قديم 11-02-2011, 09:40 PM   #1
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية احمد اللسـاني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 1,994
معدل تقييم المستوى: 5
احمد اللسـاني is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى احمد اللسـاني
منقول


"الأدب المقارن"



الأدب المقارن موضوع قديم وليس بقديم. قديم إذا ما أخذنا جوهر الأدب المقارن، وهو علاقة التأثير والتأثر بين الآداب، فأقدم ظاهرة على ذلك نجدها في تأثير الأدب الروماني قبل الميلاد. وليس بقديم إذا نظرنا إلى الأدب المقارن باعتباره علما له أسسه وقواعده ومناهجه، فهو ابن القرن التاسع عشر في أوروبا أعني أنه تبلور بالصورة التي نعرفها اليوم عن الأدب المقارن في هذا القرن رغم المحاولات المتنوعة التي جرت قبل هذا التاريخ في ضبط هذا العلم وتقعيده. وقد كان القرن التاسع عشر عصر التعمق في الدراسات النظرية والعلمية، وفيه أتجه العلماء إلى المقارنات لاستنباط الحقائق، فعرف علم الحياة المقارن، وحذا تاريخ الأدب حذوها في اتجاهه نحو الأدب المقارن.
أما في الأدب العربي فلا زالت الدراسات المقارنة قليلة ، وضئيلة، وتجري بجهود فردية. وظلت الكثير من الجامعات العربية إلى عهد قريب _ ولازال بعض منها_ بعيدة عن هذا العلم، رغم أهميته وخطورته التي سنشير لها لاحقا. وفي جامعة الإمارات العربية طرح موضوع الأدب المقارن قبل سنوات قليلة جدا كمساق فرعي اختياري لطلبة قسم اللغة العربية. بالمقابل نجد وزارة التربية والتعليم الفرنسية تدخل موضوع الأدب المقارن ضمن مناهج التعليم الثانوي عام 1925 ليطّلع الطالب الفرنسي على المؤثرات الأجنبية على أدبه القومي ، وأثر الأدب الفرنسي في الآداب الأخرى. لكن قبل الدخول في صلب موضوع الأدب المقارن ، لابد لنا أن نقف على معنى هذا المصطلح: فما هو الأدب المقارن؟
مصطلح الأدب المقارن كغيره من المصطلحات الأدبية أثار ولا زال يثير الكثير من الإشكاليات، ودخل في معمعة التعريفات المتنوعة المختلفة، ناهيك عما يثيره مصطلح (الأدب) نفسه من اختلافات. وبعيدا عن كل الاختلافات فالأدب المقارن هو " دراسة الأدب القومي في علاقته التاريخية بغيره من الآداب الخارجة عن نطاق اللغة القومية التي كتب بها " ..(هلال ص12). وهو بهذا المعنى ذو بعد تاريخي، إذ أنه يدرس مواطن الالتقاء بين الآداب في لغاتها المختلفة وصلاتها التاريخية الكثيرة المعقدة وما لها من تأثير أو تأثر مهما كان نوعه ، سواء كان بالأصول العامة للأجناس الأدبية، أو المذاهب الأدبية، أو التيارات الفكرية، أو بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو تحاكي في الأدب، أو اتصلت بمسائل الصياغة الفنية. ويكشف كذلك عن أشكال تأثر الكتّاب أنفسهم في الأدب القومي بالآداب العالمية. هذه النقطة والنقطة الأخرى أن "الحدود الفاصلة بين تلك الآداب هي اللغات، وهي التي يعتد بها الأدب المقارن في دراسة التأثير والتأثر المتبادلين بينهما" هلال 15.
وعليه يستبعد من الأدب المقارن كل ما يعقد من مقارنات أو موازنات بين كتّاب من آداب مختلفة لم تقم بينهم صلات تاريخية كي يؤثر أحدهم على الآخر أو يتأثر به….. مثل الموازنة بين الشاعر الإنجليزي (ملتن) والشاعر العربي أبي العلاء المعري لوجود بعض التشابه بينهما فكلاهما كان أعمى ولهما آراء متطرفة في المسائل الدينية، لكن كلا الشاعرين لم يعرف أحدهما الآخر ولم يتأثر به، وتشابه آراؤهما ومكانتهما الاجتماعية ليس له قيمة تاريخية. إن مثل هذه المقارنات ربما تكون مهمة ومفيدة لكنها لا تدخل في باب الأدب المقارن لافتقادها الصلة التاريخية، ولأدب المقارن يهدف للوصول إلى عرض الحقائق عن طريق تاريخي،…. كيف انتقلت من لغة إلى أخرى؟ وكيف توالدت بعضها من بعض؟ وهل احتفظت بالصفات العامة حين انتقلت من لغة إلى أخرى؟ وما هي الألوان التي فقدتها أو كسبتها بهذا الانتقال؟.
