قديم 02-27-2012, 03:01 AM   #1
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية الملاك الوسيم
 
تاريخ التسجيل: Feb 2011
العمر: 30
المشاركات: 925
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 10
الملاك الوسيم is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى الملاك الوسيم
افتراضي عارية تحت ضوء الشمس


لا شيءَ إلا هو وخيبته وعفونته في فضاءٍ يضيقُ بأنفاسه، يتكومُ فوقها، وتتكومُ فوقه بين جدران أربعة تتربصُ بأشلاءِ الفرح المترقب منذ سنين، يستنشقُ العفن الذي يفوحُ من أوردته فيزداد اختناقاً، وتطالعه النافذة الوحيدة في غرفته المغلقة بإحكامٍ لتقفَ في وجه أي شعاعٍ هاربٍ من الشمس يحاولُ التسلل نحوه بأسئلةٍ عقيمة لا رغبة لديه في الإجابة عنها.

حتى سريره اكتسحته رائحة الرطوبة، وملمس العفونة الخشن، ولون الظلام حين يفرش عباءة اليأس فوق جسد منهك من كل شيء .. حتى أنفاسه.

هناك ألم شديد في رأسه يشبه ألم المخاض عندما يلمُّ برحمٍ يوشك أن يلفظ الكائن الذي يحتويه، يشعر أن شيئاً ما يوشكُ أن يولدَ من رأسه، ربما كان عقله يريدُ أن يهربَ من عفونة الأنفاس التي تحملُ له الهواء الرطب المثقل باليأس .

لا شيء يسكنُ أوجاعَ المخاض اللعينة ، ودماغه يغلي معلناً نيته بالانفجار في أي لحظة، واللونُ الأسودُ يكتسح كل شيء فيه، بينما الظلام يتقاتل مع حواسه ويحرقه وجعاً .

يلعنُ كل شيءٍ في سرِّه، ويغازلُ الموتَ لعلـَّه يقبلُ في حلةٍ زاهية فينتشله مما هو فيه، وعندما يلتفتُ حوله مترقباً قدومه يجدُ نفسَه محاطاً بالعفن والظلام، ولا شيءَ غيرهما منذ سنين .

يباغته فجأة إحساس بوجود شخص آخر في فضاء الغرفة، بالأحرى عينين ترقبانه هما ما يدفعه للإحساس بوجودِ شخصٍ آخرَ على يمينه تماماً، يستدير ببطء وقد شلـَّه الخوفُ، فيقعُ نظره عليها، تقفُ بكامل فتنتها وجمالها عاريةً تماماً أمامَ عينيه، تتحدى صبره ووجعه، ينتابه الفزع من ظهورها هكذا فجأة دون مقدمات في فضاء غرفة لم تعتدْ أنفاس غيره، إلا أن حواسه تتخدرُ شيئاً فشيئاً أمام هذا الجمال العاري الواقفِ أمامه دون خجل.

ينظرُ إليها فتبادره : هيا قــمْ وارتدِ ثيابك لنخرج من هنا.

يديرُ رأسه للجهة الأخرى، يفركُ عينيه لعله يمحو هلوسات اليأس التي تنتابه في تلك اللحظات، ويعودُ ويستديرُ رويداً باتجاهها، فيراها كما رآها أول مرة، الفتنة ذاتها، والتحدي نفسه، إذنْ فهي ليستْ وهماً! ولا هلوسة رجلٍ يائسٍ، إنها موجودة حقاً، كل هذا الجمال يقف هنا عارياً في غرفة كل ما فيها يشي بالقبح، حتى صاحبها، ويدركُ فجأة أن الصداع الذي مزقه منذ قليل لم يبقَ منه أي أثر، كأنه كان مجردَ وهمٍ ألمّ به .

يتفرَّسُ بها عله يتعرف على ملامحها، من أين جاءتْ ؟ كيف دخلتْ إلى هنا برائحتها المنعشة، وبياضها الفاسق ؟ تكادُ تكون النقيض لكل ما ألفه من أشكال وروائح .

