قديم 04-04-2008, 05:48 PM   #1
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية eng.kholoud
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 202
معدل تقييم المستوى: 12
eng.kholoud is on a distinguished road
فلسفة الخـــــــــــــــــــــــــــــلود


فلسفة الخلود


بين يديّ كتاب للدكتور مختار محمود عطا الله، أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية في عدد من جامعات العالم العربي وبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حاليا، وموضوعه فلسفة الخلود. وقد يتساءل المرء: ما أهمية الخلود من جهة الاعتقاد؟ وإذا تم إثبات الخلود من وجهة نظر فلسفية وفيزيائية فهل هو كاف لسلامة الاعتقاد؟ إن بعض الفلاسفة قد يقرون بإمكان الخلود، لكنهم لا يعلقونه بصحة خبر الغيب، ولا بأن الرسالات السماوية خارجة عن نطاق القوة النفسية، (أي أنها -والعياذ بالله- من تخيلات الأنبياء العباقرة الذين كذبوا على أقوامهم كذبة بيضاء لأجل إصلاح أحوالهم)، وعليه: فإن إثبات إمكان الخلود من وجهة نظر فلسفية وفيزيائية (كما هو في دراسة الدكتور عطا الله)، إنما يفيد مجرّد الإمكان، لا وجوب خلود الآدمي وحده دون سواه. وهذا ما يجري فيه الاختلاف في إثبات مسائل الغيب كالبعث والنشور (الإعادة) والثواب والعقاب الأخروي، وهو مما وإن كان ممكنا في العقل، إلا أن القطع به لا يمكن إلا من طريق الخبر، مثاله في ذلك مثال المقارنة بين صفتي العلو والاستواء لله جل وعلا. فالصفة الأولى (وأعني بها علو الذات) مقطوع بها عقلا، ولم يخالف فيها من أهل الملل لا يهود ولا نصارى، اللهم إلا المعطلة من أهل الكلام والفلسفة، لكن صفة الاستواء وإن كانت ممكنة عقلا إلا أن القطع بها لا يمكن إلا عن طريق الخبر، فهي صفة خبرية. وكذلك بعث الآدمي وخلوده خاصة، وتخصصه بالثواب والعقاب دون سواه من المواد والحيوانات.
ومع ذلك فإن بحث الدكتور عطا الله من أكثر البحوث نفاسة، في مسألتين: الأولى: الرد على الملاحدة الذين زعموا عدم إمكان عودة الناس إلى الحياة بعد الممات. الثانية: الرد على من نفوا الخلود من الجهمية وأهل الإسلام ممن رأوا أنه ينافي صفة العدل والرحمة، أو بدعوى أن ذلك يستلزم تخلية الله جل وعلا من صفة البقاء أو مشاركة المخلوقات له فيها.
أما ما هو جديد في هذه الدراسة من حيث العنوان الخارجي الذي طرحته وهو: (الخلود في معطيات علم الفيزياء الحديثة). فهو أنها تبسط المسألة الفلسفية إلى مبحث يمكن للبحث العلمي المادة إثبات إمكانيته. وذلك من خلال أن: الخلود في الشريعة الإسلامية = الإعادة+ الإبقاء إلى الأبد.
يقول الدكتور عطا الله بالنص: "وبالنظر إلى الموقف العلمي الحديث من عملية الإعادة فإن العلماء يؤكدون وفق الطبيعة المعروفة في عالمنا إمكانية عودة الشخص نفسه للحياة مرة أخرى بعد وفاته وتبخر أجزائه. وينقل عن فرانك كلوز قوله: "فلنتخيل مستقبلا يكون علم البيولوجيا والتكنولوجيا متقدمين فيه بدرجة تكفي للتمكن من صنع خريطة كاملة لك على المستوى الجزيئي، أو حتى على المستوى الذري، سيكون تركيبك معروفا بالضبط بلغة ذرات الكربون والكالسيوم والأكسجين وما إلى ذلك والطريقة التي تتركب بها هذه الذرات معا، وكل ما يحددك (أنت) بلغة من الجزيئات العضوية التي تؤلفك... وفي النهاية فإن الماكينة سوف تركب كل الجزيئات معا، وذلك بالضبط حيث نفس اتحادها معا كما توجد في (أنت الحقيقي)... وإذا كان هذا صحيحا فإننا سوف نتمكن من أن نبخر أحد الأفراد إلى الجزيئات المكونة له، ثم نعيد تجميعها في مرحلة تالية، وإذا جمعنا قطع الصور المتناثرة بأمانة كما كانت قبل عملية التبخر مباشرة فإننا سنحصل على الصورة الأصلية نفسها، أي أن الشخص نفسه سيوجد ثانية بالذكريات والأفكار نفسها التي كانت له". انتهى الاقتباس.
تلك هي المحصلة التي إنما تحقق إثبات (إمكانية الخلود لا القطع به) ويبقى بعد ذلك أن يتم التنبيه (وبشدة) إلى أن الفلاسفة الذين يعتمد عليهم في إثبات خلود النفس والهيولى والزمن والخلاء (كما هو عند الرازي) هم (أي أكثرهم) من وصفوها بالإضافة إلى الله جل وعلا سبحانه بالقدم. وهذا عين الإلحاد، لأن فيه دعوى أن من الأشياء ما هو أزلي كالله، وهو بالتالي لم يخلقه الله جل وعلا والعياذ بالله، فكيف يتم التوصل إلى إثبات الخلود بما هو إثبات للقدم مع الله؟ هذا ما كان يجب على الدراسة أن تراعيه وأن تطيل فيه النظر. مع التأكيد على أن المؤلف لم يذهب إلى ذلك قطعا، وإنما اكتفى بالتنبيه إلى أنه لا يلزم من إثبات التسلسل المستقبلي شبهة مشاركة الموجودات لله في القدم. هذا مع العلم أنه يجب أن ينبه أيضا إلى أن نفي القدم والتسلسل في الماضي لا يعني نفي مطلق الحوادث في الأزل، لأنه يقتضي تعطيل الخالق جل وعلا عن جنس الفعل في الأزل البعيد، وهو قول على الله تعالى بغير علم. لأن (زماننا وزمان العالم المخلوق) لا يمكن أن يعد متحكما في وصف الله سبحانه وتعالى بالفعل. فلا يصح القول مثلا: بأنه قبل خلق الله للقلم لم يكن ثم شيء، أو قبل خلقه العالم، أو قبل إرادته خلق العالم لم يكن ثمة حوادث، لأن الأزل طويل وتعطيل الله من الأفعال فيه إنما هو هرطقة وإلحاد آخر، ولهذا السبب حذر أهل الاعتقاد السليم من المسلمين من تحكيم التقسيمات الفلسفية في مسائل الاعتقاد، نسأل الله السلامة والهدى.