وكذلك بخرج من الأدب المقارن كل ما يعقد من موازنات داخل الأدب القومي الواحد، وإن كانت هناك صلات تاريخية، مثل الموازنة بين أبي تمام والبحتري وشوقي وحافظ.
وللأدب المقارن أهمية أساسية لتاريخ الأدب والنقد، في ا،ه يكشف عن مصادر التيارات الفنية والفكرية للأدب القومي، وكل أدب قومي يلتقي في عصور ازدهاره بالآداب الأخرى، وهذا ما نجده في انفتاح الأدب العربي في العصور العباسية على الآداب الأخرى ، وكذلك الأدب الغربي في عصور النهضة. هذا إضافة إلى ما ذكرناه في أ،ه يكشف عن جوانب تأثر الكاتب في الأدب القومي بالآداب العالمية" ولا يضير كاتبا مهما كانت عبقريته أن يتأثر بإنتاج الآخرين ويستخلصه لنفسه يخرج منه إنتاجا منطبعا بطابعه" (هلال 13). يقول بول فاليري: "لاشيء أدعى إلى إبراز أصالة الكاتب وشخصيته من أن يتغذى بآراء الآخرين، فما الليث إلاّ عدة خاف مهضومة".
وإذا كان الأدب المقارن يتناول الصلات العامة بين الآداب . فلا غنى له من النفوذ إلى جوانب كل أدب ليتبين فيهما ما هو قومي وما هو دخيل، " وليبين أهمية اللقاح الأجنبي في إخصاب الأدب القومي وتكثير ثمراته".
وبهذا فالأدب المقارن يرسم خط سير الآداب في علاقاتها بعضها ببعض، ويساعد على إذكاء الحيوية بينها، وتفاهم الشعوب وتقاربها في تراثها الفكري، وهو بعد ذلك يحفز على خروج الآداب القومية من عزلتها بالنظر إليها بوصفها أجزاء من بناء عام لذلك التراث الأدبي العالمي. وهو إضافة إلى كونه مكملا لتاريخ الأدب وأساسا جديدا للدراسات النقدية فهو مهم في دراسة المجتمعات وتفهمها ودفعها إلى التعاون لخير الإنسانية جمعاء.
قلنا أن الأدب المقارن بوصفه علما قد سبق ظهوره وجود ظواهره المختلفة في الآداب العالمية، أعني تحقيق التأثير والتأثر بين الآداب. ولا أريد هنا أنم أتتبع تاريخ تطور الأدب المقارن فالموضوع طويل، بقدر ما أشير بإيجاز إلى بعض المحطات.
فأقدم ظاهرة في تأثير أدب في أدب آخر هو ما أثر به الأدب اليوناني في الأدب الروماني ، وقد وسّع الرومان معنى المحاكاة اليونانية.
ثم في عصر النهضة في أوروبا، اتجهت الآداب الأوروبية نحو الآداب القديمة من يونانية ولاتينية ، وكان للعرب فضل توجيه الأنظار إلى قيمة النصوص اليونانية بما قاموا من ترجمات لفلاسفة اليونان.
ثم أخذ الكلاسيكيون نظرية المحاكاة اليونانية التي تحددت على أيديهم، وبذلوا جهدا في مجاوزة النماذج التي تحاكى.
في الحركة الرومانسية بعد ذلك يتضح تأثيرها في نشأة الأدب المقارن ـ وإن كان محدودا ـ بالدعوة للإفادة من الآداب الأخرى.
ثم تأتي النهضة العلمية في القرن التاسع عشر والذي كان عصر النظريات العلمية ـ كما ذكرنا ـ وفيه شاعت فكرة الأدب المقارن وراجت في أوروبا وبخاصة أواخر القرن، فظهرت مجموعة من البحوث في هذا المجال. وفي 1900 عقد مؤتمر للدراسات التاريخية، خصص قسم كامل لتاريخ الآداب المقارنة. وربما اكتمل معنى الأدب المقارن الحديث على يد الباحث الفرنسي (جوزيف تكست) الذي يعد أبا الأدب المقارن الحديث، والذي اتسمت دراساته بشمولية النظرة في بيان تطور الأفكار واختلافها حسب تطور الشعوب، واختلاف أحوالها الاجتماعية.
أما على مستوى الجامعات، فكانت الجامعات الفرنسية أقدم اهتماما في إدخال الدراسات المقارنة وتطورها، ثم تبعتها بقية الجامعات الأوروبية والأمريكية التي درجت ـ في رسمها لمنهج الأدب المقارن ـ على جعل أدبها القومي مركزا تدور حوله دراساتها المقارنة. وخصصت الكثير من الجامعات كراسي للأدب المقارن، بل أن شهادة الأدب المقارن جزء من ليسانس الدولة للتعليم الحديث في فرنسا.

