قديم 02-15-2008, 07:53 PM   #1
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية دمي هلالي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 148
معدل تقييم المستوى: 12
دمي هلالي is on a distinguished road
حِينَ كـــــانَ


حِينَ كـــــانَ

الإهداء:دمي هلالي



شقية هي ذاكرتنا، حين تهب لنا قبسات من الزمان الماضي. و قبيحة هي ذاكرتي أنا، حين أتذكره يلعب بالرمل تحت قدمي!
دوماً عند الساحل كنا نلتقي. أمتطي أنا صهوة الأب الحازم، و هو يهيم في طفله الذي أقيده من رغباته المهلكة ...أحياناً.
صنع مرة قصراً من الرمال، و رصعه بالصدف، بينما نظرت أنا باستنكار إليه.
- كفاك لعباً كالأطفال! غداً سأكون أضحوكة البشر!
- يا ربي منك! العمر واحد و يكفي نكداً من الحياة. اعبث قليلاً بالرمل معي بدلاً من التذمر!
كعادتي، لم أستمع له. بل بقيت أبتسم لنفسي. كابني هو. بل هو ابني الصغير الذي أخاف عليه حتى من تغيرات المناخ!
ذات غروب، كان يرمي برمل القصر الذي بناه في زبد البحر. لم أسأله لِمَ، فتلك عادته حين يكون غارقاً في حزن و ألم. وضعت كفي على كتفه. ((هيا لنرى أباك...)).
نظر إليَّ و الفراغ المتقد يلون عينيه. لم يجبني. بقي فقط هامداً كالدمية. رشق البحر بالرمل مرة أخرى. ((دعني فقط أكتحل بالغروب، و أدعو له...بعدها نعود))، قال ناظراً للسماء بتجهم.
هززت رأسي موافقاً: ((لندع معاً)).
عدنا في الليل، فكان أبوه هامداً على سريره دون روح. لم يبكِ سالم. كان يحدق في جثة أبيه و هو مبعثر. أغمض عيني أبيه، ثم أغمض عينيه طويلاً. و مرت الليلة دون عويل أو بكاء، حتى أتى الصباح و مشينا في الجنازة. لم تطل من عيني سالم أي ردة فعل. لا يزال مبعثراً في لغز متاهته..
قال لي أبوه مرة: ((هو أخوك و أكثر.. ليس له بعد الله و أنا إلاكَ..فهمت؟)). منذها أصبح ابني الصغير..و لطالما ساءلت قلبي لم أحبه، فلم أجد سوى حيرتي المحضة تجيبني.
قدم لي جذلاً ذات يوم. بأعصاب مشدودة قلت:
- ماذا حدث؟
- حصلت على الترقية التي طلبتها..
انكسرت ملامحي الوجلة، و صفعت ظهره بقوة مازحاً، فبقينا طوال اليوم نتمازح و احتفلنا عند الساحل. رماني برمله كالعادة، حتى حطمت قصره لأغيظه. صرخت بعدها رافعاً قدمي:
- آي! أوجعني الصدف!
- طبعاً! مَن حفر حفرة لأخيه.....؟
جاءني مرة للساحل متوقعاً أنني سأكون هناك. رآني كعادتي أنظر إلى الشفق الحزين بصمت. قال لي بهدوء: (( لنتشارك بعض الألم..؟)). تبسمت بسخرية. ((لأنك ابني ألمك ألمي..)).
- سلوى تؤلمني!
- ما بها أختك؟
- شعرتْ بالخجل في المدرسة اليوم لأنها لم تقوَ على دعوة زميلاتها لمنزلنا..
- حين تمر السنون يا سالم، ننسى آلاماً كهذه!
تحشرجت دمعتان في عينيه، و أمسك كفي بحنو. ((أريدك ابني أنت أيضاً، حتى و لو كانت كفي ليست بدفئ هذه الكف!)) قال ضارباً كفي بخفة. تبسمتُ و صمت. لكم كبرت يا سالم حتى تجيد أبجدية الحنو!
تذكرت حين أتاني بجريدة فيها مقال باسمه. لم يكن متحمساً كما يجب، و كأن هناك حسكاً قد مر بحلق فرحته. رمى برمل القصر في البحر، فقرأت المقال دون أن ننبس. ((فقدتَ عملك بسبب هذا؟)). لم يجبني، بل بقي يرمي بالرمل نحو البحر. (( لا يا سالم..المستقبل أهم..)). نظر إلي مندهشاً. قال محدقاً بقهر: ((تظنه مستقبلاً في ظل الظلام ...؟! أخطأتَ اليوم!!)). و من وقتها عمل في مكتب آخر حتى يحقق مستقبلاً "بلا ظلام".
كان جميلاً يوم زفافه. جماله كان في السعادة المرسومة على محياه. لم أكن أراه بعدها إلا للحظات في ساحلنا الهادر، فالحياة تسرقنا بأحداثها الكثيرة. حتى السعادة الصغيرة تسرقنا من أحزان دفناها تحت رمال القصر! لم أكن أراه، و لكنني رأيت زوجته و سلوى معه مرة بعد غياب، يشكوان عناده على نشر ما يحب في الصحف. لم أعترض. فقط اجتذبته، و بقينا معاً، أحاول أن أساعده في بناء قصر من الرمال لأول مرة. بقيت زوجته ترمقني كاتمة ضحكاتها. ((أصبحتَ ابن سالم!))، و تبسمتْ.
**********
هزني ابني و أنا ارمق الشفق البعيد. بقيت عادتي على حالها لأنها كانت قطعة من روحي.
- أبي...أبي!!
- نعم..؟
- أكملت بناء القصر!
((لا تزعج أباك يا سالم..)) قالت زوجتي سلوى. تجاهلها سالم، و جرني من يدي لأرى قصره.
- ما رأيك؟
- جميل يا سالم..
دغدغتني دمعة. بدأ سالم يرشقني بالرمل! قلت لنفسي: ((كان هو أبي إذن..)).حينها رميت برمل القصر إلى زبد البحر..و بكيت.


0 تعالوا ضحكوا على جورج بوش
0 ~ |♫| " خَ ـسرنا " ولكنـ نبـقى .. " أبطـال " .. وسنقـول " اللي بَـعدووو " |♫| ~
0 العرب في امم افريقيا غانا /الحلقة الثانية : تغطية استعداد المنتخب التونسي للبطولة
0 منْ يغلقُ النافذة..؟
0 تكفون تكفون ادخلوا طلبتكم شباب نساء
0 موقع بلوتوث حلو
0 رواية عشاق من احفاد الشيطان
0 ]ضـيـاع
0 إلتفاتة
0 الدجاج المحمر ....شهي وطعم لذيذ
0 قصائد ناصر الفراعنه
0 اذا كنت هلالي وعاشق الدعيع تعال
0 العرب في امم افريقيا غانا /الحلقة الثانية : تغطية استعداد المنتخب التونسي للبطولة
0 الذيب سامي عبد الله الجابر
0 بعض صور الغريبه
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
دمي هلالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حِينَ عَــــرَفْتُــكــ قمر الكونـ قسم المنقول من الخواطر 9 09-21-2013 09:47 AM


الساعة الآن 05:34 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.