قديم 07-08-2013, 02:15 AM   #106
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية خيالات مجنونه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 999
معدل تقييم المستوى: 4
خيالات مجنونه is on a distinguished road
افتراضي



النهايـة | الجُزء 79.



.. إنطقها ، و ان شاخ الصدى


علّقها بسْكوتك !


.... تغسل مسافات العتَم


وكفّ الرّماد اللي كتَم : أصواتنا


هو كلّ شيّ ٍ فاتنا


... حتى البكي ؟


قم علّم الصمت الحكي لاصار صمتك فرض :


يا صوتك المحبوسْ |


......... عن كلّ مافي الأرض !


ذبْلت به أوراق الكلام


.... وتساقطت حزن وخريف


لين امتلى صدرك حفيف


.... ريح و ورق أصفر !


يااا صوتك الأخضر


من كسّر غْصونه ؟


.......... وين الحمام ؟


ياما نْبَتت مع صوتك لحونه


..... ماله سواه اصحاب


و مالي سوى صوتك


قمرى سهر .. وأحباب


ياصوتك المرتاب


.. غاااب


عمْر، وترك لي أمنيه


تمطر مواعيد الغِنا

.. و ابقى أنا :

أبقى فـِ صُوتك أغنية !

* العنود عبدالله.


نايف تجمدَت قبضة يدِه التي كانت مُتجهة إليه لتُلكمه، إلتفتَ لرتيل بصدمَة أتسعت معها محاجره، دفعهُ الرجُل الآخر بساقِه ليسقط نايف على الأرضِ المتجمَدة بالجليد، دار عِراكًا على بُعدِ خُطى من جسدِها الملقى على الطريق.
وضعت يدَها أسفل صدرَها لترى حُمرة الدماء تُبلل كفَها، سالت دمعة رقيقة من عينها اليسرى ولا صوتٌ يخرج منها.
أرجُوك يالله! لا تترك الموت يستعذبُ جسدِي و رُوحي، كنت أُريد فقط أن أحيَا لكنني عشتُ على شُرفة حلمٍ ضيَق! حلمٌ تعريفهُ " أن أحيَا " ولم يتحقق الحلمُ كما ينبغي ولم أُحب كما يلزم، كنت المثال الوافِي للفتاة السيئة التي تمرَدت على القوانين ولم تستطع أن تتمرَد بالعشق، أنت الذي بلغت منَي شغفًا وصبًا أين قلبي؟ أأعجبكَ أنني أفترق عنك بهذه الصورة؟ أكان الرحيل أمرًا حسنًا بعينيْك؟ أنا أفقدُ الشعور والإدراك كما أفقدُ دماءي التي ترتدِيني رُغمًا عني، ولا أفهمُ شيئًا غير أننَي أُرغب برؤية والدِي! " يُبه " أشتاقُك في لونٍ ضيَق كهذا، هل عيناك تطلَ عليَ أم أنني أتوهمُك؟ بردَت أطرافِي هل تشعُر بها؟ كما كُنت تشعر بي دائِمًا وتُغطيني يداك! أرتجف كما أن البردُ يتلبَسُ جسدِي! ولكن هُناك حرارةً داخلية تدثرَني! أظنُها " صلاتِك " يا أبي، صلاتِك التي تعني دُعاءً مختوم بـ / إنها حبيبتي وإبنتي يالله أحفظها.
دفع بقدمِه السلاح الملقى على الأرض ليُبعده عن يديَ نايف الذي ركلهُ بين ساقيْه ليسقط على ظهره، أخذ السلاح ليُطلق رصاصةً أنهَت حياتِه، ركض رُغم ساقه الملتوية بالضرب، أقترب من رتيل التي أغمضت عينيْها بسلاَم.
نايف أخرج هاتفِه ليتصل على الإسعاف،بعد ثوانِي قليلة وضع يدِه بربكة على رقبتها وهو يرفع حجابها، كان يوَد أن يتأكد من تنفُسها، لم يشعُر بشيء! أضطرب قلبه لينزع معطفِه ويضعه فوق جسدِها الخافت، وقف وهو يمسح على وجهه بتعب نفسِي قبل أن يكون جسدَي، هو الذي وعَد عبدالرحمن بحفظِه لعائلته لم يستطع أن يحمي إبنته، يشعرُ بغصَة الخيبَة التي ستجيء لعبدالرحمن.
مرَت الدقائق وكل دقيقة كان جسدُها يبكي بدماءه، وصلت الإسعاف لتحملها متجهة لأقرب مستشفى، و ثوانِي قليلة حتى وصلت السيارة الأخرى لتحمل جثَة الرجل الآخر.
راقب نايف السيارة حتى أختفت من الطريق، أتصل على محمَد : محمد!!
محمد : هلا . .
نايف وهو يسير بإتجاه الفندق : بنت بوسعود
محمد وقف برهبة : وش فيها؟
نايف برجفة كلماته : جاء شخص من رائد وهددني! مقدرت أسوي شي وقال إني أنادي أيَ أحد منهم وكان يبي مرت بوسعود!! لكن طلعت له بنته زوجة عبدالعزيز
محمد : إيه؟ كمَل بسرعة
نايف : وإحنا ماشين حاولت أوقفه وضربته قام طلَع سلاحه و أطلق عليها
محمد بغضب : طيب لا تتحرك! خلَك عندهم وأنا بتصرف . . أغلقه ليضع يديْه على رأسه، يحاول أن يجِد حلاً ويُفكَر بأيَ طريقة تُناسب الوضع وتُلائمه.
رائِد يُريد أن يحرق أرواحهم واحِدًا تلو الآخر، بدأها بعائلة سلطان العيد والآن عائلة عبدالرحمن، من التالي؟ أخشى أن يصِل الأمر لعائلة سلطان الجابر و وقتها لن تقبل أرضٌ واحِدة كوارثٍ بشرية من صُنع الجوهي، ستتطوَر الأمور مالِم يُمحى رائد من هذه الأرض.
بصوتٍ داخلي " أنا أملك صلاحيات تجعلني أتصرف الآن! صحيح يا محمَد أنت تملك الصلاحيات الكافية، أنت تملكها يا محمَد، تشجَع وأفعلها! تشجَعي يا نفسِي وأفعليها، إن لم أفعلها سننهار جميعًا، يارب أجعل ما أفعله صحيحًا "
رفع هاتفه ليتصِل، بصوتٍ هادئ : السلام عليكم
عبدالسلام : وعليكم السلام يا هلا محمد . . وش أخبار وضعكم؟ جدَ شي؟
محمَد : إيه، أظن إنه وقت تدخَل القوات!
عبدالسلام : بو سعود عندِك؟
محمد : لا! بوسعود الآن عند رائد عشان يطلع عبدالعزيز وناصر! وعبدالعزيز إلى الآن ما طلع ولا حتى ناصر . . ومافيه أيَ أخبار عندهم ومستحيل بنجلس ننتظر عطفًا على أنه بنت بوسعود في المستشفى حاليًا وتعرَضوا لها ولا أدري هي حيَة ولا ميتة، مقدرت أخلي نايف يروح لها ويترك الباقي! وأنا بروح لها الحين بس لازم أضمن إنَ الشرطة تنرسل لهم قبل لا تطلع الشمس
عبدالسلام : صعب كِذا بنعرَضهم للخطر أكثر، الحين ناصر و عبدالعزيز و بوسعود ثلاثتهم عنده! مستحيل نجازف فيهم! أنا الحين أنتظر بوبدر يوصل، وبعد شويَ بروح للمطار أنتظره! بعدها بنقرر وأكيد بيكون تدخلنا سريع! . . روح لبنت بوسعود المستشفى وأنتبه أخاف أحد يدخل عليها ولا يصير شي ثاني! وطمَني وش حالتها
محمَد تنهَد بقلة حيلة : إن شاء الله، مع السلامة . . أغلقه ليلتفت على الرجال الذين يُحيطونه ويُصابون بمثل الخيبة من الأشخاص الذين رموا خطط دامت لسنوات وذهبوا بأقدامهم إلى رائد.
محمد : خلَوكم مفتَحين وراقبوا الوضع، أنا بكون بالمستشفى بس يتصل أحد بلغوني . . . خرج وركب سيارته متجهًا لأقرب مستشفى يتوقع أن تكون فيه.

،


فارِس ببياضٍ يخرجُ من بين شفتيْه : قبلت! قبلت بتَركِي لعبير! وما رضيت بالوسط أبد
: أقصِد باللي يخص أبوك
فارِس بغضب ركل السيارة بقدمِه : أنتهت حياتي أصلاً يا عبدالمجيد
عبدالمجيد : أسأل نفسك مين أهم؟
فارس بضيق عبرت الغصَة عيناه : أنا أسوأ شخص ممكن يرتَب أهم الأشياء في حياته، كنت أقول لأبوي أنتم أهم شي بالنسبة لي وأنت حياتي! وكنت أقول لأمي نفس الشي و لمَا سمعت صُوت عبير قلت في نفسي هذي النبرة حياتي!! ولا عرفت أحافظ على أيَ شي!!! مقدرت أقنع أبوي إنه يترك كل هاللي يشتغل فيه! ولا قدرت أكون بارَ بأمي! ولا قدرت أكون زوج لعبير! . . . وش باقي عشان أعيشه؟ باقي من يكسر اللي بقى فيني.
عبدالمجيد أقترب منه ليضع كفَه على كتفِه : فارس يا ولدِي!!
فارس بهمس أخفض رأسه : لا تقولي أنت مالِك علاقة باللي يصير مع أبوك! ما ينفع تقولي كِذا! وهو هويْتي وإسمي.
عبدالمجيد عقد حاجبيْه : ماراح أقولك أنت مالك علاقة! بس بقولك الله لا يربط مصيرك في مصيره
فارس نظر إليه بنظرةٍ ضائِعة تائهة بما تحمله الكلمة من شرحٍ ومعنى، رفع نظراتِه للسماء لتلمع دمعةً تهدم كل قوَة يحاول أن يرتديها : كأنك تترحَم عليه! . . يوجعني!! والله العظيم يوجعني هالشعور، . . يارب . . رحمتك
عبدالمجيد أبتعد بخُطاه وهو يُعطيه ظهره، هذا الضُعف الذي يراه بعينيَ فارس يكسرُه أيضًا، وهو الذي لمح ذات الضعف في عينيَ سلطان قبل وفاتِه.

فجرُ ذلك اليوم، قبل أن تشرق شمسُه، كان جالِسًا أمامه بسكينة ولم يرفَ جفنه بنومٍ/بغمضة.
سلطان العيد : كل شي أحاول أسوَيه ينقلب ضدَي!! كنت أعرف من ذيك الليلة اللي عرفت فيها سليمان ولعبه من تحت الطاولة!! إننا ماراح نرتاح! ماكان قدامي إلا هالفرصة، قلت في نفسي من الذكاء إننا نمثَل الغباء وإننا ما ندري عن شي! وفكَرت يا عبدالمجيد إنه مستحيل نقدر نتقن هالغباء إذا أكثر من شخص يعرف بموضوع سليمان، أتبعت المنطق اللي في عقلي وقلت لا تعلَم أحد . . أنت أكثر شخص تعرف إنه ماهو قصدِي إني أخبَي وأتوَه أحد، ضايقني عبدالرحمن، قالي بالحرف الواحد ماهو أنت يا سلطان اللي تغدر فينا! وأنا واثق مثل ما أثق بإسمي إنك ماتغدرنا! . . . توجعني هالثقة يا عبدالمجيد! لأنه بيجي وقت وماراح يوقف أحد ويشرح لهم قصدِي! .. ..
أخفض رأسه لتكتَظ محاجره بالدمع المالح الذي يغزُوه بمبرراتٍ كثيرة، بخفُوت : أحلم . . يجي وقت وينتهي كل هذا! صح هموم الأمن ما تنتهي! لأن الله ما خلقنا موالين لبعض، أكيد فيه أعداء، أكيد فيه كارهين! أكيد فيه مضرَين بعد! .. بس ودَي هالهمَ ينتهي، لأنه ما يتعلق بالأمن وبس! يتعلق بعوايلنا . . بأهلنا. كنت أحلم كثير إني أموت وأنا أرأس شغلي! لكن مقدرت، مافيه أوجَع من إنك تنجبر إنك تترك شغل حياتِك وشغفك كله فيه!!! وأنت بعد يا عبدالمجيد! تقاعدت بدون رغبة!! مثَلنا اللامعرفة بأصولها، تركنا شغلنا، وراح يجي يوم ونُتهَم فيه، وبالنهاية وش صار؟ أشتغلنا إلى هالوقت وإحنا نشتغل بعيد عن الكل، مصدُوم! مصدوم من أشياء كثيرة . . مصدوم من قوَة سليمان اللي ما يتجرأ أصلاً يوقف قدامنا!! مصدوم من جرأته!!! مصدُوم من جهل رائد، ومصدوم من نفسي! بديت أكذب بأكثر الأشياء أهمية بحياتي، أقول لعيالي تركت الشغل عشانكم و أقول لزوجتي وعد نستقر بالرياض بعد ما تتخرج هديل! و كل هذا ماله أيَ علاقة بالحقيقة! . . .
عبدالمجيد : مين راح يلومك؟ إيه صح إنه علاقتك توتَرت مع بو بدر وبوسعود لكن هذا ما يعني إنهم بيتهمَونك أو بيظنَون فيك ظن سيء!!!
سلطان : توتَرت! قول طاحت بالحضيض!!! لا عبدالرحمن يسمعني ولا سلطان اللي أشوف نفسي فيه يسمعني!! . . . . أضاءت عينيْه بدمعةٍ مكسورة تهزَ الشيب الذِي يُغطِي رأسه، أردَف : تدري وش اللي قاهرني بالموضوع! إني واجهت أمور أصعب من كِذا وعانيت كثير لكن ما أنهرت بهالصورة أبد!!! والحين أحس هالعالم كله يختنق في صدرِي! تخيَل كل هذا يصير والليلة عرس بنتي؟


عاد لفارِس، لعينيَ فارس.
تُشبه عينيَ سلطان في ذلك الفجر، ككلماته الشفافة التي كان يتفوَها بضُعفٍ يهزَ أراكانِه، رُبما الهموم تختلف ولكن حُزن سلطان في تلك اللحظة أعمقُ حُزنًا رأيتُه، فهمتُ تمامًا كيف تختنق روحه ببطء وكيف يتصاعدُ حزنه ويتبخَر دون ان يلمسه بدمعة! دُون أن يُلقيه بحنجرتِه، كان يختنق بتراكماتٍ كثيرة من أجل أشياءٍ أهمُها " الأرض " التي كانت أولى خطواتِه عليها، وكان يحلم بأن تكون أُولى خطواتِ أبناءه عليه ولكنه لمْ يحصل، عاش بعيدًا وقلبُه هُناك في المنطقة الوسطى، كان قريبًا جدًا من حِصار سليمان و ذهابِه في خبر كانَ، لولا الحادث الذي بعثر كل الأوراق وبعثرني أيضًا، حاولتُ ان أُمسك زمام الأمور في البدايـة، وفعلتُها مع فيصل لأُبعده عن هذا الطريق، أخطأت بحق غادة عندما تركتها عند أمل وكنت أظن أن سعَد يفي بالغرض، ولكن ساءت أوضاعُها أكثر مع ولِيد، أخطأت مع مقرن ولم أنجح أبدًا، غادرنِي مقرن سريعًا قبل أن أحبسه بعيني، مثلما غادرني سلطان العيد، أصدقائي القُدامى اللذين غادروني مبكرًا عليهم صلواتِ الله ورحمَته.
جلس فارس على عتبة الطريق، ينتظرُ خروج الشمس كما أنه يتأملُ الدقائق التي تمَر لتشطر روحه اكثر، تداخلت الأفكار برأسِه بداية من عبير إلى والدتِه وعبورًا بوالدِه، وسط صمتٍ لا يحفَه سوى البرد والثلج الذي يتساقط بخفَة،أتى صوتُه الداخلي صاخبًا بأكثر قصائد بهاء الدين زهير وجعًا ورثاءً " يعزَ عليَ حين أدير عيني، أفتَش في مكانك لا أراكَا "
،

أخذت نفس عميق وهي تضع يدها على بطنها، وبرجفةٍ هدبٍ سقطت دمعة يتيمة/وحيدة.
ضيَ بعُقدة حاجبيْها جلست : وعدني! وما وفى!!
عبير تقضمُ أظافرها من التوتر وهي تجيء شمالاً وجنُوبًا : و رتيل تأخرت! . . وش اللي يصير بالضبط!!!! ليه محد يتكلَم ويقولنا شي!
غادة تتأمل إرتباكهم وخوفهم بجمُودٍ يُصاحب عيناها التي لا يرتجفُ بها هدَب، بلعت ريقها بصعُوبَة لتخفض رأسها وهي تُجمَع كفيَها لتضعها بحُجرها.
يارب أنزل سكينتِك على قلبي، أشعرُ بنارٍ تلتهب بصدرِي كلما فكَرت بما يحصل الآن، ضائعة تمامًا! لا أدلَ إلاك يا الله.
صمَتَ حديثُ روحها بعد فِكرة " الضياع " التي نطقتها لتنساب نحوَ ضياعٍ آخر.

الساعة السادِسة صباحًا / خريف 2011، على مشارف نهر السين جالِسان.
ناصِر بصوتٍ ناعس نظراته ترتفع للقوارب التي تُطلق أشرعتها : الحمدلله
غادة إلتفتت عليه بإبتسامة ناعِمة : الحمدلله على الإسلام والأمن والأمان و الأهل والأصدقاء والحُب والحياة وأنتْ.
ناصر بإبتسامة شاسِعة تُعاكس الشمس في شروقها، أخذ كفَها، حرَك أصبعه ببطىء ليكتب على باطن كفَها ويترك لها حريَة الشعور والإدراك والتخمين.
غادة : وش كتبت؟
ناصر : خمَني؟
غادة بضحكة تقطع سكون المكان والبحر : لمَح ليْ ؟
ناصر يكتب لها من جديد بأصابعه والإبتسامة تتكىء على شفتيْه : كِذا واضح؟
غادة تُقلد صوته : كِذا أحبك؟
ناصر صخب بضحكتِه الرجوليَة : حبَيني مثل ما تبين
غادة تأخذ يدِه لتكتب على باطنها، رفعت عينها بعد ثوانٍ طويلة : خمَن!
ناصِر : كتبتي مطلع قصيدة أحبَها
غادة : قصيدة أنت كتبتها
ناصِر : يا غايبة عنَي ردَيني وياك، لِك في نبرة الصدر موالٍ حزين
غادة : هذي أول قصيدة سمعتها منك، ينفع أقول الحمدلله على الشِعر لأنه كسَر صلابتِك؟
ناصر إبتسم ليميل برأسه قليلاً حتى يقترب بشفتيْه من أذنها، همَس : لولا عيُونِك ما كتبنا الشِعر . . .

نظرت لعينيَ عبير التي تمدَ لها كأس الماء : سمَي بالرحمن
غادة وضعت يدها على ملامحها لتستشَف تعرَقها، نظرت بإستغراب لضيَ وعبير لتفهم جيدًا أنها بدأت تخرج عن نطاق السيطرة، صعدت يدها ناحيَة عينيْها لتُلاحظ بكاءها اللاإرادي، تنهدَت بضيق وهي تأخذ كأس الماء برجفة، شربت القليل لتُنزل عينيْها بإرتباك، همست : ما نقدر نتصل على أحد ؟
عبير : محد يرد أصلاً . .
ضيَ جلست بجانبها وهي تنظرُ إليها بشفقة الحزن : تطمَني!
غادة رفعت عيناها إليْها : يمكن صار لرتيل شي لا سمح الله! ليه ما تكلمون الحرس اللي تحت؟
عبير: مُستحيل أطلع! قد طلعت وصارت مصيبة . . بننتظر أحد يجي ويبلغنا


،

تأملت السقف كثيرًا وهي تُقطَع شفتيْها بأسنانها، إلتفتت للمكان الخالِي تمامًا من هواء يحملُ أنفاس غيرها، وحدَها تحاول النوْم في ساعات الفجر الأولى ولا النومُ يجيء لجفنها.
أرق يستحلُ عقلي سببهُ أنت، أشدَ الرحال لغير صدرِك ويردَني صوتُك لمدَاه، ماذا أفعل يا سلطان؟ تُسيء لقلبي وتُهينه ولكنَي أُحبك! تستفزُ جنونِي ولكنَي أصمت لأن عيناكَ تُهذَبني بصورة قمعيَة، لو أن لا وجود لأيَ أسس بهذه الحياة تجعلنا نفترق! لا وجود للمبادىء والنظريات! كانت حياتنا ستكُون أجمَل ولكن هُناك ما يُبعدني عنك، لو تعلم أنَي أشتقت لـ " بسم الله عليك " من بين شفتيْك، لا أعرف سر هذه الجملة! ولكنَي أعرف تمامًا ما تُحدثه في قلبي منذُ أول ليلة رأتك عيني، يالله! كيف لحُب هذا الرجل أن يتسرَب ويجري بين دماءِي؟ أعترف بحُبه سرًا وأخشاهُ علانيَة.
أنفتح الباب لتنجذب عيناها، دخلت أفنان : صاحية؟ توقعتك نايمة . .
الجوهرة : مين جابك؟
أفنان : جيت مع ريَان! قالي أبوي إنه تركِك نايمة وخفت تصحين وماتلقين أحد وقلت أجيك . . أصلاً يالله دخلوني! كل شي ممنوع في هالمستشفى! يالله هانت بس تطلع الشمس بترجعين معنا
الجوهرة شعَرت بأنها ستنفجر من هذا الشعور المحبوس في داخلها : زين تسوين، لأني ملَيت
أفنان بضحكة تُخرج هاتفها لتدخل تطبيق " تويتر " : خلني أقولك وش سوَى نواف اليوم!
الجوهرة إبتسمت : وش سوَى سمو الأمير؟
أفنان بإبتسامة : تراني أمزح لا تصدقين، عبَيت مخه كذب وطلعت متزوجة في عينه يعني مستحيل حتى أمَر في باله بعد ما رجع بس من الفراغ اللي فيني صرت أبحث عنه
الجوهرة تنهدَت : صدقتك!! أفتخري يا روحي والنعم والله
أفنان : بنبدأ محاضرات؟ يعني هو كان السعودي اللي قدام وجهي طبيعي بالغربة بجلس أسولف معه من الطفش . . وبعدين كان بيننا حدود وإحترام
الجوهرة بسخرية : من زود الحدود قلتي له إنك متزوجة!
أفنان : في نيَتي ماكنت أبي أكذب! بس كِذا طلعت فجأة وقلت خطيبي
الجوهرة ضحكت : كذابة! لا تحاولين تقنعيني!!! أعترفي إنك سويتي شي غلط وخلَيك سنعة
أفنان بتنهيدة : طيب يا الجوهرة أنا غلطت . . أرتحتي كِذا؟
الجوهرة بجديَة : ماكان مفروض تسافرين!! شفتي وش سوَى السفر بدون محرم؟
أفنان : وش سوَى؟ لايكون رجعت لك مغتصبة ولا زانية؟
الجوهرة شحبت ملامحها لتبلع ريقها : ماكان قصدِي كِذا!
أفنان : وش قصدِك؟ أكره هالنظرية المتخلفة! يعني عشان رحت أشوف حياتي صرت ماني محترمة! لا نزعت حجابي ولا تبرجت ولا رحت مراقص!!
الجوهرة بضيق يخفتُ صوتها، تحاول حبس الدمع الذي يتلألأ بمحاجرها : قصدِي الحُب!
أفنان تجمدَت في مكانها لتُخفض نظرها وهي تلوم لسانها الذي أندفع بالكلمات الحادَة.
الجوهرة دُون أن تنظر إليها أردفت : بتفكرين فيه كثير وماراح تنامين لأنه شاغل تفكيرك! من رجعتي ولازم تجيبين سيرة نوَاف حتى لو بمزح! تحاولين تبيَنين إنه كل هذا مزح لكن هو حاضر في كل شي!! وممكن ما تلتقين فيه بعد؟ عرفتي وش أقصد!!! الله ما حرَم شي الا لحكمة . . مو لازم الضرر يكون جسدِي ومادِي عشان نقول والله هذا شي غلط! احيانا الوجَع المعنوي أقسى بكثير من كل هذا!! مسألة إنك تسافرين وتبقين لحالك! بتخلَيك تشبعين فراغك بأشياء ممكن تشوفينها تافهة بس لمَا ترجعين لأهلك بتحسَين وش كثر هالأشياء اللي بنظرك تافهة سوَت فيك!! عُمري ماراح أشكك في أدبَك وأخلاقك!! اللي يمسَك يمسَني واللي يضرَك يضرَني
أفنان بضيق تتأمل ربكة الدمع في عينيَ الجوهرة : آسفة
الجوهرة عضت شفتِها السفلية لتنساب دمعة يتيمة على خدَها، إلتفتت لأفنان : أحيانًا ما نفهم ليه هالشي غلط وليه هالشي حرام! لكن لمَا نتوجَع منه نفهم كيف الله رحمنَا منه!
أفنان : جُوج واللي يخليك لا تبكين! أنا حمارة والله بس تعرفيني أحيانا أقول حكي ماأحسب حسابه
الجوهرة إبتسمت بخفُوت : ما أبكِي عشانِك! بس أفكَر وش كثر الله يرحمنا ويستر أخطاءنا!!! لو سمع أبوي ولا ريَان بنواف؟ وش ممكن يصير؟ بتقدرين تفسرين لهم مثل ما تفسرين لي؟ فكرَي شوي بمنطق يا أفنان! مُشكلتك إنك تتوقعين أنه الأشياء اللي نقولها مجرد عادات وتقاليد وأنَك أنتِ إنسانة ماتعترفين بهالعادات واللي يهمَك دينك!!
أفنان : صح أنا إنسانة ما تحكمني العادات والتقاليد! يحكمني ديني ودام ماهو حرام في ديني بسوَي هالشي
الجوهرة : السفر بدون محرم حلال بالدين؟ فيه مذهب من مذاهب السنة حلَله؟ الشافعي ولا الحنبلي ولا الحنفي ولا المالكي؟ فيه أحد أختلف فيهم على السفر؟ هذا الشي ماهو عادات وتقاليد! هذا الشي إسمه دين
أفنان بضيق : ليه تعصبَين عليَ الحين؟ شي راح وأنتهى وهذاني رجعت
الجوهرة بضيق أكبر : لأني أخاف عليك
أفنان تنهدَت :عارفة إنه هالشي مضاره أكثر من منافعه لكن كنت متحمسة أسوي شي بدراستي وفخورة فيه
الجوهرة : مو مهم إنك تعرفين، المهم إنك تقتنعين يا أفنان!
أفنان وقفت لتأخذ كأس الماء، بإبتسامة : توبة أفتح موضوع نوَاف، إذا بآخذ عليه هالمحاضرة
الجوهرة أخذت نفس عميق لتمسح ملامحها بكلتا كفيَها : يارب ترحمنا
أفنان همست : آمين . . . كلَمك سلطان بعد ما رجعت البيت؟
الجوهرة : لا ليه؟
بإبتسامة تستثير حُمرة الخجل في ملامح الجوهرة : أبد لأني دخلت ولقيتك رايقة وعطيتني محاضرة بعد يعني فيك حيل
الجوهرة رفعت حاجبيْها : بالله؟ و الروقان ماله الا سبب واحد؟
أفنان : بس حطي في بالك هالكلب مفروض ما تردَين عليه! الله يرزقك بواحد يعوَضك وينسَيك طوايف سلطان . . . قولي آمين . . . نظرت إليَها بإستغراب . . . لايكون متأملة فيه بس؟ أنا كرهته ما أحب هالشخصيات اللي يفرضون قوَتهم على الحريم!!
الجوهرة رفعت ظهرها لتجلس : ومين وين تعرفين شخصيته؟ ووين شفتيه يفرض قوته عليَ؟
أفنان : لمَا يقولون سلطان بن بدر الجابر . . وش أول فكرة تجي في بالك؟
الجوهرة بسخرية : زوجي
أفنان جلست على طرف السرير : أقصد شخصيته، يعني حتى إسمه يبرهن!
الجوهرة بنبرةٍ هادئة : سلطان ما يفرض قوته على الحريم! إنسان مصلَي وقايم بحق الله وبحق دينه و وطنه
أفنان : وحق زوجته ؟
الجوهرة : لمَا ما قام بحقها طلَقها لأن هذا الواجب والصح
أفنان : تحاولين تلمَعين صورته قدامي! تراني أختك ماني وحدة توَك متعرفة عليها
الجوهرة : ما ألمَع لك صورته! أنا أقولك الصدق، وهذا ما ينفي إني شايلة بقلبي عليه


،


التاسعة صباحًا / باريس.
بإرهاق فتح أول أزارير قميصِه لينظر إلى محمَد : طلعوا عبدالعزيز وناصر؟
محمَد بتوتر : لا . . بس طال عُمرك فيه شي ثاني حصل
سلطان وهو يسير على الرصيف بإتجاه السيارة : وشو ؟
محمَد : بنت بوسعود في المستشفى
سلطان إلتفت ليرفع حاجبِه : ليه؟
محمَد : أطلقوا عليها
سلطان بغضب يقترب من جسدِ محمَد : وأنتم وينكم؟ كيف تطلع له؟
محمَد بلع ريقه : نايف كان و
سلطان يُقاطعه بحدَة : حسابكم بعدين . . . بالأول راح توصلني المستشفى وأتطمَن بنفسي . . . قبل أن يفتح الباب رفع عينه . . . أيَ بنت؟ زوجة عبدالعزيز ولا . . ؟
يُقاطعه محمَد : زوجة عبدالعزيز
سلطان ضرب الباب بقوَة ليدخل وهو يُكرر : أستغفر الله العلي العظيم!
شدَ ظهره بتعب السفَر، أخذ قارورة المياه ليُبلل ريقه : رحت شفتها؟
محمَد وهو يقود السيارة ولا يلتفت عليه من التوتر العميق الذي يُصيبه : إيه كنت عندها طول الليل! وكان بيجيك عبدالسَلام لكن قلت له إني أنا اللي بجيك.
سلطان : كلمت دكتورها ولا أيَ زفت!!
محمد : كانت بالعمليات وطلعت من عندها قبل الشروق وهي للحين
سلطان : طيب يا ذكي كان تركت عندها واحد ثاني!
محمد بلع ريقه : خفت أتأخر عليك
سلطان بعصبية : بضيع لو ماجيتني يا محمَد! لو صار شي لرتيل بحمَلك أنت ونايف المسؤولية وخلَي عندك علم
محمد بدهشة إلتفت عليه لثواني حتى عاد بأنظاره للطريق، أندهش من نطقه لإسمها ومعرفته بها : إن شاء الله ما يصير الا كل خير
سلطان ضغط على عينيْه وهذا الإرهاق يجلب له سوء المزاج، تنهَد بعُمق : كلَمت سعد؟
محمد : ما يرَد طال عُمرك، أختفى كأن الأرض أنشقت وبلعته
سلطان : بس توصلني المستشفى تروح تشوف لي سعد وين! لأنه بباريس مستحيل يطلع منها! ورَني شطارتك ودوَره لي!! مفهوم ؟
محمد : إن شاء الله راح أحاول . . . . دقائِق طويلة حتى وصل وركن السيارة أمام الباب الرئيسي للمستشفى.
نزل سلطان وأخذ معطفه ليرتديِه من هذا البرد الذي يُجمَد أطرافه، لفَ " سكارفه " الرمادِي حول رقبته ليدخل متجهًا للإستقبال وبجانبه محمَد : طال عُمرك ماهو لازم تسألهم! الغرفة اللي كانت فيها بالدور الأول
سلطان عاد بخُطاه ليتبع محمَد، وقف عندما توسَط الطابق الأول ليلتفت عليه : وينها؟
محمد بلع ريقه : آآآآ نسأل الإستقبال يمكن طلعت من العملية
سلطان أغمض عينيْه قبل أن يرتكب به جريمة : أحفظ نفسك وأبعد عن وجهي
محمد أبتعد دُون ان يلفظ كلمةً أخرى، نزل سلطان ليسأل عن رتيل، ثواني قليلة حتى سارت معه الممرضة للأعلى ناحية مكتب الدكتور.
الدكتور " بإنجليزية " : اخيها؟ أم زوجها؟
سلطان بهدوء : كيف حالها؟
الدكتور تنحنح : إلى الآن جيَدة، خضعت لعملية ليلة الأمس ضمدَنا بها جرحها
سلطان : تعرَضت لشيء آخر؟
الدكتور : لم تحدث أيَ مضاعفات، أنخفض ضغطها كثيرًا ولكنها الآن بصحة جيَدة، لكن يجب أن تعرف أنها ستطيل المكوث هنا! إصابتها ليست بالسهلة
سلطان وقف : أين هي الآن؟
الدكتور : بجناح رقم 78
سلطان : جناح مُشترك؟
الدكتور رفع حاجبه : عفوًا ؟
سلطان : قُلت هل جناحها مُشترك؟
الدكتور بإبتسامة : يجب أن تعرف يا عزيزي أن المستشفى ممتلئة بالمرضى وليست هي المريضة الوحيدة حتى . .
يُقاطعه سلطان : سأقترح عليك 15 دقيقة لنقلها إلى جناح خاص! وأظن أن المصاريف تخصنا نحنُ عائلتها ولا تخص طبيبها! هل وصلت لك الفكرة؟
الدكتور : أطلب هذا الشيء من الإستقبال وأدفع لهم وسينقلونها وهذا لا يضرني، تأكد إنني أريد الراحة لمرضايَ أيضًا . . .
سلطان خرج دون أن يسمع بقية حديث الدكتور، أقترب من محمد : ليه واقف؟ مو قلت روح شوف لي سعد!
محمد : توقعت إنك تبي ترجع عشان رائد
سلطان بحدَة يحاول ان يسيطر عليها : فيه اللي أهم منه!
محمد : طيب . .
أنتهى سلطان من إجراءات نقل رتيل إلى غرفة خاصَة، ليقف عقرب الساعة على الحادية عشر ظهرًا، يُريد أن يتأكد بأم عينيْه أن صحة رتيل جيدَة ولكن بنفس الوقت لا يُريد أن يكون هو من يراها.
لو كانت الجوهرة بمثل هذا الموقف لمَا رضيْت أن يراها عبدالعزيز! " وش جاب طاري الجوهرة الحين يا أنا ؟ "
مسح على وجهه من هذه الأفكار ليتنهَد بضيق، وقف بعد أن طال جلوسه على المقاعد، أقترب من الممرضة : عفوًا هل بإمكاني أن أطلب شيئًا منكِ؟
الممرضة بإبتسامة تنظرُ لعينيَ سلطان بحالميَة : بالطبع
سلطان نظر إليها لثوانٍ طويلة، رفع بها حاجبه من نظراتها : أُريد أن أتأكد من صحة إحداهن، تحديدًا أريد أن أعرف إن كانت مستيقظة
الممرضة بنبرةٍ تتغنَج بالإنجليزية الركيكة : حسنًا، أيَ غرفة؟
سلطان : 16
الممرضة سَارت بإتجاه الغرفة، دخلت بهدُوء لتنظر إلى جسدِ رتيل النائم بسكينة، أقتربت لترى ملامحها الشاحبة يُغطي نصفها كمام الأكسجين، نظرت للشاشة التي تُفصَل حالة قلبها، ثواني قليلة حتى خرجت وأقتربت من سلطان : حالتها جيَدة! ولكن هل كنت تمزح معي حين قلت رُبما مستيقظة؟ . . بضحكة أردفت . . الفتاة تُحيطها الأجهزة من كل إتجاه! رُبما تحتاج وقت طويل حتى تستيقظ
سلطان تنهَد : شكرا
الممرضة : عفوًا، إذا أحتجت شيء آخر تستطيع مُنادتي . . إسمي لاتيسَا
سلطان أدخل يديَه بجيوب معطفه، أكتفى بإبتسامة ضيَقة وخرج دون أن يلفظ كلمةٍ اخرى، أخرج هاتفه ليتصل على محمَد : أرسلي أيَ واحد يجلس عند رتيل
محمَد : إن شاء الله
أغلقه سلطان لينظر لسماء باريس الماطرة، سَار على الرصيف دُون أن يحاول أن يوقف أيَ سيارة أجرة تنقله، أراد أن يُعالج ضيق مزاجه في هذه الساعة بالهواء.
أهتَز هاتفه ليُجيب على عمته الذي يبدو خبر سفره وصل لها : ألو
حصَة : السلام عليكم يا . . أبو بدر
إبتسم سلطان : وعليكم السلام . . هذي نبرة الزعل؟
حصة : وصلت؟
سلطان : إيه قبل ساعتين تقريبا
حصة : وطبعا لو ما عرفت من السوَاق ماكان وصلني خبر! يا كثر ما تضايقني يا سلطان بأفعالك!!
سلطان : سفرة مُفاجئة وكنت راح أتصل عليك
حصة : صدقتك أنت أصلاً ما تحط لي أيَ قيمة
سلطان : كيف نقدر نرضيك يا أم العنود؟
حصَة بضيق : ما أبغاك تراضيني! تعوَدت، أتصلت عشان أتطمن إنك وصلت
سلطان صمت لثوانٍ طويلة حتى قطعها بكلمةٍ تبدُو نادِرة أو رُبما مستحيلة على مسامع حصَة : آسف
حصة ألتزمت السكينة لتُغمض عينيْها بمحاولة إستيعاب هذه الكلمة، بخفُوت : وش قلت؟
سلطان : قلت آسف
حصَة : صدمتني!
سلطان بضحكة مبحوحة : كل شي عند أم العنود يختلف، هي بس تآمر وأنا أنفَذ
حصة : يا عساك دايم كِذا عليَ وعلى غيري . . . . نطقت كلمتها الأخيرة بتصريح مبطَن تعني به الجوهرة.
سلطان بهدوء : يمكن بكرا أنشغل ومقدر اتصل عليك ويمكن أطوَل، ما أبي ينشغل بالك بأيَ شي ولا توْسوين لأني من الحين أقولك يمكن مقدر أرَد على أيَ إتصال
حصة بضيق عقدت حاجبيْها : ليه؟ يعني بتنشغل طول اليوم؟ مستحيل!!!
سلطان تنهَد : أهم شي تعرفين إني ممكن مقدر أرَد عليك
حصة : طيب، بس طمَني عاد مو تخليني على أعصابي! . . متى قررت ترجع؟
سلطان : إلى الآن ما أدري! لكن إن شاء الله ما أطول
حصة : إن شاء الله ترجع لنا بالسلامة
سلطان : حصَة
حصة : سمَ
سلطان : أحفظيني بدُعاءك
حصَة أنقبض قلبها من فكرة سيئة تطفو على سطحها : سلطان؟
سلطان عقد حاجبيْه من ضيق محاجره التي تقبضُ على ملحه حتى تُدمعه : مو صاير شي! بس أشتقت أسمع منك الله يحفظك
حصة : دايم في دعواتي يا سلطان ماتغيب ولا لحظة، الله يحفظك ويحميك من كل شر ومكروه
سلطان همس : آمين
حصَة : مو صاير شي صح؟ طمَني
سلطان تنهَد : لا، بس سمعت خبر سيء وضايقني
حصَة : يتعلق بالشغل؟
سلطان : لا بنت عبدالرحمن
حصَة : إيه؟ وش صاير لها؟
سلطان : بالمستشفى! ولا أحد يدري
حصَة : يا بعد عُمري والله! ربي يسلَمها من كل شر، أنت شفتها؟ هُم في باريس صح؟
سلطان : إيه، توَ طالع من المستشفى، تطمَنت عليها وخليت عندها الحرس
حصَة التي تنتبه لنبرة سلطان المرتجفة بالحزن : لا تقولي إنك زعلان على بنته وبس؟ فيه شي ثاني وواضح إنك مخبي عني
سلطان إبتسم للطريق الذي يرتجف هو الآخر بزخَات المطر والثلج الباقِي على رصيفه لم يذوب بعد : أعزَها كثير
حصَة : تخبي عليَ! فيه شي ثاني قولي؟
سلطان : والله العظيم اعزَها وأغليها
حصَة : وش عرَفك فيها؟ متى شفتها؟ . . . بنبرةٍ حادة أردفت . . سلطان!!!
سلطان بتنهيدة : أنا أفكَر وين وأنتِ وين!
حصَة بسخرية : أبد خلَ الجوهرة تجي وتقولك والله هالرجَال أعزه وأغليه بس لا تفهمني غلط
سلطان بإنفعال : أقطع راسها
حصة ضحكت بصخب : يارب أرحمني من هالتناقض اللي تعيشه يا عيني
سلطان بهدوء أستسلم : رتيل كـ
حصة بحدَة تُقاطعه : يا خوفي تعرفها أكثر من بنت عمها!!
سلطان : تبيني أقولك ولا أسكَر؟
حصة : قول
سلطان سعَل وأبعد الهاتف، أتى صوتها الحاني : صحَة
سلطان يُكمل : كانت معذبَة أبوها بتصرفاتها وبغت تنفصل عن الجامعة مرَة وأنا اللي توسطت لها وأقنعت عبدالرحمن، من وقتها والبنت أعزَها مثل أختي
حصة : خواتِك كثار وكلهم بالإسلام بعد ماشاء الله تبارك الرحمن الله يثبتك
سلطان ضحك بضحكة مبحوحة سرقت قلب حصَة الذي مهما يقسُو تُصيبه العودة لحنانه المعتاد : والله هذي السالفة، وهي زوجة عبدالعزيز ولد سلطان بالمناسبة، وأصلاً بنات عبدالرحمن ماأرضى عليهم وأعزَهم من غلا أبوهم لكن رتيل عشان كَذا مرة أسمع عبدالرحمن يحكي عنها تكلمت معك كِذا
حصَة : صدقتك
سلطان : أصلاً مجبورة تصدقيني، لأني ما قد كذبت عليك
حصَة : تعرف تحجَر لي !
سلطان : أهم شي تكونين راضية عنَي
حصَة صمتت قليلاً حتى نطقت : راضية عنَك مع إنك تضايقني كثير عليك
سلطان : وش نسوي يا حصَة؟ مافيه أحد بالعالم تكون قراراته صحيحة 100٪، مضطرين نغلط مثل ما إحنا مضطرين نتقبَل هالغلط
حصَة : يعني تدري إنه قرار طلاق الجوهرة غلط؟
سلطان ألتزم صمته وهو يقف حتى ينتظر الإشارة الخضراء للعبُور، أردفت بصوتُها الذي ينام على ضفافِه حُزن أم : تدري وش اللي فعلاً يوجعني! إنك تدري إنه غلط ومكمَل فيه! الله يآخذ هالكرامة وهالعزَة إذا بتسوي فيك كِذا
سلطان تنحنح حتى يُعيد صوته إتزانه بعد أن سلبه بردُ باريس وكساه البحَة : لو أبي أرجَعها قدرت بدون لا أهين نفسي، بس أنا ما أبي ولا هي تبي
حصَة : لا تتكلم عنها! لأنك ما تدري أصلاً وش اللي تبيه ووش اللي ما تبيه
سلطان : تأكدي من نفسك إذا ودَك
حصَة بهمس : ليه يا سلطان؟ ليه تغلطون دام الله عطاكم القدرة إنكم تميَزون الغلط من الصح
سلطان : عشان نتعلم!
حصَة : وش تبي تتعلم عقب هالعُمر؟
سلطان بهدوء لا يعكس الوجع الذي يعصرُ محاجره بالملح : إننا ما عاد نركض ورى البدايات ونطير فيها عشان ما تصدمنا النهايات، ما ودَي أقولك هالشي وأضايقك! بس أنا تعبت، أحس إني مخنوق من كل شي ومن كل جهة، ودَي لو مرَة أتمسَك بشي وما يضيع مني، وهالمرَة يا حصة ماهي راضية تجي، وإن جت أوجعت قلبي! قولي لي وش أسوي؟
حصَة تلألأت محاجرها بالدموع : ليه وصَلت هالأمور بهالطريقة؟ فضفض لي لو مرَة وخلني أقول إختياره وماراح يضرَه إن شاء الله، لا تخليني أتصوَر دائِمًا إنك سلطانها وهي جوهرتك! أمحي هالفكرة من بالي عشان أرتاح
سلطان : ما عندي جواب يا حصَة
حصَة بضيق : لأنك ما تقدر تكذب عليَ وأنت مستحيل تصارحني بشي يخصَك!!
سلطان : أسألك سؤال؟
حصَة : وشو؟
سلطان : لو فرضًا لا سمح الله صار لي شي، وش الفكرة اللي بتآخذينها من حياتي؟ واللي مستحيل أصارحك فيها؟
حصَة إرتجفت شفتيْها لتسقط دمعاتها الناعمة : ولدِي اللي ما جبته تزوَج ومقدرت أحضر زواجه وأفرح فيه، وما قالي سبب تسرَعه بهالزواج! ولمَا فرحت عشانه عرف يختار ويقرر صح! قالي ما نقدر نكمَل أنا وياها وإحنا أصلاً ما نصلح لبعض، ولمَا حاولت أوقف ضد هالقرار عشاني أؤمن إنه البداية اللي ركضت وراها بهالسرعة أنت اللي أخترعت نهايتها يا سلطان! مو هي اللي جتك!! والنهاية ما صدمتك! انت اللي صدمت الجوهرة فيها!! أنت اللي ما عطيت الجوهرة قيمة وأنت عارف إنها حتى وهي متضايقة منك ما تسيء لك بكلمة! أنت عُمرك شفت بنت لا عصَبت تحرقك بنظراتها وتترك لسانها بدون لا تنطق أيَ كلمة؟ . . . عُمرك ما راح تعرف قيمة الجوهرة يا سلطان! و مو بس ما تعرف قيمة الجوهرة! أنت ما تعرف قيمة اللي تقوله عيونك! كيف تقسى يا سلطان على نفسك وعليها؟ ما تفكَر وش راح تخسر من بعدها؟ ماراح تخسر ترقية ولا راح تخسر مركز ووظيفة! راح تخسر قلبك اللي ما قدَرته!!
سلطان عقد حاجبيْه دون أن يلفظ كلمةٍ واحِدة بعد حديثها الشفاَف، بهدوء أردفت : ماراح أجبرك على شي ولا أقدر أصلاً! أحاول أضغط عليك بس بالنهاية مقدر أسوَي شي غير اللي تبيه، كنت أبيك تفرح وأشوفك و أنت تأذَن بولدِك، بس ما أظن إنك بتشوفها إن ربي سهَل عليها وكتب لها ولادتها على خير، بتكون بالرياض وهي بالشرقية ويمكن حتى ما تكون فيه! شايف كيف أنت بعيد كل البعد حتى عن اللي يشيل دمَك؟ . . أدري وش بتقول؟ بتقول تحاولين تأثرين عليَ بكلامِك؟ لو أقدر أأثر عليك بكلامِي كان تأثرت من زمان! بس كل مرَة أقتنع أكثر إنك قاسي وتقسى على نفسك
سلطان بلع مُجمَل الغصَات التي تعبثُ بصوته : مضطر أسكَر الحين
حصَة : سلطان
سلطان : سمَي
حصَة بصوتٍ باكِي أرجفت قلبه : تدري إني ما تكلمت عشان أضايقك بشي! تكلمت من حزني عليك
سلطان : يا رُوحي، ما تضايقت ولا شي! سمعت منك هالكلام كثير وبسمعه أكثر وعارف إنه من غلايَ في قلبك، مُستحيل أتضايق منه!!
حصَة : ينفع أقولك شي أخير وبعدها ماراح أجيب سيرة الجوهرة قدامِك! وبسكَر هالموضوع؟
سلطان بخفوت زادت بحَته وهو يجلس على الكرسي الخشبي أمام حديقةٍ متجمدَة تمامًا : سمَي
حصَة : أبيك تعرف إني أفكر عشان مُستقبلك! ويهمني هالشي، أنا ماراح أبقى لك يا سلطان! وهالبيت بيفضى وبيجي وقت وراح تتقاعد من شغلك! مين راح يسليك؟ مين راح تشاركه فرحتك؟ ومين راح يشيل عنَك حزنك؟ مين راح يفطر وياك؟ ومين راح تنام وأنت متطمن عليه؟ أخاف عليك من الوحدة اللي راح تجيك! مهما كابرت أنت ما تقدر تعيش بروحك يا سلطان! إيه صح قدرت بعد وفاة بدر وأمك! وقدرت بعد وفاة سُعاد! وقدرت بعد وفاة أغلى شخص اللي هو بو عبدالعزيز! لكن كثرة هالمصايب ماهو يعني إنك تعوَدت! كثرتها يعني إنه إنهيارك عليها قرَب! وأنا أخاف عليك من هالشي!!
بعد أن فقدت قُدرتها على تهذيب البكاء الذي يشطرُ صوتها وقلبها : بحفظ الرحمن . . . أغلقته دون أن تسمع صوته، لتضع الهاتف على الطاولة وتُغطي ملامحها وتتجه إلى بكاءٍ عميق عليه وعلى وجعه الذي تلمسهُ من صوته وإن أخفى ذلك وتراه من عينيْه القاسية على روحها التي تحلمُ بفرحه.
و هوَ؟ أدخل الهاتف إلى جيبه دُون أن يقف أو يصدر حركةٍ اخرى، نظر للرصيف الذي يخلُو من المارَة، وكل من يمَر يتلاشى بغمضة عين، أخذ نفس عميق وهو يُغمض عينيْه حتى يُعيد لقلبه الإتزان الذي فقده من كلمات عمَته.
من جُملتها التي ترنَ في قلبه " عُمرك شفت بنت لا عصَبت تحرقك بنظراتها وتترك لسانها بدون لا تنطق أيَ كلمة ؟ " عاد عقله لمجموعة صور حُبست في ذاكرته، صور عينيْها في أكثر من موقف، للتو أدركت أن الجوهرة لم تعبَر بكلماتها أبدًا مهما حاولت أن تقسو في الفترة الأخيرة، الجوهرة كانت تستعمل عينيْها دائِمًا، في فرحها، حُزنها، بكاءها، ضيقها، غضبها، مللها وخجلها.
وقف ليُبعد زلزلة صوْرها في ذاكرته لقلبه، أتى على باله تلك الليلة.
" أقترب منها ليُحاصرها بزاوية الغرفة، أدخل يديْه في جيوبِ بنطاله العسكري : إيه سمعَيني!
رفعت عينيْها إليْه وبخفُوت : وش سويت؟
سلطان : نظراتِك هذي خففي منها قدام عمتي! لأن واضح لها كل شي!! إذا في فمك حكي قوليه ماله داعي تطالعيني وكأني سارق صُوتِك!!
الجُوهرة إبتسمت بسخرية : ما أصدَق إنك قاعد تحاسبني حتى على نظراتي! باقي شويَ وتقولي وشو له تتنفسين؟
سلطان أقترب أكثر ليُلصق ساقها بساقِه حتى يجعلها رُغمًا عنها تحبسُ أنفاسها من قُربه، تلألأت عينيْها من طريقته في ذلَها، ارتجف جفنها : ممكن تبعد؟ وصلت المعلومة وفهمتها زين "