* * *
وتطورت بعد ذلك البحوث في الأدب المقارن في أوروبا، وتكونت (الجمعية الدولية لتاريخ الآداب الحديثة ) عام 1928 لتهيئة اتصال دائم بين العلماء ومعاونة الباحثين ومساعدتهم وتسيل البحوث. وعقدت الجمعية عدة مؤتمرات منها مؤتمر بودابيست 1931، أمستردام1935 ، ليون1939 ، باريس1948 ، وأصبحت الجمعية في رعاية الهيئة الدولية للتعاون الثقافي والاجتماعي (ينسكو) التابعة للأمم المتحدة . مهمة الباحث في الأدب المقارن مهمة صعبة وشاقة، إذ أنه يقف عند الحدود المشتركة للآداب المختلفة، ويبحث في صلاتها، ويكشف عن التيارات العامة لتلك الصلات، وآثار ذلك مع الأدباء والكتب والموضوعات . لذا يجب أن يكون واسع الأفق، ملما قادرا على دراسة موضوعه دراسة علمية دقيقة، ويجب أن تتوفر فيمن يتصدى لمثل هذه البحوث شروط أساسية، منها: المعرفة التامة الدقيقة بتاريخ أدب أمته، ثم الإلمام الكافي بأدب الأمة المقارن بها، والإطلاع على التاريخ العام للأمتين، والإلمام الكبير بالنقد وتاريخه. ومنها أيضا قراءة النصوص المختلفة بلغاتها الأصلية، لذا يحبذ بدارس الأدب المقارن إجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، لأن الاعتماد على الترجمة طريقة ناقصة لا تصح في في تقويم التأثير والتأثر، إذ أن لكل لغة خصائصها. ومنها أيضا أن يكون الباحث ملما بالمراجع العامة وطريقة البحث في مسائل الأدب المقارن، وفي هذا المجال تزخر المكتبات الغربية بالمراجع والمصادر التي تسهل على الباحث مهمته. وهي كثيرة، لإضافة إلى أن مجلة الأدب المقارن الفرنسية تخصص في كل عدد من أعدادها قسما لما استجد من مراجع في الأدب المقارن في أوروبا وأمريكا… نتمنى أن نرى مثل تلك المراجع فيما يخص الأدب العربي في المكتبات العربية. على أنه يجب الإشارة إلى أ، كلمة (المصادر) لا تعني الكتب التي تؤثر على الكاتب فقط ، رغم أنها تأتي في المقام الأول من المؤثرات، لكن المصادر تشمل كل العناصر الأجنبية التي تعاونت على تكوين الكاتب، هذا إذا كانت الدراسة منصبة على كاتب بعينه، ومن هذه المصادر أسفاره ورحلاته وما انطبع في خياله من مناظر طبيعية وآثار فنية وعادات وتقاليد قومية، ومنها أيضا مخالطاته للبيئات والنوادي التي تهتم بالثقافات العالمية في وطنه ، ويدخل في هذا الباب أصدقاء الكاتب من الأجانب .
قلنا أن الباحث في الأدب المقارن يدرس العلاقات المتبادلة بين الآداب علاقات التأثير والتأثر. فهو يعمد في البداية إلى دراسة وسائل عبور تلك المؤثرات من أدب لغة إلى أدب لغة أخرى، ثم يدرس تلك المسائل المتبادلة نفسها، كيف تغيرت؟..وهل زيد فيها؟…وهل نقص منها؟. ومن أهم وسائل انتقال الأدب من لغة إلى أخرى، الكتب ـ بلا شك ـ المؤلفة منها والترجمة ، ومنها ما يكون المؤلف نفسه قد كتب بعض مؤلفاته بلغة أجنبية فتكون تلك المؤلفات دلالة لا تنكر على تأثره بأدب اللغة التي كتب بها، مثل الكثير من كتّاب الفرس وشعرائهم من ذوي اللسانين العربي والفارسي. ولعل الكتب المؤلفة والمترجمة بوصفها وسيلة من أهم وسائل تأثير أدب في أدب آخر تكمن أهميتها في تحديد طريق هذا التأثير، وتحديد وجهنه، فقد يؤثر الكتاب في أمة دون غيرها، كما قد يؤثر في أمة أخرى ولا يؤثر في أمة كاتبها إلى فترة من الزمن، مثل رباعيات الخيام التي ظلت قرونا دون أن يعيرها ناقد إيراني التفافة تذكر، حتى تهيأ لها شاعر أيرلندي عام 1859 فترجمها وذاع صيتها حتى ترجمت إلى معظم لغات العالم . كما أن لدراسة الترجمة أهمية أخرى في الوقوف على أذواق كل عصر وتحديد اتجاهاته العامة. وقد تكون الترجمة سببا في نشر أذواق أدبية خاصة من لغة إلى أخرى ، فللترجمة من العربية إلى الفارسية الحديثة دور كبير في تطور النثر الفارسي مثلا. ومن وسائل الانتقال الأخرى الصحف والمجلات والمنتديات الثقافية، وأدب الرحلات، ثم الكاتب نفسه ومدى تأثره بأدب معين أو كاتب معين أو أن يكون نفسه ذا أصول ولغة تختلف عن اللغة التي كتب بها ، مثل ابن المقفع فيما ترجم من روائع الأدب الفارسي إلى اللغة العربية، وهنا يجب دراسة حياته والتعرف على ثقافته وميوله الفارسية وأثر ذلك في إنتاجه العربي، ومثال آخر في العصر الحديث مجموعة الكتّاب العرب الذين يكتبون بلغات أجنبية. هذه العوامل التي ذكرناها في انتقال الأدب من لغة إلى أخرى هي عوامل خاصة وهي أقرب إلى جوهر الأدب المقارن وأكثر تأثيرا من العوامل العامة المساعدة في عملية الانتقال رغم أنها تؤخذ أيضا ـ إلى حد ما ـ في عملية التأثير المتبادل من قبل الباحثين في الأدب المقارن. فمن العوامل العامة هجرات بعض الجماعات من بلد ‘لى آخر لاضطرابات طبيعية أو سياسية وما لهذه الهجرات من أثر متبادل في لغة وثقافة الاثنين، ومنها أيضا عامل الحروب بين الدول، إذ رغم دمارها قد يكون لها أثر طيب من جهة الإخصاب العقلي، وقد تتيح فرص التأثير والتأثر بين الآداب ، ومنها أيضا عامل الاحتلال والغزو.