تمدُّ يد الغواية نحوه، تريدُ أن تنتشله من عالمه هذا إلى الخارج، تمسكُ بتلابيبه، فيستغلُ قربها منه ويحاولُ شدَّها إليه ليذوبَ في حضنِ دفئها، يريدُ أن يحبسها في غرفته ويمنعها من الخروج، فتشدُّ نفسها وتحرر جسدها الدافئ من قبضته بقوة هائلة، تتغلبُ عليه بسهولة فائقة فيتراجع أمامها مخذولاً بخيبته، تحدثه نفسه باستغراب:

يا الله .. من أين لهذا الجمال الفاتن الذي يطغى على أنفاسي بكل هذه القوة ؟

تعودُ وتمسكُ بيده، كأنها تمارسُ معه لعبة الغواية الأزلية فتزيده احتراقاُ، تهمسُ في أذنه:

قم لنخرجْ من هذا القبر العفن، فمكانك ليس هنا.

ينظرُ إلى ذلك القدِّ الساحرِ الواقفِ أمامه عارضاً فتنته بكل ابتذال، وتلك الثقة المدهشة التي ترتديها دون أي شيءٍ غيرها، وتدهشه المفارقة الغريبة..في كونها تطلب منه أن يرتدي ثيابه للخروج، وهي عارية تماماً، كأنها لا تدركُ ذلك، يفكرُ في نفسه :

لن أتمكنَ من حبسها بالقوة، فعلي بالحيلة إذن.

يبادرها قائلاً:

ما لك وللخروج الآن تحت ضوء الشمس وحرارتها؟ الشمس تحرق وجه الكون، فلمَ تسمحين لها بشيِّ هذا الجمال الأخاذ؟! لننتظر حتى المساء.

تنظرُ إليه نظرة ملؤها الشفقة وترد: يا لك من بائسٍ ، هل رأيتَ العصافير يوماً تطيرُ في المساء ؟ العصافير لا تمدُّ جناحيها إلا لتحتفي بالشمس ، وحدها الخفافيش تعانق الظلام وتحتفي بالسواد .

تشدُّ الستارة القاتمة عن نافذته بقوة فتسقط الستارة على الأرض جثةً هامدةً، ويتطايرُ غبارُ المللِ المتراكم فوقها، وتتمزقُ خيوط العناكب التي نُسجتْ بين الحوافّ التالفة، وتندفعُ الشمس إلى الداخل كما لو كانت طوفاناً، تقتلعه من نفسه، فيستديرُ واهباً ظهره لضوء الشمس، مستقبلاً بوجهه بقايا الظلام الهارب إلى لا مكان .

تضيفُ بلهجةٍ آمرة:

استدرْ باتجاه الشمس أيها المعتوه، اغتسلْ بالضوءِ القادمِ نحوك، افتحْ قلبك للدفء لعلك تتخلص من رائحة العفن التي تسكنُ جلدك .

يرتجفُ صوته - هو الذي يواجه الشمس لأولِ مرةٍ منذ سنين- مستخدماً حيلته الأخيرة، ويقولُ وقد تغلغلتْ فتنتها في عروقه فبثتْ به رغبة جامحة لامتلاكها، ولضمِّها إلى صدره بقوة، وإلقاء رأسه في حضنها لتعبثَ بخصلات شعره كما كانت تفعل أمه :

دعينا أولاً نحتسي فنجاناً من الشاي ، ونتحدث قليلاً .

إلا أنها تتجاهلُ دعوته بوقاحة وترد : لنخرج الآن حالاً ، وإلا سأخرج وحدي، أكادُ أتقيأ من رائحة العفن المنبعثة من الجدران .

يستبدُّ به غضبٌ فاجر، ينظرُ إليها وفي نيته إجبارها على البقاء، فترميه بنظرة متحدية، وبنبرة مستفزة تشير بسبابةٍ بيضاء تطعنُ الفراغ إلى الباب قائلة: الآن.