،

ينظرُ ناصر للشباك العالِي الذي تتسلل منه منظر السماء الغائمة ويتسرَب إلى سمعه صوت المطر، وقَف ليسير بلا توقف وقلبه يهتفُ بالدعاء في وقتٍ مُستجاب كهذا، أولُ دعوةٍ أتت في باله " اللهم أحفظها وأحفظهم "، لم يعُد عبدالعزيز ولم يأتِ خبرُه، كُنت أؤمن بأن الأخبار السيئة أحيانًا تستعذب قلوبنا بفسحة الأمَل حتى تُلهب سمعنا بوصولِها، قلبي يُخبرني بأن عزيز بخير وخرج ولكن عقلِي يُناقض هذا الإحتمال، لو أعلم ما يحدُث لكنت أعرف كيف أخمَن بأمرٍ صحيح!! متى ينتهي هذا الوجَع؟ متى نغتسِل من هذا الحزن بعذوبَة الصلاة في الرياض؟ متى يالله نترك باريس خلف ظهرنا! يارب أرحمنا كما ترحم عبادِك الصالحين.
على بُعدِ مسافات ليست بالطويلة، يقف رائد وهو يطرق الطاولة بقلمِه : مفروض إنه سلطان واصل من 4 ساعات! واضح إنه ما يبي يجي!!! . .
عبدالرحمن : ما توقعت إنه الحكي يهمَك لهدرجة؟
رائد رفع عينه : عفوًا؟
عبدالرحمن : حاجتِك فعليًا عندِي لكن أنت ودَك تبرَد حرتك بالحكي مع سلطان لا أكثر!! صح ولا أنا غلطان ؟
رائد بإبتسامة يسند ظهره على الطاولة : يعني كاشفني! طيب أنا ماعندي مُشكلة بأني أقول ودَي أستلذ شويَ بمنظر سلطان وهو خايب!
عبدالرحمن عقد حاجبيْه : طيب ناصر وش موقعه؟ . . بحدَة أردف . . لا تحاول تبتزنا فيه!!
رائد يُلحن بصوته الجُملة : أبتزكم فييييييه!
عبدالعزيز ببرود ضحك ليقف بعد أن طال جلوسه على الأريكة : سايكو! قسم بالله
إلتفت عليه عبدالرحمن بإبتسامة لم يستطع أن يحبسها، همس : لا تستفزه!!
رائد الذي سمع همس عبدالرحمن : لا خلَه يجرب يستفزني
عبدالعزيز بإبتسامة يحك ذقنه ويُلحن بمثل صوتِه : أوقاات يآخذنا الحكي وننسى بالحكي أوقات وأوقات ياليت الكلام سكات يجرحنا الحكي . . .
رائد رفع حاجبِه : فاهم وش قصدِك! سبحان الله الخبث فيك أنت وسلطان بن بدر واحد
عبدالعزيز صخب بضحكته المستفزة ليُردف : هذا وإحنا متعوَذين منك
رائد صمت قليلاً يتأمل جملته التي يقصد بها أنه " الخبث " بعينه، أقترب بخطواتِه ناحيته، أدخل يدِه بجيبه : شايف كم واحد حولي؟ بإشارة مني تنتهي، حاول تحفظ نفسك!
عبدالرحمن يقف أمامه : خلَ حكيْك معي
عبدالعزيز بسخرية أبتعد ليقف أمام النافذة وهو يعطيهم ظهره، نظر لأجواء باريس الغائمة وبدأت أفكاره تميل ناحيَة غادة نهايةً برتيل، نظر للنافذة الأخرى لتسقط عيناه على قطعة صغيرة أدرك أنها / متفجرات.
فهم تمامًا ما يُريد أن يصِل إليه رائد، تنهَد وهو لا يملك القدرة على قوْل شيء، أعطى النافذة ظهره ليتكئ عليها وبدأت عيناه تتأمل الغرفة بتفحصٍ شديد، سقطت عيناه على أكثر من قطعة متصلَة ببعضها وصغيرة جدًا، غاب عقله في هذا المنظر لحدِيث سلطان بن بدر.
" طبعًا حساسيتها تختلف، لكن بالأغلب إذا ماكان المجرم يبي يلفت الإنتباه أو يدمَر المكان يستخدم المتفجرات اللي تعتمد على الغاز! يعني تنفجر وتطلق غاز فقط ونطاقها ماهو واسع! مجرد نطاق غرفة يمكن أو غرفتين بالمكان نفسه حتى ما توصل للدُور كله، و المتفجرات اللي نطاقها واسع تكون متكوَنة من . . . . "
بتَر حديث سلطان الذي يغزو عقله وعيناه تتأمل القطعة الموضوعه في زاوية السقف، أخفض نظره ليرى التي بجانب النافذة.
لو كانت متفجرات قويَة يُقصد منها التدمير لم يكن سيحتاج إلى أكثر من قطعة! هذا يعني أنها غازيَة لا أكثر، تنهَد ليلتفت بحدَة صوته : أترك ناصِر يجي هنا
رائد بإستفزاز : خايف عليه؟ لا تخاف ماراح تآكله الفيران تحت
عبدالعزيز بإبتسامة جانبيَه تُخفي غضبه من وجود ناصِر بالأسفل، خاف أن يختنق إن طبَق رائد خطته الذي خمَنها بعقله.
رائد ينظرُ للساعة : في حال وصل آسلي و سلطان ماجاء ترحَموا على ناصر . . . آممم نسيت شي ما قلته لكم
عبدالرحمن تمتم : صبَرنا يا رب
رائد بإبتسامة : أمس أرسلت رجالِي لفندق رِي فالِين
تجمدَت أقدام عبدالرحمن في وقت لم يفهم عبدالعزيز مقصده ولا علم لديه بأن عائلة عبدالرحمن بما فيهم غادة هُناك.
رائد ينظرُ لعينيَ عبدالرحمن المتوجسة : بس حبَيت أحط عندكم علم
عبدالرحمن بغضب لم يسيطر عليه : أقسم لك بالله لو يصير لبناتي أو زوجتي شيء! ماراح تترحَم الا على نفسك
عبدالعزيز إلتفت على عبدالرحمن : هُم هناك؟ . . أختي معاهم؟
رائد : أختِك وزوجتك
عبدالعزيز ضاعت أنظاره بينهما ليلفظ بضيقٍ يلفَ حول حنجرته : و رجالِك؟
عبدالرحمن : موجودين . . بس أنا أنبهِك يا رائد!!! أظن أننا إحنا قدامك نكفي ونزود، أبعد عن أهلي
رائد : والله عاد على حسب أفعالكم! إذا عكرَتوا مزاجي تحمَلوا بوقتها نتايجكم
عبدالعزيز عقد حاجبيْه ليركل الأريكة بقدمِه : حسبي الله ونعم الوكيل



،

يجلسُ بجانبه بعد أن دخل وأطمئنت عيناه برؤيته : يارب تسلمَه من كل شر ويقوم لنا بالسلامة
يوسف : آمين
إلتفت رافعًا حاجبه : فيك شي؟ ملاحظ عليك من جيت وأنت يا سرحان يا تتنهَد!!
يُوسف : وش بيكون فيني يعني؟ ضيقة وتروح
منصور عقد حاجبيْه : وهالضيقة وش مصدرها؟
يُوسف : لا تخليها تحقيق واللي يرحم لي والديك!!
منصور بحدَة : يوسف! جاوبني،
يوسف صمت لثوانٍ طويلة حتى لفظ : مُهرة طلبت الطلاق
منصور : ليه؟ سبب فيك؟
يوسف بعصبية : فينا كلنا! تقول مقدر أحط عيني في عينكم ومن هالخرابيط
منصور : يعني عرفت بموضوع أخوها؟
يوسف : إيه أكيد أمها قالت لها لما وصلت لحايل
منصور تنهَد : روح لها وكلَمها، بالتليفون ما تضبط هالمواضيع
يُوسف بضيق : تقول إنها مالها حق تكون زوجتي وأنه منصور ماله ذنب وإني ضايقت أهلك ومدري أيش! طلَعت مليون سبب عشان نتطلق وما كلَفت نفسها تطلع سبب واحد عشان نستمر
منصور : أنسب شي إنك تروح لها وتفهمها، وش دخلها فينا! أهم شي إنك أنت وياها متفاهمين ومالها علاقة فيني أو في أمي وأبوي . . فهَمها هالشي لأنه واضح إنها شايلة همَ أخوها! هي وش دخلها في أخوها!!
يوسف بإنفعال : وش يفهَمها يا منصور! حتى أمها نفسها تضغط عليها والحين بيوصل الموضوع لخوالها وبيوقفون كلهم بوجهي! والمُشكلة إنه هي واقفة معهم ضد نفسها!! قهرتني وهي تسكَرها في وجهي من كل جهة، قلت لها إذا مستحية من أهلي ومتفشلة نطلع و نسكن بعيد عنهم، وماتشوفينهم الا بالمناسبات! قلت لها مالك علاقة بأهلي ولا بأيَ واحد فيهم! بس ما رضت
منصور : أصلاً كلنا نسينا كيف وضع الزواج في بدايته! وما أهتمينا لهالموضوع، وحتى أمي معتبرتها مثل نجلا وتغليها وأبوي بعد! ليه مصعبَة الامور ومطلعتنا كأننا متمنين بُعدها ونكرهها، إذا كرهنا أفعال أخوها ماهو معناته إننا كرهناها بعد!! وهذي أمها مدري كيف وضعها! عندها خلل في عقلها مو طبيعي! بالبداية حاولت تهين بنتها والحين تهينها بعد مرة ثانية!!
يوسف يمسح على وجهه بكفيَه الباردة وهو يُثني ظهره قليلاً : و عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، كنت متضايق في بداية زواجي و كرهت عُمري اللي خلاني أتزوَج بهالطريقة! بس كانت أحلى شي صار لي يا منصور، حسَيت الدنيا مو شايلتني لمَا عرفت بحملها ولمَا سقطت ما حاولت أضايقها وأقولها وش كثر تضايقت وحسَيت روحي تطلع من هالخبر! بس قلت قدامنا عُمر! وهي أنهته، أختنقت من إني دايم أراعي هالناس ولا واحد فكَر يراعيني!! وأمها ما فكَرت أبد بأنه فيه بني آدم متزوَج بنتها ماهو آلة بتزوَجها وقت ما تبي ويطلَقها بأمر منها!!
منصور أقترب منه ليضع يدِه على كتفِ أخيه : وش لِك بالناس؟ أنا معك يا يوسف، إن ما شلت همَك أشيل همَ مين؟ بكرا نروح أنا وياك لحايل ونشرح لها
يوسف بحدَة دون أن يرفع عينيْه : ماني رايح مكان! ماراح أركض وراها وهي ماحاولت حتى تلتفت!!
منصور : لا تفكَر بهالسلبية!! يمكن هي متضايقة أكثر منك! هذا بالنهاية أخوها مو واحد من الشارع، ومقهورة عليه ومنه، وعشان كِذا تصرفت معك بهالصورة! بكرا نروح ونحَل الموضوع وإن الله كتب ترجع معك
يُوسف أخذ نفس عميق ليرفع ظهره ويستنَد على الكرسي، إلتفت لأخيه : لو كنت مكاني ما رحت!! أنا ترجيتها يا منصور، كل فكرة جت في بالي إنها ترضيها قلتها لها وقالت مقدر! سكرَتها بوجهي!!! وش باقي أسوَي عشان أقنعها؟ أجيها عشان تقهرني أكثر هي وأمها! والله العالم إذا وصل الخبر لخوالها بعد


،

تفتحُ عيناها على سقفٍ أبيض لا تُحدد تفاصيله إثر الضباب الذي يُخيط نفسه في محاجرها، مالت برأسها قليلاً ليؤذيها الكمام الموضوع على الجُزء الأسفل من وجهها، أغمضت عيناها لتفتحها بعد ثوانٍ قليلة حتى تستوعب الحالة التي وصلت إليْها، رفعت يدها لتنظر إلى الأنبُوب الضيَق المغروز في وسطِها، بحثت بنظراتها كثيرًا عن ظلٍ يُشاركها السقف ولم تجد أحدًا بجوارها، عادت للعُتمة وهي تُغمض عينيْها مرةً أخرى، لتسيل دمعةً رقيقة من طرف عينها اليُمنى، دخلت الممرضة لتلحظ هذه الدمعة، عادت للخلف حتى تُنادي الدكتور المسؤول عن حالتها، مرَت ثوانٍ بسيطة حتى أتاها الدكتور، فتحت عينيْها برجفةٍ يرتعشُ بها قلبها، تُريد أن تنادي أحدًا تعرفه، أن ترى ملامحه بالقرب منها، هذه العُتمة تُدمع قلبي.
وضع الدكتور يدِه على عينيْها ليفحصها جيدًا ويتأكد من وعيْها التام، بالفرنسية تحدَث معها ولم ترَد عليه بشيء.
الممرضة : رُبما لا تتحدث الفرنسية.
الدكتور عاد كلماته بالإنجليزية : ستلزمين الفِراش لمُدة ليست بالقصيرة، تحتاجين الجلوس لفترة حتى يلتئم جرحك، طوال هذه الفترة أنتِ ممنوعة من عدَة أشياء سنُخبرك بها لاحقًا
الممرضة نزعت الكمام الذِي يُساعدها على التنفس : تبدُو جيَدة أكثر مما هي عليه في الصباح
الدكتور : هل توَدين قول شيء؟
رتيل نظرت إليه لتُبلل شفتيْها بلسانها ودمعُها يصعد لمحاجرها، الدكتور ينظرُ للممرضة : أين الذي أتى في الصباح؟
الممرضة : رحَل! لا يوجود أحد هُنا
رتيل أخفضت نظرها من كلمات الممرضة، يستحيل أن تُصدَق أن لا أحد بجانبها دُون سبب! تقشعر بدنها من فكرة أن أمرًا سيئًا حدث لوالدها أو لضيء و عبير.
الدكتور : أهدئي! البُكاء سيُرهقك ونحنُ بحاجة إلى راحتك النفسية حتى تستعيدي قوَاك الجسدية
كانت تبكِي دون صوت، عيناها وحدُها من تُسقط الدمع تباعًا.
الحمدُلله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، و في كل مرةٍ أقعُ تحملني يالله بجناحِ رحمتك، وتُذكرني بفضلك العظيم الذي لا أدرِي مالصوابُ إتجاهه! أو رُبما أدري ولكنني أُظلَ هذا الإتجاه، ليتني يالله أفهمُ أنني أعيشُ بعد تجاوز فرصة الموت لكي ينصلح حالي، و ليتني أيضًا أفهمُ كيف أترك الأشياء لتعوَضني عنها، صفة التملك الفظيعة التي تربطُ قلبي بأفعالي أحيانًا تُشعرني بأنني المُخطئة، وليست أحيانًا بل بالغالب هي التي تُخطئني التقدير والتصرف، لو أنني أتخلصُ من هذه الصفة الحادَة رُبما تركت أشياءً كثيرة أُحبها وتغيَرت، ولكنني يالله أشعرُ في كل مرَة أنني أضعفُ من التغيير وأنني أسوأ من كل هذا ولا أستحق كل الفرص المتاحة ليْ، أنا أضيع! وهذا " يوجعني " !
سألها عن الذي أتى في الصباح! من المستحيل أن يرضى أبي بتَركي! لا يرضاها إلا شخصٌ واحد، مهما ظننتُ بك حسَنًا يا عزيز تُسيء إليَ ظني، ماذا أفعل؟ أنا لا أقدر والله على أن لا أرى أحدًا من عائلتي! لا أستطيع أن أتنفس بصورةٍ منتظمة بغيابِ أحدهم، أنا لو مُتَ لن أموت من وَجعِي و مرضي، سأمُوت من حُبي وحُزني عليه، حُبي الذي لا يرتبط بشخصٍ واحد، هو رباطٌ أزلي تترتب عليه أغلبُ جوانبي النفسيَة، أولهُا أبي الرجلُ الذي أحمل قلبه في نهايَة إسمي، وآخرهُ الرجل الذي يحملُ قلبي معه، يالله! لو أنني لا أبكِي نفسي.
أغمضت عيناها طويلاً لتستذكر المشهد الأخير، طال الإستذكارُ الذي يحيط عقلها، ليختلط عرقُ جبينها بدمعها، غرزت أصابعها على مفرش السرير وهي تشعرُ بأن حجرًا يحطَ على صدرها، شهقت بقوَة من الدماء التي تراها، حرَكت رأسها كثيرًا حتى تُبعد الذكرى من أمامها ولم تقدِر! عجزت عن طيَ المشهد أسفل قدم النسيان، تحرَكت كثيرًا حتى بدأ صوتُ الجهاز الذي بجانبها يتصاعد بتصاعد أنفاسها المضطربة، دخلت الممرضة سريعًا لتقترب من الجهاز المُساعد في التنفس وتُعيده إليها، نظرت إلى أصابعها التي تغرزُها في السرير لتُدرك أنها تغيب عن الوعي، همست بصوتٍ حانِي : لا أحد هُنا يُمكنه أن يؤذيك، رتيل؟ . . . وضعت يدها البيضاء فوق كفَ رتيل لتضغط عليها بلطف : أهدئي، ستضرَين نفسك بالتوتر!! وهذا لا يُساعدك على الشفاء سريعًا
لم تفتح عيناها بعد، أرتخت أصابعها من على المفرش، شعرت بالمنديل الذي يمسحُ وجهها قبل أن تدخل في نومٍ عميق.


،


طلَت على والدتِه التي تعتكف على سجادتها، تأملتها لدقائِق طويلة دون أن تُزعزع سكينتها، خرجت لتتجه ناحية غرفتها، بدأت عيناها تُدقق النظر في كل قطعةٍ تعلم أن " فيصل " رآها، اقتربت بخُطى مبعثرة ناحية مكتبه، هذه الخُطى التي تحملُها وتحملُ فوقها دمعٌ لا يجفَ، أتكأت بيدها على الطاولة لتُمسك بيدها الاخرى قلمه، وضعتهُ بمكانه لتجلس على كُرسيْه، وضعت جبينها على الطاولة لتنجرف بسيلٍ من الدمع.
يالله يا فيصَل! كيف تحبسُ روحي معك في فترةٍ قصيرة مثل هذه! لن أقُول " أحبك " بكل ما تحملُ الكلمة من معنى و صفَة، ولكنني " أحبك " بمعنى أنني أُريدك بجانبِي وبصفَة أنني زوجتُك، لم يرتاح قلبُ أمَك دقيقة واحدة منذُ أن عرفت بأمرِ مرضك، إنها تُعاني وتمضغُ كل " آه " بملامحٍ ساكِنة لا تجرؤ أن تنهار وبين يديْها " ريف "، و ريف أيضًا! تبكِيك بطريقتها، هي لا تعرف معنى أن ترحل! ولكنها تنظرُ إليَ بشفقة، وكأنها تعلم بأمرك.
رفعت عينيْها لتنظر إلى الكتب المصفَفة بترتيب وتنسيق تام، أخذت إحدى الكتب لتفتح الصفحة الأولى، قرأت بخطِ يده " قرأته1/10/2012، إلى الذين ما زالوا يُمارسون الحياة بفقدهم " أغلقته لتقف وتفتح الكُتب الأخرى برجفةِ يديْها " كيف السبيلُ إلى وصالك يا أبي، دُلَني؟ " فتحت الآخر " أأشتاقُك؟ ".
أدركت تمامًا أنه يكتب بعد إنتهاءه من القراءة سطرًا على صفحة كل كتاب، بخطواتٍ مرتبكة نزلت لتتجه ناحية الغرفة التي أذهلتها أولُ مرة بتصميمها، اقتربت من الكُتب وببعثرة كانت بعض الكتب تسقطُ من يدها، بدأت تقرأ الكلمات التي تُذيبها دمعةً تسقطُ من عينيْها على الورق.
" جرَبت أنواعًا عديدة من الحُب، كان أولَها أبي و آخرُها ريف، ولكن لم أُحب بعد أنثى تحبسُ العالم في عينيْها وأسافرُ إليها بصوتها، أُريد ان أجرَب كيف يحمَر قلبي بقُربها قبل أن أموت "
" أخطأت كثيرًا . . . . . . "
" و اكثرُ المسميات حُبًا لقلبي : رائحة الجنة، هذه الجنَة التي أراها في عينيَ أمي كل صباح "
" كيف أتُوب دون أن أؤذي أحدًا بمعصيتي ؟ "
" ت ع ب ا ن "
جلست على الأرض لتفتح الكُتب بأكملها وتقرأ الصفحات الأولى سطرًا سطرًا وأغلبها كانت كلمتيْن لا أكثر.
" أحيانًا يأتِ القدر بصورةٍ موجعة ولكننا نتقبله لأننا نعي تمامًا من يحكُمنا! الذي يحكمنا / العزيز الرحيم "
" كيف أخبره؟ أنني موجوعٌ اكثر منه، اليوم فهمت تمامًا فداحة خطأي وأنا أُخبر رجلاً أن زوجته لم تمُت "
" قلة الحيلة هي أكثرُ الأشياء وجعًا "
" أخبرتهُ! "
" سيأتِ شخصٌ آخر يعرفني عن قُرب، وسيفهم تمامًا أنه مخدوع فيني "
" لم يكن أمرُ وفاتِك يا أبي عاديًا، أمرُ وفاتِك بحدِ ذاته جعلني سيء أكثرُ مما أظن "

وقفت هيفاء والكتب مبعثرة على الأرض، غصَت بالوجع الذي تقرأه بكل كلمة يكتبها، لِمَ كان يكتبُ على صفحات الكتب المخصصة للإهداءاتِ دائِمًا والمخصصة أيضًا للكلمات الجميلة، لِمَ جعلها مساحةً للتعبير عن حُزنه! هل فعلها كي لا يقرأها أحد؟ ولكن كيف وهو جعلني ادخلها متى ما شئت! ما الخطأ الذي أوجعهُ بهذه الصورة؟ ومن الرجل الذي أخبرهُ عن حياة زوجته؟ اقتربت من الطاولة الأخرى لتسحبَ الرف السُفلي، نظرت للأوراق التي لم يُجذبها بها شيء، أغلقته بحدَة لتصعد مرةً اخرى نحو الغرفة، بدأت بالبحث في كل جهة عن شيء تجهله، أرادت أن تفهم فقط ما سرَ كلماته التي قرأتها، نظرت لملفٍ شفَاف يحتوي عدَة اوراق بجانب الخزينة، جلست على ركبتيْها لتفتحها، قرأت الورقة الأولى ولم تفهم شيئًا سوى " السيد فيصل عبدالله القايد " تركتها لتقرأ الأخرى وعينيْها تثبت عند " عبدالمجيد بن سطَام "، عادت ذاكرتها بعد دقائق طويلة من التأمل لحوارٍ ضيَق تتذكرُ تفاصيله.
" منصور : هيفا مو وقتك أبد!!
هيفاء : يخي بس وصلني للمشغل ومن هناك انا أرجع مع صديقتي
يوسف إلتفت لوالده : و بو سطام عبدالمجيد وينه فيه الحين ؟
والده : حصلت له مشكلة في القلب وأضطر يتقاعد ويتعالج في باريس الحين
هيفاء بحلطمة : ياربي! في كل مكان لازم تسولفون عن نفس السالفة! تعبت وأنا أسمعها! الله يرحمهم بس عاد مو كِذا
والدِه تنهَد : يوسف بالله روح ودَها لا ترفع ضغطي
يوسف رفع عينه إليْها : عنادٍ فيك ماني مودَيك ولا راح تروحين مع أحد ماهو لازم!
هيفاء ضربت قدمها على الأرض : أستغفر الله بس!!! مدري على أيش أنتم أخواني!
منصور دون أن يلتفت إليْها : والحين عبدالمجيد بروحه هناك! يعني أهله ماهُم فيه ؟ "

عادت للإسم مرةً اخرى، وهي تُعيد الأوراق إلى مكانها، خرجت لتنظر إلى والدته أمامها، أم فيصل عقدت حاجبيْها على رجفتها غير الطبيعية : هيفا؟
هيفاء بلعت ريقها لتقترب منها : خالتي بسألك سؤال، وأدري إنه مو وقته بس ..
أم فيصل بإبتسامة : أسألي باللي تبين، وش فيه مشغول بالك؟
هيفاء : فيصل كان موجود بالرياض قبل سنة؟
أم فيصل : لا، كان في باريس يشتغل عشان يوسَع أعماله اللي بالرياض
هيفاء نظرت إلى عينيَ والدته : عن إذنك خالتي بنام ساعتين من أمس ما نمت
أم فيصل : بحفظ الرحمن وأنتبهي على نفسك ولا تحملينها فوق طاقتها
هيفاء : إن شاء الله . . . صعدت للأعلى وبمُجرد أن أعطت والدته ظهرها حتى أنهارت عيناها بالبكاء ويرنَ في عقلها الذي قرأته قبل قليل، كتَب في الصفحة الأولى من كتاب " حديقة الغروب " ( كيف أنسى أنني قتلتهم أحياءً ؟ )
دخلت الغرفة لتُغلق الباب، لم تستطع السيْر أكثر، سقطت على ركبتيْها وهي تُحيط رأسها بيديْها.
يارب لا تجعل له يدًا بما حدث العام الماضي في باريس، يارب لا تجعل له يدًا بما حدث.
هل كان خطأؤه يتعلق بأمرهم؟ من الرجل الذي أغتال زوجته وهي حيَة؟ يارب أرجُوك لا أريد أن أنصدم بما يحدث، أخرجت هاتفها من جيْبها لتتصل على والدها، ثوانٍ قليلة حتى أتى صوته المُتعب : ألو
هيفاء بنبرةٍ باكية : يبه
والدها : لبيه يا عيون أبوك
هيفاء : مين عبدالمجيد ؟
والدها بدهشة : وشو؟
هيفاء : مين عبدالمجيد ؟ وش علاقته بفيصل ؟
والدها : بسم الله عليك وش صاير لك؟ ماني فاهم ولا شي
هيفاء : العام اللي فات كنت أنت ومنصور ويوسف تحكون فيه! مين هوْ ؟
والدها : هيفا! وش سمعتي عشان تسألين عنه؟
هيفاء ببكاء : ما سمعت شي! أبي أعرف مين عبدالمجيد هذا ؟
والدها : زميل لنا بالشغل
هيفاء برجاء : يبه تكفى! تكفى لا تكذب عليَ
والدها : أول شي أهدي وفهميني، ليه كل هالبكي؟
هيفاء : راسي بينفجر من الأفكار اللي تجيني، فيصل يقول أنه غلط وماهو قادر يصحح غلطه ويقول إنه وفاة أبوه أثرَت فيه و أنه خبَى عن شخص أنه زوجته حيَة وأنه ماهو قادر يسامح حاله و أنه ذبح أشخاص كثييير .. وتوَ سألت خالتي تقولي إنه كان في باريس ذيك الفترة! يبه تكفى قولي بس وش علاقة فيصل فيه؟
والدها بدهشة حقيقة جعلته يصمت.
هيفاء بصوتٍ يتعالى بالبكاء : يعني صح؟ اللي عرفته صح؟ فيصل له يد باللي صار لعايلة سلطان العيد !!! قولي يبهه صح
والدها : لو شاك بفيصل 1٪ ما زوَجتك إياه! يبه أنتِ فاهمة غلط
هيفاء : لا ماني فاهمة غلط، أنا قريت كل شي! عشان كِذا جوَ بيتنا وأعتدوا عليه . . بس مين ؟ إذا العايلة نفسها ماتوا!
والدها تنهَد : هيفا حبيبتي فيه أشياء كثير ما تكون واضحة قدامك وهالشي يخليك تخمنين بأشياء كثيرة ممكن توجعك وهي غلط!!
هيفاء بتوسَل يهزَ غصن أبيها : أبي أشوفه طيَب! ليه تمنعونا نروح له!! بموت يا يبه من التفكيير والله بموت
والدها : هيفا . . أترجَاك! أهدي
هيفاء : تكفى يبه، تكفى بس بشوفه . .
والدها بضيق : طيب، الحين أمرَك بس لا تقولين لأمه عشان ما تتضايق
هيفاء مسحت بكفَها دموعها : إن شاء الله . .
،

باريس قبل الجليد و الحُزن والبكاء، يجلسُ بمقابله.
فارس : وش قررت؟
عبدالعزيز نظر إلى عينيْه التي لا تشي بأمرٍ حسن ولا سيء : وش يضمَني يا فارس؟
فارس : أنت عارف إني قادر بسهولة أقول لأبوي وش تخططون من وراه! كل هذا ما يخليك تثق فيني؟
عبدالعزيز تنهَد : مهما تصرف أبوك مستحيل توقف ضدَه
فارس : صحيح، مستحيل أوقف ضدَه لكن ممكن أوقف مع غيره وهذا ما يعني إني ضدَه
عبدالعزيز : وإن حصل شي لعبير من أبوك؟
فارس : مثل ما حفظت سرَك عنده بحفظها
عبدالعزيز فهم تهديده المبطَن : يعني؟
فارس : حاليًا أنا أكثر تمسك بعبير، وماراح أرضى إنها تروح لغيري
عبدالعزيز إبتسم : تهددني؟
فارس : ما أهددَك! لكن مثل ما تبي مصلحتك أنا أبي مصلحتي
عبدالعزيز : يعني أفهم من كلامك إنه مطلوب مني أروح وأقنع بوسعود بمشعل اللي هو أنتْ !! وبتتوقع إنه راح يصدَق ويبارك لك!! مستحيل أنا أعرف بو سعود إذا ما سوَا لك بحث شامل عن أصولك ما يرتاح
فارس : وأنا ليه أبيك؟
عبدالعزيز ضحك بسخريَة : تبيني أبيَن له إنه ما على عبير خوف معاك!! مجنون؟
فارس تنهَد بحدَة : عبدالعزيز!!
عبدالعزيز : هذا زواج ماهو لعبة!
فارس : على أساس إنك تزوجت بصورة طبيعية؟
عبدالعزيز رفع حاجبه : عفوًا؟
فارس : قدام أبوي قلت إنك متزوَج وحطيت بوسعود أمام الأمر الواقع! صح كلامي ولا معلوماتي خطأ؟
عبدالعزيز نظر إليه بجمُود : أنا غير وأنت غير!!
فارس : تزوجت وأنت ما تعرف أيَ وحدة فيهم لكن سألت نفسك ليه أبوها ما أختار عبير رُغم أنها الأنسب في ظروفك ؟
عبدالعزيز : لا يكون هذي من تخاريف أبوك اللي مصدَرها لك
فارس : أبوي ماعنده خبر!! أنا اللي أتصلت، وبعلاقاتي قدرت أهددهم لو تزوَجت عبير ماراح يحصلهم خير!! و هالكلام وصل لمقرن وبعدها وصل لبوسعود، وأنجبروا يختارون الثانية
عبدالعزيز بإبتسامة باردة : هذا الخبر ما كان يدري فيه . .
يُقاطعه : أبوي وأنت و بوسعود و مقرن و سلطان، كيف تسرَب لي؟ هذا اللي تبي توصله . . قلت لك من قبل أعرف أكثر من اللي تعرفونه ولو أبي أهددكم قدرت من زمان لكن هالشي راجع لعقلي اللي ما يفكَر يضرَكم بشي
عبدالعزيز صمت لثوانٍ طويلة حتى نطق : وش اللي تعرفه؟
فارس : أبوي مو غبي! حط هالشي في بالك! إذا ما كشفك اليوم، بيكشفك بوقت ثاني وراح يمثَل عليك ويمثَل على غيرك، أنا أكثر شخص أعرف أبوي وطريقته، سبق وسوَاها بأبوك و بومنصور، على آخر لحظة قلب كل شغلهم وكشف معرفته بكل الأمور في الوقت اللي كانوا يحسبون فيه إنه محد داري!!!
عبدالعزيز عقد حاجبيْه : ليه تقولي هالحكي؟ ما تخاف أروح لهم وأقولهم ونغيَر كل خططنا!!
فارس بهدُوء مُهيب : واثق فيك
عبدالعزيز : فارس . . .
فارس : أنا فاهم وش تفكر فيه وحاسَ فيك، إذا أنت تحس إنك منت مناسب لهالشغل أنا أحس كل يوم إني في بيئة ما تناسبني!! لا تتوقع ولا في لحظة إني بغدر فيك، عبدالعزيز بقولك شي وما أظن راح أتجرأ أقوله لأحد غيرك
عبدالعزيز رفع عينه إليْه، كانت عينا فارس شرسَة بالشفافية والوضوح الذي بدآ يغزُوها، بلع ريقه : وشو؟
فارس : أنا مراقب بيت بوسعود من قبل لا تجي الرياض، وأعرف كل شي يصير فيه، لأن السوَاق اللي عنده كان يشتغل عندنا من زمان و الشغالة نفسها كانت توَصل للسوَاق الأخبار وهو يوصَلها ليْ، و لمَا حصل أمر زواجك تسمَع على بوسعود ومقرن وكانوا يخططون على عبير، وقالوا أنه ردَة فعلها بالمستقبل ماراح تكون إنفعالية مثل . . أختها الصغيرة، و لمَا كلمت اللي أتعامل معه واللي يربطني بأبوي قالي عن الموقف اللي حصل وإنك تكلمت وقلت إنك متزوَج بنته . . . وطبعًا كل هذا أقوله لك بدون فخر
عبدالعزيز بدهشة : وكل هذا عشان أيش؟ كيف عرفتها؟ وشلون عرفتها أصلاً؟ أنا من جيتهم طلعاتهم تنعَد على الأصابع بالشهر الواحد، كان مشدد عليهم بوسعود كثير!!! كيف . .
فارس : هذي سالفة طويلة
عبدالعزيز : لا تفكَر تقوله لأحد غيري لأن فعلاً فيه قلة رجولة! كيف تسمح لنفسك إنك تراقب بنت؟
فارس بضيق : ما راقبتها بعيوني! اللهم أخبارها هي اللي كانت توصلي
عبدالعزيز : ووش السالفة الطويلة؟
فارس : أبوي كان يبي مزرعة بوسعود وأستغلني لأني مبتعد عن الأجواء ومحد يعرفني، وكلمت صديق لي إسمه عبدالمحسن اللي كان يعرف أحد معارف بوسعود و بعزيمة أجتمعوا كلهم وضبطوا وضع المزرعة إننا نأجرها منه لكن بوسعود رفض وقال إنها حلالنا نجلس فيها متى مانبي ولمَا جيتها أول يوم كانت أغلب الغرف مقفلة لكن فيه غرفة لقينا مفتاحها بالوقت اللي راح عبدالمحسن فيه، ومن فضولي فتحتها وكانت غرفة عبير
عبدالعزيز بغضب تتسارع كلماته : وش لقيت فيها؟ كيف عرفت إنها عبير؟ يعني شفتها؟
دون أن يضع عينه بعينيَ عزيز : لقيت صورها موجودة
عبدالعزيز بسخرية غاضبة : وطبعًا مشيت على مبدأ شفتها وخذت قلبي
فارس تنهَد بضيق : لا طبعًا! بس لأني محبوس وزين أطالع السمَا قامت تشغل عقلي وقررت أبحث عن رقمها وأشغل وقتي فيها، يعني كانت مجرد تسلية
عبدالعزيز بحدَة أعتلت نبرته بشتيمةٍ قاسية في وجه فارس.
فارس نظر إليْه بغضب : ممكن تخليني أكمَل قبل لا تحكم عليَ؟
عبدالعزيز : لا تتوقع إنه عقب حكيْك بأقتنع وأقول والله كفو راح أقنع بوسعود فيك وأنت تراقب بنته من سنة وأكثر!!
فارس : حبَيتها يا عزيز، بس تدري وش عقابي من هالحُب؟ عُمرها ماحاولت تعطيني فرصة كانت دايم تبتر الطرق اللي توصلني لها!! كان إيمانها أقوى من إني أزعزعه بأيَ فعل!!
عبدالعزيز: الأساس غلط وزواجك منها الحين غلط وكل شي مبني على غلط لا تفكَر تصححه
فارس : هالكلام بدل ماتقوله ليْ قوله لنفسك ولا أنا غلطان؟
عبدالعزيز : قلت لك لا تقارني فيك!! زواجي وإن كان ممتلي أغلاط لكن هي عندها علم فيني وبإسمي أما أنت تبي تخدعهم كلهم! إلى متى؟
فارس : أنا عارف والله العظيم إنه محد يرضى على بنته بهالشي! وأنت اللي ما تقرب لك عبير بشي عصَبت!! لكن هذا شي حصل مقدر أكذب وأقولك بمثالية إنه أموري تمام وأنا خالي من العيوب، أنا غلطت وأعترف لِك إني غلطت عشان أكون واضح قدامك بدل ما أكون واضح قدام عبدالرحمن و تخرب كل أشغالكم المتعلقة بأبوي
عبدالعزيز يُبلل ريقه بمياهٍ باردة، نظر إليْه بحدَة : كلنا نغلط! لكن غلطك يجلط القلب
فارس إبتسم : والنتيجة؟
عبدالعزيز : النتيجة الله يسلمك تبطَل مراقبة بيت بوسعود!! وأهله
فارس بضحكة : وبعدها؟
عبدالعزيز تنهَد : الله لا يبارك في العدو . . طيب
فارس صخبت ضحكته ليلفظ : الثقة ماهي شي إرادي تذكَر هالشي، وأنا داري ومتأكد إنك واثق فيني لكن ما يساعدك صوتك بالإعتراف
عبدالعزيز إبتسم رُغمًا عنه : بس والله لو حصل شي غير اللي اتفقنا عليه بوقَف بوجه هالزواج وماراح تشَم ريحته