ومن صلب موضوع الأدب المقارن، إضافة إلى دراسة وسائل الانتقال كما قلنا، هو الاهتمام بدراسة الأجناس الأدبية، ونقصد بها "القوالب الفنية الخاصة التي تفرض بطبيعتها على المؤلف أتباع طريقة معينة" (هلال 97).. كيف انتقلت تلك الأجناس من أدب إلى آخر….؟ … وكيف راجت في ذلك الأدب؟.. وكيف تطورت..؟.… فمثلا كيف نشأت قصة الرعاة في الأدب الأوروبي، وكيف نشأت القصة والمسرحية في الأدب العربي الحديث؟…. على أنه يجب أن نلاحظ أن الأجناس الأدبية وهي ذات طابع عام وتقنيات فنية خاصة، بها يتوحد كل جنس أدبي في ذاته ـ هي ليست ثابتة، بل في حركة مستمرة تتغير قليلا في اعتباراتها الفنية، وتتغير في أشكالها من عصر إلى عصر ومن مذهب أدبي إلى آخر، فقد كانت المسرحية مثلا ـ في الأدب الكلاسيكي شعرا ثم صارت في العصر الحديث نثرا. وعلى الباحث أن يعي ذلك كله، فعليه أولا أن يحدد نوع الجنس الأدبي الذي يدرسه، وثانيا يقدم الأدلة على تأثر الكاتب أو الكتّاب بالجنس الأدبي موضوع الدراسة ، وأن يحدد ثالثا مدى تأثر الكاتب بالجنس الأدبي وعوامل التأثير. مع ملاحظة أم الأجناس الأدبية قد تنشأ طبيعية في الآداب القومية دون اعتمادها أو تأثرها بآداب أخرى، لكن حين تنهض وتنضج تستمد بعض عوامل نموها وتطورها من الآداب الأخرى. وقد ينشأ الجنس الأدبي ف الأدب القومي بفضل تأثره بالآداب الأخرى مثل المسرحية والقصة في معناها الفني في الأدب العربي الحديث.
ومن اهتمامات الأدب المقارن أيضا دراسة الموضوعات الأدبية، فعلى سبيل المثال موضوع (دون جوان) في الأدب الأسباني والفرنسي، وقصة (قيس وليلى) في الأدب العربي والفارسي. وأهمية تلك البحوث تكمن في معرفة خصائص الشعوب ونفسيتها، وفي دراسة الكاتب الذي يتخذ من هذه الموضوعات منفذا للتصريح بآرائه وفلسفته. وغالبا تتخذ الموضوعات شكلا آخر حين تنتقل من أدب إلى آخر، ولا أقول تمسخ، ف (دون جوان) هو (دون جوان) لكن بنكهة أسبانية في الأدب الأسباني،ونكهة فرنسية في الأدب الفرنسي. وهذا ما سوف نلاحظه في قصة قيس وليلى العربية حين انتقلت إلى الأدب الفارسي في النموذج التطبيقي الذي سأورده في نهاية الورقة. ويدخل في هذا الباب دراسة الأساطير ، وبخاصة تلك التي اخترقت حاجز الأمة واكتسبت اتساعا أفقيا لدى الأمم الأخرى.
ومن الاهتمامات أيضا تأثير كاتب ما في أدب أمة أخرى، وهو من أكثر فروع الأدب المقارن اهتماما وانتشارا، وعلى الباحث أن يحدد نقطة البدء في التأثير فيما إذا كانت من مؤلفات كاتب ما، أو كتاب واحد من بينها ، وأن يحدد الوسط المتأثر، بلدا كان أم مجموعة مؤلفين أو كاتبا واحدا. مثلا أثر الكاتب الفرنسي (جي دي موبسان) في القصة المصرية القصيرة، أو في كتّاب القصة القصيرة العربية ف القرن العشرين، أو في محمود تيمور فقط. بعد ذلك عليه أن يحدد نوع التأثير، فقد يكون التأثير شخصيا أو فنيا، أو فكريا، أو التأثير في الموضوعات كتأثير شعر المدح العربي في الأدب الفارسي.
ومن اهتمامات الأدب المقارن أيضا، دراسة التيارات الفكرية التي تسود عصرا ما، أو حركة معينة من حركات الأدب، مثل الفلسفة العاطفية والصوفية في الأدبين العربي والفارسي، ومثل الفلسفة الواقعية بين مختلف الآداب.