إن المسلم المؤمن بالغيب إنما يعتمد في إيمانه بالبحث والنشور و(يقينه) بإعادة الله تعالى له، على مسلمة عقلية بسيطة جدا، لا تحتاج إلى إثبات تسلسل الحوادث في المستقبل، وإنما تعود إلى أن: من خلقني للمرة الأولى قادر على خلقي للمرة الثانية. وعليه فالمعول العقلي الصحيح المسلم به إنما هو: إثبات أن القادر على كل شيء قادر على خلق العالم، وهو خالق العالم للمرة الأولى، والقادر على إعادة ما يشاء منه وتخليده إن شاء وإعدامه كذلك متى شاء، ولا يمكن إلزامه بتخليد العالم والمادة كلها لمجرد إثبات إمكان تخليد الإنسان المكلف والمقصود بالبلاغ والثواب والعقاب. قال تعالى: "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه". وقال: "أفعيينا بالخلق الأول، بل هم في لبس من خلق جديد".

وكما أن مسألة الثواب والعقاب والبعث خبرية في وقوع القطع بثبوتها، فكذلك مسألة الخلود والفناء، يقطع بخلود ما قطع الخبر الصحيح الصريح بثبوته، ويُتوقف في فناء وخلود ما لم يأت به دليل خبري صحيح صريح. والله أعلم.


نشرت المقال بجريدة الشرق القطرية بتاريخ 24/3/2008م


التوقيع
سيستدير كخاتم في اصبعي
و يشب ناراً لو رأى شخصاً معي
سترونه بيدي اضعف من ضعيف
و ترونه ما بين اقدامي كأوراق الخريف

,,,,, المستبــــــــــدة
eng.kholoud غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فلسفة جديدة الاصمعي المنتدي العام 9 12-23-2018 10:54 AM
فلسفة التعامل بين الرجل والمرأة أسير الروح منتدي علم النفس و منتدى حل المشاكل الاجتماعية 5 05-26-2011 04:46 PM


الساعة الآن 04:59 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.