عاد لوجه رائد ولعينيْه، كانت كلمات فارس مُنبَهة منذُ ذلك اليوم ولكن نحنُ الذين طمعنا بإستغفاله حتى صُدمنا، إلتفت لإتجاه صوت رائد الساخر/الشامت : تأخرت يا بوبدر؟ هذا وأنت دقيق في مواعيدك
تأمل الوضع وهو يبحث بعينيْه عن الفردِ المفقود " ناصر "، نزلت أيادِي رجاله الذين يفتشونه لأقدامه، سلطان تجاوزهم وهو يخطُو على يدِ إحدى الرجال بتعمَد : عفوًا
رائد وضع قدمًا على قدم فوق الطاولة ببرود : إتفاقنا ماشي ولا ناوي تخربَه عشان أخربه معك
سلطان تنحنح حتى لفظ : وين ناصر؟
رائد بإبتسامة مستفزة : بحَ!!
سلطان ببرود يجلس بجانب بوسعود : إذا تبي تتعامل بهالأسلوب أبشرَك عندي أسلوب همجي يليق فيك
رائد : طيب خلنا نحط عبدالعزيز بالصورة، مين ورى حادث سلطان العيد يا بو بدر؟
عبدالعزيز أطلق ضحكة قصيرة من جوفِ قهره ليقف وهو يقترب من النافذة ويضع يديْه بجيوبه
عبدالرحمن : أظن إنه ماهو موضوعنا! والحين جاء وقت يطلع ناصر
رائد بهدوء : مين اللي قال نبي عبدالعزيز لأن ما وراه أهل!!
سلطان : تحاول تستفزني وتستفزه عشان تشتتنا؟ هذا الأسلوب قديم! ولا عاد يمشي معنا
رائد : لو قلنا سلطان العيد و قضاء وقدر وما كان بإيدكم حيلة، وينكم عن مقرن؟
سلطان بغضب وقف : أقسم لك بالله إنه ما يوقف بوجهي شي لو حاولت . .
يُقاطعه رائد بذاتِ الحدَة : لو حاولت أيش؟ خايف من عبدالعزيز؟ خايف إنه يعرف!
إلتفت عبدالعزيز ليوجَه حديثه إلى رائد : لا تخاف! ما أعتبرهم شيء عشان أنصدم منهم، لو كنت لهم شيء ذيك الساعة كانوا علموني بدون لا تمهَد لهم وتحاول تستفزهم!!
عبدالرحمن : كل شي كان مفروض تعرفه عرفته عدا ذلك لا هو بمصلحتنا ولا مصلحتك
رائد : طبعًا ماهو من مصلحتكم بقاء عبدالعزيز في باريس عشان أخته
سلطان : واضح إنه أخبارك قديمة، عالج الموظفين المشتركين مع سليمان وذيك الساعة تعال قولنا وش صار بالحادث؟ لأنك مخدوع بقوَتك!
رائد بإبتسامة : هل عندِك علم يا عبدالعزيز إنه ابوك كان عايش بعد الحادث لأسبوع؟ وبعدها توفى؟
عبدالرحمن بحدَة : رائـــد!!!
عبدالعزيز بلع ريقه بصعُوبة، نظَر إليهم بضياعٍ تام، أقسى من عيناه هذه اللحظة لم تُوجد ولن تُوجد.
أسبوع! هذه السبعة أيام كانت كافيَة لشفاء قلبي، رُبما سمعت صوته للمرة الأخيرة ورُبما قرأ عليَ ختام حياتِه، ولكنني لم أعرف؟ لأن هُناك من ينصَب نفسه مسؤول عن قلبك ويلغي منه الحياة لأن يُريد ذلك دون أن يلتفت للدم الذي يربطنا معًا، لم أفعل أيَ شيء حتى أستحق كل هذا! حتى وأنا أعصي القوانين وإتفاقاتنا و أودِع الحزن في صدوركم كنت أتراجع، تراجعت كثيرًا! في المرةِ الأولى مع رتيل عندما أردت أن أُذيقها عذابًا لا ينتهي دون أن تدري أنها زوجتي، وتراجعت في المرة الثانية عندما حاولت أن أفضح أمركم أمام رائد، وتراجعت في المرة الثالثة عندما أدركت أن هُناك أمرًا خفيًا وواصلت العمل دون أن ألتفت لهذه الفرضيات، وماذا قابلتوني عن هذا التمسَك أو التراجع؟
سلطان إلتفت بكامل جسدِه ناحية عبدالعزيز : عبدالعزيز !
رائد : قولوا له إذا كان عندِه علم بعبدالمجيد!
عقد حاجبيْه وهو لا يعكس القهر على ملامحه وإنما عيناه / فضَيحة : ماني قايل ( ليه ) اللي بحَ فيها صوتي بقول سامح الله أبوي اللي ما خلَى كلمة حلوة ما قالها بحقكم وأنتم منتُم كفو
عبدالرحمن أقترب منه ليبتعد عبدالعزيز بحدَة تصلَب ظهره : لا تفكَر ولا للحظة إنك تبرر ليْ! تدري وش المصيبة؟ إنه عدوَكم يدري عن أخباري وأنا صاحب الشأن آخر من يعلم! والنعم والله بالمعزة اللي في قلوبكم ليْ
سلطان : وش راح يفيدك إنك تعرف عن أبوك في وقت متأخر؟ غير الحزن والتعب؟ إحنا بعد ما عرفنا الا متأخر
عبدالعزيز بإبتسامة : أبد ما يفيدني بشي! لا تقولي عن أختي ولا تقولي عن أبوي! أصلاً وش بيصير؟ عادي أختي تعيش سنة كاملة بعيدة عني ولا أدري وش صار لها ووش ما صار لها وعادي جدًا إني أسمع إنه أبوي نجَا من الحادث! كل شي عندِك عادي يا سلطان . . . بغضب أعتلى صوته حتى رجع صداه أقوى . . بذمتك ترضى يصير فيك كذا؟ ترضى تتشرد أختك ولا أمك ولا أيَ زفت من أهلك؟ أنت آخر شخص تتكلم بهالشي لأن عُمرك ماراح تعامل الناس مثل ما تعامل نفسك! عندِك أنت ومصلحتك الأولوية بعدين إحنا! نموت نمرض نآكل تراب عادِي بس أنت ماشي شغلك وإدارتك ماشية خلاص الحياة حلوة حتى لو هي على حسابنا وتمشي فوق أوجاعتنا . .
سلطان بهدوء : ماهو كل شي بإيدنا!
عبدالعزيز بغضب كبير يتقطَع صوته بالبحَة : لو هالشي يعنيك كل شي صار بإيدك! بس لأن الشي يعنيني عادي تقول في نفسك، وش يهمنا؟ خلَه أهم شي رائد مخدوع إلى الآن وأمورنا ماشية!
سلطان : طبعًا لا، لأن لو مقرن حيَ كان شهَد قدامك إنه وصلنا خبر غادة بعد أكثر من شهر من وفاتهم وما كنَا ندري عن كل اللي صار بعد الحادث لين جانا فيصل
عبدالرحمن : جانا مقرن وقالنا إنه ماعندِك علم بغادة بعد ما أكتشفنا أمر حياتها، اما مسألة أبوك ما عرفناها الا باليومين اللي فاتوا، ووقتها قررنا إنه يبقى ما عندِك علم! وغادة كانت فاقدة الذاكرة و مقرن خضع لتهديد فيصل له بالبدايَة و وكَل المهمة لأمل اللي تصرفت كأنها أمها معها و إحنا من جهتنا وكَلنا سعد يكون معاها، وبعد فترة طويلة أكتشفنا إنه مقرن كان مهدَد من فيصل اللي تعامل مع سليمان وخبَى عنَا أمر أمل و الأحداث اللي صارت لغادة، وبعدها تدخَل عبدالمجيد وحلَ مشكلة فيصل وأبعده عن سليمان
سلطان : لا تفكَر إننا خبينا عنك وإحنا دارين أدق التفاصيل، كانت فيه أشياء تصير بدون علمنا وأكبر مثال مقرن لمَا تصرف مع أمل بدون لا يقولنا،
رائد يصفَق بضحكة شامتة : برافو برافو! مشهد تمثيلي رائع، مين اللي ماكان عنده علم بأمل يا سلطان؟
سلطان دون أن يلتفت إليْه : أنت ما عندِك علم بولدِك ووش كان يتصرف من وراك بيصير عندك علم وش يصير عندنا؟
رائد أشتَد قهره : بس ولدِي لمَا بغيته قدرت أخدعكم فيه لولا أمر بسيط حصَل خلاني أحوسكم، أذكَرك يا بوسعود بمشعل؟ كان قريب من الزواج على بنتك! وكان بسهولة بتمشي عليك الكذبة طبعًا هذي بمساعدات عبدالعزيز، ولا يا ولد سلطان؟ مو كنت تبي تقنع بوسعود بمشعل؟ . . هههههههههههه أمركم يا جماعة الخير مصخرة!!
عبدالرحمن نظر لعبدالعزيز بدهشَة، وهذه فرصته للإستفزاز : ماراح أبرر لك أيَ شي! لا تقولي ليه تصرفت كِذا! تصرفته بمزاجي،
عبدالرحمن بهدوء ملامحه : ما راح أطلب منك تبرر ليْ
عبدالعزيز بغضب : يكون أفضل!!
رائد : ننشر الغسيل ولا كافي؟
سلطان مسح على وجهه بتعَب نفسي من الضغط الذي يواجهه هذه اللحظة، يُردف : طبعًا أكمل عنكم المسرحية لعبدالعزيز، تدخلوا الأبطال وقالوا ما يبي لها حل واحد، أكيد سلطان العيد خدعنا وأكيد سلطان العيد غدر فينا ولا كيف يشتغل من ورانا؟
بنبرةٍ طفولية يستفزهم : شفت وش قالوا عن البابا يا عبدالعزيز؟
عبدالعزيز تصاعدت الإضطرابات في قلبه دون أن يلفظ كلمةٍ واحدة حتى لا يخرج عن نطاق سيطرته بنفسه.
عبدالرحمن : والله برافو عليك! نلت اللي تبيه ونسيت مصلحتك اللي عندنا
رائد بضحكة طويلة : مصلحتي؟ أظنَ يا بوسعود بتوصلك الأخبار الحلوة بعد شويَ
سلطان : طلَع الحين ناصر وبعدها نتفاهم صح
رائد يجلس على الأريكَة العريضَة : أنا مستمتع بالفضايح اللي تقولونها لعبدالعزيز، سمعَوني بعد . . كيف عبدالمجيد أشتغل بدونكم؟
سلطان : مثل ما أشتغل سليمان معاك برجاله
رائد صمت قليلاً إثر الرد المُفحم منه، أردف سلطان : ومثل ما لفَ فارس من وراك بعد
رائد : ولدِي إبعد عنه، عرفت آخذ حقه وبسهولة! والحين بآخذ حقه منكم بعد وبسهولة!!
سلطان : على أساس إننا ضرَينا ولدك بشي! على فكرة ولدك يهمنا اكثر منك وبالحفظ والصون
رائد لم يفهم تمامًا ما يرمي عليه سلطان : وأنا ما يهمني وش ولدي بالنسبة لكم! أهتم بولد سلطان العيد اللي خذيتوا عقله
عبدالعزيز بغضب يتجه إلى رائد : لا بارك الله في شغلٍ نسَاكم إننا بني آدميين!!
رائد بحدَة يقف : وش اللي بيني وبينك يا عبدالعزيز؟ على فكرة أنا هددت أبوك بس ما لمسته! ويوم قررت أأذيه كان سليمان سبَاق، ما ضحكت عليك ولا قلت ترى أختك ماتت ولا ضحكت عليك وقلت لك هذا رائد عندنا شغلة ضرورية معه وبنخليك عميل لنا وتقرَب منه لكن أنتبه ترى هذا رائد ما ضايق أبوك بشي! ولمَا أكتشفت إني هددت أبوك وش سوَيت؟ رجعت لهم! مين الغلطان؟ محد غلط بحقك يا عبدالعزيز أنت اللي غلطت بحق نفسك لمَا رضيت مع الأمر الواقع ولا حاولت توقف بوجههم وتعرف وش صار بعد الحادث، حصل الحادث بليل وبعدها تدخَلوا حبايبك! تدري منهم، فيصل ولد عبدالله القايد و مقرن بن ثامر! وبعدها توسَعت السالفة ووصلت لكل اللي ينقال لهم حبايب أبوك! وطبعًا انت معمي عن كل هذا! أعرف إنه محد صار عدوَك بكيفه، أنت اللي خلَيت الناس كلها أعداءك لأنك ما جرَبت تعاديهم قبل لا يعادونك بأفعالهم ويحبونك بلسانهم
سلطان بعصبية : ماشاء الله عليك رايتك بيضا! ما ذبَحت عيالنا بالرياض ولا أعتديت على قاعدة أمنية ولا سويت شي! ولا دخَلت الأسلحة و المخدرات والعفن اللي تجيبه كل سنة لنا و لا خلَيت جماعات إرهابية تخرَب عقول شبابنا في الجامعات لين وصلوا لك . . أبد ما سوَيت شي ولا حتى ضايقتنا وهددتنا، و أفتعلت جرايمك حتى في وسط شغلنا! كنت السبب ورى خراب معدَات التدريب يوم وفاة عبدالله القايد وكنت السبب في حرق بيتي ووفاة أهلي! . . لو تدري بس كم جريمة مسجَلة ضدَك وكم عقاب راح ينتظرك! لا تتوقع ولا للحظة إنك بتفلت منَا حتى لو جمَعتنا اليوم وأحرقتنا! فيه ورانا رجَال بيضايقونك في كل تصرف مثل ما ضايقناك! ماراح أعطيك موشح بالوطنية وبأعمالك اللي ضدَها!!
رائد بنبرةٍ هادئة : أفعالي كانت ردَة فعل لأفعالكم
سلطان بغضبٍ بالِغ فجَر كل ما في داخله بنبرةٍ صاخبة : مجنون! تبيني أسمح لك تلفَ عقول الشباب و تتاجر بأمور محرمَة دوليًا مو بس دينيًا، يا سلام! يعني نظام أخلَيك تآخذ راحتِك وعادِي نمثَل إننا ماشين تمام!! لا والله منت مآخذ راحتك طول ما أنا حيَ ولا راح تآخذ راحتك طول ما ورانا ناس عيونها ما تنام عن الأمن، ويا أنا يا أنت يا رائد
عبدالرحمن مسك معصم سلطان ليهمس : يترك ناصر بالأول و نبعد عبدالعزيز وبعدها نصفي حساباتنا
رائد الذي لا يصله هذا الصوت الهامس ويستغرب من فهمِ سلطان له ولكنه أدرك تمامًا أنه بينهم لغة يصعبُ كسرها مهما حاول : حاليًا، ما يهمني شي غير إنه عبدالعزيز يفهم وش اللي يصير تحت الطاولة، وتأكد تمامًا أنك جالس تتحدى شخص ماعنده شي يخسره
عبدالرحمن بهدوء : وش اللي يصير تحت الطاولة؟ فاهم قصدك تحاول تميَل عز ناحيتك، على فكرة عز ماهو غبي
عبدالعزيز بحدَة : لا أبشرك المؤمن لا يُلدغ من جحره مرتين، وماراح تقدر تآخذ عقلي بهالكلمتين
رائد بضحكة : هذا هو ردَ عليك! يعني وش فيها لو قلتوا له يا عبدالعزيز أبوك سوَا كِذا وكِذا ولا . . وش رايك يا سلطان تقصَ علينا قصة تعيينك؟ رُغم فيه ناس أقدم منك وأحق منك . . قصة مثيرة صح؟ ونستمتع فيها شويَ دام الجو بدآ يتوتر
سلطان إبتسم ببرود عكس ما بداخله : قصَ عليهم أنت دامك مبسوط بمعرفتك باللي يصير تحت سقفنا! واضح إنه جواسيسك يشتغلون بذمة وضمير، بس تدري عاد! جواسيسك يوم أشتغلوا صح خانوك وراحوا لسليمان وقاموا يشتغلون له وأنت الله يسلمك حاط رجل على رجل وتحسب أنه الناس تمشي على شورك ما تدري إنها تغيَرت وصارت تمشي على شور سليمان إللي لو أنفخ عليه طار!!
رائد بإستهزاء : ويوم راحوا لسليمان ما علَموك وش سويت فيهم؟ حشَيت رجولهم وحشَيت من وراهم سليمان بكبره! خل عبدالرحمن يقولك شافه بعيونه وهو مربَط وبجيبه لك بعد شويَ تقر عينك بشوفته . .
عبدالرحمن تنهد : أستغفر الله العظيم وأتوب إليه
رائد : كل شي يصير من وراي ومن قدامي أعرفه، اللي يخوني أخونه واللي يغدر فيني أذبحه . . بس ما قلتوا لي اللي يخونكم وش تسوون فيه؟ أووه لا لا كِذا انا غلطت أقصد أيَ مصحة تودونه؟ ما بشرَكم عبدالمجيد إنه طالع من زمان وأنتم يالمساكين تدعون له يالله تشفيه ويالله تعافيه. . والله أنتم الله يشفيكم ويعافيكم دام مقرن و سعد و عبدالمجيد والأمة العربية تلعب من وراكم! وتوَكم . . عقب سنين تكتشفون إنه سلطان العيد كان يفاوض سليمان من وراكم!
بسخرية لاذعة أردف : ما هكذا يُدار الأمن يا شباب!! ولا قوتكم ما تطلع الا عليَ؟ وحتى ياليتها تطلع هذاكم قدامي، قدرت أجيبكم مثل الكلاب . . بنظرة موجهة لسلطان وهو يدري إنه يدوس على كبرياءه في هذه اللحظة . . قدرت ولا ما قدرت يا بو بدر؟ . . قلت لكم لا تلعبون بالنار حتى كتبتها لكم وحطيتها في . . . أقول يا بوسعود ولا أسكت؟ يالله ما أبي أضايقكم وبقول حطيتها في ملابس بنتك حرم عبدالعزيز الله يسلمه
عبدالعزيز أسترجع الحادثة التي حصلت في بداية السنَة، و الورقة التي قُذفت في صدر رتيل، بغضب أخذ المزهرية التي تتوسط الطاولة ورماها على رائد الذي أبتعد قبل أن تصله وتناثر زجاجها، بخُطى مجنونة توجه إليه إلا أن جسد سلطان وقف أمامه.
عبدالعزيز بقوَة يدِيه دفع سلطان وعيناه تحمَر من شدَة الغضب : مو بس تبعد عن طريقي! أبيك تبعد عن حياتي
رائد بنبرةٍ شامتة : مقدَر الجنون اللي فيك يا عزيزي! ضحكوا عليك ومتزوَج بنتهم و أيش بعد؟ خلَوك تجرب أنواع العذاب على أساس إنك ماشاء الله تدافع عن وطنك لكن اللي يدافع عن وطنه على الأقل يدافع عن أهله ولا أنا غلطان يا عبدالعزيز؟
سلطان لم يحاول أن يمد يده، يُمسك أعصابه بصعوبة، دقائق صمت وحوار بالنظرات بين سلطان وعبدالعزيز، يتشباهان بجسدهما، لا تفصل سوى مسافةٍ قصيرة ( نصف متر )، نفس الطُول وذاتِ العرض، حتى حدَة النظرات المنفعلة بعينيْهما أصبحت تتشابه، في هذه الأثناء أصبحوا يتشابهون بصورةٍ مؤذية/ يعتليها بعض الهيبَة التي خلَفها والده به و بسلطان أيضًا.
رائد ينظر إليهما بتركيز عالٍ : كيمياء عجيبة بينكم! واضح إنه الحقد بعد ماليكم، يالله عساه حولنا ولا علينا
عبدالرحمن بإستفزاز صبَر عليه كثيرًا حتى بدأ صوتُه الهادي مُستفزًا لرائد : بما أنك ما ألتزمت بكلامك وما طلَعت ناصر! يمدينا إحنا بعد ما نلتزم بكلامنا؟ وماله داعي تقولي البيت محاصر وماتقدرون وإلى آخره من هالحكي! أنت عارف قدراتنا! وعارف برَا كم عندنا واحد، لذلك خلَك رجَال وعند كلمتك وطلَع ناصر
رائد بسخرية : ما يهمني أكون رجَال بعيونك! وماني عند كلمتي! وش تبي تسوي؟
عبدالرحمن : بسوَي أشياء كثيرة، وأنت عارف وش قصدي
رائد : حاليًا يا عبدالرحمن ما تقدر تهددني قلت لك ماعندي شي أخسره هذا أولاً وثانيًا أنت قدامي ومحاصر على قولتك، وسلطان قدامي بعد ومُحاصر!! وعبدالمجيد إن شاء الله بنجيبه على يوم أحلَي فيه دام غداي فيكم!!
سلطان بهدوء : ناصر يطلع!!
رائد يُقلد نبرته : لا لا لا لَـــه!! مفهوم؟
عبدالعزيز يتخلَص من حدَته رُغم البحة الواضحة في صوته والتي تُبيَن هذه الحدَة الغاضبة : ناصر يطلع لأنه ماله علاقة بقذارتكم!!
رائد يقف مجددًا : كنت منتظرك تقولها ليْ! وش المقابل يا عبدالعزيز؟
عبدالعزيز بحدَة أستفزت سلطان و عبدالرحمن : اللي تبيه مني حاضر
سلطان أطلق ضحكة قصيرة متعجبة وساخرة بالوقت نفسه : برافو والله يا عبدالعزيز
عبدالعزيز إلتفت عليه برفعةِ حاجبه الأيمن : هي جتَ عليه؟ هذاني قضيتها معكم ولا قدرَتوا قيمتي ولا قيمة أبوي!!
رائد بنبرةٍ إستهزائية بالدرجة الأولى : المُشكلة يا عبدالعزيز، وتصوَر بعد إنه أبوك كان السبب الرئيسي في وجود سلطان! تخيَل!! وصارت مشاكل في ذيك الفترة عليه كيف شخص ما عدَا عُمره 35 يرأسنا؟ وشوف كيف قدَر أبوك اللي حطَه في هالمكان
سلطان أدخل يديه في جيوبه لأنه شعَر بإحتمالية الضرب، ليُردف رائد : حتى بوسعود ماكان راضي وحصلت خلافات بالبداية والله أعلم عاد كيف أقنعه أبوك بأحقية سلطان!!
سلطان : وعبدالعزيز كان في عيونَا لعلمك! ولا نرضى عليه ومو بس عشان أبوه! إلا عشانه بعد لأنه يهمنا
عبدالعزيز بسخرية : الله يسلم عيونك ما قصَرت يوم إنها حفظتني أعمتك وواضح إنك نسيتني بعيونك بعد!!
سلطان نظر إليه بنظراتٍ لا يفهمها بسهولة، نظرات كانت تحمل رجاء من نوعٍ خاص.

مستلقيَة على السرير، لا صوتٌ يصدر منها تتلحفُ السكينةَ بدقَة عاليَة مصدرُها عيناها المضيئتانِ منذُ مكالمة يوسف.
أشعرُ أن الخيارات أمامي وأن الجنَة أيضًا تتمسكُ بي ولكنني أتجاهلهُا وأسير بكامل إرادتي إلى الجحيم، هذا الشعور يقتلني يالله! أنني أُدرك بمقدرتي على فعل شيء ولكنني عاجزة عن فعل هذا الأمر، هذا التناقض الذي يجري بلا دمٍ يرويه في عقلي يُجفف نبرتي ويُنقض عهدها بالكلام، أُريد أشياءً كثيرة، أُريد يوسف و ضحكة يوسف و نظرة يوسف و عِناق يوسف و كل شيءٍ يتعلق بيوسف و لا أُريد أيَ شيء في الدُنيَا عداهُ، ولكنني أفعلُ كل ما يناقض هذا الأمر لأنني مازلتُ أنتمي لجلدٍ جافَ يستمَر بمُعاقبة نفسه في حقلٍ من الأشواك، هذه المرارة في فمي، عالِقة بلزوجَةٍ متربَصة كما أن هُناك ( أُحبك ) مخفيَة، أظنُها أيضًا هذه الكلمة تُعاقب نفسها بصدرِي وتبثَ حزنها بطريقة ما.
من خلفها : خوالتس يسألون عنتس!!
مُهرة بهدوء : ما أبغى أشوف أحد
والدتها : كل هذا عـ
مُهرة تقاطعها بذاتِ الهدوء : صار اللي تبينه والحين أتركيني ولا تزيدينها عليَ
والدتها تجلسُ على طرف السرير : يا غبية أنا أبي مصلحتتس! تبينن أرميتس عليه؟
مُهرة : رميتيني في المرَة الأولى وبلعت لساني وقلت معليش أمك يا مُهرة وما أبي أضايقك! لكن ما فكرتي فيني، فكرتي من نظرة الناس لفهد الله يرحمه ونسيتي بنتك
والدتها بضيق : ما رميتتس عليه! كنتي بتجينن هنيَا وبتعضَين أصابعتس من هالعيشة!
مُهرة : خلاص ما أبغى أتكلم بهالموضوع، راح وأنتهى بخيره وشرَه،
والدتها : وهالحين كل هالحداد عشان يوسف!!
مُهرة : يمه إذا بتسمعيني كلام يسم البدن الله يخليك بنتك ماهي ناقصة
والدتها : هسمعينن بس! بكرا يطلقتس ويآخذتس ولد الحسب والنسب ويعيَشتس عيشة ملوك وبتنسين طوايف يوسف بس خليتس منه وأعرفي مصلحتتس
مُهرة : مين ولد الحسب والنسب؟ عيال خوالي اللي كنتِي معارضة زواجي منهم في البداية! مدري وش مغيَر أفكارك!! وأنا لعبة بإيدك متى ماتبين زوجتيني ومتى ماتبين طلقتيني! خلاص يا يمه يكفي! خليني كِذا هالزاوج اللي ترميني عليه كل مرة ما أبيه!!
والدتها وقفت بعصبية : يا ملا اللي مانيب قايلة . . . وخرجت لتتركها تتوحَد بحُزنها مثل كل مرَة.
أخذت هاتفها من على الطاوْلة، دخلت إلى " الواتس آب "، بصورةٍ روتينية يحملها قلبها إتجهت إلى إسمه نظرت إلى آخر ظهورٍ له قبل عدَة ساعات، لتُغلقه بقهرٍ شديد وقبل أن تضعه على الطاولة أهتَز، فزَ قلبها على أمل إسمه ولكن تلاشى هذا الأمل مع إسم " ريم "، أجابت وهي تحاول أن تتزن بصوتها الباكي : ألو
ريم : مساء الخير
مُهرة أستعدلت بجلستها فوق السرير : مساء النور، هلا ريم
ريم : هلابك، بشريني عنك وش مسوية؟
مُهرة : بخير الحمدلله
ريم : يا علَه دُوم، ما رجعتي؟
مُهرة : لا
ريم : و ما ودَك ترجعين؟ بيتك مشتاق لك
مُهرة بإستغراب صمتت ولم تقدر على الإجابة بشيء.
ريم بهدوء : كلمت يُوسف، و بصراحة هو ماقالي شي لكن أنا اللي استنتجت وفهمت وقلت أتصل عليك
مُهرة ببترٍ واضح للموضوع : الله يكتب اللي فيه كل خير
ريم : ماراح أتدخل بمشاكلكم ولا راح أقولك رايي بشي، لكن فكري قبل لا تتخذين أيَ قرار . . . وقرارك خليه مبني عليك أنتِ ويوسف ماهو مبني على أهلك وعلى أهلي
مُهرة بلعت ريقها بصعُوبة دون ان تُعلق عليها بكلمة أخرى. أردفت ريم بنبرةٍ حميمية : والله يعزَ عليَ أشوفكم كذا لا أنتِ تستاهلين ولا يوسف يستاهل، مهما وصلت المشاكل بينكم ما يستاهل الوضع يوصل للطلاق وأنتم توَكم بتكملون سنة قريب، عطوا نفسكم فرصة، عشان ما تندمين بعدين، مُهرة
مُهرة : سمَي
ريم برجاءٍ كبير : أستفتِ قلبك، وإذا جت علينا إحنا أهله والله محد راضي بالطلاق، وللحين ما وصل الخبر لأمي وأبوي وإن وصلهم بيعصبون وبيتضايقون! لأن كلنا نعتبرك منَا وفينَا ولا نبي أسباب زواجكم تتحوَل لمشاكل، ذيك فترة وأنتهت، و حادثة أخوك الله يرحمه مثل ما ضايقتكم ضايقتنا وضايقت حتى منصور، لكن خلاص بدينا صفحة جديدة ماله داعي نقلَب بمواضيع قديمة ونحوَلها لمشاكل لدرجة الطلاق، فكري بنفسك وبحياتِك وراحتك بعد، لا تربطين تفكيرك بشي ماضي راح وأنتهى، كيف بتعيشين بكرا إذا كل عثرة بحياتك راح توقفين عليها وتقررين وش اللي تحدد لك هالعثرة؟ بالعكس أنتِ اللي اخلقي فرصك وأنتِ اللي حددي وش تبين مو الظروف هي اللي تحدد لِك!! . . فكري زين
مُهرة تنهدَت وهي تسدَ السيل المنجرف من عينها عن صوتها : إن شاء الله
ريم : والله يكتب لكم كل خير يارب ويجمعكم . . تآمرين على شي؟
مُهرة : سلامتك
في جهةٍ اخرى يسيرُ بإتجاه سيارته والهاتف على أذنه : تخاويني حايل؟
علي: وش نوع المشوار؟
منصور : يدخل في باب إصلاح النفوس
علي بضحكة : عاد انا معروف عني أحب أصلح النفوس
منصور إبتسم : لا جد علي، مافيه غيرك يخاويني
علي : طيب قدَام، بس متى؟
منصور : الليلة عشان نوصل الصبح
علي : من جدَك! خلها بعد بكرا
منصور : لا ما ينفع! لازم بأقرب وقت
علي : أجل خلَ يوسف يخاوينا، يقولك الرسول صلى الله عليه وسلم الراكب شيطان والراكبان شيطانان و الثلاثة ركب
منصور : صلى الله عليه وسلم، وأنا ليه مآخذك؟ عشانه مكروه أسافر بروحي
علي يحصرُه بالزاوية : طيب ومكروه بعد إثنين، جب لنا ثالث خلنا نطقطق عليه بالطريق
منصور : وأنت ذا همَك! يخي خلنا نتوكَل إحنا لأنه الموضوع عائلي بعد وماعندي أحد أثق فيه غيرك
علي : يخص يوسف؟ هو اهله من حايل صح؟
منصور : عليك نور، وأنا رايح عشانه
علي : خلاص مرَني الليلة الله يسهَل طريقنا
منصور يُبعد الهاتف لينظر إلى إسم " ريم " : آمين . . أشوفك على خير . . أجاب على ريم : هلا
ريم : كلمتها، المهم يوسف شلونه؟
منصور : توني طالع من عنده بالمستشفى . .
لم يُكمل من شهقة ريم : المستشفى!! وش فيه؟
منصور أنتبه أن خبر فيصل لم يصل إلى الآن لريم : آآ . . رفيقه منوَم وكنَا عنده
ريم تنهدت براحة : وقَفت قلبي أحسب صاير شي، الله يقومه بالسلامة
منصور بلع ريقه : آمين، المُهم بيَنتي لها إننا ماعندنا مشكلة معها؟
ريم : إيه ولا يهمَك، قلت لها إنه لا تآخذ قرارها بناءً علينا وعلى تقبلنا لها لأننا متقبلينها، أهم شي يوسف والله ما يستاهل بعد عُمري


،

تنظرُ إليه بنظراتٍ مرتبكة خافتة، تنحنحت كثيرًا حتى نطقت : بو ريَان
عبدالمحسن إلتفت عليها وهو يُغلق أزارير كمَه : سمَي
أم ريَان بتوتر : سمَ الله عدوَك، هالفترة تكرر عليَ حلم ورحت فسَرته وأنا خايفة إننا قصرنا بشي
عبدالمحسن اقترب منها : وش تفسيره ؟
أم ريَان : وين تُركي؟ أخاف صاير له شي وإحنا ما ندري، هو طايش وقطعنا من كيفه لكن بالنهاية راح يرجع لأهله وإحنا أهله، لا تتركه من غضبك عليه! هو مو بس أخوك هو ولدك و ولدي!!
عبدالمحسن يُحيط به صمتٍ رهيب، نظر إلى عينيَ زوجته التي يستشفُ منها الدمع،
تُكمل : كم مرَ وإحنا ما سمعنا صوته؟ والله مشتاقة له ولا أدري وش عذره بهالغياب لكن بعذره لأننا مالقيناه من الشارع، لا تهمله يا عبدالمحسن وهو قطعة من روحك!
عبدالمحسن أغمض عينيْه لثوانٍ طويلة حتى نطق بإتزان : راح أتصل عليه، أنا رايح آخذ الجوهرة وأفنان أكيد ينتظروني . . . إبتسم بصفاء يُخفي وعثاء حُزنه، قبَل جبين زوجته بحُب . . بحفظ الرحمن، خرج لينزل بخُطى مبعثرة تتقَد بمشاعرٍ مضطربة، سُرعان ما ركَب سيارته وأبتعد عن المنزل، في أولِ فكرة غرزت عينيْه أدمَعتهُ و في أولِ دمعة كانت " الله أكبر " تنسابُ إلى أذنيْه من المسجد المُقابل، ركن سيارته ونزل، فتح أول أزارير ثوبه و كبَر قبل أن تُقام الصلاة، شعر بحَجرةٍ تقف في حُنجرته وتمنعه من التنفس بصورةٍ طبيعية.
سجَد، لامس جبينـهُ رحمة الله و ظهره ينحنِي من اجل هذه الرحمة/القوة، كرَر التسبيح أكثرُ من ثلاث مرَات حتى أندفع دمعُه بغزارة إلى محاجره، ولم تسقط سوى ـ دمعةٍ وحيدة ـ
كيف يالله أفهمُ أنني فعلتُ الصواب؟ كيف أُجاوب من يسألني بجوابٍ قاطع لا يُحزن إبنتي؟ لا أُريد أن أظلمه ولكنني ظُلمت منه بحزني عليه، هو أخِي ولكن لم يجعل لهذه الأخوَة كرامةً أعتَز بها، هو أبني ولكن لم يجعل لأبيه وشاحًا يفخرُ به، لستُ قاسيًا ولكنه قسَى عليَ بأفعاله، كيف أسامحه؟ لا قُدرة أملكها تجعلني أرضى عنه، لستُ ملاكًا يالله حتى أعفُ وأنسى خطاياه، وخطاياه اليوم ما عادت مُجرد خطايَا هيَ مرضٌ ينتشرُ في جسدي ويُميته كلما نطق ليَ أحدهم ـ أخُوك ـ.
كيف يفعلُ أخٌ بأخيه كل هذا؟ كيف يهون عليَ أن يكسر قلبي قبل أن يكسر قلبها؟ كيف يالله؟
أرحمني من هذه الأفكار وأختار لي الطريق الأصح فإني ضللته، بلغ بي الشيب ومازلتُ عبدُك الفقير المتوسَل إليك والراجي رحمتك، يا رب يا من بيدِه ملكوت السموات والأرض أغفر لي ذنب الجُوهرة و أرحمها بعد عيني من الناس و أهلها، يا رب يا من بيدِه ملكوت السمواتِ والأرض أغفر لي ذنب الجوهرة و أرحمها بعد عيني من الناس و أهلها، يا رب . . . رفع من السجود ليسلَم بعد أن سمع إقامة الصلاة. نظر إلى أول رجلٍ أصطف خلف الإمام، قام و جاوره.
أنتهت الصلاة وبعد السلام منها بقيَ جالِسًا، مرَ وقتٌ طويل حتى إلتفت إليه الرجلُ الوحيد الذي بقي، أقترب منه : من يقدر يضيق و لنا رب ما يرَد فيه دعوة العاصي؟ فما بالك بالمؤمن المُصلي؟
عبدالمحسن : والنعم بالله
الرجل الكبير بالسن : تصدَق وأنا أبُوك وبيرتاح همَك
عبدالمحسن رفع عينِه ليزَم شفتيْه إلى الداخل وهو يُصارع عبراتِه : همَي ما يموت، يسافر ويبعد عني لكن يرجع ليْ
: هذا تكفيرة لك من الله ورحمة، الله إذا أحب عبد أبتلاه عشان يقوَي إيمانه ويغفر له معاصيه وذنوبه
عبدالمحسن : الله يرحمنا برحمته
يربتُ على كتفه : أنا أنحنى ظهري من هالدنيَا و شفت من الهموم اللي يشيَب الراس، لكن رحمة الله واسعة، وش كثر نغلط لكن نرجع له لأننا ما نقدر نعيش بدون لا نسجد له واللي يعيش بدون هالسجود تلقاه طول ليله يفكَر ويتمنى يسجد ويرجع لربَه! أنا ما أدري وشهو همَك لكن تعوَذ من الشيطان و تصدَق عسى همَك يزول وأنساه ولا تتذكره الا بالرجوع إلى الله
عبدالمحسن عبرت دمعة رقيقة على ملامحه الذي أمتلى حُزنها حدُ اللاحَد : تدري يا عمَ! أخاف يجيني الموت مو لأني أخاف الموت، أنا أخاف على بناتي . . أخاف ما يقدرون يآخذون حقهم عقب عيني
: الا بيقدرون! دام الله فوقهم بيرجع كل حق لصاحبه، لا تفكَر إنك أنت اللي محقق لهم حقوقهم بحياتِك! اللي محقق لهم هالحق هو الله وحده
عبدالمحسن : والنعم بالله، . . وضع يدِه على فخذ الرجُل . . تآمرني على شي
: الله يزيَن خاطرك ويمحي همه
عبدالمحسن إبتسم : اللهم آمين . . . فمان الله . . . خرج متجهًا إلى المستشفى.
دقائق تتبع دقائق أخرى حتى مرَت ثلث ساعة وصل بها إلى الجوهرة، أفنان الجالسة رفعت عينها وتقدَمت نحوه لتقبَل رأسه : تأخرت يبه! وأدق على امي تقول طلعت من زمان، خوفتني والله . . يمَه قلبي بغى يوقف!!!
عبدالمحسن : بسم الله عليك . . . نظر إلى الجوهرة التي تُسلَم من صلاتها . . . وقفت لتتقدَم إليه، قبَلت جبينه : وقفت قلوبنا، ما ردَيت على جوالك حتى أمي أنشغل بالها
عبدالمحسن : رحت أصلي وخذتني السوالف بعدها مع واحد لقيته بالمسجد
الجُوهرة إبتسمت : يالله خلنا نطلع أختنقت من ريحة المستشفى
عبدالمحسن : شلونك الحين؟
الجُوهرة : بخير الحمدلله وتوَ الدكتورة كانت عندي تتطمَن وقالت لي كل أموري تمام والجنين بخير الحمدلله
عبدالمحسن : الحمدلله . . .
أفنان إرتدت نقابها : يالله مشينا . . . خرجُوا من الغرفة المنزويَـة في الطابق الثالث، إتجهوا نحو المصاعد الكهربائية، أنفتح لتتجمَد نظرات أفنان بإتجاه ـ نواف ـ دخل عبدالمحسن : السلام عليكم
نواف إبتعد إلى نهاية المصعد العريض : وعليكم السلام . . دخلت أفنان خلف الجوهرة، كانت المسافة تعتبر كبيرة بينها وبينه ولكن شعرت وكأنها تتقلَص وتُصيب قلبها، نظرت إليه من خلال المرآة العاكسة في وقتٍ كان هو منشغل بهاتفه.
طال الوقت بعد أن صعد المصعد إلى الطابق الخامس دون أحدٍ ونزل مرة أخرى، رنَ هاتف أفنان وبهدوء أغلقته.
إلتفت عليها والدها وبصوتٍ خافت مدَ إليها هاتفه : أفنان شغليه مدري وش فيه عيَا لا يشتغل
بمُجرد ما عاد والدها إلى النظر إلى الأمام سقطت عيناها بعينيْه التي توجَهت إليها مباشرة من خلال المرآة، طال نظرُه وهو يسمع الإسم من بين شفتيَ والدها، ثوانٍ قليلة وهو يُدقق في عينيْها التي لا يظهرُ منها الكثير، قطع تأمله باب المصعد الذي انفتح، خرجت وهي تمَد الهاتف لوالدها.
بقي نواف في المصعد يُراقب إختفاءها من أمامه حتى أتى صوتُ ـ غيث ـ الصاخب : وش فيك مفهي؟ أخلص علينا صار لنا ساعة ننتظرك
نوَاف : أنتم روحوا وأنا برجع بعدين
غيث : وش ترجع بعدين؟ بنروح الرياض مو الكورنيش!! صحصح!
نواف بعصبية : قلت طيب ارجعوا الرياض أنا بجلس اليوم هنا وبعدها أرجع
غيث بسخرية : ومين راح يوصَلك؟ لا يكون بتاكسي؟
نوَاف تنهد : غيث ممكن تنقلع عن وجهي
غيث : طيب قلَي وش عندِك هنا؟ وإحنا ننتظرك
نوَاف : تنتظروني لين الليل؟
غيث : طيب خلاص بروح للشباب الحين وأبلغهم بس حدَك الليلة وبعدها نحرَك
نواف : طيب . . . بمُجرد أن رحل غيث حتى عاد مرةً أخرى للمصعد وإتجه إلى الطابق الثالث، نادى صديقه الدكتور : حاتم
إلتفت حاتم : هلا نوَاف! مو قلت راح تمشي الرياض اليوم؟
نواف : إيه بليل، أبيك تساعدني بشي
حاتم : أبشر باللي أقدر عليه
نواف : كيف أقدر أسأل عن شخص مريض هنا وما أعرف الا أسمه الأولَي؟ هو كان هنا بالطابق الثالث
حاتم : اللي هنا عيادات النساء والولادة
نواف وكأنه تلقى صفعة بيدٍ حارقة، أردف : ليه؟ عندِك أحد تعرفه؟
نواف : يعني بس نساء و ولادة؟ مافيه عيادة ثانية؟
حاتم : لا بس نساء و ولادة
هذا يعني أن خطيبك أصبح زوْجِك! و زوجُك سيُصبح أبَ اطفالك بهذه الصورة السريعة؟
نواف : مشكور ما تقصَر
حاتم إبتسم : أبد إحنا بالخدمة
نواف أكتفى بإبتسامة ليعُود بخيبة إلى ذات المصعد، نزل إلى الأسفل وهو يُخرج هاتفه، أتصل على غيث : خلصت شغلي، خلنا نمشي الرياض الحين

.
.
.