ذكرنا أن الأدب المقارن وهو يدرس الآداب في علاقتها بعضها ببعض يساعد على إذكاء الحيوية بينها ويهدف إلى تقارب الشعوب في تراثها الفكري، وهذا ما يسميه د. غنيمي هلال (عالمية الأدب)، بمعنى خروج الأدب من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أخرى، وهي ظاهرة عامة بين الآداب في عصور معينة، مع الاحتفاظ بقومية الأدب ، إذ أن الأدب قبل كل شيء " استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقومية" ، فهو محلي قومي في المقام الأول، وما خروج الآداب من حدودها القومية إلاّ طلبا لكل ما هو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به، وعليه يجب أن يكون اختيار الأدب المتأثر من الآداب الأخرى حسب الحاجة، بمعنى أن يكون الباعث الأول على هذا الاختيار هو الحرص على توفير عوامل النهوض بالأدب القومي لكي لا يكون منعزلا منطويا على نفسه، لذا تبقى " اللغة القومية وتقاليدها الموروثة وإمكانيات أهلها الفكرية والاجتماعية، وطاقتها الفنية في التعبير بمثابة موانع كي لا ينحرف ذلك الاختيار عن غايته خوفا من أن تنمحي الحدود القومية أو خصائص العبقرية اللغوية للأدب المتأثر وهي التي يراد إكمالها وإغناؤها بهذا الاختيار (هلال 108)، وأساس التأثر، أو الاستفادة من الآداب الأخرى هو الأصالة والقدرة على الاستفادة من المناهل الخارجة عن نطاق الذات حتى يتسنى الارتقاء بالذات عن طريق تنمية إمكانياتها. والخطورة كل الخطورة تكمن في التقليد الأعمى، فالعلاقة يجب ألاّ تكون علاقة التابع بتابعه، بل علاقة المسترشد بنماذج فنية أو فكرية يطبعها بطابعه، ويضفي عليها صبغة قومية.
كما يجب أن تتوفر حالة الإعجاب والتشابه والتقارب لدى الكاتب المتأثر بالكتب والمؤلفين الذين تأثر بهم. كتب الشاعر الفرنسي بودلير إلى صديق له يقول: " أتعرف لماذا ترجمت في صبر ودأب ما كتبه (ادجار الن بو ) ، لأنه كان يشبهني، رأيت فيه مثار فتنتي وروعتي، عثرت فيه على الموضوعات التي كنت أحلم بها، والجمل التي كانت تراود أفكاري…" .
إن علاقة التأثير والتأثر والتي هي مجال تنافس وحيوية ـ كما قلنا ـ ومجال أيضا لتقدم الأدب القومي، تجعلنا ننظر إلى أدبنا القومي نظرة أعم وأعمق،فالأدب الحديث لا يقوم فقط على أساس الأدب القومي في ماضيه، بل كذلك على أنه لبنة في ذلك البناء العالمي الشامخ . يقول جوتيه: " ينتهي كل أدب إلى الضيق بذات نفسه إذ لم تأت إليه نفائس الآداب الأحرى لتجدد الخلق في ديباجته". وبسبب تبادل التيارات الفكرية والفنية في الأدب نهضت الآداب القومية، فقد أعطى عصر النهضة في أوروبا ثماره برجوعه إلى الأدب القديم اليوناني والروماني والآداب الأخرى، ونهض الأدب العربي القديم في العصر العباسي واستجدت فيه أجناس أدبية وصور فنية وموضوعات شتى بانفتاحه على الأدب الفارسي والهندي والفكر اليوناني.
ولعالمية الأدب التي نتحدث عنها وهي خروج الأدب من نطاق اللغة إلى أدب لغة أخرى عوامل كثيرة، عامة وخاصة، وعلى دارس الأدب المقارن أن يكون على وعي بها، وقد مر ذكرها سابقا.
في بداية الحديث ذكرنا أن الحدود الفاصلة بين الآداب هي اللغات، لذا فدراسة آثار لغة في لغة أخرى تأتي في المقام الأول من الدراسات المقارنة، إلى جانب ـ أو بالأحرى ـ قبل دراسة الموضوعات والأجناس الأدبية والتيارات الفكرية والفنية. فانتقال المفردات اللغوية بين اللغات وما لها من دلالات اجتماعية وأدبية هي أولى مظاهر العلاقات بين الآداب في تأثيرها، وما لها بعد ذلك من دلالات نفسية وفنية، وهي نقطة البدء في البحوث المقارنة. والأمثلة كثيرة على تبادل الألفاظ بين اللغات، وما يتبعه من تبدل معانيها عند انتقالها، وما نأخذه من صيغ نحوية وصرفية خاصة باللغة التي نقلت إليها. ونضرب بعض الأمثلة في العلاقة المتبادلة القوية بين اللغة العربية والفارسية . يقول الجاحظ : " ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، لذلك يسمون البطيخ ـ الخربز، ويسمون السميطـ الوذق….، وأهل الكوفة يسمون المسحاة ـ بابل " .
وقد تدل استعارة اللفظ على نوع من " العلاقة الدولية التي سادت بين أمتين، فقد طبع الدين علاقات العرب الفاتحين بالإيرانيين المسودين، فلما استعار هؤلاء من العرب كلمة (ملة) ومعناها بالعربية الشريعة أو الدين ، أصبح لها في لغة الفرس معنى الحكومة أو الشعب أو الأمة . وكذلك كلمة (بَسْمَلَ) وهي اختصار لكلمة بسم الله، صار معناها في الفارسية (الحيوان المذبوح) ـ بعد إطلاق أسم الله عليه للتذكية، ومنها ( بسملكاه ) لمكان الذبح. وكلمة (نوروز) وهي أكبر أعياد الفرس وقد جرت بعض تقاليده في المجتمع العربي في العصر العباسي ، استعمل العرب هذه الكلمة، بل صاغوا منها فعلا. يقول الشاعر:

