأة غير المواطنة).
قلت: إن هذا ظلم كبير للمرأة العاملة.. ولا أدري كيف يفكرون ويحكمون، وهل بإمكان امرأة غير مطمئنة على بيتها وأطفالها أن تعطي وتبذل؟ إن المرأة تظلم في هذا الجانب، ولا أدري لماذا لا تهتم الجمعيات النسائية بمثل هذا الظلم.. عوضاً من المناداة بتحرير المرأة من دينها وقيمها وأخلاقها.
قالت زينب: إنه التقليد الأعمى للغرب دون وعي، ودون دراسة للواقع لمحاولة تصحيح المسار وإزالة العقبات.
قلت: لقد أخذنا الحديث بعيداً في موضوع المرأة والعمل، والآن أرجو أن تحدثيني عن رفيقتك مريانا، فقد أخبرتني أن لها قصة، وقد بدأتها لي في لقاء سابق، وأرجو أن أسمع ما بقي منها.
قالت زينب: إن مريانا صنف نادر من البشر، وفي حياتها دليل على أن الإنسان مؤمن بالفطرة، فقد نشأت في بيئة مسيحية متدينة، ومع ذلك فقد كنت أشعر أنها قريبة مني وأنها تعيش معي في ظل الإسلام، ففي إحدى الجلسات جرّنا الحديث إلى قضية صلب المسيح عليه السلام.
قلت لمريانا: كيف يعذب البريء ويهان ولماذا؟ هل من العدل أن يعاقب عيسى عليه السلام على خطيئة ارتكبها آدم عليه السلام، ويكون فداء للبشرية ليخلصهم من خطيئة ارتكبها أبوهم؟! أين المنطق في هذا؟
قالت مريانا: لا أدري وإن كنت تثيرين في نفسي تساؤلات كامنة لا أجرؤ على البوح بها. إنهم يرددون دائماً أن أمور الدين هي فوق المنطق والعقل.
قلت: هذا غير صحيح فليس في أحكام الدين ما يتنافى مع العقل والمنطق، وإن كانت هناك أمور لا تستوعبها عقولنا لأنها لم تُخلق لهذا، مثلاً ليس لنا أن نبحث في شأن الذات الإلهية، فعقولنا لم تُخلق لهذا، ولكننا ندرك بالعقل أنه سبحانه واحد أحد لم يلد ولم يولد.. وأما بالنسبة لخطيئة آدم فقد حلّها قرآننا الكريم ببساطة إذ قال سبحانه وتعالى:
)فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم( البقرة 37.
وأما أن يعاقب البريء عوضاً عن المخطئ فهذا منتهى الظلم، وقرآننا ينهى عن ذلك إذ يقول:
)ولا تزر وازرة وزر أخرى( الإسراء 15.
أي لا يعاقب البريء بدل المذنب، فهذا ظلم وحاشا لله أن يكون ظالماً كما أن في ذلك إلغاء لمسؤولية الإنسان عن أعماله وقد نفى القرآن الكريم قضية صلب المسيح عليه السلام فقال:
)وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم( النساء 157.
قالت مريانا: كلماتك تريحني لأنني في كثير من الأحيان أشعر بالضياع، ولا أدري أين الحقيقة في ألوهية المسيح؟ أين الحقيقة في بنوة المسيح؟.. وأين الحقيقة في الأقانيم الثلاثة؟..
وهكذا كانت تنتهي نقاشاتنا غالباً، وأنهينا المرحلة الثانوية معاً، وكانت تؤازرني في مواقفي دائماً وتشعرني أنها تعيش معي في ظل الإسلام، وإن لم تأخذ بشيء من مظاهره، وبعد انتهاء المرحلة الثانوية اختارت مريانا دراسة اللغة الفرنسية وآدابها.. ولم تنقطع لقاءاتنا، وقد أسرّت لي أنها معجبة بابن عم لها لم يكمل تعليمه بعد الثانوية، وانشغل بإدارة أعمال أبيه بعد وفاته، كما أنه يتودد لها، ولكنها لن تتزوج قبل انتهاء دراستها.
وحصلت على الشهادة الجامعية، وعُينت مُدرّسة في إحدى المدارس الثانوية في بلدتنا، وحققت أمنيتها وتزوجت من ابن عمها، وغمرتها السعادة وأنجبت ابنها الأول، وانشغلت كل منّا عن الأخرى فترة من الزمن، انشغلت مريانا بأسرتها وعملها، وهي المدللة المرفهة وحيدة أبويها، كما انشغلت بأسرتي وبولدي الأول، تجربتي الأولى في الأمومة.. قلقي وانشغالي وأنا بعيدة عنه وهو بأيد ليس فيها حس الأمومة ولا تحركها عاطفة الأم، وكانت خالتي هي اليد الحنونة التي أطمئن لها على فلذة كبدي.. ولبّت رغبتي وجاءت لتعيش معي.. بعد أن انقطعت فترة عن عيادتي وعملي.. هكذا مرت الأيام ولم أتصل بمريانا ولم تتصل بي، ويشاء الله أن ألتقي بها في حفلة مدرسية دعيت لها ووجدتها في قمة الشقاء والحيرة.