يتبع


0 سلسلة صحتك فى دقيقة - رضا العواد
0 ألا ليت القدر / كاملة
0 فوائد بذرالقاطونة والكتان للشعر والبشرة
0 طرق تساعد على تخسيس الوزن - 2
0 يا خاطفي وين ألقى عزتي في زمان المذلة ! / كاملة
0 الخل والفلفل الاسود لعلاج القشرة
0 وصفة لتخسيس البطن وتقليل الترهلات
0 فوق خضوع الحب / كامله
0 رواية : و إنت يا الفجر البعيد نامت عيونك : ( منقوله - كامله )
0 لمحت في شفتيها طيف مقبرتي تروي الحكايات أن الثغر معصية
0 حروفك سرقتني من بين الحضور اهيم بك دهرا ولا اكتفي.
0 أسرار الجمال
0 خيالات مجنونه
0 الرجيم فوائده واضراره -1
0 كبرياء رجل وشذوذ إمرأه
خيالات مجنونه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2013, 02:18 AM   #107
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية خيالات مجنونه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 999
معدل تقييم المستوى: 4
خيالات مجنونه is on a distinguished road
افتراضي


النهاية | الجُزء ( 80 )

ذقنا الوصال فهل نطيق تباعدا؟

هل بعد أصل الصوت يدوينا الصدى؟

ما ظل شبر في ولاية خافقي

إلا على حكم الفراق تمردا

إن لم تكن ترضى بعيشك داخلي

امض.. ويرضيني أنا فيك الردى

ماكنت ممن يمنحون قلوبهم

فسرقت قلبي عامدا متعمدا

لو خيروه الآن أين مقامه

لاختار صدرك دون أن يترددا

فلإن قبلت به فقد أهديته

وطنا.. وإلا قد يعيش مشردا

أهوى الجماعة لا أطيع تفردا

لكن حبك في الفؤاد تفردا

لا لن يموت الحلم قبل ربيعه

مادام فينا الزهر يحتل المدى

سبحان من بث الحياة بوجهها

ورد.. وزاد من الحياء توردا

سمراء يستسقي البياض ضياءها

فإذا سقته من الضياء… تنهدا

نور على نور يكون حضورها

أنا منذ لقياها نسيت الأسودا

* محمد أبو هديب.


،

بعد وقتٍ تغربُ به السمَاء كانت يديْها تشرقُ بملامسته، لا تسمع سوى صوت دقَات قلبه المنبعثة من الجهاز المجاورُ لها، نظرت إليه بلهفَة جعلتها لا ترمش إلى بعد أن يتعب جفنها ويُسقط دمعة، أندلع في قلبها ألف سؤالٍ وسؤال، أرادت أن تصرخ من هذا الوجَع و تقول " ليه كنت هناك؟ " كانت بحاجة أن تسمع جوابًا يُرغمها على النوم براحة، ولكن لم يُجيبها إلى صدى رسائلٍ لا تدري توقيتها بقدر ما تدري أنها تحملُ الكثير من قلب فيصل.
أنحنت لتُقبَل ظاهر كفَه بدمعٍ يسبقها للتقبيل، لو أنني أملك سحرًا يُشفيك غير الدُعاء، لو أنني فقط أستطيع إخراجك من كومة هذه الأجهزة و هذا الألم. أتشعرُ بمن حولك؟ أم فقدت الإدراك والشعور؟ لو يخرج صوتي بكلمة أتصل إلى مسامعك أم يردَها الصدى بخيبة؟
هيفاء بهمسٍ تُخفضه وتيرة البكاء : أثق فيك وبصدَق إني فاهمة كلامك اللي بالكُتب غلط، وأدري إنك مستحيل تكون كِذا، لأنك غير في كل شي، فيصل تحمَل! عشان خاطر نفسك اللي نبيها ومشتاقين لها، حتى ريف فاقدتك! . . يارب إنك تسمعني، يارب إنك تحس فينا، يارب إني أحبك ولا أبي أبكِيك أكثر من كِذا . . يارب يشفيك ويساعدنا إننا نصبر وننتظرك، . . لو تدري بس إنه إنتظارك كِذا يحرمنا من كل شي يتعلق بالحياة، لا أمك بخير ولا ريف بخير ولا أنا بخير! أحس أحيانًا إنك حياتنا في صدرِك، ومسألة تعبك تخنقنا والله قبل لا تخنقك . . . . . على فكرة مرضك ما يتعلق فيك بروحك وتعبك ما يخصَك بس! فيه ناس ساعاتها ما تمشي الا بعيُونِك و يومها واقف لو غبت عنها دقيقة وعلى فكرة فيه ناس ما تبكِيك، هيَ تمُوتِك.
توقَف يُوسف عندما همَ بالدخول ليناديها وهو يسمع جُملتها الأخيرة " فيه ناس ما تبكِيك، هيَ تمُوتِك "، نظر إليْها وهي تحتضن يدِه الباردة بين كفيَها المحترقتيْن بالبكاء، وصوتُها الذي كان يضحك كثيرًا أصبح يئن بوجعه وهذا ما لا أتخيلهُ يليق بهيفاء الناعمة الصاخبة بجنُونها.
هيفاء ببكاء عميق بحَ به صوتها وهي تضغطُ على كفَه : ريف تقول فيصل قالي لا أشتقت أطالع بعيون اللي أحبهم وأنا بقولك رجَع لنا عيونك خلنا نعرف نشتاق . . .
عاد يوسف بخُطاه للخلف، فتح أول أزارير ثوبه بعد أن أختنق من كلمات هيفاء التي تُصيب قلبه بوجعٍ ضيَق، اقترب من والده : بتمشي؟
عبدالله : إيه عندي شغل ضروري، خلَك مع أختك وإذا جاء منصور يجلس عند فيصل وأنت أرجع أرتاح
يوسف : طيب . . أقترب الدكتور قبل أن يذهب عبدالله : السلام عليكم
: وعليكم السلام
الدكتور : كنت جايَ أشوف فيصل وزين لقيتكم،
عبدالله : عساه خير يا دكتور
الدكتور : خير إن شاء الله، أنا اقترح يجون أهله ويزورونه بإنتظام، عشان يسترجع وعيْه لازم يحس بالناس اللي حوله، لأن نصف علاج المريض يعتمد على نفسيته، وفيصل محتاج يحس بأنه فيه أحد حوله، لأنه حسب الفحوصات اللي أنعملت له في هالصباح كل أعضاءه الداخلية تعمل بصورة طبيعية ولله الحمد وقدرنا نسترجع الدم اللي فقده، لكن فقدانه للوعي إلى اليوم يخلينا نستخدم العامل النفسي وهو مهم جدًا
عبدالله : ما تقصَر يا دكتور، يعني من بكرا نخلي أهله يزورونه؟
الدكتور : هذا الأنسب راح يُنقل لجناحه بكرا وممكن تزورونه لكن تفعلَون جانب الزيارة بأنكم تسولفون وتخلقون جو من الحياة في غرفته و إن ربي كتب هالشي بيسهَل علينا كثير
عبدالله : شكرًا لك وجزاك الله خير
الدكتور : واجبنا . . تركهم ليلتفت إلى يوسف : لازم أمه وأخته يزورونه بكرا
يوسف تنهَد : بكرا قبل لا أجي هنا أمرَهم وأجيبهم معي


،

وقفت بجمُود لترفع حاجبها بإستفهام : كيف يعني؟
نايف بلع ريقه : أعتذر، لكن حصل هالأمر وخلانا نأجل علمكم فيه لين بو سعود يجي وبنفسه يآخذكم
عبير تدافعت الغصَات عند لسانها : والحين؟ ماراح نروح لها؟
نايف : الوضع أصعب من إنا نطلع من الفندق، اتمنى تتفهمين هالشي، و أختك إن شاء الله ماراح يجيها شي والحراسة مشددَة عليها . . .
قاطعت كلماته وهي تسيرُ بإتجاه الغرفة و عيناها تغرق بالدمع، فتحت الباب وبمُجرد أن تقدَمت خطوة للامام، جلست على الكرسي وهي تُنحني رأسها وتبكِي بشدَةٍ تجعلُ من التخمين السيء حقيقة في عينِ غادة و ضيَ.
اقتربت منها ضي : وش قالك؟
عبير ببكاء ينحنِي للبحَة خاضِعًا : يكذبون! أمس يقولي رتيل مافيها شي والحين يقولي رتيل بالمستشفى!! وعليها حراسة! طيب وإحنا؟
ضيَ تجمدت عيناها ناحية عبير من لفظ " المستشفى " الذي يسترجع كل فكرة سيئة ويحشرُها في محاجرها حتى تنتفض برعشة البكاء، برجفة : حالتها سيئة؟
عبير بغضبٍ يرتجفُ بعينيْها الدامعتين : ما قالي شي، ما أستغرب يجي بعد شويَ ويقولي حكي ثاني! ياربي لا يصير فيها شي، يارب لا
ضي مسكت رأسها وهي تتجه ناحية النافذة، شعرت بالدوَار : وش صار بالضبط لها؟ لا يكون راحت لأبوك!! يارب ارحمنا من التفكير
غادة أخذت نفس عميق بعد أن نشفت دماءُها بالبُكاء، وضعت يدها تحت خدها لتغرق بخيالاتها المُوحشَة.
ـ ليلة الحادث ـ الساعة الثالثة فجرًا.
يقترب من عينيْها، يُشير إليها بالقلم : تسمعيني؟
إلتفت عليه الدكتور بحدَة وهو يلفظُ بالفرنسية : وجودك هنا لا نفع فيه، أرجوك غادر حالاً الغرفة.
الرجُل الأسمر الطويل أقترب منه بتهديد بالإنجليزية : سننقلها حالاً لمشفى ثانٍ ولا أريد إعتراض
نظرت إليهما بضباب رؤيتها التي لا ترتكز على شيءٍ واحد في الدقيقة الواحدة، سالت دمعةٍ أصطدمت بالكمام الذي يمدَها بالأكسجين.

مسحت وجهها بكفيَها، إتجهت ناحية الحمام لتُبلل ملامحها بمياهٍ باردة، نظرت إلى إنعكاس صورتها بالمرآة، إلى الشحُوب الذي يخطَ محاجرها.
لم أفقد الذاكرة في تلك الليلة! كيف فقدتها؟ أو رُبما أنا أتخيَل أحداثًا لم تحصل ولم أستيقظ ليلتها، ولكن أذكر تلك الملامح جيدًا، كان معي ورافقني لأيامٍ طويلة، ولكن كيف جئتُ لميونخ؟ كيف رحلت ببساطة دون أن أسأل؟ كيف أنخدعتُ بأمي؟ من أنا بين هذا الحشد؟ لستُ رؤى و لستُ غادة، لا أملك ماضِي رؤى و لا أملك حاضر غادة، أين مستقبلي بينهما؟ ضعت! أتُوه بين وجوهٍ أعرفها ولكن لا تستدلني على شيء، أشعرُ بشعورٍ يُشبه الوحدة ولكنِي لستُ وحيدة، هذا الشعور الذي يجعلني أشعرُ بأن روحي ليست معي! وهذا يؤلمني يالله ويُفقدني قوتي لمواصلة الحياة، أُريد أن أعرف كيف فقدت حياتي؟

على بُعدِ خطوات، أخذت عبير معطفها وخرجت دون أن تلفظ كلمة، إلتفتت ضيَ على وقع الباب وهو يُغلق، نزلت للأسفَل في وقتٍ كانت هُناك خطوات تهرول على الطريق المجاور.

قبل ساعتين، نظر إليه بدهشة : وشو؟
عبدالمجيد : إلى الآن ما نعرف وش صار! بيجينا العلم بعد شويَ
فارس أقترب منه بغضب : إلا تعرف! وش صار لها؟
عبدالمجيد : فارس . .
فارس بصراخ جنَ جنونه بعد أن واجه ضغطًا نفسيًا لا يُحتمل : الله يآخذ فارس . . الله يآخذه
عبدالمجيد بضيق أبتعد عنه وهو يُكمل بهدوء : والله ماني عارف وش صار، اللي وصلني إنه بنته بالمستشفى وأكيد أنه عليها حراسة، تطمَن
فارس : أنا رايح . . . شدَه عبدالمجيد من ذراعه : وين بتروح؟ فارس أنت الوحيد اللي بتوَقف أبوك
فارس بغضب يبتعد: آسف . . . تركه وهو يسير على الطريق أمام عينيه، عبدالمجيد بغضب ضرب السيارة بقبضة يدِه.
: الله يعيني عليك يا فارس!!

نايف : لو سمحتِ
عبير : ماراح أتحرَك لين توديني لرتيل
نايف برجاء دون أن ينظر إليها : الوضع متوتَر مقدر أطلَعك لأيَ مكان، عشان سلامتك لازم تجلسين هنا
عبير بغضب : هذي السلامة اللي وراها طاحت رتيل أنا ما أبيها
نايف بلع ريقه بعد أن جفَ بالرجاء : أنا مأمور مقدر أتصرف من كيفي، وأبو سعود لو عرف بكون في ورطة لأن . .
تٌقاطعه عبير برجاءٍ أكبر : تقدر تتصرف وتخليني أشوفها لو نص ساعة بس! وبعدها ماراح أقول لأبوي ولا لأحد
نايف مسح على رأسه وهو يشدَ على شعره حتى كاد يُقطعه بأصابعه الحادة : آسف والله ما أقدر
عبير عضَت شفتها السفلية بغضب لا تقدر على حبسه بداخلها، نظرت إلى الباب الزُجاجي الذي يكشف الشارع المقابل للفندق، أتى صوتُه الضيَق : لو سمحتِ أرجعي للغرفة
عبير بخُطى غاضبة إتجهت إلى المصاعد، وقفت تنتظر المصعد حتى شعرت بجسدٍ يُلاصقها من الخلف ويدِه تلفَ معصمها، بلعت ريقها بصعُوبة دون أن تلفظ حرف واحد وهي تقشعرَ من الخوف، أول دعوةٍ أرادت أن تُستجاب، أن يراها نايف ويُساعدها دون أن تناديه وتلفت الأنظار.
أتى صوتُه حارِقًا لكل صوتٍ يضجَ بداخلها ولكل دعوَة أبتهَل بها قلبها : تعالي . . . . سحبها نحو الممر الخاص بالعاملين في الفندق، إلتفتت لتراه ويهبطَ الخوف من عينيْها، تنهدَت براحة وهي تُشتت نظراتها.
فارس بعد أن أصبح يُقابلها ويفصلهما بعض السنتيمترات، بسؤالٍ يُدرك إجابته ولكن أراد أن يسمع صوتها : كيفك؟
نظرت إلى عينيْه المُبعثرة لكل إتزانٍ تطمحُ إليه.
كيف تكون الإجابة على سؤالٍ يُخلخل قلبي بملوحةِ الدمع؟ لمْ تموت الأسئلة بداخلنا ولكن أضعفتنا الأجوبَة التي لا نلقى لها نبرة تُحييها، مرَ وقتٌ ليس بالطويل عليك! ولكن أشعرُ بأن عُمرًا مضى وأنني كبرتُ فجأة! فوضوية هذا الحُزن تجعلني أشعرُ بأن أيامي معدودة وأن عُمري أنتهى، هل نحنُ نموت يا فارس؟ لا شيء يُصادق على أيامنا، وكل ساعة تمرَنا تشطرُنا، لا الفرحُ يجيء بنا ولا الحياة ترتكبُنا، إن الموت وحدُه هو من يُصادفنا! وهذا الموت تخضعُ له روحي ويأبى جسدِي، هل نحنُ نموت؟ أم أن الحُب كان أقسى من أن نواجهه.
سقطت دمعَة و مضت معها الإجابة، أقترب فارس ليسحبها إليْه رُغمًا عنها، عانقها وشدَ على جسدها بعناقه.
أعرفُ الإجابة جيدًا، ولكن أشتقت لنبرة صوتِك المُكابرة وهي تحبس الوجَع في أوتارها.
رُغمًا عني يا عبير، أنا مهما صابتني الردَةُ عن عينيْك خضعتُ إليكِ مرةً أخرى بخشوعٍ تام، رُغمًا عني تتجددين في داخلِي كُلما حاولت أن أجفف جذُوركِ وأخنقها، رُغمًا عني، أقُول سأترك الحُب وأعود إليكِ، رُغمًا عني! أًصافح طريقًا لا تعرفينه وأظنُ أنني سأنساك به ولكنني أزرعُكِ به حتى تشبَعت أرضِي بظلالِك، يا إنشراح عُمري، ردَ الله عليَ هدايته.
تجمدَت يديْها الذابلتين دون أن ترفعها وتُبادله العناق، أغمضت عينيْها على كتفه لتُبلله معطفه بدمعها، رفعت يدِها بعد ثوانٍ طويلة لتُعانقه بشدَة وهي تقف على أطراف أصابعه وتصِل إلى مستوى طُوله.
أحتاجُك! هذه الكلمة هي حالي في هذه اللحظة يا فارس، لستُ بخير أبدًا! و صدرُك ـ بكاء ـ يستفزُ عيني حتى تبكِيك، من يدلَني لطريقٍ لا يستذكرُك به قلبي؟ من يُعرَفني على سماءٍ لا ترفعُ رأسك إليها؟ من ذا الذي يُقاومك؟ و كل رجفةٍ أبقت أثرها على قلبي أصلُها عيناك، من ذا الذي يقدر على مُقاومة الحشد الذي تجيء به في كل مرَة، لا تأتِ لوحدك، يسيرُ من خلفك حُبٍ يتمكَن من جسدِي ويَضعفه، أنا أحتاجُك! وأشعرُ بأن قيمتي تهتَز كلما باعدت بإهتمامك عنَي، قيمتي التي أعرفها ويستنطقها قلبِك، هذه الرعشة التي تغمس جسدِي بك، أتقصدُ بها عناق؟ إن ظننتها عناق فأنَي أظنها ـ رعشة أحبك ـ التي ينطقها جسدِي بصورةٍ تبعثرها خلايا الحسَ المنتشرة فيَ.
فارس أبعدها قليلاً ليُلاصق جبينه جبينها، أدخل يديَه من تحت حجابها وهو يُخلخل شَعرها الناعم بهمسٍ : أحاول أمثَل قُدرتي بأني أتجاوزك، لكن كل مرَة يتوَحد فيني قلبي لمَا يستذكرك، بغى يوقف قلبي لمَا قالوا لي إنك بالمستشفى لين رحت وتأكدت بنفسي
أغمضت عيناها بحشرجة الغصَات المحمَرة في محاجرها، تسقطُ الدمعة تلو الدمعة و يتبعها الضياع برجفة رمشها.
فارس قبَل جفنها : ما عاش حزنٍ في عينك، ما عاش و يا عساه ما ينخلق.
أخفضت رأسها وهي تعضَ على شفتِها السفلية حتى لا يخرج أنينها، ورُغما عن محاولاتها البائسة بكَت بصوتٍ مسموع، بحركةٍ من تدبير قلبها الذي يُقمع عقلها في هذه اللحظة، لامس رأسها وسط صدره وهي تنهار ببكاءها أكثر وأكثر، وضعت كفيَها على معطفه، شدَت عليه وكأنها تُريد أن تغطي نفسها بمعطفِه وتنسَى أنه ـ فارس ـ الذي تحدَث مع مئة فتاةٍ قبلها والذي سكَر على أصواتهن، تُريد أن تنسى أنه إبن رائد و أن الذي أمامها هو ـ فارس الذي تُحبه وفقط ـ.
فارس بضيق طبع قُبلته على رأسها، لم تكن قُبلة بسيطة، هذه القُبلة كانت حديث قصير مضمونه " أنا معك ".
يارب! لا أُريد أن أنهار أكثر، ساعدني حتى أتحمَل قسوةُ هذا الحُزن و هيبة كلماته التي تقتلني ببطء، هذه المرَة لا أُريد قوَة مُفرطة، أُريد فقط ضعفًا يقتل أحاسيس الخوف/البُكاء في داخلي، أُريد قلبه يالله الذي يجيئني مُخضرًا والأرضُ خرَاب، قلبه الذي يُدثرني و الدُنيَا عُراة، هو الذي كان يخترعُ من أجلي ـ شيئًا ـ من العدم، وأنا التي كُنت أرى ـ العدم ـ كلما تضاءلت فرصة عيناه في لقاءي.
فارس : عبير . . أبعدها ليرفع رأسها إليه وينظر لعينيْها الغارقة، نزلت أصابعه ليمسح بكفَه بُكاءها.
عبير بنبرةٍ تتحشرج بإختناقها : شفت رتيل؟
فارس : سألت في البداية عن حالتها وقالوا لي إنه حالها تمام وبعدها لمَا حاولت أستأذن عشان أدخل عرفت إنها رتيل
عبير بضيق تمتمت : يارب بس
فارس : تطمَني! لو صاير شي كانوا قالوا لي
عبير : أبي أشوفها! تقدر توديني لها؟
فارس : الطابق اللي هي فيه موزعين عليه رجال أمن كثير
عبير ببكاء تتوسَله : بموت يا فارس لو صار فيها شي
فارس بحدَة طوَق وجهها بكفيَه، أراد أن يُخمد إنهيارها: مو صاير لها شي، لا تفاولين على نفسك وعليها
عبير : بس بشوفها شويَ، لا شفت أبوي ولا عرفت شي عنه ولا شفتها، تكفى حط نفسك بمكاني! بختنق والله من كل هذا
فارس : أبُوك مافيه الا كل خير ومعه سلطان الحين و عبدالعزيز بعد وناصر وكلهم بخير
عبير بلهفة : شفتهم؟
فارس : ما شفتهم بس واصلتني أخبارهم
عبير : أبوي بخير؟
فارس : إيه والله العظيم مافيه شي، أهدِي! . . . لا تبكين
عبير أبتعدت بُضع خطوات عنه وهي تمسح دمعُها بأطرافِ أصابعها، فارس بأنفاس متهيَجة مضطربة : أنا نفسي مو عارف وش راح يصير بكرا ولا اليوم حتى! بس عارف شي واحد، إني مقدر أترك أبوي ولا أبوك يقدر يبعدِك عنه عقب اللي صار، والله ما عُمري خضعت لأحد ولا عُمري حاولت أترجَى أحد لكن مستعد أسوَي أيَ شي عشانِك، عبير! أختار إني أموت معاك ولا أموت وأنا أشوفك لغيري، مقدر والله مقدر أتقبَل فكرة إنك مو ليْ،
تحشرج صوتِه بشفافية الكلمات وحُزنها، أكمَل : كل شي ضدَي! ويوم توقعت إني راح أقدر أهرب منك زدت بجنوني، فيني رغبة بتملكِك رهيبة وأدري إنك ماراح ترضين! لأنك ببساطة أقوى مني، وقادرة بسهولة توقفين مع الكل ضدَي، وقادرة تبعدين قلبك عن الإختيار لكن أنا مقدر! لأني ما جرَبت الحُب قبلك ويوم جاني ما جرَبته! أنا مرضت فيه . . .
عبير أخفضت رأسها ويديْها تتشابك فيما بينها، وكل دمعةٍ تسقطُ منها كانت تحطَ على كفَها، لستُ أقوى يا فارس أن أسمع منك هذه الكلمات ولستُ قادرة على الوقوف ضدَك، وكل ما كنت أقوله سابقًا حاولت أن أُخضعه لسيطرتي ولكن فشلت! فشلت والملاذُ، الحياة والدارِ عيناك و ما بعدُها موْت و ما قبلها ظِلٌ أنتظر ميلاد جسده.
فارس أنتظر كلمة أخيرة، أراد أن يسمع منها لو " أنا معك "، ياللخيبة! لا تفعلي بي كل هذا بدفعةٍ واحدة وأنا رجُلٍ لا أقدر على هذا الوجَع.
أخذ نفس عميق ليُردف بوداعٍ يُبعده عدَة خطواتٍ للخلف : ما كنت راح ألقى عقاب في حياتي أقسى من صمتك! ندمت على ذنوبي اللي قبلك وإلى الآن ندمان، وأظن الحدَ في الدنيَا على عيُونِك كان حزني عليها وياليتها تكفَر أفكارك السيئة عني.
عبير رفعت عينيْها للأعلى حتى تُخمد نارُ الملح المندفعة في محاجرها، ببحَة : أرجُوك لا تكمَل
فارس بغضبٍ ينفجرُ بوجهها وعروق رقبته تتضحَ مع كل شدَة تعلو كلماتِه : هي مرَة بالعُمر! وعُمرك مرَة، ليه تبخلين على نفسك وتذبحيني؟!!!! أقولك تعبان، أحس روحي بتطلع لمَا أفكر بحياتك بعدِي! أنا ما يهمني تكونين مبسوطة مع غيري أو لا، ماراح أقولك دام أحبك أتمنى لك السعادة مع غيري! أنا ماني مثالي لهدرجة ولا أتقبَل هالشي بسهولة
بصوتٍ ـ أنهَد حيله ـ أكمل وهو ينظرُ لعينيْها : أنا السيء في كل شيء لكن أنا اللي أحبك فوق كل شيء! . . بتحنَين؟ لكن ماراح تلقيني و بحَن لكن بلقاك! بلقاك في مُوتي اللي ما تنازلتي عشاني للحظة وقلتِي أبيك يا فارس، محتاجتك يا فارس، أحبك يا فارس اللي ما سمعتها منك!! ما تنازلتي يا عبير! انا اللي أتنازل في كل مرَة وأنا اللي أخضع لصمتك وبرُودِك اللي تحرقيني فيه! والحين أقولك ما أدري وش بيصير اليوم أو بكرَا وما تنازلتي عشان كِلمة! علميني هالقساوة كلها من وين جايبتها؟ أبوك وهو أبوك ما قسى مثل قسوْتِك!!
عبير أعطتهُ ظهرها وهي تُغطي ملامحها الباكية والمُنهارة بشدَة، كررت بصوتٍ مبحوح يكاد لا يُسمع : يارب أرجوك، يارب . . أرجُوك . . . ساعدني، يارب ساعدني
فارس بحدَة كلماته المجروحة بصوتِه : فمان الله . . مثل ما تبين
عبير ببكاء تمتمت وهي تضع يدها على قلبها الذي يرتجف بحدَة، يارب أجعلني أنطقها قبل أن يذهب، يارب أجعلني أنطقها، يارب ساعدني.
فارس وقف لثوانٍ طويلة على أمل أن تلتفت ولكن لم تفعلها، أبتعد أكثر مقتربًا من الباب إلى أن أتى صوتها المبحوح الضيَق بكلماته : آسفة
فارس تجمدَت خُطاه دون أن يلتفت عليها، ويدِه على مقبض الباب.
عبير بضياعٍ تام : ما أعرف أشرح شعوري بالضبط! ولا أقدر أتصرف بناءً على هالشعور، إذا كان فيه أحد سيء في علاقتنا فهو أنا، ولا أنا جرَبت الحُب عشان أعرف كيف المفروض أتصرف فيه! ولو غيرك كان خسرته من زمَان لأني مقدرت أبادله هالشعور صح، بس أنت معايَ، أحس بحياتي لمَا أعرف إنه فيه شخص ينتظرني ويحبني، وباليومين اللي فاتوا فقدت هالشعور! قيمتي وحياتي كلها مرتبطة فيك، و قلبي معاك و ربَ اللي خلق فيني هالرُوح، إن الروح لِك تِشتاق! وماني قاسية لكن ماتعوَدت أشرح اللي في داخلي، ما تعوَدت أقول لأحد إني ماني بخير، ولو تدري أصلاً إنه خيري في عيُونك.
فارس إلتفت بكامل جسدِه، ليُقابلها على بُعدِ مسافةٍ طويلة، نظرت إليه بقشعريرة جسدِها وأنفاسها المتصاعدة المضطربة، أكملت ببكاءٍ تُجزم عيناه أنه لن يرى أحدًا يبكِي بهذه الصورة الواضحة القاسية رُغم رقَة دمعها، لن يرى أحدًا يبكِي كعينيْها التي تُبكي قلبه مع كل دمعة تجري مجرى الأكسجين في الدمَ : ما تعوَدت والله يا فارس! قريت الشِعر كثير وتعلمت اكتب اللي في داخلِي لكن ما عُمري تجرأت أقوله وأنطقه، ما عُمري حاولت أني أقول الكلام بإسترسال مثل ما أكتبه، لأني فاشلة بأني أتكلم عن قلبي، وهالشي هو اللي يخلي الناس تظن فيني إني باردة وما أحسَ! لكن والله أنَي ما كابرت على حُبك بإرادتِي، أنا اللي ما أعرف كيف أحبَ!
أقترب منها فارس دون أن يلفظ كلمةٍ واحدة ومع كل خطوةٍ يتقدم إليها كانت تُشتت نظراتها بعيدًا عنه، إلى أن لامس حذاءه حذاءِها، رفعت عينها بنظرةٍ تشرحُ هذا الحُب الذي لا تعرفه.
أرتفع صدرُها بشهيقٍ مُوجع بعد أن شرحت بتعبٍ وصعوبة مالذي في داخلِها له، وضع يدِه بجانبِ رقبتها وأكسجينه أصبح " زفيرُ عبير " في هذه اللحظة، ويدِه الأخرى صعدت ناحية خدَها، قرَبها أكثر حتى لامس أنفُه أنفها، أغمضت عينيْها بخضوعٍ تام بعد ان أغمض عينيْه.
نحنُ لا نقوى على رؤيـة الحياة بعينٍ مفتوحة، ولكن نشعرُ بها بـ / قُبلة. لم أكُن ممن يمنحَ قلبهُ ويُقدَمه لأحدٍ كان من كان، ولكنكِ اخذتِي قلبي عمدًا و أبقيتِي مسكنهُ في صدرِك، ولو ضللتِني يومًا و أضعتني، لأخترتُ السُكنى مرةً اخرى من شفاهِك، يا غِنى الحياة و رفاهيتِها المُتمثَلة بِك، يا تسبيح الله ليلاً ونهارًا عليكِ، يا " أُحبك " الأولى والأخيرة، ويا مَجد الحُب إن إلتفتت لهُ عيناكِ بدمعة.
أبعدَت ملامحها عنه دون أن تُبعد جسدها، لامس خدَه خدَها حتى لا تقع عيناها بعينيْه. كان صوتُ أنفاسها المضطربة بخجلها تصِل إليْه.
فارس لم يكن هادئ الأعصاب أيضًا، أضطرب بقُبلتها وكأنها قضمت على قلبه بشفتيْها.
عبير بلعت ريقها بصعُوبة لتبتعد خطوتيْن للخلف وهي تضع يدها على رقبتها التي تحترَق بحُمرة خجلها وربكتها، أخفضت رأسها ولم تتجرأ ولا لثانية أن تنظر إليْه.
يالله! على رجُلٍ ينفضُ القوانِين ويستبدلُها به، على رجلٍ يتشكَلُ بصخب رجالٍ كُثر، هذا الرجُل يالله ليس عاديًا، ولا أعرفُ كيف أُرتب الكلمات كصفَةٍ تنتمي إليه، كل الصفاتِ تسقطُ بحضرته وكل الأسماء لا تليقُ بتلقيبه، هذا الرجُل كيف لا أُحبه إن سألني عن هواه؟ كيف لا أحُبه و في عينيْه أسألُ نفسي أهذا حُبٌ أم سحر يجذبني؟
فارس قلَص المسافة التي أرتكبتها ليقترب مرةً اخرى ولكن هذه المرَة يديْه لم تقترب إليْها : مضطر أروح لكن بنتظرك دايم
حاولت أن ترفع عيناها ولكن في كل مرةٍ تتسلقُ بنظراتها ملامحه تقف عند شفتيْه ولا تقدر على تجاوزها والنظرُ إلى عينيْه مرةً اخرى، لم تكن قُبلةً عاديَة، هذه القُبلة أستحلَت كلماتي.
فارس بلل شفتيْه بلسانِه : حتى لو بعد سنين، بكون جمبك وبنتظرك . . . . بلهفَة عشقه كان باطن كفَه اليُمنى يُلامس ظاهر كفَها اليسرى دُون أن يخلخل أصابعه بها، رجفة أصابعها كانت تمتَد إليْه وحُمرة كفَه كانت أصابعه تلسعُها.
إبتسمت بلمعة العشق الذي يُضيء عينيْها وهي تنظرُ لكفَه كيف تخترقُ اعماقها.
فارس : بحفظ الرحمن
عبير سحبت شفتِها العليا بلسانها حتى تُقاوم ربكتها، رفعت عينها كنظرةٍ خجلى وأخيرة، نظرت إليْه بحوارٍ يُقيمه بسلطةٍ على قلبها المحمَر به.
فارس إبتسم على خجلها الذي يُلاحظِه بدقَةٍ أول مرَة، والحُمرة التي تتشرَب ملامحها ألا تعلم بأنها تسلب عقله؟ كان يليقُ بها في هذه الثانية أن يقول لها كما قال ـ محمد أبو هديب ـ " سبحان من بث الحياة في وجهها، وردٌ و زاد من الحياء تورَدًا "
فارس بعفويَة زادت غليان الدماء في ملامحها : يخي أنتِ جميلة والله
ضحكت وهي تُشتت نظراته بعيدًا عنها، ضحكت كضحكةٍ قصيرة مضت مُدةٍ طويلة لم تتغنَجُ بها، بصوتٍ خافت : خلاص . .
فارس يتلذذ بخجلها المصنَف كخجلٍ عربيٌ أسمَر لا يقدرُ أصحاب البشرة الشقراء على التلوَنِ به، هذا الخجل ملكٌ لنساءٍ الشرق عبر التاريخ بأكمله وبلا تعصَب : وش اللي خلاص؟ مني مالي خلاص أبد!!
عبير بربكَة كانت تنظرُ لأصابعها وهي تقتربُ لحظةٍ لأصابعه ولحظةٍ أخرى تبتعد وبنبرةٍ لا تسير بوتيرة واحِدة/ ولا تتزن : ما أحب أنحرج كِذا، لمَا قلت لي مرَة إنه عيوني أرق، طيب أنت الحين عيونِك مُصيبة تحرجني فيها.
فارس : أنتظرت كثير عشان أسمع منك هالكلام، أنتظرت 18 شهر، من أول مرَة شفتِك فيها
عبير وعيناها تتجمَد على صدرِه بعد أن أرهقها الصعود لعينيْه ـ الولعانة ـ : 18 شهر؟! وأنا أحس إنك تعرفني من سنين.
فارس أقترب حتى يُقبل جبينها، أطال بقُبلته حتى لفظ : يحفظك ربِي و يخليك
عبير بلعت ريقها مرارًا بصعوبة حتى تنطُق : ويحفظك
فارس شعر بأن العالم بأكمله يخضعُ له بمُجرد أن تسللت دعوةٌ قصيرة من بين شفاهِها، أبتعد للخلف حتى يخرُج وعيناه مازالت تحفَها، إلى أن اختفى تمامًا بنظرةٍ أخيرة من أمامها.
عبير وضعت أطرافِ أصابعها على شفتيْها وهي تأخذ نفسٌ عميق، لم تتوقع ولا للحظة أن ـ قُبلةً ـ منه تُجدد الأمل في قلبها على عائلتها وعليْه، لفَت حجابها جيدًا أن بعثره بقُربه، أغلقت أزارير معطفها رُغم أنه لا حاجة لإغلاقه ولكن شعرت وكأن قلبها يقفزُ من مكانه، بمُجرد أن خرجت وجدت المصعد أمامها فُتح لخروجِ أحدهم، ركبته بخطواتٍ سريعة قبل أن يراها نايف ويفتحُ معها تحقيقٌ مطوَل.
إبتسمت بعدم إستيعاب : وش قاعد تقول ذي؟
سارة بدهشة : أنتِ اتصلتي؟
أثير : لا، أصلاً شفت الظرف على الطاولة وأخذتها وبعدها رحت لبيتنا وما كلمت أحد، والظرف ما كان مفتوح! انا أول من فتحته
سَارة عقدت حاجبيْها : يمكن غلط منهم!!
الدكتورة بإنجليزية : نحنُ أرسلناه وسألتني عن رموز التحليل وأخبرناكِ به والتحليل كانت كل معلوماته طبيعية وانا متأكدة من هذا يا عزيزتي
سَارة إلتفتت لأثير : تتوقعين رتيل؟
أثير أخذت نفس عميق : كيف تقدر تغيَره والورقة مطبوعة طباعة ماهو بخط اليد عشان تقدر تغيَره!!
سارة : أنتِ وش عرَفك! هذي حيَة تقدر تغيَر بلد مو تغيَر تحليل!! روحي لعبدلعزيز وأفضحيها ولو عنده دمَ بيطلقها قدامك
أثير وقفت بغضب : أنا أورَيها، دام بنت اللي كلمتهم مافيه غيرها! هي اللي تبي تقهرني وتذبحني، الله يآخذها الله يآخذها ولا يبقَي فيها عظم سالم! . . أخذت شنطتها لتخرج بخُطى غاضبة.
سارة إبتسمت للدكتورة : شكرًا . . ولحقت أثير . . أثييير
أثير أجهشت عينيْها بالبكاء لتصرخ بوجهها : حقيرة! خلتني أشك في نفسي وصحتي عشان أيش؟ عشان عبدالعزيز يفضَلني عليها! مجنونة مهي صاحية . . بس والله لا أوريها، والله لا أذبحها بإيدي حتى لو كلفني هالشي خسارة عبدالعزيز، أنا أوريها
سارة : اهدي وتعوَذي من الشيطان، هي اللي بتكسب لو خسرتي عبدالعزيز، عيَني من الله خير وخليها تنفضح بهدوء قدامه وساعتها هو اللي بيقرر وعلى قراره أنتِ تصرفي بس لا تتصرفين بتصرف يخلَي الحق معها وهي ما تستاهل!!
أثير مسحت دموعها بكفيَها : ومسوية نفسها بريئة قدَام عبدالعزيز، والله عرفت من قامت تهددَني وتخوَفني بتهديداتها أنه وراها شي! وهذا هو صدقت توقعاتي! هالبنت مجنونة تسوَي أيَ شي بدون لا تهتم لأحد حتى لعبدالعزيز بس أنا رايحة لعبدالعزيز وربَك لا أطلع فيها عيوب الكون كلها وبتشوف
سارة بعد صمتٍ لثوانِ نطقت : مثل ما تبلَت عليك بالمرض، تبلَي عليها ومن له حيلةً فليحتال!
أثير تنهدَت : ماراح أندم على أيَ شي بسويه في حقَها، راح أوريها كيف تتبلى عليَ، وراح أورَي عز بنفسي، راح أخليه يختارني قدام عيونها وبتشوف