نَورَزَ الناسُ ونورزت ولكن بدموعي
وذكتْ نارهم ، والنار ما بين ضـلوعي

وهذا غيض من فيض

أكتفي بهذا القدر من عرض النقاط الرئيسية للموضوع، ولا أدخل في التفصيلات والتفريعات وضرب الأمثلة، لنها كثيرة وكثيرة جدا مما لايسمح به الوقت كما ألمحت في البداية. لكن قبل أن أنهي الموضوع عليَّ أن أعرض نموذجين تطبيقيين في الدراسة المقارنة للأدب ، وآثرت أن يكون النموذجان من الأدب العربي قديما وحديثا، يضمان جناحي الدراسة المقارنة، أعني (علاقة التأثير والتأثر). مع الإيجاز لضيق الوقت .

النموذج الأول : (قصة قيس وليلى)

وهي قصة معروفة بالحب العذري، جرت أحذاثها في الصحراء العربية، عن عاشقين تحابا منذ كانا صغيرين، ونما حبهما حتى باح قيس بحبه لليلى، وتردد اسمها في شعره فخرج بذلك عن التقاليد العربية ، ورفض أهلها تزويجها له ، ولم ييأس قيس، وعاود الخطبة مرات، ووسّط عامل الخليفة (نوفل بن مساحق) لكن الرفض كان نصيبه، وامتثلت ليلى لرغبة أهلها وتزوجت من رجل آخر، فجُنَّ قيس وظل يهيم في الصحراء حتى ألفته حيواناتها، وظلت ليلى على حبها لقيس مع احترامها لزوجها، أضناها الأمر فماتت في النهاية، وما لبث قيس أن لحق بها. هذا ملخص موجز جدا للقصة ، وتبدو القصة عادية جدا، فعشق فتى لفتاة ظاهرة اجتماعية معروفة، لكن المثالية في هذا الحب، والصراع الذي عاناه العاشقان، والمجتمع الذي رفض لقاء الأثنين جعل القصة ذات جاذبية تأخذ بألباب سامعيها.
وتأثرت آداب شرقية بقصة قيس وليلى العربية، منها الأدب الفارسي والتركي والهندي. ونقف عند تأثير القصة في الأدب الفارسي. والفرس قوم يحبون نظم الروايات شعرا، ولهم الكثير من المنظومات القصصية، وحين تأثر الأدب الفارسي بالأدب العربي كانت هذه القصة من أبرز القصص التي تأثروا بها، فنظمها أكثر من شاعر فارسي تحت اسم (ليلى والمجنون) وأضافوا إليها من خيالاتهم وطوروا أحداثها وطعموها بالروح الصوفية بعدما سمعوا بالحب العذري بين العاشقين. وأقدم من نظمها شعرا الشاعر الفارسي الكبير (سعدي الشيرازي) نهاية القرن السابع، ثم (هاتفي) و (ضميري) في القرن العاشر.
ونقف قليلا عند أقدم منظومة للقصة، للشاعر (نظامي كنجوي) الذي نظمها في أربعة آلاف بيت. وقد حافظ (نظامي) ‘لى حد كبير على الأصل العربي، لكنه أضاف تفصيلات ومعلومات لانعرف مصدرها، فهو يدّعي مثلا أن المجنون ابن ملك عربي صاحب سطوة، ولم يكن له ولد يرث ملكه وثروته، فدعا الله فاستجاب له. ولم يرد في النص العربي أكثر من أن أباه كان ثريا محترما في قبيلته.
ويبتعد نظامي في الخيال ويزعم أن العاشقين كانا يذهبان إلى المكتب ليتعلما ، وفي المكتب تعرف قيس على زميلته ليلى وبهره جمالها، فوقع في حبها. وطبيعي أن فكرة المكتب غير موجودة في النص العربي ، وحقيقة الأمر أن الفتى والفتاة كانا صغيرين يرعيان البهم فتعلق أحدهما بالآخر، وظل حبهما ينمو، كما يقول قيس:

تعـلقـّتُ لـيـلـى وهي ذات ذؤابـةٍ ولم يبدو للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البَهم ياليت أننا إلى الآن لم نكبر، ولم تكبر البَهمُ

إضافة إلى أنه يجعل لقاء قيس وليلى في إحدى الحدائق ، إبان الربيع، ويصف الحديقة وأعشابها وزهورها التي بللها الندى. ويورد ـ على لسان قيس في غزله بليلى ـ أوصافا لايعرفها البدوي، مثل ( البلبل الهائم بين الورود، ونرجس العيون، وتفاح الذقن ، ورمان الصدر…الخ) ، وهذا بلا شك يعكس ذوق المتأثر، والطبيعة الجغرافية لبلده.
ويظهر نظامي في منظومته بعض المبالغات، فعامل الخليفة نوفل بن مساحق الذي توسط لقيس عند أبي ليلى ورفضت شفاعته في القصة العربية، حوَّل نظامي الأمر إلى حرب بين الطرفين، فعامل الخليفة يجمع مائة شخص يحارب بهم أهل ليلى. وكذلك تبدو ليلى بعد زواجها في المنظومة عنيدة ومتكبرة، ترفض منح نفسها إلى زوجها ، وتصرح له أنه لن ينسها حتى لو أراق دمها. وهذا موقف لايتوائم مع طبع المرأة العربية، ناهيك عن أن النصوص العربية قد أجمعت على أن ليلى كانت تحترم زوجها وإن لم تكن تحبه.
ومن إضافات نظامي اللطيفة ما يورده عن الحيوانات الوحشية التي ألفت قيس بعد ما هام على وجهه في الصحراء، فيقول أنه: (لحب الحيوانات لقيس كان إذا سار تبعته الوحوش في صفين عن يمين ويسار).
على أن نظامي كان كثيرا ما يخرج عن القصة ليوجه النصح ، والدعوة إلى الفضيلة، والحث على الخير والتمسك بالمثل في كثير من الأبيات بشكل مباشر.
وأخيرا يصبغ نظامي القصة صبغة صوفية لا وجود لها في القصة العربية، فخروج المجنون إلى الصحراء، يراه نظامي تجردا من الدنيا، وتحررا من الذات.