قلت لزينب: لماذا الشقاء والحيرة، بعد أن تزوجت ممن تريدين وأصبحت أماً؟
قالت: خدعها قلبها فلم تلتفت لعيوب كثيرة في الزوج الذي اختارته، ومع ذلك صبرت وتحملت الكثير، فالطلاق محرّم في شريعتها، وجاء اليوم الذي لم يعد فيه مجال للتحمل، فالزوج عاشق لأخرى وهو يلتقي بها دائماً.. بل أحضرها إلى مزرعته، وأقام لها بيتاً ويتعامل معها كزوجة متحدياً تعاليم دينه وقيم مجتمعه، وعادت مريانا إلى كنف أمها وأبيها مع ولدها، تتجرع كأساً مُرّة لا نهاية لها. وسألتني ما الحل، أشعر كأنني معلقة في الفضاء بين السماء والأرض؟ وقالت: تخيلي أرسل لي بالأمس يرجوني أن يسجل ابنه الذي جاءه من عشيقته على اسمي فرفضت ولا أدري ماذا أفعل.
وخففتُ عنها وقد شعرت بقسوة معاناتها.
قلت لزينب: فعلاً مشكلتها ليس لها حل في ظل شريعة تُحرّم الطلاق كما تحرّم الزواج بثانية، ألست معي أن الطلاق في كثير من الأحيان هو مطلب للمرأة وحل لمشكلاتها.
قالت زينب: هذا صحيح وقد نظم الإسلام قضية الطلاق بدقة وحكمة، ووضعه بيد الرجل أو بيد المحكمة، وذلك لأن الطلاق بالنسبة للرجل خسارة كبيرة لن يقدم عليها إلا مكرهاً، فسيخسر مع الزوجة المهر والنفقات التي أنفقها، ولذلك غالباً ما يلجأ الرجل للمحاكم وتسعى المحكمة لإعادة الاستقرار وإيجاد الحلول، فإن تعذر ذلك يكون الطلاق هو العلاج المناسب لمصلحة الأسرة، كما أنه الدواء المر لحفظ الكرامة لكلا الزوجين.
قلت: ماذا تقصدين بكرامة الزوجين؟
قالت: شعور الرجل بأن الزوجة لا تريده، أو شعور المرأة بأن الزوج لا يريدها، كما هو الحال بالنسبة لمريانا، فالحل هنا هو الطلاق بالنسبة لمجتمع يحافظ على القيم. أما في المجتمعات الأخرى فالحل أن تجاري المرأة الرجل وتبحث عن البديل، وهنا الطامة الكبرى التي ستدمر الأسر ثم المجتمع، ويتشرد الأطفال، وتنشأ الأجيال في جو بعيد كل البعد عن الجو السليم. فالكل يلهث وراء شهوته بعيداً عن إنسانية وكرامة الإنسان.. وسعياً وراء المادة والجنس والرفاهية.
قلت: الشيء المميز بالنسبة للطلاق في الإسلام.. أنه منظم بدقة وحكمة، فهو قد وضع للضرورة ولمصلحة كل الأطراف، كما أنه أبغض الحلال إلى الله، وهو حق للمرأة كما هو حق للرجل وإن كان على المرأة أن تلجأ للقضاء، أو تتفق مع الرجل وبذلك يتم التفريق أو المخالعة.
قالت زينب: نعم أذكر بهذا الخصوص قصة تلك المرأة، وقد وردت في "صحيح البخاري" و"موطأ الإمام مالك" وغيرهما واسمها حبيبة بنت سهل، جاءت إلى النبي صلوات الله عليه وسلامه فقالت:
"يا رسول الله ما أعيب عليه من خُلق ودين ولكن أكره الكفرَ في الإسلام.."
تقصد أنها لا تألف زوجها، وتعايشه وهي مكرهة، وتخشى على نفسها من الانحراف إن لم يفرق بينهما، فأمر النبي الكريم أن ترد عليه حديقته التي هي مهرها وفرّق بينهما، ولم ينكر عليها ما طلبت، إنه الإسلام دين الفطرة ودين الكرامة.
قلت لزينب: الحل في ديننا موجود ومع ذلك فنسبة الطلاق في بلادنا قليلة إذا قيست بما يحدث في البلاد التي تخلّت عن القيم وكثُرت فيها المغريات، وزالت مشاعر المودة والرحمة وحلت محلها دوافع الشهوة والهوى، فديننا أوجد لنا الحلول من خلال مراعاته للفطرة والواقع البشري، ومشكلة كمشكلة مريانا لن تجد لها حلاً في ظل الديانات التي لم تستوعب حقيقة الإنسان.. وأنه ليس ملاكاً، كما أنه ليس حيواناً تسيّره الغرائز والشهوات ولا شيء غير ذلك.. فما رأيك؟
قالت زينب: ليس رأيي ولكنه الواقع فكثيرات يعانين مما عانت منه مريانا ولا حل إلا في الانحراف والضياع.. أو الهروب كما فعلت مريانا.. لقد قررت أن تذهب بعيداً وتنشغل بالعلم فسافرت إلى فرنسا، وقررت أن تنال الدكتوراه في الأدب الفرنسي، وهناك لمست لمس اليد ما يعانيه مجتمع يقال إنه متحضر من انحراف وضياع في جوانبه الإنسانية، وإن بدا ضالعاً في التقنية والعلوم.