،

أتى سليمان مُقيَد اليديْن ليقف بينهما على بُعدِ مسافةٍ طويلة، اولُ من نظر إليها وألهبهُ بنظراتِه كان ـ سلطان ـ ، ومن ثُم تبعتها ضحكةً مُستفزة من رائد الذي لفظ بسخرية : طبعًا سليمان حبيبي بظرف يوم واحد وبجلسة وحدة قالي كل اللي يعرفه عنكم وعنَي حتى تتصوَرون! وقالي وش صار بعد الحادث ووش ما صار وكذبتوا فيه، قولهم سليمان وش قلت لي، أنا قلت لهم بعض المعلومات اللي أخذتها منك لكن لا ضرر من الإعادة فالإعادة إفادة . .
سلطان بسخرية : متوقَع إننا ننصدم إنه هالكلب علَمك؟ مفروض اللي ينصدم هو أنتْ! شخص بغمضة عين نقدر نمسكه ونعدمه قدام عيونك قدر يخدعنا لأكثر من سنَة، وأنت ياللي صار لك سنين تحاول وتحاول مقدرت تخدعنا بشي! ولمَا خدعتنا طلع ملعوب عليك!! لا تفتخر كثير فيه! هو لو عنده ذرة رجولة وشجاعة طلع قدامنا وما خاف من إسمه لكن يدري إنه ماعنده القوة إنه يواجهنا!
سليمان بإستفزاز رُغم الضرب الذي تعرَض له : لكن عندي القوة إني ألفَ عليكم كلكم وأضرب روسكم ببعض
سلطان بغضب لم يستحمَل أن يسمع صوته، أقترب منه ليدفعه ناحية الجدار دون أن يتدخل أحد، جلس رائد يتأمل بإبتسامة ما يفعله سلطان بسليمان، وضَع سلطان بباطن كفَه مفتاحٍ صغير ليلكمه بقوَة ويجرحه بذاتِ القوة من حدَة طرف المفتاح، أعاد لكمتِه مرةً اخرى على خدَه وهو لا يقدر على الدفاع عن نفسه.
سلطان شدَه من ياقتِه المبهذلة : حاول قد ما تقدر ما تحط لسانِك على لساني! عشان ما أقطعه لك
رائد ينظرُ للدماء الذي بدأت تغزو ملامح سليمان من ضربِ سلطان له : ما تتعطَل يا بو بدر!
إلتفت عليه سلطان بتقرَف : اللهم عافِنا مما أبتلاكم
رائد بهدُوء أستفزَ عبدالعزيز : عندِك خبر بعد أنه أختك ما فقدت الذاكرة عقب الحادث مباشرة؟ . . ـ بضحكة أردف ـ بعرف وش اللي صار بعد الحادث؟ لا أبوك مات بعد الحادث ولا أختك فقدت الذاكرة بعد الحادث! وش هالناس الوصخة اللي حتى شوفة اهلك حرمتك منها!
عبدالعزيز نظر إليه بجمُود دون أن يرد عليه بكلمة، أكمل رائد : أريَحك كِذا ببساطة اللي مات بعد الحادث أمك وأختك الصغيرة عدا ذلك هذا من المسرحية اللي كانت من إخراج اللي جمبك، أنا ما أقول من تأليفهم لأن المساكين حلفُوا وقالوا إحنا ماندري، لكن ما يقدرون يحلفون إنه جاهم الخبر من قبل فترة طويلة.
سلطان بسخرية يستهزأ به : وأنت كنت المنتج! تدفع فلوسك ولا تدري على أيش أنصرفت، دفعت رجالِك على الحادث وتحسب أنه حادث عدَى وأنتهى وبعدها تكتشف إنه رجالِك ما تصرفوا حسب علمك، تصرفوا حسب الكلب اللي قدامك! والكلب تصوَر إنه كومبارس! لكن قدر يلعب على مُنتج كبير! . . بحدَة أردف . . يا خسارة هالشارب عليك بس!!
رائد ببرود لا يخضع لإستفزازه : نقلُوها لمستشفى ثاني وهي في حالة حرجة، ولمَا تعرضت لمُضاعفات بنقلها دخلت غيبوبة شهر كامل يالله صحت من بعدها، ولمَا صحت صارت المسرحية الحلوة اللي كانت بإشراف مقرن، جابوا لها وحدة الله أعلم من تكون وقالوا لها أسمعي يا . . . رؤى! هذي أمك وإحنا راجعين لميونخ عند أهلك . . مين أهلي؟ أهل أبوك ما يبونِك لكن أهل أمك يبونِك، وهناك عاد جاهم ولد عبدالله القايد وتصرَف مثل ما يشتهي عشان يلعب بأختك بعد مثل ما يبي! كلَم صديقه اللي كان دكتورها النفسي، وش كان إسمه؟ . . . إسمه وليد! أووه قبل لا نكمَل القصة الممتعة لازم نذكر إنه وليد كان يعتبر زوج حرم سلطان المحترم! قالت لك زوجتك عنه ولا ؟ ترى يقولون كانت فيه قصة ممتعة أكثر بينهم! عاد الله أعلم وش نوع المتعة في القصة
نظر سلطان بنظراتٍ مصوَبة بحدة ناحية عينيَ رائد، وقلبُه يحترق ببركانٍ ينتشرُ كوباءٍ في كامل جسدِه، مررَ لسانِه على أسنانه العليَا وهو يحاول أن لا يتصرف بغضب ويندم بوجودِ ـ عبدالعزيز و ناصر و عبدالرحمن ـ.
رائد الذي أكمل فضائحه على حدَ تصنيفه : عاد هذا وليد كان متشفق على لسان عربي! ولمَا جته رؤى أو عفوًا غادة! قال جتَ اللي أبيها، هو ما كان يعالجها هو كان يطلَع جنونه النفسي عليها! عاد تعرفون تصرفات بعض الأطباء النفسيين والعياذ بالله . . أحيانًا الدكتور نفسه يحتاج دكتور يعالجه، الله أعلم بعد وش كان يمارس بعيادته مع أختك! وطبعًا كل هذا يا عبدالعزيز يا حبيبي كانوا يدرون فيه الإثنين اللي واقفين جمبك وأزيدك من الشعر بيت اللي كان يوصَلها للعيادة هو سعد نفسه اللي يشتغل عند أبوك قبل واللي يشتغل حاليًا عند سلطان و عبدالرحمن، اكمَل ولا تكملون عنَي؟
بسخرية أخذ كوب الماء ليشرب منه ويرفع عينه إليهم : لا هذي القصة لازم ناصر يسمعها بعد! وش رايكم يسمعها معنا؟ ويشوف زوجته كيف كانت؟ . . . . وجَه عينه للرجل الواقف أمام الباب . . جيب ناصر بسرعة . . . خلنا نخلَي ناصر يسمع بعد
عبدالعزيز ثارت غيرته على أخته وهو يحاول أن يكتم هذا البركان وهذه المآساة في قلبه، شدَ على شفتيْه بأسنانه حتى نزفت بتقطيعه لها، تذوَق طعم دماءه وهو يُريد أن يخمد هذا الغضب، مسك الكوب الزجاجي الفارغ، حاول أن يُفرغ غضبه وهو يُمسكِه حتى أنكسر بيدِه وتجرَحت كفَه بالدماء، إلتفتت الأنظار إليه، عبدالرحمن لم يكن قادرًا على الشرح أو حتى على قولٍ يُخفف وطأة هذه المآسآة على قلبه.
هل يشعرُ أحد بطعم الذلَ في دماءي؟ هل تثُور ثائِرته كالبركان مثلي؟ أم أنه أمرًا عاديًا قبلوا به في البدايَة فمن الطبيعي أن يقبلوه الآن؟ أيَ الرجال أمامي؟ أيَ عقلٍ يقبلُ بهذا؟ " يُبه " تعال! أنظر إلى من جعلتهُم أصدقاءِك كيف يتصرفون ويعبثون بأسمك معي! تعال أنظر إلى قلبِ إبنك الذي يُتأتئ الفرح ولا يجيئه، تعال! أشرح لهم أن إبنك لا قُدرة له على مواجهة الحياة دُونك! قُل لهم يا أبي! قُل لهم أَنَ عزيز إبني حُزنه قاسٍ لا يرحم صدرِه فكيف يرحمُ من حوله؟ قُل لهم إبني يبكِي دماءُه إذا جُرحت عيناه بمن يُحبهم، قُل لهم لا تجوز على الميَت سوى الرحمة، وأنا متَ من حدَة ما أسمع.
رمى بقايا الزُجاج من يدِه ليلفظ بحشرجة الغضب إلى عبدالرحمن : ندمان على اللحظة اللي قلت لك فيها يُبه! ندمان على اللحظة اللي صدَقتكم فيها! ندمان على اللحظة اللي متَ فيها وأنا أتوقع إني أعيش! ندمان على كل وقت ضيَعته معاكم! ندمان حتى على كل فكرة كنت أوصلها وأقول مستحيل! ما يضرَني شخص كان أبوي يصبَح عليه بعيونه! ما يضرَني شخص أجتمع مع أبوي تحت سقف واحد! لكن ضرَيتوني! ما حطيتوا لأبوي أيَ إعتبار، ولا حطيتوا لبنته أيَ قيمة، صح مين غادة؟ أبد مو لازم نهتم فيها، مو لازم نعلَم إنها عايشة، لأنها ماهي من لحمكم ودمَكم! عادي جدًا مين هيَ أصلا؟ أخت عبدالعزيز؟ ومين عبدالعزيز؟ زوجة ناصر؟ ومين ناصر أصلاً ؟
دخل ناصِر على كلماتِه ليقف وعينِه عليه.
أكمل : ضقت منكم أكثر من مرَة وكل مرَة أستحي أدعي عليكم، أستحي وأقول ربع أبوك وناسه كيف تدعي عليهم يا عبدالعزيز؟ لكن هالمرَة لأن أبوي كان يقول عنكم ينشَد فيهم الظهر بقول الله يكسر ظهرٍ تخدعون فيه الناس، والله لا يسهَل لكم طريق! . . نظر إليهم بحدَة صاخبة . . الله لا يبــــارك لكم في أيامكم الجايَة وعساكم تذوقون نص اللي ذقته في أهلكم وبناتكم . .
عبدالرحمن تصلَبت أقدامه من دُعاءه الغاضب، نظر إليْه : ماهو أنت اللي بتصدَق كل كلمة تنقال وأنت تدري مين يقولها! كيف تثق بحكيْه؟
رائد بنبرةٍ مستهزأة يُمثُل العطف بصوته : تؤ تؤ تؤ . . عيب يا بوسعود تكذَبني وقدامك سليمان بنفسه شرح لي كل شي وهو اللي أستعمل فيصل عشان يضغط على مقرن! ما يصير!!
سلطان وضع أصبعيْه في عينِه ليضغط عليهما بشدَة حتى يُعيد إليه التركيز.
أردف رائد : حيَ ناصر، طافتك القصة اللي تهمَك بس هذا ما يمنع إننا نعيدها لِك . . . كنا نسولف على زوجتك وحبيبتك، نرجع نشرحها ولا تشرح له يا بو بدر؟
سلطان تنهَد وهو ينظرُ للسلاح الذي يتوسَط مكتب رائد ويجلسُ هو خلفه.
رائد بضحكة : ويعجزُ سلطان بن بدر عن التعليق، ولا يهمَك يا أبوي أنا أشرح لك، غادة أو نقول رؤى تماشيًا مع الفيلم اللي صار من إخراج الجماعة اللي جمبك، ما فقدت ذاكرتها بعد الحادث، لكن لمَا نقولها للمستشفى الثاني عشان يخفونها وطبعًا لأني ما أحب أكذب بقول إنه ماكانوا يدرون لكن مقرن كان يدري وعاد الله أعلم إذا مقرن قالهم وهم ينكرون أو صدق ما قالهم، المهم إنه لمَا نقولها صارت لها مضاعفات تعرف كانت بحالة حرجة جدًا وهم أصرَوا على نقلها! دخلت بغيبوبة لشهر ولمَا صحت جابوا لها وحدة وقالوا لها تراها أمَك وسوَو لها مسح شامل لكم كلكم، وتدخل فيصل ولد عبدالله القايد وتراه من ربع اللي جمبك، وودوها لميونخ وعرفَوها هناك على دكتورها النفسي اللي إسمه وليد، هذا وليد الله يسلمك ما أحط في ذمتي لكن الله أعلم وش كان يسوي بالعيادة مع زوجتك وهم يجلسون يوميًا، رُغم أنه المعروف إنه الأطباء النفسيين اللي مايكونون بمصحة مفروض ما يقابلون مرضاهم يوميًا، لكن هو كان صبحه وليله معاها! وكان لها معاملة خاصة بعد وتطلع معه وتروح معه واللي يوصَلها كان سعد! اللي يشتغل مع المخرجين الكبار سلطان بن بدر و عبدالرحمن آل متعب . . . كانت كلماته شديدة السخرية . . . كل شي كان بإشرافهم وبمعرفتهم بمين وليد! حتى وليد نفسه كان الزوج السابق لحرم سلطان، يعني كان يدري مين وليد ويعرف وش سوَى! عاد أنا ما أدخل بالذمم وأقول وش كانت نيته إتجاه زوجته بس لو أحد بمكان سلطان ما كان سمح لطليق زوجته السابقة وهو ما بعد دخل عليها يعني مُجرد ملكة، يكون دكتور لبنت أعز أصدقائه، مفروض يخاف ويقول ما اسمح لدكتور له سوابق يعالج . . أو عفوًا هو ما يعالج هو كان يمارس العشق وأفلام الأبيض والأسود مع غادة
ناصر من دهشتِه لم يستطع أن يتفوَه بكلمةٍ واحدة، نظر إليهم واحدًا تلو الواحد حتى سقطت عيناهُ بعينِ رفيق عُمره، أراد أن يتأكد من عينيْه التي لا تُخطئ أبدًا، نظر للدماء التي تسيلُ من كفَه وأدرك أن ما يقوله حقيقة.
ضحك بجنُون غير مُصدَق، نظر للرجل الذي جلبه ولموضع سلاحه، اقترب منه بطريقةٍ لا يشكَ بها أحد، بظرفٍ ثانية وأقل سحب السلاح ليوجهه ناحية سلطان.
رائد أشار لرجلِه أن لا يقترب منه، وهو يستمتع بالفتنة المُقامة بينهم.
ناصر : سألتني وقلت تغفر لشخص غلط وأثَر بحياتك؟ وقلت لك لا مستحيل أسامح شخص ضرَني! وما كنت أعرف سبب سؤالك المفاجئ ليْ لكن الحين عرفت، عرفت إنك تلاعبت بحياتي ومن حقي الحين أتلاعب بحياتِك!! ماعندي شي أخسره، ببرَد حرتي وبيكفيني هالشي . . غيَبت زوجتي برضاك أكثر من سنَة وأنا بغيَبك عن الدنيا بكُبرها متعمَد وقاصد! . . . .
سلطان نظر لفوهة السلاح المصوَبة بإتجاهه، أتى صوت عبدالرحمن المقترب من ناصر : ماهو برضاه! أقسم بالله ماهو برضاه يا ناصر، كلنا كنَا نشوف هالشي بصالحكم، لو كان بإيدنا والله ما تصرفنا كِذا، يمكن أنت ما تشوف هذي مبررات كافية لكن أقسم لك بالحيَ القيوم إننا لو كانت الأمور بإيدنا بعد الحادث ما خبينا عنكم شي، وكنَا ماراح نخطط أننا نخبي عنكم حياة أحد فيهم! لكن كانت الأمور برا سيطرتنا، عرفنا عن الحادث مثل أيَ شخص في هالدنيا وعرفنا عن موتها بعد، لين جانا الخبر بعد فترة وأكتشفنا حياتها وبعدها وكَلنا مقرن يهتم فيها، ما كنا نبي شي واحد يضرَها، لكن الطرف اللي خلانا نمنع نفسنا من إننا نقولكم هو سليمان اللي كنا متوقعينه شخص ثاني! خفنا على حياتكم لو أجتمعتوا! كان لازم نبقى على خطتهم لين نتمكَن منهم ونفرض قراراتنا عليهم، لأن ولا قرار بعد الحادث كانت أسبابه من ظروفنا إحنا، كل الأسباب كانت بسببهم، . . . تعوَذ من الشيطان ونزَل السلاح
عبدالعزيز : ناصر
كل الأعين توجهت لشفاهِ عبدالعزيز ولما سينطقه، بهدوء أردف : لا تخليها في خاطرِك!
نظر إليه سلطان بصدمَة ليس بعدها صدمة، تبعتها صدمَة عبدالرحمن و حتى رائد كانت الصدمة واضحة بنظراته.
ناصر تأكد من وجود الرصاص وأصبعه يلامس الزناد.
سليمان لأنه أدرك لا أحد سيقترب منه نطق : مثل موتة مقرن بتكون موتتِك يا سلطان! لكن اللي ذبح مقرن من رجالي واللي بيذبحك ماهو عدوَك!!
سلطان تجاهل كلماته وعيناه بعينيَ ناصر، طال الصمت بنظراتهما وسبابة ناصِر تصِل للزناد بيُسرٍ وسهولة.
رائد أراد أن يضغط على ناصر ويستفزه حتى يُطلق عليه بسُرعة : وبعدها أيش صار؟ وليد حاول يتقدَم بزواجه عليها ويتجاهلون إنها مازالت على ذمتك وبينكم عقد زواج مصدَق، وطبعًا رضا غادة على هالزواج كان تابع من أمل اللي بدأت تشككه وتثير جنونها، طبعًا أمل في البداية اللي هي أمها كانت تتبع أوامر مقرن لأن مقرن تابع لفيصل وفيصل تابع لسلطان وعبدالرحمن واللي خابرهم! لكن بعدها أنحرفت شويَ عن الطريق لمَا على قولتهم رجع فيصل لعقله وترك سليمان، وخلَى سليمان يتدخل بموضوع غادة بعد ما رفع إيده منها عقب الحادث، ودفعوا لأمل عشان تجننها وتكرَهها بعُمرها! ويا حرام المسكينة وش كثر عانت و أنهبلت بعد!! لدرجة قالت خلاص بتزوَج وليد وكانت قريبة بزواجها من وليد بعد، وأكيد هالزواج أو خلنا نقول عرض الزواج ماجاء ببساطة، أكيد فيه أشياء كانت تصير بالعيادة بين 4 جدران مالهم ثالث!!
عبدالعزيز بغضَب خدع رائد بعينيْه ليأخذ علبة زُجاجية ويرميها عليه حتى أتت على كتفِ رائد، بخُطى طويلة سريعة شدَ على رقبة رائد وهو يحاول أن يخنقه بيديْه المُبللة بالدماء، من ذِكر أخته المُشين على لسانِه.
جاء رجل رائد من خلفه ليسحبه ويدفعه على المكتب ويجرحُ جبين عبدالعزيز بهذه الضربة، وقف رائد وبحدَة وصلت أقصاها أخذ قطعة من بقايا الزجاج وثبَتها بين أصبعيْه ليصفع عبدالعزيز بقوَة حتى يجرح خدَه.
عبدالعزيز دفع الرجل الذي حاول إيقافه وهو يرفسه حتى وقع على الأرض، تقدَم ناحية رائد ولكنه وقف عندما إتجه السلاح نحوه.
رائد بحدَة نظراته : إللي يلمسني يلمس نار بجحيمها! وشكلك بتلحق أبوك
ناصر إلتفت ليوجَه السلاح ناحية رائد ولكن يد سلطان من خلفه سحبته بقوَة، بدأوا رجال رائد بالتدخل جميعهم وهُم يُحاصرونهم بالأسلحة الموجَهة إليهم، أمام تهديد رائد بعبدالعزيز لم يكن بين يديَ سلطان أيَ حيلة، رمى السلاح في كفَ الرجل الذي أمامه.
رائد : ماهو أنا اللي بذبحك! هُم بنفسهم راح يذبحونِك، . . . عاد لكرسيْه وبسخرية . . أوَل نكمل الفيلم لين نوصل لهذا المشهد عشان يكون الكل على بيَنة
عبدالعزيز رفع عينِه للسقف وهو يحاول أن يمتَص غضبه متجاهلاً جروح وجهه : بيجي وقت راح أعرف كيف أنتقم منكم!! ووقتها مافيه شي بيردَني
عبدالرحمن أعطاهُم ظهره وهو يرفس بقدمه الأريكة، كل شيء يقع من بين أيدهم حتى الثقة من ناصر و عبدالعزيز سقطت ولا يُمكنها العودة بسهولة.
ناصر حاول أن يتقدم إلى عبدالعزيز ولكن فوهة السلاح ألتصقت برأسه. رائد : خلونا حلوين مانبي إشتباكات بينكم لين ننهي من سرد القصة والمسرحية مدري الفيلم كامل . . ماشاء الله أحترت وش أسميها! قصة ولا فيلم ولا أيش بالضبط! إن جينا للتمثيل أبدعتوا وإن جينا للحوار بعد أبدعتوا وإن جينا للإخراج رايتكم بيضا ما خليتوا بذرة شك في قلوب ناصر وعبدالعزيز . . . وصلنا لعند وليد وغادة، عشان ما نظلم حقهم وقتها عرف سلطان وبوسعود أنه اللي مع غادة ماهي أمها الحقيقة، لأن أمها ماتت بالحادث، وهذا الشي من تدبير مقرن! عاد الله أعلم إذا مقرن يتصرف بكل هذا من فيصل بس! يعني ما نشكك بمقرن كثير لكن كان يقدر يقول عن أمها دام قدر يقول عن غادة لهم! لكن المصيبة تدخل شخص ثاني! هذا الشخص أشتغل وياكم وحافظكم اللي هو عبدالمجيد، تقاعد بعد سلطان العيد بفترة وهو اللي أبعد فيصل عن خطأه اللي ارتكبه بحقك يا ناصر أنت وعبدالعزيز و ذبح غادة بعيونكم و عرَفها على وليد ووصلها لكل هذا، يوم أبعد فيصل تدخل عبدالمجيد بأمور مقرن وضغط عليه وهذا الشي ما قبله حبيبي سليمان وخلَاه يذبح مقرن، الصفة المشتركة بيني وبين سليمان إننا نذبح من يغدرنا! وهذا الشي ينطبق على كل من واجهناه بحياتنا الله يسلمكم، راح مقرن وبقيتوا أنتم تدورون وتحوسون وتقولون مين ذبح مقرن ومين تدخَل بشغلنا ومين زرع زياد بيننا ومين تعرَض لمنصور ولد عبدالله قبل سنَة، ومين ومين؟ وكل الإجابات هي سليمان! اللي ساعدني بدون لا يحس ويدري، حتى فهد اللي جا متأخر قدر يلعب في مخكم! . . بسخرية . . طبعًا قلتوا وش ذا الصدفة إسمه فهد بعد؟ لا يكون هو اللي أنذبح؟ وأكيد أنلعب على مخكم كالعادة! . . لكن خابت توقعاتكم لما عرفتوا أنه هذا الفهد تابع لسليمان وماله علاقة باللي صار قبل سنة، المهم ماعلينا لو بعدَد الحالات اللي أنضحك فيها عليكم بتعب! . . إلا ما قلتوا لي ما سألتوا نفسكم مين طلَع الجثث وحضَرها؟ حيَ الذكاء اللي في سليمان اللي تتهمونه بضعفه لكن مقدرتوا توصلون لذكاءه عشان تكشفونه! بعد الحادث مباشرةً لمَا أكتشفوا حياة سلطان وغادة، قالوا هذا الشي ما حسبنا حسابه، وعلى طول دخلُوا للجثث اللي في ثلاجة الموتى! وبسهولة طلعوا شهادة وفاة للجميع وبسهولة لما أكتشفوا أنه مافيه جثة يقدرون يحطونها بدال سلطان العيد لكن لقوا جثة بدل غادة، جابوا سلطان العيد بنفسه وشالوا الأجهزة منه وحطوه قدامك يا عبدالعزيز! تذكر لما جيته؟ شفته بعيونك وكان يعتبر حيَ، وبعدها مباشرةً بكم يوم توفَى! وأندفن بداله شخص ثاني! وصليت على شخص ثاني بعد!! هذا كل اللي صار بعد الحادث مباشرةً، وكان من تخطيط سليمان اللي أستعمل فيصل ومقرن و كان بمعرفة واضحة من عبدالمجيد اللي يعرف الحادثة من بدايتها إلى نهايتها لكن خبَى حتى على أصدقاءه! وحاول يتصرف من كيفه لكن ما نجح بأنه يوقَف شي واحد رُغم إنه عنده كل الأدلة بإدانتنا لكن مستحيل يملك الجرأة بأنه يضربنا لأن يدري وش راح يجيه!
سلطان بإبتسامة مستفزة : صحيح! عبدالمجيد ما يملك الشجاعة بأنه يضربكم بأدلته! برافو والله، تفتخر وأنت تسرد القصة بتفاصيلها رُغم إنك مخدوع فيها مثل ما إحنا مخدوعين
رائد بإبتسامة تُشبه إبتسامة سلطان : هذا أنا خذيت حقي والدليل سليمان قدامي ومربوط وبينذبح بعد! لكن أنتم وش خذيتوا؟ خذيتوا خيانة من مقرن وعبدالمجيد و خذيتوا غضب من ناصر و عبدالعزيز و جازيتوا كل اللي حولكم بالغدر! ما دافعتوا عن مقرن ولا فهمتوه وما دافعتوا عن عبدالعزيز ولا أحد!! أنا صادق ولَا؟
عبدالرحمن بإتزان : خلصت حكيْك؟ وصلت للي تبيه ولا باقي شي ما بعد قلته؟
رائد بضحكة : لا أبد كل التفاصيل ذكرتها ولله الحمد . . بس خلنا بعد نزيد من إدراك عبدالعزيز شويَ ونسأله كانه يدري عن صالح العيد؟ ولد عم أبوه؟
عبدالرحمن بغضب : رائــــد
رائد بسخرية : ضربنا الوتر الحساس شكلنا! . . يا شقاك يا عبدالعزيز حتى أبوك ما قالك حقيقة أهله!! وش هالدنيا اللي تلعب بالبني آدم بس!
أردف بتنهيدة : صالح العيد كان شريكي وأبوك تبرَآ منه تصوَر ولا حتى ساعده عشان كذا لجأ لي لكن بعد أبوك أعماه حقده وذبح ولد عمه بنفسه
عبدالرحمن : مين ذبح صالح؟ ما كأنه مات متسمَم وبإيدك بعد؟
رائد بإنكار : أبدًا ولا قرَبت منه، اللي ذبحه ولد عمه ما يحب أحد ينافسه، مُشكلة سلطان العيد كان أناني في كل حياته ولمَا جاء وقت يختار فيه أختار سلطان بن بدر عليكم كلكم لأنه كان يصدَر أنانيته لسلطان، وما حبَ احد يآخذ هالمنصب منكم عشان كِذا عصَب بو منصور وقدَم على التقاعد!
سلطان بسخرية من قهره الذي يُصاب به : تكذب الكذبة وتصدَقها!!
رائد بإبتسامة : قولنا كيف ترشحت لهالمنصب وفيه اللي أولى منك؟ مو كان بواسطة قوية من سلطان العيد اللي تقاعد وهو مسلَمك زمام الأمور بكبرها ومتجاهل الكل!!
عبدالرحمن : ترشيح سلطان جاء بموافقتنا كلنا لعلمك ولا تحاول تزرع الفتنة بيننا لأنك تبطي!
رائد : أيَ موافقة هذي اللي خلتكم تتهاوشون قدام الموظفين وصارت مشكلة بينكم وبين سلطان العيد؟ مو كانت عشان سلطان وأنه ما يستحق هالمنصب وأنه توَه صغير وغير مؤهل؟
سلطان بهدوء مستفز : إيه صح عليك! بس لأن اللي في مخك درج، ما تفهم وش سبب الهوشة صح فعشان كِذا تقول دام مافهمتها لازم أخترع لها سبب بمزاجي! محد تقبَل وجودي بالبداية بهالمنصب لكن ماهو عشانهم ضدَي! هُم ضدَ خبرتي القصيرة، لكن بالنهاية وقفوا معي وبو منصور ما تقاعد بعد تسليمي للمنصب، أشتغل معايْ إلى أن أختار طريق التجارة وتقاعد بعدها، وصالح العيد أنا بنفسي تسلَمت ملفه وكان متسمم! لأن عرفت أنه راح ينقلب عليك ويروح لولد عمَه لأنه بالنهاية الدم واحد والعرق يحَن! ولمَا جاك صالح العيد كان سلطان الله يرحمه يحاول بكل جهده إنه يوقفه عن العفن اللي يجي من وراك! لكن كان إختياره ومقدر يخضعه وهو رجَال يملك حق القرار، وأضطر يحاربه لأن ما ألتفت لإسمه ألتفت لوطنه.
رائد بهدوء : والله عاد محد بيصدَق هالحكي غيركم لأن ماشاء الله عندكم تاريخ مشرَف بالكذب وبالأفلام!!
ناصر نظر بصورةٍ أوقعت الشك في نفس رائد : رجعوه!!
عبدالرحمن بحدَة أنفجر بوجهه : قلت راح تطلعهم بمجرد ما نجي! خلنا على إتفاقنا
رائد ينظر إلى ناصر : رجَعه . . . قيَد الرجل أيدي ناصر بكفيَه ليأخذه للمكان الذي كان فيه ـ هو وعبدالعزيز ـ.
رائد وقف بتنهيدة : وأنا غيَرت إتفاقي! وبمزاجي . . . . . مسك هاتفِه ليقرأ الرسالة التي تأتِيه في هذه الأثناء، رفع عيناه بإتجاه عبدالرحمن : تبيني أقولك الأخبار ولا بدري عليها؟ أخاف يرتفع ضغطك ونبتلش!!
عبدالرحمن لا تركعُ نظراته بأيَ رجاءٍ لرائد، مازال شامخًا رُغم هذه الهزَات التي تُصيبه ومازال يحاول أن يُحافظ على هدوء أمام إضطراب الإستفزاز الذي تحت قدميْه ومازال يُفكر بإتمام الخطة نفسها رُغم كل شيء يحصل الآن.
رائد : بنتك . . كنا بنجيبها لِك لكن للأسف رجالِك أجبرونا نطلق الرصاص عليها
رفع عينه عبدالعزيز وهو يمسح باطن كفَه بقميصِه، لم ترمش أبدًا وهو يسمعُ رائد ينطق ببطء شديد حتى يستفزَهم أكثر : بنتِك رتيل!
عبدالرحمن كرر بصوتٍ خافت حتى يُصبره الله على هذه المصيبة : لا إله الا الله . . لا إله لا الله . . لا إله الا الله
سلطان : أنت اللي بديتها وترحَم على ولدِك!!
أنفجر رائد بضحكة طويلة : عفوًا؟ أترحَم على مين؟ وش هالتأخر المخَي اللي في راسكم!!
سلطان : طول السنين اللي فاتت ما تعرَضنا لأهلك ولا حاولنا ندخَل ناس مالهم ذنب بهالمشاكل! في وقت كنت تتعرَض لنا بأهلنا وتلوي ذراعنا فيهم! وصبرنا وقلنا مهما صار مالنا ندخل بناس ذنبهم إنهم يرتبطون بإسمك لكن هالمرَة أنت ما عطيتنا أيَ خيَار!!
رائد بسخرية : يُطلق عليكم الحين . . مُثيرين للشفقة بإمتياز! . . ولدي مات يا حبيبي، لكن دمه مايروح هدر، الكل بيدفع ثمن أغلاطه معي والكل بيدفع ثمن حزني على ولدي!! وكانت بدايتها بنتِك وبيجيك الدور يا سلطان!!
سلطان : مات؟ والله أنت اللي عندك تأخر مخَي!
عبدالرحمن لم تحملُه قدماه، جلس وهو يضغطُ بأصابعه على الأريكة.
يالله خُذ مني الإحساس إن صابها الوجَع والألم، يالله أذبح بيْ الشعور في الوقت الذي تمرض بها إبنتي ولا تجعل الحُزن يتحشرجُ بيْ ويُبقي روحي في المنتصف، لا أحيَا ولا أموت، هذا الشعور الذي يجيئني كلما غادرني من أُحب، يارب أرزقني الصبر وساعدني وأرفع عني هذا البلاء الذي يشطر ظهري وقلبي معًا.
عبدالعزيز أخذ نفس عميق، أنتهى برؤيـةِ فارس و عبدالمجيد، رائد وضع يدِه على الطاولة قبل أن تُضعفه قوَاه المُشتتة، يحاول أن يصدَق ما تراهُ عيناه، تجمدَت عيناه وتجمَد ماءُ محاجره مع نظراته الضائعة في ملامح إبنه.
هل ما أراهُ حقيقة أم من فرطِ الخيال، لو كان حلمًا يالله أدعُوك أن لا أستيقظ منه، هل هذه العينان التي تقتبسني صاحبُها إبني؟ أم من الأربعين الذين يشبهُونِه؟ ولكن من يقدر على أن يشبه نظراتِه الشفافَة والحادة في الوقت نفسه؟ من يقدر أن يكون جميلاً كأبني؟ وشاعِرًا كاتبًا كإبني أيضًا؟ من يقدر أن يعشق مثل عشق إبني ويحيَا في عينيْه ميلادِي؟ لم تمُت، وأنا الذي ظننتُ انَك غادرتني، كيف صدَقت أمر موْتك وأنا حتى لم أرى جثتك وضللتُ أبحث عنها! كيف خُدعت بموْتِك وأنا لا اقدر على العيْش بهناءٍ دُونك، أتدري أنك غيَث لقلبِ والدِك، وأنا في بُعدِك ـ جفافٍ ـ، أتدرِي أن الحُب في حياتي هو أنت وفقط، أتدرِي أيضًا أنني أشتقتُك.
رفع فارس حاجبه بإستغراب من نظراتِ والده، أقترب إليه بتوجس : يبه
حزين يا أبُوك! كل فكرة بعدِك تعبرني / صدَى. و أنا تعودتِك صُوت، وكل ضحكَة في غيابِك، وهَم و أنا اللي ما تروق لي الضحكات بلا صُوت، يا نبرة الحياة فيني لو تدرِي إنه الحياة ترتبط فيك، وأن أجمل العُمر في يديك، يا فارس! يا كل موانِي الفرح في صدرِي، ما هدَ شراعي غير / مُوتِك ؟ . . . و يالله على الحياة اللي تجيبها بقُربك.
تعلقت نظرات عبدالعزيز بعينيَ عبدالمجيد، كانت نظراتُه تنطق شرًا و حِقدًا.
سحبه رائد إليه ليعانقه بشدَة وهو يحاول أن يستنشق رائحته التي غادرتُه طوال الأيام الماضية، فارس استغرب من هذا العناق الشديد وهو يشعرُ بوجَعِ والده من عينيْه، همس في إذنه : وش فيك يبه؟
رائد بمثل همسه : حسبت إني فقدتِك، حسبت إنك ضعت من إيدي!
فارس قبَله بالقرب من عينيْه وبحوارٍ هامس لا يسمعه سواهما : صارت أمور كثيرة راح أقولها لك بس بطلبك شي
رائد : تأمرني،
فارس : أتركهم! . . أتركهم لو لي خاطر عندِك يبه
رائد أبعدهُ وهو ينظر إلى عينيْه بإبتسامة منتشية بالحياة : أهم شي إنك بخير
فارس إلتفت إليهم، نظر إلى عبدالرحمن بنظرةٍ شتتها بسُرعة، بعد أن صافحه بإسم ـ مشعل ـ لا يتجرأ أن يضع عينه بعينه بإسم ـ فارس ـ
عبدالمجيد : حسابك صار معايَ! وأتوقع فارس أكبر دليل
رائد فهم قصدِه، نظر إلى إبنه، فارس : يبه لو سمحت
رائد ومازالت عيناه تُثير الشفقة من شدَة عدم تصديقها لرؤية إبنه، ينظرُ إليه وكأنه للمرة الأولى يراه
فارس برجاء : يبه . .
رائد تنهَد : علَم ربعك ما عاد يتعرضون لطرف منَي وأوعدهم ما أتعرض لهم بشي
عبدالمجيد إلتفت لسلطان هامسًا : لا تهتَم! تقدرون تروحون الحين قبل لا يصير شي يعاكسنا
سلطان بمثل الهمس : ماراح أتحرَك وأتركه
عبدالمجيد بحدَة : سلطان!!
سلطان وتذكَر كلمة من عبدالمجيد قبل عدَة سنوات " عبدالمجيد : بصفتي مسؤول أنا قادر أأمرك، أطلع يا سلطان " : هالمرَة أنت منت مسؤولي عشان تأمرني!!
عبدالمجيد أدرك أن لا فرصة لإقناع سلطان في هذا الوقت الضيَق : عبـ
قاطعه قبل أن يُكمل إسمه : ومنت مسؤولي بعد ولا تقدر تتحكم مثل ما تحكمت بأختي
عبدالمجيد بدهشة ينظرُ إليهم، سلطان إلتفت لعبدالعزيز : ممكن تحكَم عقلك هالمرَة وتتصرف صح
عبدالعزيز بنرفزة : يخي أنا مستغرب من شي واحد! عقب كل هذا لكم وجه تأمروني!!! عُمري ماراح أشوف ناس ماعندها دم وحيَا مثلكم!!
رائد إلتفت لإبنه : شفت بنفسك! هُم ما يبون يتحركون
فارس : عبدالعزيز . .
عبدالعزيز نظر إليْهم : على فِكرة فارس اللي تصنفونه من ألد أعدائكم!! هو الوحيد اللي وفى ليْ وأنتم يا ربع أبوي ما قدرتوا تحسنُون ليْ بتصرف واحد!!
فارس حاول أن يبتعد من جهة والده ليقترب منهم ولكن يدَ رائد طوَقت معصمه : خلَك هنا
بإستغراب إلتفت من خوفه الكبير من تحركه بأيَ حركة بسيطة : يبه!!!
رائد بحدة : قلت خلَك هنا
رفع عينه لعبدالعزيز مرةً أخرى وسحب ورقة من مكتب والِده، كتبت عنوان الفندق : تقدر تروح لأختك أنت وناصر . . وين ناصر؟
رائد : الحين أطلعه
عبدالعزيز بعناد يُريد ان يقهرهم به كما أحزنوه : ماني متحرَك!

،

مُرهق بالعمل لساعاتٍ طويلة، لا يرفع رأسه من على الأوراق، وفي كل لحظةٍ تمرَ ولا يسمعُ أخبارًا تجيء من باريس يشعرُ بأن الفرصة تتضاءل أمامه وتفقدُ نجاحها الذي عملوا من اجله لسنواتٍ طويلة، هذه المرَة لا حل وسط ولونٌ احادي يفصلهما! إما أبيض أو أسود وإما جنَةٍ او نار، رفع عينه لمتعب : وصل شي؟
متعب : لا! بس اللي عرفته أنه الكل مجتمع عن رائد
عبدالله : يارب أرحمنا برحمتك بس لا يصير شي يودينا في ستين داهية!!
متعب بهدوء : بديت أتفاءل! لو رائد بيسوي شي كان سوَاه من الصبح ما انتظر كل هالساعات
عبدالله : يمكن، إن شاء الله ما يصير الا كل خير . . خلَص أحمد من الأوراق؟
متعب : إيه كنت جايَ أقولك عنها، ليه ما نحقق مع أم فهد الله يرحمه؟
عبدالله : لأن مافيه فايدة من كلامها، كنت مخطط بس تجي الرياض أحقق معها لكن ما تركت فرصة وما أبي أجرجرها بطلب رسمي وإلى آخره وأنا عارف إنه لو عندها علم كان قالته لبنتها حتى!!
متعب : بس الولد طلعت سمعته بالقاع! أكيد أمه تعرف وعشان كذا تنكر وتتخبَى
عبدالله : الله يرحمه ويغفر له ماني قايل غير كِذا، المُهم أننا عرفنا سبب حادثة منصور وربَي يجيب سليمان على خير ونحاكمه
متعب : أنا قلت ممكن تعترف بشي ثاني يفيدنا أكثر،
عبدالله : مع أنه مافيه أيَ مجال للعاطفة لكن ما تنلام أمه، صدقني يا متعب لو جرَبت شعور إنه يكون لك ولد او بنت، مستعد عشانهم تتصرف بوحشية وعدوانية إتجاه الناس اللي حولك عشان تحميهم، ويمكن هي من النوع العدواني على الكل عدا عيالها!!
متعب تنهَد : يمكن، بس أنت قلتها مافيه مجال للعاطفة، وأنا مقدَر شعورها لكن هي خلتنا سنة كاملة ماندري عن هالأسباب! يعني أجرمت في حقنا بعد
عبدالله : هي ضرَتنا! ما نختلف بهالشي لكن عفى الله عنها وغفر لها
متعب إبتسم : الله يآجرك على نيتك . . تآمرني على شي قبل لا أطلع؟
عبدالله : سلامتك
متعب : الله يسلمك . . . أخرج عبدالله هاتفه ويتصَل على عبدالمجيد، أطالت الثوانِ بدقَاتِها حتى تأكد تمامًا أن عبدالمجيد أصبح عند رائد.
نظر إلى الساعة التي تُشير إلى العاشرة مساءً بتوقيت ـ الرياض ـ ، أخذ نفس عميق حتى وقف وترك كل شيء بين يديْه، عاد لطبيعة عمله والقرارت التي تأتِ مُفاجئة للجميع رُغم انها تسبقُ عملاً شاقًا وتحليلاً طويلاً، أراد أن يستشعر لذة الإنتصار بعد مشقة وعناء بإتصال من عبدالرحمن أو سلطان، لو وصلهُ خبر القبض عليهم لا يدري كيف سيصف شعوره؟ إبتسم من فكرة ـ إنتهاء شبح رائد الجوهي ـ من هذه الحياة، إنتهاء شخص أضرَ بالجميع وأضرَ نفسه وهو يُدرك أنه سينتهي يومًا ما، إما بالسجن أو الموت، يُريده حيًا حتى يُسجن وينال عقابه وجزاءه كما ينبغي ليكون عبرةً للجميع، لن يكون إنتصارًا فرديًا لو تحقق، هذا الإنتصار لو حدث سيكون فضله بعد الله لسلطان العيد و عبدالرحمن و سلطان بن بدر و مقرن و عبدالمجيد و سعد و متعب و أحمد و أصغرُ فردٍ هُنا رأى سهرهم حتى آخر ساعة من الفجر على هذا الأمن، يالله لو يجيء هذا الإنتصار خاليًا من الشوائب وأعني بالشوائب إصابة من يعنينا أمرُه، كل رجلٍ مرَ وذاق حلاوة معرفة الحقيقة رحَل، بدأها سلطان العيد وغادر، ثم أكملها مقرن وغادر والآن عبدالمجيد! و عبدالرحمن و سلطان بن بدر، أتمنى لا يغادرونا أيضًا.
خرج من المكتب ليتجه ناحية مكتبٍ مكتظ بالعاملين، وضع ورقة على الطاولة : هذا أمر مختوم بمُصادرة منزل رائد وسليمان
رفع أحمد عينه بدهشة من أمرٍ كان على رفَ الإنتظار لسنواتٍ طويلة خشيَة من القوة المتصلة ببعضها البعض، والجماعات المتكاثرة حولهم، كان لابُد من تدميرهم واحدًا تلو الواحد حتى يتم القبض عليهم بسهولة، كان لابُد من إستئصالهم من جذورهم وليس قطعهم بالقبض فقط! هذا الأمر يعني أن هُناك أخبارًا سعيدة من باريس، ولكن إلى الآن لم يصل أيَ خبر.
عبدالله : خلال ساعة وحدة أبي هالأمر نُفَذ على أكمل وجه
أحمد وقف بإبتسامة : أبشر خلال ساعة راح توصلك الأخبار الحلوة بإذن الله . . . خرج وهو يأخذ ورقة التبليغ، ليتم تنفيذها بصورةٍ فعلية وليست نظرية.