النموذج الثاني:

نموذج حديث في تأثر الشاعر الكبير بدر شاكر السياب بالشاعرة الأنجليزية (أديث ستول). ولا نتجشم العناء في ايجاد الصلة بين السياب وستول، فالشاعران متعاصران ـ ولدت ستول عام 1887 وتوفيت عام 1964، وولد السياب عام 1926 وتوفي عام 1964 أيضا. ثم أن السياب نفسه يعترف بتأثره بستول ويشير أحيانا صراحة في هامش بعض قصائده بما يقتبس من ستول، واعتراف الشاعر دليل إثبات لاينكر في الدراسات المقارنة. إضافة إلى أن السياب تعرف على ستول عام 1949 حين اطّلع على ديوان ستول (انشودة الوردة) من نسخة استعارها من الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، ولم يعد الكتاب إلى صاحبه حتى الآن ـ كما يقول د. عبد الواحد لؤلؤة
( ص178). يضاف إلى ذلك أنه ترجم ثلاث قصائد لستول بين 1955 ـ1960.
لا أريد الدخول في تفاصيل حياة الشاعرين، فالسياب شاعر معروف ولد بالبصرة عام 1926 من عائلة أقرب إلى الفقر منها إلى الغنى، ودرس الأدب الأنجليزي ودخل معترك النضال السياسي، وأصيب بالمرض في بداية الستينات، ومات عام 1964، ولم يبلغ الأربعين من العمر وهو بالطبع رائد الشعر الحديث في الأدب العربي. أما الشاعرة (أديث ستول)، فقد ولدت من عالة أرستقراطية عريقة، ولم تذهب إلى المدارس والجامعات بل تعلمت تعليما خاصا. وأصبحت أشهر شاعرة إنجليزية، تقف مع (اليوت) في ريادة الشعر الإنجليزي المعاصر، ويمتاز شعرها باتأكيد على الأسطورة والرمز، وباستعاراتها وصورها المجازية الغريبة.
تأثير ستول على السياب لم ينحصر في قصيدة واحدة للشاعرة المؤثرة، ولا في قصيدة واحدة للشاعر المتأثر. فمن بين قصائد ديوان (أنشودة الوردة) لستول ـ والذي ترجم السياب ثلاث قصائد منه ـ قصيدة بعنوان (ما زال يهطل المطر) نظمتها ليلة قصف الألمان مدينة لندن عام 1940. ومطلعها:

مازال يهطل المطر

قاتما مثل عالم الإنسان، أسود مثل ضياعنا
أعمى كألف وتسعمائة وأربعين مسمارا
على الصليب
مازال يهطل المطر ………………(وتستمر القصيدة)

أخذ السياب عنوان المجموعة (انشودة الوردة) مع قصيدة (مازال يهطل المطر) فكان عنوان قصيدته المعروفة (انشودة المطر) أشهر مجموعاته الشعرية. وفي قصيدة ستول تتكرر عبارة (مازال يهطل المطر)، وتتكرر لفظة (مطر..مطر) في انشودة المطر. إضافة إلى عبارة (مازال يهطل المطر) عند ستول يقابلها عند السياب (ويهطل المطر)، وكلاهما بصيغة الحاضر، رغم أن موضوع القصيدتين حدث في الماضي و "من شأن صيغة الحاضر هذه أنها تجعل الفعل حاضر الوقوع، حاضرا أمام الذهن فيضفي على القصيدة صفة درامية" (لؤلؤة 184) . ولم يتأثر بدر في هذه القصيدة أكثر من ذلك، لكنه استفاد من جو قصيدة ستول، وهو جو مسيحي، ومن رموز المسيح والصلب والمسامير والمطر والنار، في قصائد أخرى. ففي قصيدة (الأسلحة والأطفال) ينحت بدر بعض مجازات واستعارات ستول الغريبة مثل (نهيق النهار، وزعيق المطر) فيخرجها بصورة جميلة موحية:

عصافير؟ أم صِبيةٌ تمرح

عليها سناً من غير يلمح
وأقدامها العارية
محارٌ يصلصل في ساقية

ومن المجازات التي تكون ستول قد أوحت بها، وأحسن بدر نحتها بشكل جميل (رفةُ الشمأل، تصخاب البحارة، خفق الفراشات، عويل السفين، الصدى الراعب) . وربما أخذ بدر من ستول الكثير مما تزخر به الأسلحة والأطفال من (حكاية الصوت) مثل (الصلصلة، الهسهسة، الغمغمة، الكركرة، الهدهدة، الجلجلة، الوسوسة…الخ).
وفي معظم هذه الآثار يستوحي بدر الطريقة دون المضمون، ويأخذ من الأسلوب ما يفيده، فيطّوعه لأغراضه . فالاقتباس والتضمين من شعر الآخرين تصريحا بين قوسين، أو تضمينا في السياق، يضفي عليه بدر من شاعريته ما يصهره في بوتقة القصيدة العربية. ولقد وجد بدر أن ستول واليون يكثران من التضمين ويطوعان ما يقتبساه ليغنيا السياق، وبدر فعل كذلك، لكنه كان يغير في التضمين عند الحاجة، بل ويستخم الأقتباس لقلب المعنى. وبمثل هذا الأسلوب يستخدم بدر التضمين تحويرا وتطويرا ، ففي المقطع الخامس من الأسلحة والأطفال نجد مجموعة من الأسئلة عن الأطفال… "فمن يملا الدار عند الغروب،… من يتبع الغيمة الشاردة؟ … ويعدو على ضفة الجدول" ثم يضمن بيتين من قصيدة شتول ويترجمه في الهامش هكذا… " إن الأرض عجوز شاخت حتى لا تعلم بأن الصغار حركون كظلال الربيع" . ثم ترثي الأم طفلها في قصيدة ستول.ز وقد ذهب الشتاء وعاد الربيع، وعادت الحياة المتجددة، لكن الطفل الميت لم يعد. أن موضوع بدر في الأسلحة والأطفال يدور حول (الاس لموت الصغار) وهو موضوع قصيدة ستول، لذا اقتبس بدر منها ثم قلب الإقتباس ليناسب سلسلة أسئلة عن الصغار، فأصبح:….(لؤلؤة 188) :

ومن يفهم الأرض أن الصغار

يضيقون بالحفرةالباردة
إذا استنزلوها وشطَّ المزار
فمن يتبع الغيمة الباردة
ويلهو بلقط المحار.

ثم ترجم بدر ثلاث قصائد من ديوان ستول (انشودة الوردة)،وتدور هذه القصائد حول رعب إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما . وقد استوحى بدر الشكل الخارجي من قصائد ستول الثلاث في قصيدته (من رؤيا فوكاي) التي تصور أيضا الرعب المفجع إبان إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما. لقد حشَّد بدر ـ على شاكلة ستول ـ الكثير من الأساطير والرموز التي تتداخل وتتعقد بشكل يشابه ما نجده في قصيدة ستول (ظل قابيل) التي تبالغ في خلط الصور يظللها شبح الموت، كما يظل شبح (كونغاي) صور القسم الأول من قصيدة بدر. وفي صور الرعب الذي يشيعه مطر القنابل، تشير ستول إلى طفل قتلت الطائرات أمه، وعاد جنس البشر إلى جنس من الوحوش، وقد استفاد بدر من هذه الصور، فقلب بعضها أحيانا، وضمن بعضها وأشار إليها في الهامش.
ومهما يكن فإن بدر لم ينقل الأثر نقلا عن النموذج الأجنبي، بل وطّفه تضمينا، وتطويرا، وتحويرا لخدمة سياق قصائده، ولتتلائم مع الذوق العربي من حيث الحفاظ على الشكل العربي في الشعر، لذا نجد بدر في (من رؤيا فوكاي) المثقلة بالأساطير والرموز يعود سريعا إلى شكل عرب يستخدم فيه البحر البسيط، وإلى قافية ثرة غنية، مع جزالة اللفظ، وحبكة العبارة:

تلك الرواسي كم انحط النهار على أقصى ذراها، وكم قرَّت بها الظلمُ

هذا من جانب ، ومن جانب آخر، فإن آثار ستول واليوت وشكسبير نجدها واضحة في شعر السياب المبكر، بينما لا نجدها بذلك الوضوح في شعره المتأخر لأن "آثار قراءاته قد نضجت وتداخلت مع بعضها فتمثلها الشاعر نسغا جديدا يرفد شعره بين أنساغ أخرى" ( لؤلؤة 185). وإذا كان بدر قد استخدم الأساطير الأجنبية، والأساطير العربية، والأغنيات الشعبية، والأمكنة الشعبية، والنماذج البشرية في شعره، بعد أن طوَّر البحور التراثية لتستوعب الموضوع الجديد، والايقاع الجديد، والحياة الجديدة، ولغة الشعر الجديدة. فقد ظل شاعرا عربيا حتى النخاع، انفتح على العالم، والثقافات والشعر العالمي، لكنه عمل فيه صهرا وتطويرا حتى لا يكاد يبين من أين أخذ ذلك …( لؤلؤة 198)، وتلك مهمة الموهوبين من ذوي البصيرة، الذين يحاولون ـ بما استوعبوه من الآداب الأخرى ـ تطوير وإغناء أدبهم القومي.

منقول

د/ ضياءالصدّيقي



التعديل الأخير تم بواسطة Roraa ; 11-02-2011 الساعة 10:46 PM
احمد اللسـاني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-03-2011, 09:22 PM   #3
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية احمد اللسـاني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2011
المشاركات: 1,994
معدل تقييم المستوى: 5
احمد اللسـاني is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى احمد اللسـاني
افتراضي


اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عنادي صعب توصله اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
شكرا لمرورك الذي نور الموضوع


التوقيع
احمد اللسـاني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:06 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.