فجأة يشعرُ بالبرد، يرتجفُ من قمةِ رأسه إلى أخمصِ قدميه، يمزقه الغضبُ فيصرخ بها:

لن أخرجَ في الشمس أيتها الغبية، لن أحرقَ نفسي وهي تسكبُ غيها فوق رأسي, لا من أجلك، ولا من أجل أي شيء آخر...هل فهمت؟

تردُّ بتحدٍ: حسناً .. ابقَ إذن مع عفنك لعلك تندفن فيه، دع العفونة ترشحُ من جلدك ومن عينيك، ُمتْ بها أيها الغبي، فأنت تستحقُ ميتة مثل هذه ، أنا خارجة من هنا، ولن أعود .

يركعُ على ركبته أمامها، وبصوتٍ ملؤه الرجاء يصرخ: أرجوك.. لا تغادري .. ابقيْ معي قليلاً .

ترد: ألا تفهمُ يا هذا؟! هذا منزلٌ للموتِ وليس للحياة .. مكانٌ كهذا لا يليق بي .. ولا بك ، اخرجْ من بؤرة الظلام ، لماذا تستسلم للموت ؟

تجذبه فتنتها أكثر، تغويه ، تقلبُ مشاعره على نار الشوق فتقتربُ من الاستواء، يشعرُ بحاجةٍ لفعلِ شيءٍ لم يقمْ به منذ زمنٍ بعيد، يمسكُ بها فتحاولُ أن تشدَّه نحو الباب، ويحاولُ أن يدفعها بعيداً عنه فلا يفلح، يحاولُ تطويقها ليتمكنَ من منعها من الخروج بالقوة، تحتضنها حواسه كلها دفعة واحدة، يعاني من طقوسِ شيءٍ ما في داخله، كأنما هي حواسه تستيقظُ دفعة واحدة، يدقُّ قلبه بقوة، ويستجيبُ جلده لملمس بشرتها اللينة الدافئة، يختنقُ بعبراته وهو يصرخُ بها:" لا تغادري"، إلا أنها تخلصُ نفسها منه بسهولة كما لو كان مجردَ حشرةٍ تسلقتْ قدمها، تنسابُ من بين أصابعه كما لو كانتْ حفنة ماء، تركضُ باتجاه الباب، ينظرُ إليها ، يصرخُ بها : مجنونةٌ أنتِ!! ..على الأقل ضعي شيئاً عليك استري سوأتك به ! هل ستسيرين عاريةً بين الناس؟! .

تصوبُ عينيها نحوه بنظرة تتحولُ الشفقة الناطقة منها إلى سكينٍ تقطعٌ أوردته وتجيب :

أيها المسكين ..لا سوأةَ لي كي أخفيها ، تولدُ الفكرةُ لتمشي عاريةً بين الناس، وتعانقَ أحلامهم .






-------------
الملاك الوسيم


الملاك الوسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-17-2012, 02:13 PM   #3
-||[عضو فعال]||-
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
العمر: 31
المشاركات: 30
معدل تقييم المستوى: 0
samir2012 is on a distinguished road
افتراضي


شكرا اخي الكريم


samir2012 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-01-2012, 02:22 PM   #4
-||[عضو فعال]||-
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
سارة 22 is on a distinguished road
افتراضي


شكرا جزيلا على الموضوع نتظر المزيد


سارة 22 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2012, 02:02 AM   #5
-||[عضو فعال]||-
 
الصورة الرمزية كرهت حياتى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 100
معدل تقييم المستوى: 8
كرهت حياتى is on a distinguished road
افتراضي


يسلموووووووووووووووووو


كرهت حياتى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصه حسبتك عديم الاحساس وصرت لي كل احساسي رمانسيه روعه سمر الفلسطينيه قسم الروايات المكتملة 157 03-27-2017 04:05 PM
اشتكى للى بين اضلوعى لجل كل القلوب قسم الروايات المكتملة 54 10-11-2013 06:06 PM
رواية لمني بشوق واحضني بعادك عني بعثرني ( جنان ) جيتك بقايا حي قسم الروايات المكتملة 171 10-10-2013 06:28 PM
رواية غموض خالد }حزينه جداً ومبكيه للغايه الطفشــ24ــانهـ قسم الروايات المكتملة 96 10-10-2013 06:25 PM


الساعة الآن 12:44 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.