إبتسمت حصَة بدهشة وهي تنظرُ إلى عائشَة، وقفت : جد؟
عائشة تنظرُ للكتب التي بين يديْها : هذا ماما الجوهرة يعطي أنا، وفيه يقرآ . .
حصَة : إيوا؟
عائشة : وأنا يبي يصير مُسلم
حصَة وضعت يدها على قلبها وبإبتسامة لا تُفارقها : أحس بشعور أم العروس .. وش ذا الفرحة؟
ضحكت عائشة دون أن تفهم معنى كلماتها : شنو يسوي الحين؟
حصَة : يالله لك الحمد والشكر، قولي معي .. و لا أقولك خلَي الجوهرة تكلمك عشان تفرح بعد
عائشة وقفت بحماسَة وإبتسامتها تسكنُ ثغرها، رفعت حصَة هاتفها ومن شدَة الفرحة بدأت عيناها تدمَع بالإبتسامات الطويلة المستبشرة خيرًا.
تحرَكت الجوهرة بصعوبة من سريرها حتى تأخذ هاتفها الذي وضعته أفنان بعيدًا عنها، تمتمت وهي تسيرُ بتعبِ الحمل الذي يجعلها لا تطيق شيئًا ولا تُطيق رائحة عطرٍ في غُرفتها.
أجابت : ألو
حصَة : لا يكون صحيتك؟
الجوهرة : لا ما كنت نايمة، صاير شي؟ خوفتيني
حصَة بصوتٍ مُبتهج : مو صاير الا كل خير، عندي لك خبر حلو
الجوهرة : وشو؟
حصَة : أنتِ معطية عايشة كُتب عن الإسلام؟
الجوهرة : إيه عطيتها قبل فترة طويلة
حصَة : طيب كلميها . .
الجوهرة بعدم إستيعاب : ألو
بعد ثوانٍ قليلة أتى صوتُ عائشة الشغوف : السلام عليكُم
الجوهرة بإبتسامة : وعليكم السلام، وحشتيني والله يا عيوش
عائشة : انا بعد فيه يشتاق! أنا يقول حق ماما حصَة تو . . أنا قريت هذا كتاب كلَه
الجوهرة : إيه؟
عائشة : أنا يبغى يصير مُسلم
الجوهرة ضحكت بدهشة دُمجت بالفرح : تبغين تسلمين؟
عائشة : إيوا! والله أنا يبغى يصير مُسلم
الجوهرة بفرحة كبيرة سقطت دمعتها من فكرة أنها سبب بسيط لإسلامها : قريتي كل الكُتب اللي عطيتك إياها وعرفتي كل شي؟
عائشة : إيوا أنا يقرأ كله كتاب، شنو يقول الحين؟
الجوهرة بإبتسامة بدأ صوتها يرتجف : طيب قولي معاي . . أشهدُ
عائشة : أشهد
الجوهرة : أنَ لا إله
عائشة : أن لا إله
الجوهرة : إلا الله
عائشة : إلا الله
الجوهرة ببكاء السعادة التي تقعُ في قلبها : وأشهدُ
عائشة : وأشهدُ
الجوهرة : أن محمدًا
عائشة : أن مهمدًا
الجوهرة : رسول الله
عائشة : رسول الله
الجوهرة بصوتٍ تُقاطعه أنفاسها المضطربة بالفرح : الحمدلله . . الحمدلله . . . الحين روحي صلَي طيب، صلَي ركعة
عائشة بحماسة أنها تعلمت شيئًا : يقرآ فاتهة ؟ " فاتحة "
الجوهرة ببهجة : إيوا الفاتحة و تعرفين وش تقولين بعدها؟
عائشة : أنا يشوف صورة كيف يسلَي " يصلَي "
الجوهرة : تمام أنتِ الحين توضيتي صح؟
عائشة : إيه أنا يسوي وضوء قبل شويَا
الجوهرة : فرحتيني كثييير، مدري كيف بنام اليوم من الفرحة
عائشة : شلون ينام؟
الجوهرة ضحكت : لا ما أقصدِك! أقصد أنا لأني مررة فرحانة ماراح أقدر أنام . . فهمتي؟
عائشة : إيوا يفهم
الجوهرة : إذا أحتجتي أيَ شيء، أتصلي عليَ في أيَ وقت . . طيب؟
عائشة : طيب . . أعطت الهاتف لحصَة . . الله يجعله في ميزان حسناتك
الجوهرة : آمين، يا كثر سعادتي اليوم! أحس الأرض مو شايلتني
حصَة : ما صدَقت يوم جتني، وقلت لازم أتصل عليك وأخليك بنفسك تنطقين لها الشهادة
الجوهرة : يا بعد عُمري والله
حصَة إبتسمت : يالله ما نشغلك أكثر والوقت تأخر، تآمرين على شي يا رُوحي ؟
الجوهرة : سلامة قلبك
حصَة : الله يسلمك ، بحفظ الرحمن . . أغلقته لتخرج من غرفتها وتنزل بخطوات سريعة للأسفل جعلت صوتُ والدتها الحاد يأتِها بسُرعة : الجوهرة ووجع! تركضين وأنتِ توَك طالعة من المستشفى
الجوهرة نظرت للعائلة المجتمعة في الصالة، بإبتسامة شاسعة : الليلة من أسعد ليالي حياتي
عبدالمحسن إبتسم من أجل إبتسامتها : فرحينا معاك
أفنان بضحكة : لحظة خلينا نخمَن
والدتها : لا قولي وش تخمينه جعلك اللي مانيب قايلة . . وشو الجوهرة وقفتي قلبي؟
الجوهرة : توَ أسلمت شغالتنا في الرياض، عطيتها كتب قبل فترة لكن يومها طوَلت توقعت إنها ما أقتنعت بالإسلام أثاريها طول الوقت تقرأ فيهم
والدتها ببهجة : ياربي لك الحمد . . تعالي خلني أخمَك
الجوهرة بضحكة جلست على ركبتيها عند أقدام والدتها لتعانقها وهي جالِسة : يممه لو تدرين وش كثر فرحانة! أحس قلبي يرتجف من الفرحة
عبدالمحسن : يا عساها تشفع لك بإيمانها يوم القيامة
الجوهرة قبَلت جبين والدتها : آمين يارب . . ياليتها قدامي وأحضنها كِذا لين أقول بس! جاني شوق مفاجئ لشوفتها
عبدالمحسن : كلمتيها؟
الجوهرة بحماس : وخليتها تنطق الشهادة بعد . .
أفنان : الله يرزقنا هالفرحة بس! أغبطك جربتي فرحة إسلام شخص وجربتي ختم القرآن
الجوهرة : أنا شكلي بحسد نفسي الحين على هالفرحة، يالله لك الحمد والشكر
أفنان إبتسمت : آمين يارب . . بالله أسرقيها كم يوم وخليها تجينا
الجوهرة : ياليت والله
دخل ريَان وتبعته ريم : السلام عليكم
: وعليكم السلام والرحمة
رفع ريَان حاجبه من الضحكات التي تنتشر بالأجواء : فرحونا معكم
عبدالمحسن : شغالة سلطان أسلمت على إيد أختك
ريَان إبتسم : جد؟ . . الله يرزقك أجره
الجوهرة : آمين ويرزقك
ريم بإبتسامة : الله يديم فرحتك بس
الجوهرة : آمين . . ـ وبعفوية نسَت كل حزنٍ في حياتها ـ أحس بشعور إنها بنتي أو شي زي كذا، المهم سعادة كبيرة
أفنان ضحكت : شكل الوعي بيغيب من الفرحة!
الجوهرة بضحكة : تعرفين شعور اللي ودَك ترقصين ودَك تنقزين ودَك تركضين ودَك تفجرين طاقة الفرحة كلها
ريَان الذي لم يشاهد الجوهرة بهذه الفرحة منذُ مدةٍ طويلة، بإبتسامة : أنتظري لا ولدتي فجرَي هالطاقات الحين لازم تنتبهين للي في بطنك
الجوهرة إلتفتت عليه وأبتسمت : برقص مع ولدي أصلاً
أفنان : يخي ياليتها أسلمت من زمان دامها بتخلينا نشوفك تضحكين كِذا
والدتها : إيه والله، يا عساك دوم مبسوطة
الجوهرة أضاءت عيناها بالدمع، أردفت والدتها : قلنا نبي نشوفك مبسوطة مو تبكين
الجوهرة إبتسمت : والله مبسوطة
ريم : على هالفرحة بودَي لشغالتنا في الرياض كُتب عن الإسلام خلنا نجرَب شعورك
الجوهرة : أصلاً الدعوة إلى الإسلام واجبة، مايجوز إنه الخدم يرجعون لبلادهم وأنتم ما بلغتوا عن الإسلام بشي! بكرا الحجة بتكون عليك يوم القيامة
ريم أخذت نفس عميق : لا إن شاء الله خوفتيني، بكرا أكلم أمي تعطيهم كُتب . .
أفنان : أنخرشتي يا بنت عبدالله؟
ريم بضحكة : تحسبيني بجلس أطالعك! عاد كل شيء الا واجبات الدين مافيها إستهتار،
أفنان : عاد والله قبل كم سنة سوينا حملة بالجامعة، مدري العيب فيها ولا فيهم محد أسلم منها . . مع إنه الأسلوب كان لطيف
ريَان : أنتِ مو مكلوفة تخلينهم يؤمنون، أنتِ مطلوب منك إنك تبلغين الإسلام بحسب قُدرتك وصلاحياتِك يعني ماهو واجب عليك تروحين وتسافرين وتنشرين الإسلام لكن واجب عليك بمُحيطك إذا وُجد
أفنان : شكرًا على النغزة المبطنة، تطمَن ما عاد بسافر بدونكم
ريان بضحكَة صاخبة : والله ما كنت أقصدك بس أنتِ ينطبق عليك يحسبون كل صيحة عليهم
عبدالمحسن بإبتسامة : بالله؟ كأننا ما نعرف أسلوبك
أفنان : شفت حتى أبوي كشفك! واضحة أساليبك
ريَان إبتسم : أستغفر الله، والله ما كنت قاصدك كنت أقصد المضمون أنه واجبات الإسلام حسب القُدرة والشخص نفسه يعني أكيد واجبات الرجَال غير البنت
أم ريان : يا زين هاللمَة
أفنان : يمه أنتِ اليوم تحسسينا إننا عايلة ما نشوف بعض الا بالسنة مرَة،
أم ريان ضربتها على كتفها : إيه والله كلكم في غرفكم لا تطلعون ولا نشوفكم!! هذا وإحنا في بيت واحد
أفنان قبَلت كتفُ والدتها الذي يجاورها : نومي متلخبط ولا كان جلست عندك العصر
عبدالمحسن : الجوهرة تعشيتي؟
الجوهرة : مآكلة المغرب ونفسي منسدَة، . . وقفت . . بروح أنام
الجوهرة مشت بخُطى لا تتحكم بسُرعتها، والدتها : أمشي بشويش مو كِذا
الجوهرة بضحكة تسيرُ على أطراف أصابعها : كِذا يعني؟
والدتها : يا ملكَعة
الجوهرة إلتفتت عليها : امزح طيب . . تصبحون على خير
: وأنتِ من أهل الخير
صعدت للأعلى وهي تشعرُ بنشوة الفرح في قلبها، دخلت الحمام لتتوضأ، صلَت ركعة شُكر لله على هذه الفرحة التي تأتِها دون سابق إنذار.
لا أحد سيفهم معنى الفرح إن جاء من شخصٍ ليس بالقريب، يكون فرحًا شاهِقًا لا يُثبَط علوِه أحدًا غير الذي أوجده، لم أفرح كهذه الفرحة منذُ مدَة طويلة حتى شعرت أنني فعلاً انسى طعم الفرح ولكن أيضًا لا قُدرةً تُضاهي قوة الله ولا كرمًا يُضاهيه عندما يُرزق عبده، ممتنة لك يالله على هذه الليلة وعلى هذا العُمر بأكمله، مُمتنة للدين الذي يخلقُ من أبسط الأشياء، سعادة. ممتنـة للحياة التي بقدر ما تُحزني بأسبابٍ عديدة إلا أنها تُفرحني بسببٍ واحد، يالله! " وش كثر السعادة جميلة! "
في جهةٍ اخرى كانت تتحدَث مع إبنتها : و اليوم أسلمت
العنود ببرود : طيب الحمدلله . .
حصَة : الشرهة بس على اللي يكلمك ومبسوط
العنود : وش أقول يمه بعد، يعني ما تعني لي شي عشان أفرح لها . .
حصَة : المهم قولي لي وش أخبارك؟
العنود : بخير الحمدلله
حصَة : وماجد؟
العنود بحماس : عال العال، بيجيه نقل إن شاء الله لفرع الوكالة بلندن، متحمسة كثير أعيش هناك وأستقَر بعد، ماعرفت أتكيَف هنا أبد، على الأقل هناك عندي صداقات
حصَة : الله يسهَل عليكم، ولو أنه ودَي تتكرمين علينا وتجينا الرياض
العنود : والله يمه مشتاقة لك بس هرمون الكره للرياض مرتفع عندي!
حصَة بسخرية : مررة مرتفع ماشاء الله بس لو حفلة لصديقة من صديقاتك نطَيتي!!
العنُود : ولا تزعلين بقول لماجد يحجز لنا على الأسبوع الجايَ
حصَة : وش أبي في زيارة مو جاية من طيب خاطر؟
العنُود بضيق : يعني يمه وش أسوي؟ أقولك ماني طايقة الرياض وجيَتها ما يرضيك أقولك بجيك ومايرضيك بعد!!
حصَة : الله يصلحك بس،
العنود : آمين ويصلحنا كلنا . .
حصَة : طيب ماودَك تصيرين أم وتفرحيني؟ ودَي يجيني منك خبر يثلج الصدر
العنود بإندفاع : لا بسم الله عليَ
حصة بإستغراب : وش بسم الله عليك! هذولي نعمة من ربي وزينة حياتِك
العنود : معليش يمه بس أنا في الوقت الحالي ماني فاضية ولا أنا مستعدة لفكرة الأم والقرف ذا!
حصة : يارب لا تسخط علينا! أنتِ تتكلمين بوعيْك؟
العنود : أصلاً ماجد بعد ما ودَه، إحنا الإثنين ما يصلح نجيب عيال على الأقل في الثلاث سنوات الجاية بعدها إن ربي كتب ندرس مشروع العيال
حصة : تدرسون؟ . . خلف الله عليكم بس
العنُود : يمه لازم تحطين في بالك إني ماراح أجيب عيال بس عشان أجيب وبكرا الله يبلاني فيهم، أنا لا بغيت أجيب عيال أبي أجيبهم وأربيهم تربية سنعة وأدرَسهم صح، وبعدين يمكن أنا وماجد نتطلق! يعني لازم بعد أنا وياه نكون على وفاق
حصة : كل هالفترة وأنتِ منتِ معه على وفاق؟
العنود : إلا بس يعني مدري وش بيصير بعدين! ما أبي أحمل وبعدها الطفل يتشتت
حصَة : هذا الكلام ليْ ؟
العنود : لا طبعًا حاشاك، أنا بس أقصد فكرة تربية الطفل صعبة ومحتاجة دراسة قبلها عشان نقررها أنا وماجد
حصَة تنهدت : أنا أقول تصبحين على خير قبل لا يرتفع ضغطي


،

وضعت عبدالله الصغير في سريره الناعم، إلتفتت عليه : ليه ما تروحون الصبح؟ مو زين سفر الليل!
منصور : عشان نوصل الصبح ونلقاهم، لأن بعد مو معقولة نطق بابهم بليل ونقول نبي نشوف بنتكم!!
نجلاء : طيب براحِتك،
منصور إبتسم : يا زينك وأنتِ عاقلة
نجلاء رفعت حاجبها : ليه وش كنت طول الفترة اللي فاتت ؟
منصور : أبد هادية وما تتهاوشين مع مرت يوسف ولا تقولين لها شي
نجلاء : تتطنَز؟ لعلمك إلى الآن ما أطيقها بس متقبلتها بصدر رحب عشانِك أولاً وعشان يوسف
منصور : البنت ما تستاهل كل هالكره منك! لو كنتِ مكانها كان ذبحتينا! يعني فقدت أخوها وأمها ما وقفت بصفَها وش تبينها تتصرف معك؟ أكيد بتكون عدوانية!!
نجلاء : إيوا كمَل دفاع عنها وكأنها هي صاحبة الحق في الموضوع!!
منصور : أنا أدافع عن الحق، هي فعلاً ما تستاهل كل هذا
نجلاء : إذا رحت هناك خلَ بينكم ثالث
منصور تنهَد : شكرًا على ثقتك الكبيرة فيني
نجلاء : شفت زعلت من كلمة وأنت تقولي معلَقات وتبيني أقول ماشاء الله على حبيبي اللي يدافع عن الحق
منصور : نجلا يا روحي أفهمي! هذي زوجة أخوي اللي ما قصَر معي بشي ويوم أستفزعته فزع ليْ! وش تبيني أسوي؟ أشوفه مقهور وأسكت! طبيعي بروح لها وبفهمها
نجلاء : ويوسف يستاهل من يفزع له ما قلت شي، بس تقهرني لما تحكي عنها يخي لا تدافع وأنت ما شفتها ولا سمعت كلامها معنا
منصور : قلت لك البنت مقهورة طبيعي بتتكلم معكم كِذا! أجل تبينها تآخذكم بالأحضان؟
نجلاء أخذت نفس عميق : طيب طيب . . خلاص سكَر الموضوع ولا تتأخر على علي . . رفعت الفراش ودخلت به لتُغطي جسدها، نظرت إليه مازال واقفًا يتأملها : ماتضايقت تطمَن.
منصور إبتسم ليجلس على السرير، أنحنى بظهره ليُقبَل خدَها : تصبحين على خير
نجلاء إبتسمت رُغمًا عنها : وأنت من أهله ، أتصل علي بس توصل
منصور : إن شاء الله . . وقف وأخذ هاتفِه : فمان الله
خرج ليلقى يوسف بوجهِه، عقد حاجبيْه : وين رايح بهالليل؟
منصور بتوتر : آآ . . مشوار
يوسف : مشوار؟ الحين؟
منصور : بتحقق معي؟
يوسف تنهَد بتعب : حقَك علينا . . صعد الدرج ليتجه ناحية غُرفته، دخل وهو يضع قدمه اليمنى خلف اليسرى وينزع حذاءه ويُكرر الحركة مع قدمِه اليمنى، رمى نفسه على السرير بإرهاقٍ واضح دون أن يغيَر ملابسه، نامت عيناه لثوانٍ حتى اهتز هاتفه بجيبه، أخرجه دون أن يفتح عينه، أنزلق الهاتف منه بحركة يده التي دفعته ليصل لقدمه وببطء شديد كان يسحبُه بساقِه دون أن يُكلف نفسه بأن يجلس ويأخذه بيدِه، بعد دقيقتيْن وصل الهاتفُ إلى أصابعه، نظر إلى المكالمة الفائتة ـ علي ـ، دخل ـ الواتس آب ـ وكتب له " وش تبي ؟ صوتي ماله خلق يرَد "
علي " كنت بسألك عن منصور بس خلاص أذلف "
يوسف " وش مشواركم ؟ "
علي " مشوار خاص "
يوسف " مالي خلق أضحك والله "
علي " أصلاً أنت لك خلق لشي؟ "
يوسف " أقول علمني بس ماني نايم لين أعرف وش عندكم ؟ "
علي " هههههههههههههههه أذبح نفسك من الفضول "
يوسف " أخلص عليَ يا حيوان "
علي " تأدب معي وقول لو سمحت يا علي ممكن تعلمني وبعدها أفكر "
يوسف " يا حيوان ممكن تعلمنن ؟ "
علي " ذبحتك الحايلية حتى كلامك تغيَر! "
يوسف بقي لثوانٍ " متنَح " حتى أستوعب كلمته، إبتسم " شايف؟ بس لعلمك تراها ما تحكي حايلي . . يالله خذ وجهك معك "
علي " طيب يا ولد عبدالله "
يوسف أغلق هاتفه ووضعه جانبًا، نظر إلى الباب الذي يُفتح، إبتسم لوالدته : هلا يمَه
والدته : جيت أتطمن عليك، اكلت شي؟
يوسف : والله يا يمه ماني مشتهي شي، بنام عشان بكرا أصحى بدري و أوَدي أهل فيصل للمستشفى
والدته : شوف عيونك كيف ذبلانة؟ من قلة الأكل والنوم، قوم أكل لِك شي
يوسف برجاء : تكفين يمه خليني أنام والله ماني مشتهي! لو أشتهيت تعرفين ولدِك يهجم على الأكل
والدته أقتربت منه : حتى تعيجزت تغيَر ملابسِك؟
يوسف بإبتسامة : لأني ميَت أبي النوم
والدته ترفع الفراش لتُغطيه : نوم العوافي يا قلبي . . .


،

تكتفت وهي تنظرُ للفراغ الذي أمامها ولظلَ سارة فقط : أكيد رجعوا للرياض! وما كلَف عُمره يقولي تراني رايح!! الله يلعنه هو وياها
سارة إلتفتت بحدَة : أثييير! قولي أيَ كلمة معفنة بس لا تلعنين
أثير : أستغفر الله، يا عسى حوبتي ما تتعدَاها!! بموت من القهر ماراح أرتاح لين أشوفها!
سارة عقدت حاجبيْها : يمكن ما راحوا! يعني يمكن رجعت لأبوها وجلس معاها بفندق أو بأي مكان ثاني
أثير : متهاوش مع أبوها مستحيل يرضى يجلس عنده! أكيد رجع الرياض . . الله يقهرها مثل ما قهرتني
سَارة : أمشي نطلع وأوصلَك البيت
أثير ضربت بقدمها الأرض : يارب أرحمني بس . . .
في جهةٍ أخرى مازالت نائمة على السرير والسكينة تنتشرُ من حولها، يدخلُ عليها بين حينٍ وآخر ممرض يطمئن عليها ويخرج دون أن يصدر ضجيجًا يوقضها، ومازالت الأجهزة تتصلُ بيدِها وملامحها السمراء الناعمة يُغطيها الجهاز الذي يبعثُ الأكسجين بأسلاكِه. المنوَم كان أثرهُ قويًا لدرجة أنها بقيت نائمة إلى الآن منذُ الصباح.
وعلى بُعد مسافاتٍ طويلة، وتحت سقفٍ مختلف يضمُ ألوانًا من المتفجرات الغازيـة، وقف رائد وأنسحب من الغرفة مع إبنه وهو يُغلقها جيدًا و رجالِه الإثنين في الداخل يُراقبان الوضع عن كُثب، لفظ قبل خروجه : موعدنا الصبح راح أوقَع عقدي مع آسلي، وما راح تتدخلون بأيَ بضاعة مُشتركة بيننا. وهذا اللي أتفقنا عليه
عبدالرحمن إلتفت لعبدالمجيد : وش صار لها؟
عبدالمجيد : تطمَن هي بخير، تعرف أفلام رائد إصابتها مو كبيرة لكنه يبالغ عشان يستفزك
رفع عبدالعزيز عينه إليهما، ليقف ويتجه ناحية النافذة، أعطاهم ظهره وأدخل كفه المجروحة من الزجاج في جيب بنطاله وعيناه تتأمل سماء باريس المُضيئة بالنجوم.
سلطان أنحنى بظهره وهو يطوَق رأسه بكلتا يديْه، هجم عليه الصُداع ولم يُبقي به خليةً صالحةً للتفكير.
عبدالمجيد : سلطان . .
سلطان : مستحيل يصير فينا كل هذا! كيف نسمح له؟
عبدالرحمن : ماعاد بإيدنا حيلة!!
سلطان : إلا، لازم نتصرف ونوقَف هالفوضى!! هو عرف كيف يلوي ذراعنا لكن إحنا قادرين نلوي له ذراعه بعد!! ليتك ما جبت فارس! لو هددناه فيه مثل ما يستعمل أسلوبه الوصخ معنا!! كان ممكن نحلَ هالموضوع
عبدالمجيد : قلت لك لا تهتَم
سلطان بغضب صرخ : لا تقولي لا تهتَم، هذا شغلي اللي مكلَف فيه ماني جالس ألعب
عبدالرحمن بحدة : صوتِك!! . . لا يعلى
سلطان وقف وهو يتنهد : أستغفر الله بس!!!
إلتفت عبدالعزيز عليهم بنظرةٍ لا تدلُ على معنى ثابت إلا أنها تحملُ كرهًا شديدًا، عاد بأنظاره للنافِذة دون أن يشاركهم الحديث بكلمة.
عبدالرحمن نظر إليه وهذه الفرصة الوحيدة التي يستطيع أن يشرح له دون تدخل رائد بالمنتصف، وقف وأقترب إليه : عبدالعزيز . .
عبدالعزيز لا يُجيبه بشيء، أردف : أسمعني للآخر وبعدها أحكم على كيفك . . والله إني شايل همَك فوق همَي
ولا يُبادله بغير الصمت، واصل بحديثه : أنت تعرف نية رائد وتدري وش مقصده بكل هذا! يبي يشتتا ويضعفنا بضعف ثقتنا في بعض، حتى أستخدم سليمان اللي ضدَه معاه! كل هذا عشان يزعزعنا، ما كان عندنا علم بتفاصيل الحادث، عرفناها مثل أيَ شخص وقلت لك كثير إننا ما ندري، ولمَا عرفنا ما قدرنا نقولِك، أنت متخيَل إنه لو عرفت بموضوع إختك بعد الحادث، راح تجذب العيون كلها لِك وبهالوقت أبوك ماهو فيه عشان يحميكم ويشرح لكم! كان واجبنا إننا نبعدك عن هالأشياء ونحاول نوصل لوقت مناسب نشرح لك فيه كل شي، أنت فكَر لو عرفت وأنت بوسط معمعتك مع رائد و إنتحالك لصالح؟ وش كان بيصير؟ أنت عشان كلمة بسيطة مننَا رحت عند رائد وقلت له إنك زوج بنتي! أفهم يا عبدالعزيز إنك إنسان عصبي لو كنت إنسان هادي كان ممكن أشياء كثيرة تغيَرت، لكن كنَا ندري إننا ما وصلنا للحُب في قلبك عشان تتقبَل موضوع إخفاءنا لخبر أختك، كنا ندري إنك بتثور في وجهنا وتتصرف بأشياء الله أعلم وش كانت بتكون!! كل الظروف في ذيك الفترة خلتنا نقول معليش بنأجل هالخبر لفترة ثانية يكون عبدالعزيز جاهز لها، ما حاولنا نضرَك بشي! ولا خططنا للحظة إننا نضرَك! حتى في البداية يوم قلت لك إبعد عن أيَ علاقة وصداقة كان قصدي ما أوجعك! ماكنت أبيك تضيق وتحزن على أحد، كنت أبيك تشغل نفسك وتشغل يومك كله من صبحه لين ليله بالشغل، والله كنت أبيك مكان أبُوك الله يرحمه وكنت عارف إنه ثقتي بقدرتك على الشغل في محلها، ساعدتنا بأشياء كثيرة، لا تجي بالنهاية تبعثر كل شي . . لا تسامحنا لكن لا توقف ضدَنا! لا تشمَت أحد فينا!!
عبدالعزيز : خلصت؟
عبدالرحمن : أقسم لك بالعلي العظيم اللي خلق فيني هالروح وأنطق لساني إني أخاف عليك وكأنك ولدِي وإنه سلطان نفسه يغليك من غلا أبوك ولا حاول ولا حتى فكَر إنه يضرَك بشي بالعكس حتى حدَته معك كان يحاول فيها إنه يكسبك ويمحي كل الحواجز اللي بينكم! ولا واحد فينا حاول يضرَك أو يسيء لك . . أحلف لك بالله يا عبدالعزيز، و من حلف لكم بالله فصدقوه . .
عبدالعزيز إلتفت عليه بكامل جسدِه : أعرف شي واحد بهالحياة، إنه الجزاء من جنس العمل، اللي صار فيكم هالفترة أثق إنه جزاءكم وهذا أقل من اللي تستحقونه فعلاً
عبدالرحمن : عبدالعزيز اللي تسويه يكسرك قبل ما يكسرنا!!
عبدالعزيز : ما بقى فيني ضلع ما كسرتوه! وش باقي عشان أكسره؟
عبدالرحمن : حط عقلك في راسك وفكَر بمنطقية ليه سوينا كِذا؟ وبتعرف إنه كل شي وكل تصرف سويناه كان عشانِك وكل خطأ صار ماكانت بدايته منَا، لكن أشتركنا فيه لمَا عرفناه لكن بعد مو بإيدنا! أحيانًا نتصرف بأشياء خارج إرادتنا ورغبتنا، أبدًا ماكانت رغبتنا إننا نبعدها عنَك، لمَا جيت باريس كنت أقول لمقرن أشياء ماني مقتنع فيها لكن ماكنت أقدر أقوله الله يرحمه غير إني أشوفك مناسب وإنك أنسب شخص ممكن يخدمنا وإنه ما وراك احد! لكن هذا ما يعني إني بغيت مضرَتك وإنه حياتك ما تهمني، بعدها عرفت بموضوع غادة وماكان بإيدنا حلَ ثاني! ماكنا ندرِي عن سليمان وكنَا نتوقع إنه قوة رائد متشعبة وإنه في كل جهة راح يواجهنا هالرائد!! كان لازم نبعد إختك عشان ما يضرَها أحد، صحيح اعتمدنا على مقرن في هالموضوع لكن ما كنَا ندري بعد إنه مقرن مجبور وخاضع لتهديد من طرفهم! . .
عبدالمجيد وقف : أبوك يا عبدالعزيز ما تقاعد كِذا بدون سبب منطقي! تقاعد عشان يبعد الأنظار عنه ويشتغل براحته لكن مع ذلك قدر يتسرب خبر معرفته بأدلة قوية وشغله فيها لرائد اللي ظلَ يهددها فترة طويلة حتى يوم الحادث اللي دخل فيه سليمان على الخط، كل التفاصيل عن الحادث عرفتها لكن أعرف شي واحد، إنه أبوك الله يرحمه بعد تقاعده أشتغل و سلَمني كل شي، كنت معاه لحظة بلحظة وإحنا نكتشف أمر سليمان ونحاول نحاصره، لكن ما كمَل أبوك وأخذ الله أمانته، وكمَلت اللي بداه مع مقرن وكنت عارف إننا نرتكب أخطاء كثيرة بحقَك يا عبدالعزيز وبحق حتى سلطان وبوسعود، لكن كنَا مجبورين عشان نكمل بحثنا ونتصرف معهم، سليمان اللي أكتشفناه أنا وأبوك قبل أكثر من سنة، قبل كَم يوم عرفوه بوسعود وسلطان! يعني حتى خبر يهم شغلهم ويحدد مصيرهم توَهم يعرفونه!! يعني فيه أشياء ما نقدر نقولها ماهو رغبة منَا لكن غصبًا عنَا، ولو أبوك عايش كان بيقولك نفس الكلام! بيقولك إننا أحيانًا نضطر نخبي جُزء من الحقيقة عشان ننجح بشغلنا! فيه أشياء كثيرة شافوها سلطان و عبدالرحمن وأنخدعوا فيها مننَا لأن كانت المصلحة وقتها إنهم ما يعرفون! وأنت بعد المصلحة وقتها كانت تقولنا إنه ماهو لازم تعرف الحين! و كنَا بنقولك بوقت مناسب، لكن سليمان أستغل الفرصة وطلَعنا بعيونك ناس حقيرة ما تفكَر فيك والحين رائد بعد كمَلها . .
سلطان من مسافةٍ طويلة بعيدًا عنهم : أكرهنا ماراح نجبرك تحبنا، ولا راح نجبرك تسامحنا، نبيك بس تفكر بأسبابنا وتفهمنا
عبدالعزيز نظر إلى سلطان، أكمل بنبرةٍ صادقة : ماهو بإيدنا، ماهو كل شي نبيه يتحقق لنا عشان سُلطتنا، لا يا عِز! أحيانًا تتحقق أشياء كثيرة رافضينها لكن مضطرين نتعامل معها وتعاملنا معها ماهو يعني موافقتنا عليها ونفس هالشي ينطبق على غادة
عبدالعزيز : لمَا ماتوا أهلك كم ضلَيت ما تعرف بالموضوع؟ . . يوم . . يومين . . ثلاث . . أسبوع؟
سلطان : شهر ونص
عبدالعزيز : وأنا أكثر من سنة يا سلطان، حرقتوني! وتقولون معليش ماهو بإيدنا، تذبحوني وتقولون بعد معليش ما قصدنا نآخذ من عُمرك حياته، وأنا معليش بعد! لا تطلبون مني فوق طاقتي! لا تحاولون تقهروني اكثر بأسبابكم اللي ما تشفع لكم!!
سلطان : وهالأسباب اللي ما تشفع لنا تخلَيك ترفع سلاحك على واحد فينا؟
عبدالعزيز : أسألك بالله لو أنت مكاني كان تقبَلت الموضوع بصدر رحب؟ أنا لو بإيدي الحين أنهيكم من على هالأرض
سلطان : ماراح أتقبَل لكن ماراح أوقف ضدهم
عبدالعزيز : همشتَوني بما فيه الكفاية
سلطان بغضب والضيقُ يغزو محاجره : لا صار على كتفك أمن وأمان شخص واحد بتعرف شعورنا الحين فما بالك بأرض وخَلق!! لا عرفت قيمة إنك ما تقدر تنام من التفكير بتفهم ليه سوينا كِذا؟ بتعرف إننا أحيانًا نمشي ونكمَل وإحنا مقتولين من الداخل!! تحسب أبوك مايعني لي شي؟ أبوك كان كل حياتي، لو أقولك ربَاني ما كذبت! وأنا رجَال طول بعرض أعاد كل أفكاري وربَاني عمليًا، بعد الله هو صاحب الفضل باللي وصلت له الآن، وتحسبنا جدران مالنا إحساس؟ بعد وفاة أهلك كنا أكثر ناس منهارين من داخلنا! وأنا فقدت أبويْ! أبوي اللي ما حمَل دمَي لكن حملت قلبه معي وين ما رحت!! لو كان لي القدرة بأني أعرف أنه كل هذا راح يصير كان حبسته بعيُوني وما خليته يروح مكان! لو كنت أدري بموضوع سليمان كان حاولت أوقفه حتى لو على حساب منصبي!! مو وحدِك اللي واجهت الموت والفقد يا عبدالعزيز! كلنا فقدنا ناس نحبَها وكلنا جرَبنا الموت، أنا أسوأ شخص ممكن تقابله في الحياة العاديَة وأتمنى إني ماني سيء كثير بالحياة العملية! وش تبي؟ وش تطلب؟ تبينا نعتذر؟ أنا أقولها لِك قدامهم الحين أنا آسف، أنا آسف يا ولد أبُويْ! تبينا نبرر لك؟ بررنا لِك؟ وش تبي منَا بالضبط؟ تبينا نبعد عنك ولا عاد تشوفنا؟ أبشر، كمَل حياتك بالمكان اللي تبيه، ماعاد راح نتدخل فيك ولا راح نجبرك تشتغل أو حتى تجي الرياض، بس نبي منك شي واحد! لا تضيَقها في وجهنا! ماندري إحنا نحيا بكرا ولا نموت، لا تضيَقها علينا وأنت تدري إنه نيتنا إتجاهك سليمة من كل هذا.
عبدالعزيز وهذه النبرة الصادِقة تًضعفه و " آسف يا ولد أبُوي " مُتعبة بإتكاءها على قلبِه الهزيل.
للمرةِ الثانية يعتذرُ ليْ! وأنا الذي سمعتُ من الجميع أن ـ آسف ـ لا يعترفُ بها سلطان ولا تخرجُ من شفتيْه، ماذا يعني أن يقولها ليْ؟ ماذا يعني أن يخصَني بها؟ أُريد أن أصدَقك ولكن كل شيء بما فيهم قلبي يُقيم حاجزًا بيني وبينكم، أشعرُ بمرارةٍ أكبر من كل شيء، وأشعرُ أن الدمع يحتبسُ بقلبي ويملئه حُزنًا في هذه الليلة، أشعرُ بأنني أحتاجُ بشدَة لأبي، محتاج أن أضع رأسي في حُجره وأشرح له حُزني، ـ يُبه ـ أشتقت أن أقولها! يا مآساتي الكبيرة و يا حُزني! مهما قُلت أعتدتُ الفُقد تصفعني الحاجَة، الحاجة لكلماتهم الخافتة و سكينة حضورهم، لو أنني ظفرتُ بدقائق أخيرة مع أبي قبل أن يرحَل، قبل أن يُغادرني ويتركني على غصنٍ جاف، يُحييه بكاءي في كل مرَة، أشتقتُك هذا كل ما في الآمر.



0 تفرقنا سنين وماجمعنا غير الجرح و ليت الجرح بعد قربه تعدانا / كاملة
0 أسرار الجمال
0 طرق تساعد على تخسيس الوزن
0 أخذتني أمل و رديتني ألم / كاملة
0 رواية وه فديتك / كاملة
0 ألا ليت القدر / كاملة
0 سما غابة الأوهام ، كاملة
0 الرجيم فوائده واضراره -1
0 كبرياء رجل وشذوذ إمرأه
0 حروفك سرقتني من بين الحضور اهيم بك دهرا ولا اكتفي.
0 فوائد بذرالقاطونة والكتان للشعر والبشرة
0 سلسلة صحتك فى دقيقة - رضا العواد
0 لمحت في شفتيها طيف مقبرتي تروي الحكايات أن الثغر معصية
0 علاج تساقط الشعر عقب الرجيم
0 خيالات مجنونه
خيالات مجنونه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2013, 02:23 AM   #108
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية خيالات مجنونه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 999
معدل تقييم المستوى: 4
خيالات مجنونه is on a distinguished road
افتراضي


النهايـة | الجُزء 81.


تَعيشُ أنْتَ وَتَبقَى
أنَا الذي مُتُّ حَقّاً
حاشاكَ يا نورَ عيني
تَلْقَى الذي أنَا ألْقَى
قد كانَ ما كانَ مني
واللهُ خيرٌ وأبقى
ولم أجدْ بينَ موتي
وبينَ هجركَ فرقا
يا أنعمَ الناسِ بالاً
إلى متى فيكَ أشقى
سَمِعْتُ عَنكَ حَديثاً
يا رَبِّ لا كانَ صِدْقَا
حاشاكَ تنقضُ عهدي
وعروتي فيكَ وثقى
وما عَهِدْتُكَ إلاّ
من أكرَمِ النّاسِ خُلْقَا
يا ألْفَ مَوْلايَ مَهْلاً
يا ألْفَ مَوْلايَ رِفْقَا
لكَ الحياة ُ فإني
أمُوتُ لا شَكّ عِشْقَا
لم يبقَ مني إلاّ
بَقِيّة ٌ لَيسَ تَبْقَى

ـ بهاء الدين زهير.


،

شحَب لونُها من الأرق والبُكاء، إلتفتت لتنظر إلى غادة الغارقة بالتفكير، أخذت نفس عميق لتقف وتجلسُ بمقابلها : ليه ما نمتي؟
غادة : مافيني نوم
ضيَ : سمعتي عبير بنفسك، قالت أنهم بخير الحمدلله بس هالمرَة شكله شغلهم مطوَل،
غادة بعينٍ تدمَع وبكلمةٍ مكسورة تعبرُ صوتها بعكازة البحَة : بتطمَن بشوفتهم، مشتهية أفرح، كل مافرحت صارت مصيبة لين بديت أخاف حتى من إحساسي بالسعادة، ودَي بس لو مرَة تتم اموري بدون لا يطلع لنا همَ جديد
ضيَ وضعت كفَها فوق كفَ غادة الدافئـة كعينيْها بهذه اللحظة، سُبحان من خلق هذه العينيْن ودقَتها، وأقتبسَها من عينيَ عبدالعزيز بذاتِ الدقَة، إن عيناهُم ـ قتَالة ـ بالوَجع، وأنا أشعرُ برعشة حزنهم، أن تقف بالمنتصف دون أن يجاورِك أحد، لا أُم تُخفف وطأة الحياة على قلبِك ولا أبَ يقرأ على رأسِك ـ آيات السكينة ـ كلمَا تزعزع أمنك، الوِحدة أن تكون الشمسُ فوقنا تحرقُ أجسادنَـا وتُبقي الروح بارِدة / مرتجفة. من يُدثَر الروح؟ لا شيء كقُرب الحبيب، أشعرُ بِك يا غادة وبهذا الحُزن المصطَف في رمشِك.
غادة بصوتٍ مخنوق : يا رب رحمتِك
ضيَ بإبتسامَة ناعمة مسحت دمعُ غادَة بأطرافِ كفَها : نامِي وارتاحي، وإن شاء الله الصباح يجينا خبر حلُو، أدري إنك تحسين بالوحدة هنا لكن كلنا جمبك، وعبدالعزيز يهمَنا والله
غادة بلعت ريقها بصعُوبة ومحاجرها تكتظَ بالدمع : بحاول أنام . .
ضيَ نظرت لعبير التي نامت أخيرًا وشعرُها المبعثر يُغطي نصف ملامحها، اقتربت منها لتُغطيها جيدًا بالفراش، وضعت يدها على بطنها، تجمدَت خُطاها اول ما شعرت بإهتزازته وحركته الخافتة في رِحمها، قفزت الإبتسامة إلى شفتيْها ودمعة رقيقة تعبرُ خدَها الأيمن.
هذه الأمومة تأتيني بفرح أكثرُ مما أستحق، لا أدري كيف أجازي هذه السعادة بشُكرٍ يليق بالله! أنا ممتنة حتى للأيام السينة التي جعلتني أشعرُ بحركة أبني، ممتنـة للحياة الناعمة التي تجيئني كلما تذكَرت أنني / أحملُ طفلاً في أحشائي، لو انَك معي يا عبدالرحمن الآن؟ لو أنَك تشعرُ بزوجتك وحبيبتك و إبنتك أيضًا! لو أرى عيناك وهي تبتسمُ لحركاتِه في بطني، ليتني أراها الآن وأشرحُ لك مقدار الحزن في بُعدِك ومقدار موْتِي في غيابك، يالله يا عبدالرحمن! تمكَنت من قلبي حدُ اللا حد.