واستمرت المراسلات بيني وبينها.. وأخبرتني أنهم يعاملونها كمسلمة، لأنها عربية، وأنها تسكن مع أسرة عربية مسلمة وهذا يريحها نفسياً.. وأنها تسعد بحضور ندوات ومناقشات تُبحث فيها أمور كثيرة، وقد أخبرتني في إحدى رسائلها أنها حضرت محاضرة تحدثت فيها إحدى السيدات عن الإسلام وأنه الدين الذي وقف إلى جانب المرأة وأنقذها من ظلم الجاهلية.. وبعد انتهاء المحاضرة وُجهت أسئلة كثيرة للمتحدثة.. أحسنت الإجابة عنها.. وأن أحدهم أراد أن يحرجها فقال:
- حديثك جميل ومقنع عن الإسلام، ولكن ألا تؤمنين معي أن تعدد الزوجات فيه ظلم كبير للمرأة؟
وكان رد المحاضرة أكثر إحراجاً فقالت:
- أنا أود أو أوجه سؤالاً للرجال: مَن منهم مكتف بزوجته؟!
- فلم يجب أحد.. فقالت:
- هذا يكفيني الآن وسنتحدث في المحاضرة القادمة عن تعدد الزوجات إن شاء الله تعالى.
قلت لزينب: إنهم يغضون طرفهم عن تعدد الخليلات ونتائجه المدمرة، ويوجّهون سهامهم لتشريع إلهي حكيم وُجد لمصلحة الجميع.
قالت زينب: وهكذا وجدتُ مريانا شيئاً فشيئاً تتقرب من الإسلام، تستقي من منابعه، وتجد فيه الحل لمشكلتها، ولم تكن مفاجأة لي عندما أخبرتني أنها اختارت الإسلام منهاجاً لحياتها بعد اقتناع ودراسة، وأنها ستبقى في فرنسا لتتقي المصادمة مع أسرتها.. وإن كان أبواها وافقا على اختيارها، وسجّلا باسمها معظم ما يملكانه من عقارات فهي وحيدتهما، كما أعطيا ابنها ما يكفيه، وقد سافرا إليها مراراً وأيداها بكل ما تفعل، أما ابنها فله حريته وله اختياره عندما ينضج عقله، ويكتمل وعيه، وقد فضّل اللحاق بأمه إلى ذلك البلد ليكمل تعليمه، خاصة أن أباه لم يمنحه الرعاية الكافية.
قلت: إذن لقد وجدت مريانا حلاً لمشكلتها في الإسلام، ولكن هل بقيت بلا زوج؟
قالت: بل تزوجت أخيراً من فرنسي اهتدى إلى الإسلام بعد أن بحث طويلاً عنه، فانتقل من مبدأ إلى آخر ومن عقيدة إلى أخرى ثم حط رحاله في رحاب الإسلام، وأعلن أنه وجد فيه الحقيقة التي بحث عنها طويلاً، وهو يعمل في ميدان الأدب والصحافة، أما مريانا فانصرفت إلى التدريس في مؤسسة تشرف عليها هيئة عربية إسلامية.
قلت: وبذلك حُلّت جميع المشاكل حتى مشكلة زوجها السابق أيضاً فيما أظن، فبإمكانه أن يحول علاقته المحرمة إلى علاقة شرعية.
قالت: لا علم لي بما حل بذلك الزوج وبعلاقته وما حُكم ما فعل وهل لفعله حل؟ المهم أن الله تعالى يسّر لمريانا كافة أمورها، وهي تعيش الآن حياتها مستقرة يظللها الرضى والاطمئنان وصدق الله العظيم إذ يقول:
)ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً( الطلاق 4.
وسأحدثك في اللقاء القادم ‘إن شاء الله عن أمور مرّت في حياتي ولا تزال محفورة في ذاكرتي، والآن وداعاً وفي أمان الله أنت وكل الذين يستظلون بظل رحمته سبحانه وتعالى.


التوقيع
أشكرك كثييييييييييرا رحمة على التوقيع الرائع
اضغط هنا لتكبير الصوره




اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم اشف الريم شفاء لا يغادر سقما
أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيها
إني أسألك من عظيم لطفك وكرمك و سترك الجميل أن تشفيها و تمدها بالصحة و العافية
.اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين
اضغط هنا لتكبير الصوره اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن حساني ; 10-17-2011 الساعة 07:28 PM
SIHAM NAWWARA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثلة شبابية مضحكة Jin Kazama منتدي النكت و الطرائف - ضحك و فرفشة 10 07-18-2012 12:09 PM


الساعة الآن 10:05 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.