،

في الصبَاحِ الباكر، على بُعدِ بُضع كيلومترات من حائل، إلتفت لمنصور : نريَح شوي ولا جاء الظهر رحنا لهم
منصور : إيه شف لك أيَ فندق على الطريق ننام كَم ساعة
علي وضع يده على فمه وهو يتثاءب : جاني النوم، تعال سوق بدالي لين نلقى لنا فندق
منصور : لا تكفى واللي يرحم والدِيك ميَت أبي النوم
علي : الله لا يبارك في العدُو، كله بيوت ماهنا فندق!!
منصور : إذا مالقيت شف لك أيَ ظلال وأوقف عندها، ننام بالسيارة لأن طاقتي طفَت
علي : شف الجو غيم! شكلها بتمطر . . الله يرزق الرياض المسكينة
منصور : قبل كم يوم مطرت الرياض
علي : قصدِك رشَ!! ووقف بعدها . .
منصور تنهَد : يالله عاد الحين نستلم تحليل مناخ السعودية منك وبنجلس طول الصبح كِذا
علي إبتسم : والله ناقصنا يوسف كان حلَلك المناخ صح . . . . لحظة لحظة . . فتح شُباك منصور ليقف عند إحدى الرجال : السلام عليكم أخوي
: وعليكم السلام
علي : وين نلقى فندق قريب؟
: خلَك سيدا لين يلفَ فيك الشارع يمين ثم بتَل سيدا بتلقى دوَار لفَ من عنده يسار وبيوضح لك فندق بنهاية الشارع
علي : مشكور ما تقصر . . .
في الرياض بمثل هذا الوقت كان يوسف جالس بسيارته ينتظرهم وعيناه المُتعبة تُغطيها النظارة الشمسية، ومع طُولِ إنتظاره بدأت أفكاره تنشغل بلسعِ قلبه. هيَ لم ترى فيني إلا زوجًا مؤقتا من السهل عليها أن تنفصِل عنه، وأنا لم أرى بها إلا حياةً من الصعب عليَ أن أدفنُها، وإذا دفنتُ أرضها كيف أهدمُ سماءها؟ كيف أتجاهل آثارُها الباقيَة في قلبي؟ وكيف ألمَ الحُطام الذي خلفتهُ وأنساها؟ تُمارسين يا مُهرة معي أشدُ انواع العذاب، لا أدرِي كيف استطعتِ أن تحملين ذنب غيرِك من أجل الدفاع عن أفكار والدتِك وأنا؟ من يُدافع عن قلبي؟ أنا الذي رضيتُك قناعتي بهذه الدُنيـا، وأنتِ البسيطة الناعِمة التي كان النُور يقفُ بعينيْها كلمَا حاوْلنا أن نُعتمك، ولكنكِ الآن ترتضين بهذه العُتمة؟ وأنا الذي عهدتُكِ قويَة تقمعُ الظلام بيديْها؟ أين العهدُ؟ وأين ميثاقه؟
دخلت أم فيصل : السلام عليكم
يوسف : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ريف بشقاوة قفزت لتجلس بين الكرسيْيَن الأماميَان وتنظرُ ليوسف، إبتسم لها وهو يقبَلها ويستنشق رائحتها الجميلة : كيف ريف ؟
ريف تُقلد نبرة الكبار : الحمدلله
أم فيصل بهدوء : ريف . .
يوسف : خليها عندي . . شلونك يا أم فيصل ؟
أم فيصل : بخير الحمدلله
ركبت هيفاء . . السلام عليكم
يوسف : وعليكم السلام . . . أجلس ريف بجانب هيفاء في الأمام : لا تتحركين
ريف التي تحتضن عروستها الصغيرة: طيَب
حرك سيارته مُتجهًا إلى المستشفى، وبظرفِ زمنٍ قصير ركنها في الأماكن المخصصة. نزَل ويدِه تُمسك بيَدِ ريف ومن خلفِه هيفاء و أم فيصل، صعدَا للطابق الذي يحتوي على جناحه.
صادفه الدكتور الذي أصبح صديق يوسف من أحاديثهم المكررة : يوسف ..
إلتفت عليه : صباح الخير
الدكتور : صباح النور . . عندي لك خبر حلُو
يوسف : بشَر
الدكتور : فيصل فتح عيونه وصحى، حتى تكلم معانا . . توَنا خلصنا من فحصه وتأكدنا من وعيْه التام بكل الأمور اللي حوله . .
أبتهلت عينُ والدتِه المتلهفة له، يا رحمة الله التي لا تتركنا أبدًا، وحين قُلت ـ يالله لا أقدر على رؤيته مريضًا ـ كان الجواب إستيقاظه، يا ـ روح أمك ـ التي تشتاقُك كلما باعدت بجسدِك الطرق الطويلة وأبقيْت قلبك حاضرٌ معنا، يا ـ ريحة الغالي ـ و يا السعادة التي تحتضر إذا تعبت، أمرُ مرضك ليس عاديًا، هذا المرَض تنزفُ له أرواحنا و ربَك يشهدُ على بكاءنا و غرقنا، يالله عليك يا فيصَل إن حمَلت الوجَع بجسدِك و أوجعتنا به نحنُ الذين نسكنُ صدرك ونرى الحياة بعينيْك من الطبيعي أن نفقدُ توازن الحياة بعُتمة حضورك.
يوسف رفع نظارته ليضعها فوق رأسِه : ياربي لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . . . سار بإتجاه غرفته ليفتحها بهدوء، ركضت ريف أولاً ليتبعها يوسف بإبتسامةٍ شاسعة : الحمدلله على السلامة . . حيَ بو عبدالله وحيَ هالوجه
فيصل الذي يشعرُ بثقل لسانِه، حاول أن يلفظها بإتزان ولكن خانه إتزانه واكتفى بإبتسامَة.
ريف تتأمل الأجهزة بإندهاش كبير وهي التي لم تدخل غُرفةً كهذه مُسبقًا، دارت حول نفسها فوق الكرسي الذي وقفت عليه : يعوَرك؟
فيصل هز رأسه بالرفض دون أن ينطق شيئًا. ريف بحركة سريعة جلست على السرير المرتفع بجانبِ رأسه بسبب قُرب الكرسي منه، أنحنت عليه لتُقبَله أسفل عينه اليُمنى، فيصل بتعَب واضح بحركاته الثقيلة، وضع ذراعه خلف ظهرها ليُقبَل خدها بإبتسامة ضيَقة.
اقتربت منه والدتِه وهي تُخلخل يدَها بيدِه الباردة : الحمدلله على السلامة يا أبُوي
يوسف اقترب هو الآخر ليحمل ريف حتى لا تُضايقه بحركتها . . قفزت على يديْه لتُمسك بيده وتخرج معه : هوْ مريض حيل ولا نص ونص ولا شويَة؟
يوسف يسير معها في الممر : شويَة، بس هو كان يبي يشوفكم الحين بنرجع له وتجلسين معه، بس قولي دايم الله يشفيه ويخليه وبيصير طيَب
ريف بشقاوة نبرتها : الله يشفيه ويخليه . . الله يشفيه ويخليه . . الله يشفيه ويخليه . . الله يشفيه ويخليه . .
يوسف لم يتحمَل فتنة صوتها الطفولي، حملَها بين يديْه ليغرقها بقبلاته : بآكلك مالي شغل
صخبت ضحكات ريف، يوسف أبعدها بإبتسامة : إذا جتني بنت بسمَيها ريف
ريف رفعت حاجبيْها : لا أنت بتسمَيها تهاني
يوسف بضحكة : ماشاء الله تبارك الرحمن، تتذكرين؟
ريف : إيوا قلت لي مرَة إنك تحب تهاني
يوسف إبتسم : بنتي الثانية بسمَيها ريف، أنا بكثَر نسل الأمة إن شاء الله
ريف لم تفهم كلماته : وشو نسل؟
يوسف : يعني بجيب بنات كثير وعيال كثيير . . بتصير عايلتنا كبيرة
ريف : لااااا مو حلو، بس بنت وحدة و ولد واحد
يوسف : ليه مو حلو؟ ماتبين عايلتنا تصير كبيرة؟ وفيصل يجيب عيال كثيير بعد
ريف بغيرة : لااااااا أنت تجيب كيفك بس فيصل لا
يوسف بضحكة : ليه فيصل لا ؟
ريف : فيصل ليْ بروحي أنا وهيفا وأمي
عندهُ، أجهشت عيناها الحانية بالدمع، فيصل عقد حاجبيْه وتزداد صعوبة حديثه : يمَه
والدته : يا عيونها . . لا تتعب نفسك بالكلام . . أنحنت وقبَلت جبينه حتى سقطت دمعة عليه . . الله لا يفجعني بس ولا أبكيك
هيفاء نزعت نقابها وهي تقفُ بنهاية السرير، كانت تنظرُ إليْهما دون أن تتحدَث بكلمة.
والدته : البيت بدونك ما يسوى، فقدناك كثيير
فيصل أكتفى بإبتسامة أمام مشقَة الكلام، وملامحه تزدادُ إصفرارًا بالشحُوب، كان هذا أقسى ما واجههُ طوال عُمره، أن يواجه الموت بعينٍ مفتوحة، وهو يُدرك أن لا رجلاً من بعدِه عند والدته، خاف كثيرًا من وحدَة تُصيب امه ومن حُزنًا يُصَب في قلبه، أدرك معنى درويش في قوله " وأعشق عُمري لأني إذا متَ أخجلُ من دمع أمي "، أول ما أستيقظ في ساعات الفجر الأخيرة ضلَ لثوانٍ ودقائق يتأمل المكان دون أن يصدر حركة ما، أسترجع الأحداث الأخيرة و ـ يمَه ـ التي بحثت عيناه لموضعٍ يطمئن به عليها، إلى أن دخل الممرض وتفاجئ من إستيقاظه، اقترب منه وهو يضع يده على عينيْه ليتأكد من وعيْه، لم يكن يُدرك ماذا يفعل الممرض ولكن أراد أن يرى والدتِه، همس ببحَة قاتلة : يمَه . . ليأتِه صوت الممرض : الحمدلله . . خرج ليُنادي الدكتور.
أعادتهُ والدته بصوتِها ونظراتها التي تملؤوها اللهفة، أعادتهُ لواقعِه وبترت أفكاره : طول الليل وأنا أدعي إني ما أشوفك بحالة سيئة، الحمدلله إنك صحَيت ومنَ الله عليك بالعافية، كل شي يهون دامك تحس فينا وباللي حولك . .
فيصل أحمرَت عيناه بدمعٍ مخنُوق، نظرات والدته تكسرُه جدًا وتكسرُ حتى حصون هيفاء وتُبكيها.
والدته تمسحُ ملامحه ودمعته قبل أن تسقط، إبتسمت : الحمدلله إنك بخير . .
فيصل أغمض عينه لثوانٍ طويلة حتى تتزنُ محاجره وتُبخَر دمعه، فتحها والإبتسامة تُحيي شحوبه : الحمدلله . . . نظر إلى هيفاء الواقفة بعيدًا عنهما.
والدته إلتفتت عليها : تعالي أجلسي أنا بروح أشوف ريف . . خرجت وتركتهما حتى لا تُضايقهما وبالحقيقة كانت تُريد أن ترتاح من حشد الدموع المحتبسة بداخلها ولم توَد أن يراها فيصل بهذه الحالة.
اقتربت هيفاء منه وجلست بجانبِه ويديْها تتشابك بنقابها المتوسَط حضنها، دون أن ترفع عينها الباكية له.
فيصل مدَ يدِه إليها.
كيف أُخبرك يا فيصل بأن نظرةٌ مِنك تُعيد هذا الإتزان و التوازن في الحياة، يا رب لا تجعلني أراه حزينًا أو تعيسًا أبدًا، لا قُدرة لي على تحمَل دموع الرجَال التي تُفقد قلبي وعيْه، كيف لو كان الرجُل / أنت! أشتقتُك كثيرًا، لو تدري أنني ملكتُ الكوْن هذا الصباح برؤيتك، لم أفقد أملي بشفاءِك أبدًا، ولكنني كنت أنتظر بلهفة أن أراك تُبادلني النظر.
وضعت يدها في يدِه، قرَب كفَها من شفتيْه التي قبَلتها بعُمق جعل عيناها تصبَ انهارًا من الدموع.
فيصل : لا تبكين
هيفاء بين دمعٍ مالح يضيقُ بحنجرتها نطقت : غصبًا عني، كنت راح أموت لو صار لك شي، كل ليلة أحلم فيك وأشوف نفس الصورة اللي شفتها ذيك الليلة يوم كنت على الأرض ودمَك يغرق فيك، خفت! . . من إني أفقدك! وخفت على أمك بعد . . .
فيصل شدَ على يدَها وكأنه يُريد أن يُخبرها بأنه ـ بجانبها ـ دائِمًا، أراد أن يتحدث بكلماتٍ كثيرة ولكنه صوتَه الضعيف يندَس بصدره.
هيفاء : الحمدلله إنك بخير . . الحمدلله، أمس كنت أبكِي لأنك ما تحس في وجودي واليوم تكلمني! وش كثر سعادتي فيك يا فيصل
فيصل بلع ريقه بصعُوبه وهو يُغمض عينيْه من حدَة حنجرته الجافَة، هيفاء شعرت به : لا تقولي شي، يكفيني أشوفك ويارب تقوم لنا بالسلامَة


،

تقلب كثيرًا وهو يحاول العودة إلى النوم ولم يستطِع، وقف وأخذ هاتفه ليخرج من الغرفة، اتصل على ياسر الذي تحدَث معه في بداية علاج تُركي : السلام عليكم
ياسر : وعليكم السلام . . مين معاي؟
عبدالمحسن : عبدالمحسن خالد آل متعب
ياسر : يا هلا والله . . بشرَنا عنك ؟
عبدالمحسن : بخير الحمدلله . . أتصلت عشان أتطمن على حالة تُركي
ياسر : تُركي من أسبوع هو بالسعودية
عبدالمحسن لم يتوقع ولا للحظة أن ما رأته الجوهرة حقيقة : عفوًا؟
ياسر : تُركي عندكم
عبدالمحسن : كيف يطلع بدون إذن مني؟
ياسر : با بو ريَان ماعاد له حاجة بالجلوس أكثر، أنا بنفسي حجزت له تذكرته وعلى مسؤوليتي
عبدالمحسن بغضب : فيه قوانين بالمستشفى صح كلامي ولا غلطان؟
ياسر : تُركي عرف غلطته ومحتاج وقفتك ويَاه الحين
عبدالمحسن : بس ماكان لازم يطلع بدون علمي
ياسر بهدوء : أعتذر منك لكن أنا سويت اللي شفته صح، راح أرسلك رقمه الجديد الحين وأتمنى أنك تكلمه
عبدالمحسن بعصبية أغلق الهاتف دون أن يُجيب عليه بكلمة، إتجه ناحية غُرفة الجوهرة ليفتح الباب بهدوء ويطلَ عليها، كانت نائمة بهدوء وسكينة لا يُزعزعها شيء، اقترب منها لينحني بقُبلة رقيقة على رأسها، أبعد شعرها المبعثر من وجهها وضلَ يتأملها لوقتٍ طويل حتى خرَج.
نظر إلى شاشة هاتفه التي تُضيء برسالةٍ جديدة، نزل للأسفل متجهًا إلى المجلس الخارجي.
جلس لثوانٍ طويلة يتأمل الرقم دون أن يضغط عليه، ثانية تلو الثانية حتى اتصل، أتى صوتُه الضيَق : ألو
عبدالمحسن لم يظنَ أبدًا أن صوته العائد يُقيم الحنين في قلبه : السلام عليكم
طال صمتُ تركي بعد أن سمع صوته، حتى نطق : وعليكم السلام
عبدالمحسن : الحمدلله على السلامة
كانت إجابات تُركي لا تجيء سريعًا، كانت الربكة واضحةٌ في نبرته : الله يسلمك
عبدالمحسن : وينك فيه؟
تُركي بلع ريقه بصعوبة : بفُندق
عبدالمحسن : أيَ فندق؟
تُركي : ليه؟ . . والله ماني مقرَب لكم بشي وبطلع من حياتك كلها
عبدالمحسن : أبي أشوفك
تُركي برجاء : عارف وش بتسوي! لكن والله ما عاد راح أقرَب لكم! وإذا تبيني أطلع من الشرقية بكبرها راح أطلع وأروح لأيَ مكان ثاني . .
عبدالمحسن : تُركي! قلت أبي أشوفك . . أرسلي العنوان بسرعة، بنتظرك دقيقتين وأشوف العنوان عندِي . . أغلقه وضاق قلبُه بصوتِه المتوسَل الذي يظن بأنه سوف يتعرَضُ له.

دخل رائِد ومعه آسلي ليتوسَط المكانِ أمامهم، إبتسم بإنتصارٍ لذيذ لرُوحه وهذه الضربة التي ستقصُمُ ظهورهم، جلسَ أمامهم : طبعًا عشان أضمن حقي بعد، راح أوقَعكم ولو حاولتوا تغدرون فيني بطلَع هالورقة وأقول شوفوا! حتى هُم شركاء معي . .
عبدالرحمن عقد حاجبيْه : وين ناصر؟
رائد إبتسم بإستفزاز : بالحفظ والصون طمَن قلبك . . بس نخلص إجراءات عقدنا بالأوَل
آسلي ذو الملامح العربيَة رُغم بياضِه الذي يميلُ للشقَار، دون أن ينطق كلمةٍ واحدة فتح الملفات ووزعَ الأوراق على الطاولة، نظر سلطان إليْه بنظراتٍ متفحصَة مُدققَة.
دخل فارس،و نظر إلى والدِه بنظرةٍ أراد أن يُنفذ بها رجاءه بأن لا يضرهم و جلس على الكُرسي الذي خلف مكتبِ رائد.
رائد يُمسك القلم ويوقَع على الورقة تلو الورقة، والإبتسامة لا تُفارق محيَاه، رفع عينه لعبدالمجيد : دُورك
عبدالمجيد بإستجابة لأمره، إتجه إليه وأخذ الأوراق ليوقَعها، وضعها على الطاولة ليأتِ الدور على عبدالرحمن الذي لا يدري بأيَ هم يُشغل تفكيره ومن كل جهة يهجم على جسدِه هم جديد، أنحنى ليوقَع ويشترك بعمليةٍ مُحرمة قانونيًا.
أخذ سلطان القلم منه و وقَع هو الآخر كشريكٍ في هذه المُهمة، رمى القلم على الطاولة ليُلقي بنظرةٍ متوعَدة في وجه رائد.
رائد بإبتسامة : شرفتوني يا شُركائي، مدري من دونكم وش كان راح يصير!!
عبدالعزيز دُون أن يُبالي بما يحدث : وين ناصر؟
رائد : ناصِر؟ . . بيجيك لا تخاف
عبدالمجيد بحدَة : رائد! طلَع ناصر
رائد بضحكة : قلت لكم بيطلع! هدَوا . . بعدنا ما تناقشنا ببنود إتفاقنا
عبدالرحمن : ما عاد باقي بيننا كلام! طلَع ناصر بسرعة
عبدالمجيد نظر إلى آسلي بنظرةٍ أثارت الريبة في نفس رائد، آسلي وقف وهو يُلملم أوراقِه، اقترب من رائد أكثر وهو يُسقط ورقة بجانب قدمِه، أنحنى ليأخذها ويقف بجوارِه، بحركةٍ مُخادِعة كان يُريد أن يدخل هاتفه بجيبه ولكن سحب السلاح من حزامه و وضعه على رأس رائد.
فارس وقف بصدمَة، تبعتها نظرات سلطان وعبدالرحمن وعبدالعزيز أما عبدالمجيد فكان ينتظرُ هذه اللحظة.
رائد تجمدَت ملامحه أمام فوهة السلاح المُلتصقة برأسه، كل رجاله الذين حوله أخرجُوا أسلحتهم الموجَهة إلى ـ آسلي ـ
رائد بحدَة موجَهة لرجاله : وش تنتظرون؟
آسلي شدَه من رقبته أكثر وبلكنةٍ نجديَة صدمتهُ صدمةً قاسية : لو قرَب واحد منهم ماراح يحصلك خير
تجمدَت نظرات الجميع عندما ضجَت مسامعهم بنبرته العربيَة، لم يتوقعوا ولا في الخيال أن ـ آسلي ـ خدعـة.
فارس اقترب غير مُباليًا لتأتِ صرخة والده : أبـــعـــد
فارس بعُقدة حاجبيْه : ماراح أبعد . .
عبدالمجيد : فارس
فارس بصراخ إلتفت عليه : ما قلت لي إنه بيصير كِذا!!!
عبدالمجيد : وأنا عند كلمتي . . فارس أبعِد
فارس : ماراح أبعد . . اقترب بخُطاه إلى والدِه، بنظراتٍ حادة من ـ آسلي ـ : إذا تبي سلامة أبوك أبعِد
وقف بلا حولٍ ولا قوَة، نظر إلى عينيَ والدِه بنظراتٍ أراد أن يسحبُ بها روح والدِه ويحبسها بداخلِه، أراد أن يقتبسُ هذه النظرات من عينيْه ويضعها في جيب قلبه.
عبدالمجيد : سنين وسنين وإحنا نحاول نوقفِك، كان لازم تعرف إنه العدالة راح تُقام في يوم وإنه لذتِك ماراح تدُوم
رائد : شايف كم شخص حولي؟ بغمضة عين راح تنتهون بدون لا تثيرون شفقتي
عبدالمجيد : وبغمضة عين راح تنتهي بعد . . عبدالملك . .
عبدالملك ( آسلي ) : بهدوء راح تمشي قدامي وأيَ تعرض أو حركة من أحد رجالِك راح يعرَضك للموت ماهو للخطر بس!! مفهوم كلامي؟
ضجَ صوتُ سياراتِ الشرطة المحاصرة للمكان في الوقت المناسب، أردف : خلهم يرمون أسلحتهم
بنظراتٍ من رائد دون ان ينطق كلمة رمَى رجاله كل الأسلحة التي بحوْزتهم، عبدالملك : الشرطة تنتظرك! ماعاد فيه أيَ مجال للهرب ومثل ما قلت لك محاولتك للهرب راح تنهيك.
رائد عضَ بأسنانه شفتِه السفليَة، لا يتحمل أن يُهزم في أوَج إنتصاره.
سَار خطوات قليلة أمام أنظار فارس التي تضيقُ شيئًا فشيئًا، رائد بتهور دفع بقدمِه ساق عبدالملك، ليشدَه عبدالملك أكثر ويُسقطه على الأرض، تقدَم أحد رجال رائِد ليُمسك ذراع عبدالملك و يحاول أنَ يُخلَصها من السلاح، وبجُزءٍ من الثانيـة أنطلقت رصاصة والمُفاجئة أنها كانت من يدِ إحدى رجاله وليس عبدالملك، أصابت الجزء الأيسر من صدرِه ليسقط على ظهره، بتهورٍ من ذاتِ الرجُل أنطلقت رصاصة أخرى بجانب إصابته الأولى، ضجَ المكان بصوتِ الرصاص حتى تدخلت أفراد الشرطة وبدأت تُمسك رجال رائد بأكملهم ومعهم سليمان.
عبدالعزيز أرتعش قلبه من منظر رائد، و صدمَة فارس التي أمامه.
سقط فارس على ركبتيْه وهو يقترب من والدِه : يـبـــه! . . يبببه . . . صرخ بقوَة : يبــــــــــه . . . يبه . .
بكَى دون أن يُحاول أن يُمسك نفسه، تساقطت دموعه كنزيفٍ من الدماء الثائرة، وضع يدِه على صدرِ والده المُبلل بالحُمرة وعينا رائد مُغمضَة فقدت الحياة، ضرب صدرِ والده كثير بكفيَه وهو يُردد بأنين يُشبه أنين الأطفال الذين تاهوا في الدُنيا، فقد الإتزان وعقله تمامًا وهو غير مُصدَق هذه الحُمرة التي تُغرق المكان : لا تتركني! . . لا تتركني . .. قوووم . . . صرخ . . قوووووووم . . . وضع رأسه على صدرِ والده وهو يجهشُ بالبكاء وبدأ الغاز يتسرَب والمتفجرات تعملُ عملها بالعد التنازلي للدقائق البسيطة.
عبدالمجيد حاول أن يسحب فارس الذي دفعه : ما يموت . . مستحيل يموووت ويتركني
سلطان أختنق وهو يفتحُ أزارير قميصه، عبدالعزيز بخُطى سريعة خرج وهو ينزل للأسفل، إلتفت يمينه وشماله يبحثُ عن ناصر، أندلعت النارُ أمامه ليبتعد، صرخ حتى يسمعه : ناصـــــر!! . . . أتى إحدى رجال الأمن ليُخرجه.
عبدالعزيز دفعه عنه ليسحبه الرجل مرةً أخرى، صرخ بوجهه بالفرنسيـة : لِيس موَا " laissez moi = أتركني "
اقترب أكثر وهو يُنادِي بصوتٍ أعلى : ناصصصر! . . .
في الأعلى كان يُرثي والدِه بأشدَ انواع البكاء و القهر، تبللت ملابسه بدماءِ والده وهو يُنادي ـ يبه ـ حتى بحَ صوتِه ولم يلقى سوى الصدَى، لم يُبالي بالإختناق الذي يواجهه من الغاز المتفجَر بالمنزل ويُدرك أن عدَة ثواني وسينفجر كل هذا.
لا حياة تنتظرنِي دُونِك، لا أريد العيْش! أنا أُقبل على الموت بشهيةٍ مفتوحة يا والدِي، ردَ عليَ قُل أنك تسمعني! قُل أنك هُنا معي، لا تصمت، هذا الصمت لا يليقُ بِك، قُل ـ ولدي فارس ـ حتى أطمئن أنَك بخير، قُلها، لا تصمُت! لا يُمكنك أن تموت هكذا وأنت وعدتني أن تبقى معي دائِمًا مهما تعارضتُ معك، لا يُمكنك يا ـ أبي ـ أن تفعل هذا بيْ! لا بُد أن تقاوم! لا بُد أن أسمع صوتِك وحالاً.
همس : يُبه . . يا رُوح ولدِك، يا روح فارس كيف تترك هالرُوح؟
اقترب منه عبدالمجيد مرةً أخرى وهو يجلسُ على ركبتيْه بجانبه : فارس
فارس : قويَ! يقدر يقاوم! أعرفه يقدر . . صابوه كثير لكن قام . .
عبدالمجيد سعل من الجو الملوَث : قوم . . قوم معي
فارس أخفض رأسه ليجهش بالبكاء وأنينه يشطرُ عبدالمجيد : ليه سوَا كِذا؟ ليــــه؟
دخل رجُلان يحملان سرير الإسعاف حتى يضعون رائد عليه ويُخرجونه من المنزل.
فارس نظر إلى والدِه نظرةً أخيرة، أنحنى ليُقبَل رأسه وهو يبكِي فُقدَه، أطال بتقبيله حتى ألتصق أنفُه بجبين والدِه وعيناه تئنَ وتغصَ بالدمع، كانت صرخاتِه فوق أيَ رجُولةٍ تحاول أن تُكابر أمام بُكاءه، صرخاتِه كان ظلَها / حاد في صوتِه المبحوح. ومازال يحاول أن يسترجعُ صوتِه بنداء والده.
كُنت أريد أن اقول لك قبل أن ترحل، أنني آسف على كل لحظة تذمرتُ فيها منك، أنني آسف على كل لحظة لم أقف بها بجانبِك، إنني آسف على كل لحظة رأيتُك بها ولم أقُل لك " أن حظي بائسٌ بعملك المُحرَم وحظي الجميل أنَك أبي " . . أنا آسف لأنني لم أستطيع أن أوقف شرَ أعمالك، ولم أستطع أن أغيَرك، ليتني حاولت أكثر! ليتني جعلتُك تموت بسلامٍ أكبر، أنا آسف لأنني لستُ بخير الآن وأنت الذي كُنت تقول لي دائِمًا " يهمني تكون بخير "، رحلت الآن! وكيف أجد شخصًا يُخبرني بذاتِ القوْل.
حضن رأس والدِه وهو يقربه من صدرِه ويشمَ رائحته للمرةِ الأخيرة، كان يُقبل جبينه مرارًا وهو لا يُريد ان يتركه.
تقدم الرجلان حتى يحملا جسدِه، فارس برجاء : قولهم بس دقيقة . . بس دقيقة
عبدالمجيد الذي لا تدمعُ عيناه الا نادِرًا، صعدت الحُمرة في أوَجها على حال فارس، أشار للرجلان بالإنتظار قليلاً رُغم أنه لا مجال للإنتظار أمام تصاعد الغاز.
أريد أن أحبس رائحتِك فيَ، أن أحملُك معي، لِمَ رحلت؟ لِمَ؟! يا من أفديِه برُوحي و إن طلب عيني لأخترتُ العمَى، طعمُ اليُتم وأنا بهذا العُمر لاذع يا أبي! طعمُه مرَ لم أعتادِه رُغم بعدك عني في أيامٍ كثيرة، ولكن لا أحتمل بُعدك عُمرًا بأكمله، يا رُوح روحِي، لِمَ فعلت بنفسك هذا؟ لِمَ قتلتني وقتلتَ نفسُك؟ كيف سأواصِلك؟ كيف سأسمعُ صوتِك إن أشتقتُ إليْك؟ إبنُك ضعيف جدًا أمام شيئين أنت أحدهُما، من يربتُ على كتفي؟ من أُخبره عن عشقي و أحلامي؟ من سيستهزأُ بي الآن بكلماتِه. من سيقُول ليْ " خلَ الشِعر ينفعك! " من سأخبره بقصائدي وكتاباتي؟ من سأغني له مقاطعٍ شعرية كتبتُها، من سأُعيد على مسامعه كلما رأيته " يبه إحنا من قومٍ إذا عشقوا ماتوا " لمن أقولها من بعدِك؟ أنا لا أبكِي! رُبما هذا نوعٌ من الموْت.
عبدالمجيد وقف بعد أن إزداد إختناقِه، ومسك ذراعِ فارس : خلاص . .
فارس ترك رأس والدِه ليسقط بقوَة على السرير الذي سيُحمل عليه إلى ثلاجة الموتى.
اقتربت يدِه من يدِ والده ليقربَها من شفتيْه ويُغرقها بالقُبل، أستشنق رائحته بلهفةٍ وحنين يبدأُ من هذه اللحظة، صبَرني يالله! صبَرني قبل أن أفقدُ قلبي معه.
عبدالمجيد : قل إنا لله وإنا إليه راجعون . .
فارس تصاعدت أنفاسه المضطربَة وضجَ صوتُ رجفته : إنا لله وإنا إليه راجعون . . .
في الأسفَل كان عبدالرحمن يوقَع على أمرٍ أمنِي مختصَ بالشرطة، سلطان بحث بعينيْه عن عبدالعزيز ليسير إلى الداخل بإنشغال عبدالرحمن الذي كان يحسبُ ان عبدالعزيز خرَج.
دخل لأول ممَر ليُنادي وهو يضع الكمام على وجهه : عبدالــــعزيــــــز . . .
نادى مرارًا وتكرارًا وهو يتقدَم أكثر للنار المُندلعة في الطابق السُفلي : عــــــز!!!
بحث بعينيْه ليأخذ قطعةً خشبية مرمية على الأرض ويحاول أن يقترب بها من النار حتى لا تُصيب وجهه.
صرخ بقوَة أكبر : عـــــــز!
أقترب منه إحدى رجال الإطفاء ودون أن يلفظ كلمةٍ واحد أشار له بيدِه إلى مكان على يمينه، إتجه إليْه سلطان لينظر لعبدالعزيز الذي يبحثُ بكل غرفة تواجهه رُغم النار التي تُحرق المكان : عبدالعزيز . . . مسكه من ذراعه
عبدالعزيز إلتفت عليه بإضطرابِ أنفاسه المختنقة : وين ناصر؟ . . .
سلطان : يدورونه . . أطلع . .
عبدالعزيز يسحب ذراعه من بين يديْه ليصرخ : نـــــــــاصر!!
سلطان بخضوع لفعلٍ عبدالعزيز بدأ يبحث معه، وبكل لحظةٍ تمرَ يتضاءل الأملُ بداخلِه.
إلا أنت يا ناصر! لا تُخفيني بأمرِك هكذا، لا تقتلني أكثر ورُوحي لم تعَد تتحمَل موتٌ آخر، لا تفعلها أرجُوك! لا تفعلها برفِيق عُمرك الذي أساء إليْك ولكنه عاد، عاد من أجل العُمر الذي مضى بيننا، أنت تعلم أنني لا أقدر على العيْش دُونك! أنت الذي تُشاركني الحزن بقدر ما تُشاركني الفرح، كُنت دائِمًا معي! وكنت تستنطقُ صمتِي بعينيْك، يا من علَم عيني الدمع و أخبرتني دائِمًا " لا تشكِي ليْ! إبكي معي " لا تفعلها من أجل الله، وتقتلني.
سلطان أنتبه لقطعة الزجاج القريبة من رقبة عبدالعزيز وسحبها لتدخل بكفَه، قاوم وجَعه وهو يشعرُ بفتات الزجاج بباطن يدِه، وقف قليلاً ليُخرج قطعة الزجاج الصغيرة، دخل غرفةٍ اخرى : ماهو موجود!!
عبدالعزيز : ما دوروه!. .
سلطان : والله دوروه الرجال قبل شويَ!! وبيدخلون الإطفائيين الحين يدورونه!
عبدالعزيز : مُستحيل وين أختفى؟ . . . صرخ بأعلى ما يملكُ من نبرة . . . ناااااااااصر
وأين ناصر؟ أينَك يا شاعرُنا الذي كان يروينـا بكلماته كلما جفَ المزاج وفسَد، أينَك يا رُوحنـا التي تُشاركنا وتحبسنا بداخلها دائِمًا؟ أينَك يا وجُودِنا في حضرة وجودِك، يا من تُمثلنَا بقلبِك وتشهدُ لنا؟ أينَك يا بحَة صوتي الحزينَـة حين تضيق الكلمات في حُنجرتي؟ كل شيء فاتُنا حتى الضحكَة، علَم هذا الصدَى الحديث إن كان النداء / مبحُوح، وعلَم هذه النار بجسدِك إن كان الجسدُ لا يرَد لنا الكلمات! ناديتُك بأقصى حُمرة في دمائِي ولم تُجيبني؟ أينَـك؟ أخافُ عليَ من ضياعي و حشرجَة الجفاف في جلدي.
سعَل عبدالعزيز كثيرًا إثر الإختناق، وبدأ تركيزه يضطرب، بحدَة من سلطان لم تترك لعبدالعزيز أيَ مجال، ألصقه بالجدار ونزع كمامه ليضعه عليه : يمكن طلع . . . . . سَار عبدالعزيز أمامه وهو من خلفه للخروج بخيبةِ أملٍ كبيرة، ثوانٍ قليلة حتى أصابتهم أشعة شمس باريس، بحث بنظراتِه عنه في الطُرق الطويلة المقابلة له! أأيجب أن أخاف الآن؟
نزع الكمام ليأخذ قارورة المياه التي امتدَت له، أفرغها بجوْفِه، ليلتفت على سلطان : كيف يطلع؟
سلطان ابتعد قليلاً وهو يسعَل ببحَة موجعة، أخذ منديل ليُلاحظ الدماء التي تندفعُ من بين شفتيْه، أدرك أن جرح لثتِه، اقترب منه عبدالعزيز ليمدَ له الماء، تمضمض سلطان به وبدأ الإصفرار يتضح على ملامحه، مسح وجهه بالمياه الباردَة، نظر إلى عبدالعزيز : يمكن طلع لمَا صعدوا رجال رائد لفوق، لأن مافيه أيَ شخص بالدور الأوَل
عبدالعزيز رفع عينه للدُخان المتصاعد من المنزل بعد أن أنفجرت النار به، وهو يدعو أن لا يكون ناصر بداخله.
اقترب عبدالرحمن منهم : راح عبدالمجيد مع فارس، . . أنتبه لوجه سلطان ويدِه . . . وش فيك؟
سلطان : دخلت فيني قطعة قزاز،
إلتفت عبدالرحمن لإحدى المُسعفين ليقترب منهم بنظرة فهمها، فتح شنطتِه ومازال إزدحام الأمن في الحيَ يضجَ في هذه الأثناء.
عقَم جرحه ولفَه كفَه بالشاش، ونظر إلى عبدالعزيز إن كان يحتاج شيء، دون أن يترك مجال لعبدالعزيز بالمناقشة أخذ كفَه ليُطهَر جرحها الذي طال منذُ الأمس، ولفَها ـ بالشاش ـ أيضًا.
عبدالرحمن : شكرًا . .
عبدالعزيز : وين الفندق؟
عبدالرحمن : بخليهم يوصلونك
عبدالعزيز ضغط على جفنيْه بشدَة إثر الصُداع الذي هاجمه، تنهَد : طيب
سلطان : أنا بروح لعبدالمجيد
عبدالرحمن : بجيكم، بس بمَر المستشفى وأتطمن
عبدالعزيز الذي أغمض عينيْه فتحها من لفظ ـ المستشفى ـ وأمال شفتِه السفليَة بأسنانِه.
أبسطُ الحركات وأدقَها كانت دليلٌ واضح على العراك الذي يجري في قلبه، مشَط بأصابعه شعره من مقدَمة رأسِه وهو يُريد أن يفكر بإتجاهٍ واحد، لا يُخالطه أيَ إتجاه آخر ولكن هذا ما لا يرضاهُ قلبه.
: بروح معاك المستشفى
عبدالرحمن إتسعت محاجره بالدهشَة ولكنه لم يبيَن له : طيب . . خلنا نمشي
في الرياض، إتسعت إبتسامته بعد سهرٍ منذُ الليلة الفائتة حتى وصل الخبر أخيرًا، القبض على سليمان و موْت رائد إثر طلقةٍ اتت من إحدى رجاله، عبدالله و أول ردةِ فعلٍ كانت سجدَة شكرٍ في منتصف الممَر.
اللهم لك الحمدُ والشكر كما ينبغي لجلال وجهِك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه.
يالله! على كرمِك وأنت تُثلج صدورنا بخبرٍ أنتظرناه لسنين، يالله على السعادة التي تأتِ من هذا الخبر، والجميعُ بخير أيضًا! ياربي لك الحمد . . ياربي لك الحمد.
تهللت وجوههم جميعًا وهم يكررون الحمَد والشهادة، لذَة النجاح بعد تعبِ سنينٍ مضَت لا تُضاهيها لذَة، كان كالحلم! وأصبح حقيقة، كان بمقدرتنا أن نقبض عليهم منذُ اول لحظة ولكن كنَا نعلم أنه سيخرج من بعدهم واحدًا وإثنين وثلاثة، لكننا عملنا على مبدأ واحد، أن نًضعفهم ونستأصلهم، يالله! سيطير قلبي من فرحه، سيُجَن تمامًا.
كانت الإبتسامات مُبكيَة من شدَة فرحها، هذا الفرح الذي طال إنتظاره، لم يكن فرحًا لفردٍ واحد بل لإدارة كاملة تعبت ونالت حصاد تعبه.
في باريس، اقترب سلطان من حديقةٍ صغيرة بين البيُوت ولا أحد بها من الثلج، دخلها وهو يحتاج أن يسجُد بأيَ مكانٍ كان، سجد على الأرضِ الباردة، لتسقطُ من عينه اليسرى دمعةٌ وحيدة كانت رسالة ضيَقة لِـ / سلطان العيد.
رفع من السجود ليتنهَد تنهيدةً طويلة، بقيَ جالِسًا على الأرض، همس : الحمدلله
أدخل كفَه التي يلفَها الشاش الأبيض في جيب معطفه ليستشعر هاتفه، أخرجه وفتحه ليجد كمَا من الإتصالات من ـ عمته و عبدالمحسن و عبدالله و أشخاصًا آخرين ـ، ضغط على عينِه التي شعر وكأن نارًا تُحرقها، إتصل على ـ الجوهرة ـ.
كانت واقفة أمام المرآة الطويلَة وهي ترتدِي بلوزتها، انتبهت لإهتزاز الهاتف على السرير، شعرت بغثيَان بأولِ خطوة أقتربت فيها من هاتفها، عادت للخلف لتتجه نحوَ الحمام، تقيأت إثر معدتها الفارغة التي تستثير الغثيان، اغتسلت وتمضمضت، إلتفتت لوالدتها التي دخلت الغرفة : إنزلي إكلي لك شي
الجوهرة وضعت يدها على بطنها : يمَه تكفين أبي زنجبيل أحس معدتي تقلب
والدتها : الحين أسويه لك، بس أنزلي عشان تآكلين شي
الجوهرة : بجيك . . إتجهت نحو سريرها، جلست وأخذت هاتفها، كانت في طورْ أن تزفر شهيقها ولكن تجمدَت عندما رأت إسمه ـ مكالمة فائتة ـ، يُربكني إسمك فما بالُك بصوتِك؟
رفعت شَعرها بيديْها وربطته بخصلة، مسحت على وجهها لتأخذ نفس عميق وضغطت على إسمه، ثوانٍ قصيرة حتى أجابها : ألو
الجوهرة بللت شفتيْها بلسانِها إثر ربكتها : مساء الخير
سلطان : مساء النور
طال الصمت بعد تحيَةٍ روتينية لتقطعه الجُوهرة : ما كنت عند الجوَال قبل شويَ
برب السماء لِمَ اتصلت يا أنا؟ ماذا أُريد منها؟ وعن ماذا أسألها؟ كنت أُريد فقط أن أسمع صوتِك دون أن أخطو خطوةً واحِدة للأمام، من أيَ أرضٍ جئتِ؟ وبأيَ بُركانٍ أثرتِ حممه في داخلي؟ تهشَم غصنُ الكلام، وأيَ نبرةٍ تُجمع حُطامَه؟ أوقعتِ في ظرفِ أيام على قلبي / خُضرته و في جُزء من هذه الأيام أيضًا بددتي الربيع الذي أعشبَ صدري، من أيَ شيءٍ خُلقتِ حتى تقُيمين بصوتكِ إحتلالًا كاملاً لا مفَر منه، أنا لا أفتقدُكِ! أنا أمُوتِك. و أنا لا أكابر أنا رُغمًا عني أصدَ عنكِ، لو أنَ الطريقُ ممهدٌ أمامي لقولِ شيء يجعلني أتمسك بكِ أكثر! لو أنه فقط يُتيح لي فرصة هذا القوْل لمَا ترددَتُ لحظة ولكنني أعرفُ نفسي " أشقِي عُمري دايم ".
الجوهرة زادَها هذا الصمتُ ربكة وسارت الرعشةُ بإتجاه قلبها الذي انتفض بصوتِ أنفاسه المبعثرة التي تصله.
بجمُودِ حاولت أن تحبس بداخله الفيضان الذي يُقيمه صوتِه : تآمرني بشي؟
أأمرُكِ بالحُب و بممارسَة الحُب جهرًا، أما زلتِ تُفضلَين الخفاء؟
سلطان : أتصلت أتطمَن
الجوهرة بلعت ريقها بصعُوبَة : أمورنا تمام . . أنا وولدك
سلطان : الحمدلله،
من أجل الله ماذا تفعل يا سلطان؟ ماذا تُريد أن تصِل إليْه؟ يا رجلاً أعزَني بالهوَى بقدر ما أذلَني، و بدَد العالمين بملامِحه وسكنني! يا رجُلاً يخضعُ له القلب عمدًا رُغم قسوتِك، وعجبتُ من قلبِي الذي يهفُو إلى ظالمٍ! عجبتُ من عيني التي مازالت ترتبك ويرتجفُ رمشها من حدَة صوتِك، عجبتُ من ـ أحبك ـ التي مازالت تتكاثرُ وتُعشَب في صدري، يا رجُلاً أبقاني على حافة الإنهيار وهو إتزاني! كيف أطيقُ البُعدَ عنكَ وأنت مركزُ توازني؟ يا حدَة السُمرة في ملامِحك و يا شقائي بها، يا شقائي بمقطعُ إسمك الذي يبعثرني رُغم صلاتِي وسكينتي، كيف أتجاوزك؟ وأنتَ قَدرٌ لا أُلام على مصائبه، وكيف أُلام؟ و أعظم مصيبة عيناكَ سببها، يا قلبي المُعنَى بأسبابِك إنني لا أدلَ طريقًا لا تُقاطعني بها ظلالِك.
سلطان حكَ جبينه وهو يُردف : محتاجة شي؟
أحتاجُ عيناك، وأمرَ بحاجة شديدة لبريقها.
الجوهرة : لا . . مع السلامة
سلطان : بحفظ الرحمن . . . أغلقه دون أن يقدر على قوْل كلمةٍ واحدة من الكلمات المتزاحمة في صدرِه.


،

أرتدت مُهرة عباءتها بعد أن علِمت بوجودِه، أخذت نقابها لتنظر لوالدتها : لا تخافين ماني قايلة شي
والدتها : دارية إنتس ماراح تقولين شي بس تذكري إنه أهلتس هِنيَا ويوسف ماراح يبقى لك طول العُمر
مُهرة بضيق لبست نقابها ونزلت للأسفل، دخلت للمجلس وبطرفه جلست في حين أن منصور كان يجلسُ بعيدًا عنها : السلام عليكم
مُهرة : وعليكم السلام
منصور : شلونِك؟
مُهرة : بخير الحمدلله
منصور بتوتر : أنا جايَك اليوم وأبي أقولك اللي عندي وأبيك تسمعيني لين الآخر . . . . صمت قليلاً حتى أردف . . يوسف ما يدري بجيَتي لِك ولا أبيه يدري، أنا عارف إنه مشكلتك الأساسية معي ماهي مع يوسف، بس بقولك أنه ما لأحَد حق أنه يوقَف حياتِك، إحنا مانشوفك أخت فهد اللي صارت لنا قضية بإسمه، إحنا نشوفك زوجة يوسف وبس! إذا أنتِ تعتبرين إنه اساس زواجك من يوسف هالمُشكلة وبمجرد ما أنحلَت فخلاص ماله داعي هالزواج فانتِ غلطانة، لأن من أول يوم كنا ندري بأنه فهد قضيته مو مثل ماهي مذكورة وكان الكل يعرف بأنه مالي أيَ يد في اللي صار، لكن رُغم هذا كنَا نعاملك على أساس زوجة يوسف لا أكثر ولا أقل، وأمي أعتبرتك وحدة من بناتها! وإن كان أحد ضايقك بكلمة أنا بنفسي الحين أعتذر لك، يوسف ماله أيَ ذنب بوصول الخبر لك الحين! لأنه كان يعرف بأنه مالي علاقة وأخوك الله يرحمه تورَط معهم لكن ماكان يربط مصيره بمصير أهله، وأنتِ لا تربطين مصيرك بمصير أهلك!! هذا شي فات وأنتهى من سنَة، والحكي بالماضي لا راح يقدَم ولا يزيد، أبدأي صفحة جديدة وأنسي اللي فات، وصدقيني محد بيتذكره! إلا أنتِ! إذا حاولتي تنبشين فيه كل مرَة، مافيه عايلة بهالوجود كاملة! وأفرادها كلهم مثاليين! لكن مافيه عايلة بعد تصير ضحية فرد واحِد، وأنتِ لا تصيرين ضحية اخوك بعد!! أقتنعي بمسألة إنه مالك أيَ علاقة وذنب باللي صار، ذنبك الحين إنك تربطين مصيرك بمصير غيرك، يا مُهرة أنتِ مالك دخل في أحد! ولا لِك دخَل باللي صار قبل، أنا أعرف أنه أخوك ومن حقك تعرفين كل صغيرة وكبيرة عنه لكن شي صار وأنتهى، تشوفين إنه يوسف يستحق منك كل هذا؟ هو يبيك أنتِ بحاضرك ما يبيك بماضيَيك!! لا تدمرين نفسك وتدمرينه معك! لا أنتِ تستاهلين التعاسة عشان أهلك ولا هو يستاهل الحزن عشان رغبتك!!
مُهرة بضيق صوتها المتحشرج : أنا ما أقبل إني أحس وكأني مفروضة عليكم
منصور بإنفعال : منتِ مفروضة والله منتِ مفروضة! يوسف يبيك وأبوي وأمي وخواتي متقبلين وجودك وفرحانين فيك!! وحتى يوسف صرت أحس بسعادته معاك رُغم كل شي!! لا تهدمين حياتك بهالطريقة! اللي تسوينه أكبر غلط بحق نفسك قبل لا يكون بحق يوسف
مُهرة : ما بُني على باطل فهو باطل
منصور : و ربَ ضارة حسنَة بعد!! بس فكري وخذي وقتك بالتفكير أكثر قبل لا تندمين وإذا فكرتي بجهة أهلي تأكدي إننا كلنا نبيك ومنتِ مفروضة على أحد!


،

يجلسُ بمقابله دون أن يرفع عينِه وينظرُ إليْه، تشابكت يدِه ببعضها ولا كلمات تحضرُ في صوتِه، أقشعرَ جسدِه من هذا الصمت الذي يُربك قلبه.
لا أنتظر مغفرة عبدالمحسن، أعرفُ جيدًا أنه من المستحيل أن يُسامحني بسهولة، أحتاجُ عمرًا يوازي الثمانية سنوات التي مرَت حتى يتجاهل ما حدث لإبنته، ولكن لن ينسى! لن يقدر على محوِ شيءٍ وضعتهُ نصب عينيْه على الدوام، ولكن أسألُ الله أن يليَنه عليَ، أن يعطيني فرصة واحدة حتى أُصحَح ما حدث، لو أن الأمر بيدي لكرهتُها، لنفرتُ منها، ولكنها تمكَنت مني، كان حُبها أقوى من أن أواجهه لوحدِي، كنت أراها بمواصفات شريكة حياتي حتى لعنتُ أنها ـ إبنة أخي ـ وهذا التصنيف الذي يجعل من أمر إجتماعنا مستحيلاً، حاولت أن أنساها ولكنني جُننت بها حتى تجرَدت من كل المسميات وأردتُها زوجتي، عشقتُها ومازلت، أنا لا قُدرة لي على محو الجوهرة بهذه السهولة. ولكن سأحاول! سأحاول أن أعُود لنفسي التي كانت حيَة قبل 8 سنوات.
عبدالمحسن : وش أخبارك؟
تُركي بإقتضاب : بخير
عبدالمحسن : كلَمت ياسر وقالي أخبارك بس أبي أسمعها منك
تُركي بضيق : أيَ أخبار؟
عبدالمحسن : ماراح تقولي ليه رجعت؟
تُركي نظر إليه وسُرعان ما شتتَ نظراتِه : آسف
عبدالمحسن أشتَد ضيقه : على ؟
تُركي تلألأت عيناه بالدمع : خنت ثقتك، بس والله ماكانت غايتي أضايق أحد، كنت بس . . .
تحشرج صوتِه ولم يقدر على مواصلة الحديث، عبدالمحسن : تُركي
تُركي يُكمل بصوتٍ يُضعفه ـ قبضة الدمع ـ عليه : أنجنَيت والله فيها! وما كنت أبي أضرَها بشي، بس الحين حالف ما عاد أقرَب لها كنت أبي أشوفها قبل كم يوم لكن ما خلتني أقولها كلمة وحدة، بس والله ماعاد بقرَب لها، وأصلاً قلت راح أنقل لأيَ منطقة ثانية بعيد عنكم
قامت صلاة العصَر و تسلل إلى مسامعهما ـ الله أكبر ـ، وقف عبدالمحسن وبأمر : أمش معي نصلي . .
تُركي كان ينتظر منه ردَة فعلٍ على حديثه ولم يجد شيئًا، وقف وتبعه حتى دخلا إلى المسجد المجاور للفندق.
صلَى بجانب أخيه بعد عهدٍ طويل لم يُصلي به مع عبدالمحسن، أخذ نفس عميق وهو يُغمض عينه حتى كبَر بعد الإمام.
أنتهت الركعة الأولى وبعدها الثانية إلى أن أتى التشهدُ الأخير والسلام، وبإيمانٍ تام بمعجزة الدعاء لفظ تُركي " يارب ليَن قلبهُ عليَ، يارب ليَنه و أنزع حُبها من صدري ".
إلتفت لعبدالمحسن بعد أن بدأ الرجال يخرجون من المسجد، بتردد كبير أقترب وأنحنى ليُقبَل رأسه، قبَله حتى أجهشت عيناه، حاول أن يمسك نفسه ولكن البُكاء على المعاصِي أشدَ حرقة على النَفس.
عبدالمحسن تجمَد بمكانه دون أن يلتفت أو يحاول أن يرفع عينه عليه، صوتُ بكائِه كان يشطرُه بإستمرار، أخذ نفَس عميق، وهو يحاول بجَد أن لا يفقد توازنه، أخفضَ تُركي رأسه وهو يُكرر ـ الأسف ـ في كل دمعةٍ يذرفها.
إلتفت عليه عبدالمحسن بكامل جسدِه، أحاط رأس أخيه بيديْه ورفعه لينظر إليه : اجبرتني يا تُركي!!
تركي بلع غصَاتِه ورُغم أن يدَا عبدالمحسن ترفع رأسه إلى أنه لا يضع عينه بعين أخيه : الله يغفر لي حزنك . .
عبدالمحسن سحبه بقوَة ليُعانقه ودمعة أتعبها الزمن نزلت بقهرٍ شديد : الله يغفر لك حزنها . . الله يغفر لك حزنها . . .
بكى تُركي كالطفل بين ذراعيَ عبدالمحسن وهو يذوق مرارة الذنب و وجعه في صدرِه، لم يكن سعيدًا أبدًا بمعصيته لله لكن كان يشعرُ بلذةٍ وقتية لم يستطع أن يمنع نفسهُ منها، كانت أهواءهُ أكبر من أن تواجه وتُقمع، وحين قُلت سابقًا بأن لي القُدرة أن أعيش بعيدًا عن هذه الحياة كنت أكذبُ على نفسي، لا أستطيع أن أحيَا دون عبدالمحسن و عبدالرحمن، لا أستطيع ولا أقدِر على الحياة بعيدًا عنهم ولكنني آذيتهُم! رُبما عبدالرحمن لم يشعر بعد بهذا الأذى ولكن إن عرف يومًا مَا بما حدث سيُصاب بخيبة مُوجعة، وأنا لا أقدر على وجع عبدالرحمن أيضًا.
عبدالمحسن : توعدني ماعاد تشوفها! ولا عاد تقرَب لمكان هي تكون فيه . . أوعدني يا تركي تذبح الجوهرة في قلبك و حياتِك وتنسى إنها بنت أخوك، ماعندِك بنات من أخوانك الا أفنان و رتيل و عبير وبس!!
تُركي ببحَة موجعة : والله، ماراح أقرَب لها
عبدالمحسن : وإذا تبيني أسامحك، ترجع لقبل 8 سنين لمَا بديت تحفظ قرآن وقطعته، إذا ختمت القرآن بتجاهل كل اللي صار، أوعدني تختم القرآن، وأوعدِك بنسى إنك تُركي اللي دمَرت بنتي!!
تُركي يُغطي عينيْه بكتفِ عبدالمحسن : راح أحاول بكل ما أقدر إني أختمه
عبدالمحسن : أرجع تُركي أخوي اللي أعرفه


مرَر كفه على جبينها الدافئ ليلتفت إلى الدكتور، ينتظرُ شيئًا يُطمئنه ويُساعده على التفاؤل بأمرِها، ضاقت عيناه عندما رآها بهذه الصُورة، هي الأسوأ حظَا دائِمًا والتي تواجه الموت بكثرة تقتلني، تمرَ المرةِ الأولى وتُجبر الثانيَة وتخطُو الثالثة وأخشى أن تواجه هذا الخطر مرةً رابعة وخامسة ولن يُفيدنا تمسكها بالحياة شيئًا، جميلتِي! التي مازالت تشعرُ بنا وتقاوم من أجلنا، لو أنظرُ لعينيْـك و أُشبع شوْقي لها.
الدكتور : للأسف واجهت إنهيارًا نفسيًا جعلنا نُخدرها ولكنها ستستيقظ بعد وقتٍ قصير أو في الليل رُبما.
عبدالرحمن أنحنى ليقبَل جبينها، مسح على شعرها وهو يُخلخل خصلاتِها بأصابعه.
مازلتِ جميلتي! وإبنتي التي يُعجبني فيها كل شيء حتى تمرَدها، مازلتِ انتِ بسُمرتِك الناعمة تُنعشين الحياة في صدري، يارب عساهُ يُشفيك ويُبدد العتمة في قلبي عليكِ، يارب عساهُ يُصلحك ويُسعد قلب والدِك، يارب عساهُ لا يصل حُزنٍ إلى محاجرِك اللؤلؤيـة والتي أحبها كثيرًا، أنتهت فترةٌ تعيسَة من حياتي وأُريد أن أبدأ فترةٍ أخرى بضحكتِك. أثقُ بقوَتِك وبمُقاومتِك من أجل الحياة، أثقُ جيدًا أن إبنتي مهما واجهت ستقف على أقدامها، ـ حنَيت ـ و هذا كل ما أعنيه بكلامي السابق.
خرج ليقترب من عبدالعزيز الذي كان ينتظرُه، بهدوء : صاحيَة؟
عبدالرحمن : لا، قال يمكن تصحى بعد شويَ أو في الليل . . خلنا نروح الفندق؟
صمت طويلاً حتى نطق بشتاتِ نظراته : بشوفها
عبدالرحمن دون أن ينظر إليه : بنتظرك تحت بالسيارة . . .
عبدالعزيز أخذ نفس عميق ليفتح باب غُرفتها، أغلقهُ من خلفه وبكل خطوةٍ يخطوها وعيناه لا ترمش، عقد حاجبيْه عندما نظر إليْها، وقف بالقُرب منها عند رأسها، وضع يدِه على شعرها البُندقي وأصابعه تُخلخله ببطء لا يُضايقها.
إني لأُعيذكِ من ضياعي، وأظنُكِ تزيدنهُ، وإني لأعيذك من حُبي، وأظنَكِ ترتكبينه. لا ذنب لكِ بما قتلتِ، إن كان مُرتكب الجريمَة عيناكِ وليست يداكِ، لا ذنب لكِ يا رتيل! سوى أنَ النور حين ينعكسُ على السمرَاء ـ يذبح ـ، وأنا وقعتُ بهذا الضيَاء، منذُ اللحظة التي كنت أسيرُ بها وألتفتَ من أجل ظلَك الذي ينعكسُ من النافذة، ومنذُ أن لمحت عيناكِ وأستهزأتُ بها، لم أكن أقصد الإستهزاء، ولكن الرِجال حين تلفتهُم عينانِ تُشبه عيناكِ يحاولون أن يخفُون ـ شدَة الإعجاب ـ بتصرفاتٍ مُقللة من شأنها، هذا كل ما في الأمر، لِمَ وصلنا إلى هذه النُقطة؟ أُدرك فداحة خطأي، ولكن من فرط الشقاء أصحبتُ أخافُ الفرح، أخافُ أن اقترب منه.
سحب الكُرسي من خلفه بقدمِه ليجلس بجانبها، وضع يدِه فوق كفَها الباردة، قرَبها من شفتيْه ليُقبَلها.
الظن الذي يجيئني في هذه اللحظة، أنه بمُجرد أن تُغادرين باريس ستُغادريني، كنت دائِمًا أخبرك أنني أعرفُ النهاية، أعرفُ ما سيحدثُ بنهاية المطاف، ستتكاثرُ اخطاءنا حتى يُصبح من فرط الجنون أن نتجاهلها ونعفُو عنها، لا أنتِ القادرة على الغُفران ولا أنا القادر على النسيان.
ترك يدها على بطنها، لينظرُ إلى ملامحها مرةً أخرى، همس : رتيل!
أجيبيني ولو لمرةٍ أخيرة، أُريد أن أرى عيناكِ وهي تُخبرني بحقيقةٍ لا يعكسُها لسانِك، أشتقت للحُب الذي تشي به نظراتِك.
عبدالعزيز إبتسم من الفكرة التي جاءتهُ، وقف لينحني عليها، قبَل جفنها النائم وهو يهمسُ بصوتٍ خافت : هنا الودَ . . ـ نزل إلى خدَها ـ و هِنا الحنان . . ـ اقترب من جبينها ليُقبَله ـ . . وهِنا موضع الإحترام . . .
في الوقت الذي كان يُلامس جُزء من صدره المنحني جسدها، همس : رتِيل، على فكرة إذا طلعت الحين ماعاد بجيك، يعني ماراح تصحين؟ . . .
دخلت الممرضة من خلفه ليرفع نفسه بسُرعة، إلتفت عليها، الممرضة بإبتسامة : توقعت أنها مستيقظة، لابُد أن تستيقظ لأن التخدير الذي أخذتهُ كان خفيفًا.
عبدالعزيز تمتم : أنا أعرف كيف أصحَيك . .
الممرضة : عفوًا؟
عبدالعزيز : شكرًا لكِ
خرجت الممرضة ليعود عبدالعزيز بإنحناءه عليها، بخفُوت : أبوك تحت، يعني أطلع؟ . . أطلع؟ . . . . اقترب بشدَة حتى لاصق أنفُها أنفه، همس : تبين تجرَبين موضع العشق؟ نسيناه . . . ـ قبَلها وأطال بقُبلته حتى بدأت تتحرك بتضايَق ـ
إبتعد عنها وهو يُعطيها ظهره حتى يحبس ضحكته التي قفزت نحو شفتيْه، بلل شفتِه بلسانِه وعاد إليْها : الحمدلله على السلامة
رتيل بقيْت لدقيقتيْن تنظرُ إليه حتى أستوعبت، أضطربت أنفاسها بإضطراب التركيز بنظراتها.
عبدالعزيز : أبوك تحت
رتيل : وينه؟
عبدالعزيز : أقولك تحت، بيرجع لك بس بيروح للفندق أوَل
رتيل بضيق وضعت يدها على ملامحها البارِدة، لترفع حاجبها : وش سوَيت؟
عبدالعزيز إبتسم : كنت أعلَمك فن القُبل
رتيل بغضب : بالله؟
عبدالعزيز ضحك ومن بين ضحكاته نطق : ما يصير تعصبَين بعدين تتعبين أكثر! . .
رتيل إلتفتت للجهة الأخرى حتى لا تراه، شعرت بأن نارًا تحرقُ حنجرتها.
عبدالعزيز : أفهم من كِذا إنك تطرديني؟
رتيل: ناد ليْ أبوي
عبدالعزيز بجديَة : رتيل
رتيل نظَرت إليْه، رفعت حاجبها بحدَة : وش تبي؟ ترى أبد طيحتي بالمستشفى ما نسَتني شي
عبدالعزيز تنهَد : ولا أنا أبيك تنسين شي، أنتهى كل شي هنا أصلاً
" لو كلمة تجبر خاطري فيها يا عزيز " كلمةٌ واحِدة قُل فقط أنَك أشتقت، إجعلني أشعُر ولو لمرَة أنني شيءٌ مُهم في حياتِك وأن مرضِي يعنيك، لِمَ جئت؟ لتزيد لوْعتِي و وجعي، جِئت حتى تُصيبني بخيبةٍ أكبر، أنتَ أسوأ رجُلٍ يُمارس رجولته عليَ، هذه الرجولة التي أقوى مما أحتمَل، وهي تجيئني بحُبٍ لا أستطيعُ أن أتجاهله، المعادلة الصعبة أن أجملُ الأشياء تأتِ منك و أوجعُها تُصيبني منك أيضًا، لا أدري مالحل؟ وماهي حيلتي وقلبي مُكبَل بهواك؟ في ذلك اليوم، عندما أغرقتني بقُبلاتِك وقُلت بين حشدٍ من ضحكاتِك " عندي خبرة بفنَ القُبل " قُلت لَك مقطعًا يجيئني دائِمًا كذكرى لعينيْك. " يا عاقد الحاجبيْنِ على الجبين اللجيْن، إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرتيْن " قتلتني يا عبدالعزيز بسُمرتِك و حدَتها.
عبدالعزيز : ماراح تقولين شي؟
رتيل بعصبية وأعصابها تشتَدُ أكثر : مين لازم يقول؟ أنا ولا أنت؟ تحب تقهرني وتضايقني . . . ضعفت قوَاها وهي تبكِي وتحاول أن تُغطي ملامحها بالوسادة حتى لا يرى دمعُها الذي يسقطُ بوضوح ـ أحبك ـ في عينيْها.
عبدالعزيز حاول أن يقترب ولكن وقف بمكانِه، بهدوء : ماجيت أقهرك ولا أضايقك، جيت أتطمَن عليك
رتيل : كذَاب!!
عبدالعزيز : والله، كنت بروح الفندق أوَل عشان غادة . .
رتيل نظرت إليْه بمحاجرٍ ممتلئة بضياء الدمع، بإنفعال : وتطمَنت؟ أنا بخير الحمدلله، لكن بعد ما شفتِك ماني بخير!!
عبدالعزيز فهم تمامًا أنها متوترة و يتضحُ ذلك من كلماتها المتقطَعة وإنفعالها، أردفت ببكاء عميق وهي ترتجفُ بأنفاسها : عُمرك ماراح تحسَ، لين أموت ذيك الساعة بتتذكر وتقول والله فيه بني آدم ينتظرني
عبدالعزيز بضيق : بسم الله عليك
رتيل بصراخ : بسم الله عليَ منك . . أنت اللي تذبحني وأنت اللي تمرضني!!
عبدالعزيز بخفُوت : طيب إهدي خلاص، لا يرتفع ضغطك
رتيل بقهر وعيناها لا تجفَ : شف أنا وين أحكي وهو وين يحكي!! وتقول جايَ تتطمَن بعد؟ . . يارب بس أرحمني
عبدالعزيز بحدَة يقترب منها : رتيل خلاص!! بتخلين الممر كله يسمعك الحين
رتيل أخفضت عينيْها لتدخل بدوامةٍ من البكاء المستمَر، تنهَد وهو يضع يدِه على شَعرها : ليه أنفعلتي؟ ماحاولت أستفزك ولا أقهرك . . صايرة ما تتحملين كلمة مني
رتيل بإنكسارِ نبرتها : ليه تسوي فيني كِذا؟
عبدالعزيز : ما سويت شي، لو أدري إنه جيَتي لك بتسوي كِذا ما جيتك، يهمني بعد إنك تكونين بخير
رتيل تُشتت نظراتها : يارب ساعدني بس
عبدالعزيز وهذه الدموع تكسرُه، وتُليَنه رُغمًا عنه، مسح ملامحها بأطراف كفَه : لا تبكين، توَ ما مرَ عليك يومين
رتيل نظرت إلى عينيْه القريبة منها ولا تفصلُه عنها سوى بُضع سنتيمترات، طال صمتهما.
أأمُوت أمْ مالعمل؟ ما كان بالبُعد خيرًا حتى أرضى به، خيْرِي يا عزيز معك وأنت شحيحٌ بالهوَى! وأنا لا أتنازل! مثل بقية نساء بلدِي اللاتي لم يعتادون التنازل ابدًا إن كان هذا يخلَ بكبرياءهم، كيف أتنازل؟ وأنا كنت صاحبة الرغبة والخطوة الأولى في كل أمورنا الفائتة؟ تذكُر؟ سألتني في أول زيارة لباريس " وين بتروحين " أجبتُك " جهنَم " و وقتها ضحكت وقُلت " كويَس بطريقي " أظنُك كنت صادق حينها، نحنُ في الجحيم و أنت لا تعطفُ عليَ أبدًا. لم يكن سيضرَك شيئًا لو تقدمت خطوةٍ للأمام وتمسَكت بي مثل ما أتمسَك بك في كل مرَة وأتجاهلُ أمر عقلي، لِمَ تفعل بي كل هذا يا عزيز؟ والله لا أستحق أن تُحزني بهذه الطريقة الموجعة.
عبدالعزيز بلع ريقه من نظراتِها التي تُزيده حُزنًا، أردف : بترجعون الرياض بس تقومين بالسلامة، شدَي حيلك
رتيل بقهر : بنرجع؟ طبعًا أنت منتَ منَا! طبيعي أصلاً ليه أسأل، عُمرك ماراح تكون منَا لأن عُمرك ماراح تفكر بأحد غير نفسك، كل مرة أقتنع أكثر إنك أناني وتحب نفسك أكثر من شي ثاني، وطريق بيوجعك تبعد عنه حتى لو أحد ينتظرك فيه وطريق فيه لذتَك حتى لو مافيه أحد ينتظرك مشيت فيه!!
عبدالعزيز : وأنتِ ظالمة! لأن عُمري ما فكَرت أمشي ورى رغبتي! شوفي حالتي اللي وصلت لها وعقب كل هذا تقولين أناني؟ بدآ حقدك يعميك فعلاً!!
رتيل بغضب : أطلع برا
عبدالعزيز نظر إليها طويلا حتى صرخت مرةً أخرى : أطلللع
عبدالعزيز ابتعد عنها، وبهدُوء : طيَب
رتيل من بين إندلاعات الحُرقة في صدرها وتصاعد البُكاءِ في عينيْها نطقت : ما أبي أشوفك . .
إتجه عبدالعزيز ناحية الباب وبمُجرد أن وضع يده على مقبض الباب حتى توقَف وهو يسمعها تبكِي وتُنادي ـ يُمَه ـ، للمرةِ الأولى يسمع لفظ " يمَه " من بين شفتيْها، كان يُدرك خسارتها لوالدتها ولكن لم يُدرك أن حزنها يتفاقم في كل لحظة تحتاج أن تبكي على صدرِ أحد.
دفنت وجهها بالوسادة وهي تستلقي على جمبها مُتجاهلة أمر إصابتها، أختنق صوتها بكلماتٍ كثيرة لا مجال لفهمِها : يارب . . ليه كِذا؟ ياربي . . . يا يمَه . . .
لم يقدر أن يفتح الباب ويخرج وهو يسمعها تبكِي بهذه الصورة، تنهد: يارب . .
عاد بخُطاه ليُبرهن لها أنه ـ يتمسك بها ـ رُغم أنها تُهينه، جلس على السرير بجانبها بعد أن أستلقت على جمبها وتركت مساحةً فارغة، سحبها برفق رُغم محاولاتها بأن تُبعده : أتركني
عبدالعزيز شدَها إلى صدره : أششش! خلاص
رتيل بإنهيارٍ تام لا فُرصة للسيطرة عليه، حاولت أن تضرب صدره وتُبعده ولكن ذراعيْه جمدَت حركاتها : ليييه!
عبدالعزيز وبدأ صوتِه يختنقُ معها : رتيل . . خلاص
رتيل وهي تحبسُ وجهها في صدره : تحبَها؟ طيب وأنا؟ ليه تزوجتني؟ ليه تسوون فيني كِذا؟ ماني حجر عشان ما أحس! ليه تلعبون في قلبي بمزاجكم؟ أنت وأبوي كلكم تعاملوني كأني عديمة إحساس . . تعببببت
عبدالعزيز قبَل رأسها ولمْ يحاول أن يُحرك وجهه بعيدًا عنها، ضلَت شفتاه تُلامس رأسها.
رتيل ببكاء : ليه يا عزيز؟ أنت تدري وش في قلبي لك؟ كيف تقوى تسوي فيني كِذا؟
عبدالعزيز وصدرُه يرتفع بعلوٍ ويسقطُ بذاتِ العلو، قلبهُ ينتفض من مكانه مع كل حرف تنطقه شفاهِها : إرتاحي، لا تفكرين بأشياء راحت
رتيل بعلوِ صوتها المُتعب : لا تقول لا تفكرين! هذي نفسي كيف ما أفكر فيها!! ياربي . . ليه لييييه
عبدالعزيز أبعدها عن صدرِه حتى يُحيط رأسه وينظرُ إلى عينيْها التي تُقابله : ما أحب أشوفِك كِذا، تذبحيني والله
رتيل : ما تعرف شعوري ولا راح تفهمه، بموت يا عبدالعزيز لما أفكَر إنك معاها، أحس بنار تحرقني! أنا ما أستاهل تسوي فيني كِذا، من البداية كنت تهيني مع كل كلمة، وبعدها أهنتني بأفعالك! وش جريمتي عشان تسوي كل هذا؟ عشاني بنت عبدالرحمن؟
عبدالعزيز : ماعاش من يهينك
رتيل بغضب : لا تحاول تقنعني بأيَ كلمة! أنت تهيني . . تهيني يا عبدالعزيز، حتى الحين تهين شعوري لما أبيَن لك كل شي وتجلس تجاوبني بأشياء ثانية
عبدالعزيز : كيف أجاوبك؟
رتيل تلفَ وجهها للجهة الأخرى : وش أبي بحُب أنا طلبته؟ إما تجي منك ولا ما أبيه . .
عبدالعزيز الذي مازال يحاوط وجهه أرغمها على النظر إليْه : الحين فهمت كلام ابوك لي، لمَا قالي لا تكوَن علاقات وصداقات مع أحد، فهمت وش كان يقصد
رتيل بحدَة نظراتها : الله يسلم أبوي كانه داري إنك إنسان بارد تجرح الواحد وتجي تداويه!!
عبدالعزيز عقد حاجبيْه وبحدَة نبرته : تدرين وش الفكرة اللي في بالي الحين؟ إنك جاحدة وظالمة
رتيل بغضبها الذي لا يهدأ دفعته بكفيَها الرقيقتيْن، لم يتحرَك من مكانِه ولم تهزَه ضربتها الناعمة : ليه رجعت؟ . . ما أبغى أشوفك
عبدالعزيز رُغما عنه إبتسم : ومتناقضة
رتيل : وأنت أناني وحقير وبارد و نذل و قاسي و متسلط وو . .
لم تُكمل من قُبلته المُفاجئة التي أعادت رأسها إلى الوسادة، ويديْه تُقيَد كفيَ رتيل، همس وهو يبتعد مقدار ـ 5 سم ـ عن شفتيْها : وعاشق
فتحت عينيْها وصدرُها لا يتنفسُ بسلام إثر الإضطراب الذي يعيشه ويجعله يرتفع بعلوِ الشهيق ويزفرُ بهبوطٍ شديد، نظرت إليْه وشحوب ملامحها يتحوَل للحُمرة، رفع عبدالعزيز نفسه عنها حتى لا يضغط على مكان الإصابة، ترك كفيَها ليقف بعد أن سمع صوتُ الباب، عبدالرحمن قبل أن ينظرُ إلى رتيل : وينـ . . صمت عندما رأى إبنته، أقترب منها : يا بعد عُمري، الحمدلله على السلامة . . قرَت عيوني
عانقتهُ بشدَة وهي تنظرُ من على كتفِ والدها عينيَ عبدالعزيز، أرادت أن تمتص الهدوء من جسدِ أبيها : الله يسلمك
عبدالرحمن أنتبه لتنفسها غير المنتظم، أبعدها لينظر إلى وجهها الباكي : وش مبكِيك؟ . . إلتفت لعبدالعزيز . . .
عبدالعزيز حكَ رقبته بتوتر وحرارة جسدِه ترتفعُ إلى أوجَها : كانت تبيك
عبدالرحمن عاد بأنظاره إليْها وهو يمسح وجهها ويُبعد خصلات شعرها الملتوية من على وجهها : شلونك الحين؟ حاسَة بألم؟
رتيل هزَت رأسها بالنفي و زادت عُقدة حاجبيَ والدها من أنفاسها التي تُشعره وكأنها ركضت للتو : فيك شي؟
رتيل بإبتسامة أرادت أن تُطمئنه : لا، . . أشتقت لك
عبدالرحمن يُقبَل جبينها : تشتاق لك الجنَة، وأنا أشتقت لكم والله بس الحمدلله عدَت على خير . .تنذكر ولا تنعاد يارب
رتيل : آمين . .
عبدالرحمن : تجلسين بروحك بس شويَ؟ بروح أنا وعبدالعزيز للفندق وبرجع لك بعدها
رتيل فقدت الإدراك بكل الكلمات التي يقولها والدها، وبقيْت صامتة.
عبدالرحمن بإستغراب : رتيييل
رتيل : ها
عبدالرحمن : وش فيك؟ شكلك مو طبيعي . . إلتفت لعبدالعزيز . . قايلها شي؟
عبدالعزيز : وش بقولها يعني؟ أصلاً توَها صحت وبكت على طول . . صح؟
عبدالرحمن أنتظر تأكيد رتيل الذي طال وأربك عبدالعزيز، نطقت وهي تبلعُ ريقها بصعوبة : إيه
عبدالرحمن : طيب بتركِك وماني مطوَل عليك بس عشان ما ينشغل بالي على عبير وضيَ
رتيل : طيب
عبدالرحمن : إذا بتخافين بجلس عندِك
رتيل : لا عادي بنتظرك
وقف : يالله عبدالعزيز . . خرج وتبعه عبدالعزيز الذي إلتفت عليها بنظرةٍ أخيرة ـ تبتسم ـ.
رتيل وضعت يدها على قلبها لتستشعر الزلازل التي صابته، إلتفتت للشاشة التي تُبيَن صورة نبضاتِ قلبها، تأملتها لعلَها تفهم شيء ولكن لم تستنتج أيَ معلومة منه.
وضعت رأسها على الوسادة لتُتمتم : مجنون!


،

بدأت تدور حول نفسها بطريقة ـ غريبة ـ وهي تُفكر كيف تبدأ كلماتها معه، كيف تُخبره دون أن يغضب؟ كيف تجعلهُ يبتسم على كل قول ستنطق به؟
إن أخبرته أنني أكذب لن يصدقني بعد ذلك ورُبما يُعايرني ويقول لي أنتِ كذبتِي قبل هذه المرَة لن استغرب أن تكذبين مرةً اخرى، وإن لم أخبره سأشعرُ بالذنب دائِمًا ورُبما يقول لعائلته عنَي ويبدأون بالسؤال ويصل الأمر لأبي، إن وصل لأبي سيفضحني بالتأكيد أمامهم ويُهزأني! ماهي الطريقة الناعمة التي لن تُضايقني مستقبلاً ولن تضايقه أيضًا؟ يارب ساعدني بفكرة أستطيعُ بها أن أقنعه.
أوقف دورانها بيديْه : أنهبلتي؟
ريم شعرت بالدوار من طريقتها بالتفكير، نظرت إليه بعد ثوانٍ طويلة : أحب أفكر كِذا
ريَان إبتسم : كل شي عندِك غريب
ريم تشابكت أصابعها : ريَان بقولك شي
ريَان جلس على الأريكَة ورفع عينيْه : قولي
ريم أخذت نفس عميق وهي تُغمض عينيْه، أردف : وهذا بعد من طقوس تفكيرك
ريم جلست بمُقابله : لا تتمصخر! بس أحاول اقولك بطريقة لطيفة ما تزعجك؟
ريَان : يعني الموضوع يزعجني؟
ريم : أسألك سؤال
ريَان : أسألي
ريم : لو عرفت شي أنقهرت منه وش تسوي؟
ريَان بكذِب أراد أن يستدرجها بالقوْل : عادِي، أنقهر ساعة وأرضى
ريم : يعني منت من النوع اللي يعصَب ويجلس أيام وهو معصَب
ريَان : أنا؟؟؟ أبدًا ماني من هالنوع
ريم : طيب . . . يعني هو موضوع صغير بس صار كبير . . تذكر لما خليتك تكلَم يوسف عشان تتأكد من المرض وكِذا؟
ريَان : إيه؟
ريم تنحنحت : أنا أكذب . . . ـ بنبرةٍ طفولية وهي تحلف ـ بس والله العظيم والله يا ريَان إنه قصدي مو الكذب، بس كنت أبيك تعطيني وجه شويَ
ريَان كان من الممكن أن يغضب ولكن أمام نبرتها وهي تشرح جعلته ينظرُ إليها بجمُود.
ريم : يعني كانت حياتنا باردة مررة فقلت وش أسوي؟ مافيه إلا شي يخليك تفكر فيني! وماجاء في بالي غير هالفكرة وصديقتي جرَبتها يعني . . جربتها مع زوجها وتقولي إنه مرة تغيَر وحمستني . . وبس جرَبتها . . بس والله العظيم إنه الهدف كان هو الخير .. ولا أنا ما أكذب! وماني راعية كذب . . يعني هو الإنسان طبيعي ماراح يصدق في كل حياته، لازم يكذب أحيانًا كذبة بيضا عشان يمشَي حياته . . وهذي تعتبر كذبة بيضا ما ضرتَك ولا ضرتني . . بالعكس خلتك دايم تدلعني
ريَان : أدلَعك؟
ريم بربكة : يعني مو تدلعني بالصيغة المتعارف عليه، أقصد صرت شويَ حنون، حتى أهلك لاحظوه وقاموا يسألوني . . والله العظيم إنه امك سألتني
ريَان مسك نفسه عن الإبتسامة أمام حلفها المتكرر، ريم بضيق : وحتى صديقتي نفسها قالت لاتقولين له وتفضحين نفسك، خليها تمشي عليه عشان مايظن فيك ظن سوء، بس أنا قلت لا! ريَان عاقل ويعرف إنه أحيانًا نتصرف حسب النوايا
ريَان بحدَة : تتبلين على نفسك؟ مجنونة أنتِ ولا صاحية؟ بكرا تمرضين وساعتها ماينفعك كلام صديقتك!!
ريم : والله العظيم يا ريـ
ريان يُقاطعها : خلاااص لا تحلفين
ريم : أدري إني غلطت وأنا آسفة وأدري إني . .
ريان يُقاطعها مرةً اخرى : سكري الموضوع
ريم وقفت لتجلس على الطاولة القريبة منه : زعلان؟ . . والله العظيم يا ريَان إني أحلم نعيش بسلام وكِذا حياة وردية وحلوة . .
ريان قفزت على شفتيْه ضحكة قصيرة، جعلت ريم تبتسم.
بتنهيدة : وإحنا مو عايشين بسلام وحياة وردية على قولتك؟
ريم : يعني الحمدلله محنا سيئين لكن ما بيننا توافق لا في الإهتمام ولا الأفكار ولا شي . . يعني بتكون الحياة حلوة لو أهتميت بإهتماماتي وأنا أهتميت بإهتماماتك، أنا حتى لمَا أسألك وش الأكلة اللي تحبها تقولي مافيه شي محدد! يعني ماتخليني أعرف عنك شي بس أنزل المطبخ تقولي أفنان ريَان يحب سلطة الزبادي . . طيب قولي أحب سلطة الزبادي خلني أسويها لك
ريان بإبتسامة : وش دخل ذي في ذيَ ؟
ريم : إلا لها دخل، يعني أنت حاط حواجز بيننا، تحسسني إني زميلك بالشغل ماتشاركني أيَ إهتمام
ريَان : لأن فعلا ماعندي إهتمامات معيَنة
ريم بقهر : بس أفنان تعرف إهتماماتك من السمَا
ريَان : طيب وش تبين تعرفين ؟
ريم لانت ملامحها بإبتسامة : قولي كل شي عشان لا قالوا ريَان كِذا وكِذا، ما أجلس مفهية مدري وش السالفة وأطلع آخر من يعلم بمعلومة عنك كأني ماني زوجتك


،

عبدالمجيد يمدَ له كأس الماء : سمَ
فارس يأخذه ويشربُ ربعه بعينٍ تذبلُ شيئًا فشيئًا، وضع رأسه على الأريكَة وأغمض عيناه، لينام بسكينة الطِفل إن أُغمي عليه من التعب، وقف عبدالمجيد وجلب له ـ فِراش ـ غطاه جيدًا وأغلق الأنوار حتى لا ينزعج من شيء.
خرج لسلطان الجالس بسيكنته الخاصَة : بترجع للرياض الليلة ولا بكرا؟
سلطان : بعد شويَ بروح المطار
عبدالمجيد : توصل بالسلامة
سلطان : تنهَد : الله يسلمك، شلونه؟
عبدالمجيد : ماهو بخير أبد بس توَ نام . . .
سلطان بضيق : ما كان لازم يموت قدام ولده! بس قدَر الله وماشاء فعل، مهما كان مجرم بس الجريمة فعلاً إنه يموت بهالصورة!!
عبدالمجيد : إن شاء ربي رحمه وإن شاء غفر له، أمره بإيد الله مانقدر نقول شي ثاني
سلطان : جيبه معك الرياض لا تتركه هنا، أصلاً ماعاد له بيت هناك بعد! لو ينفع نخليه يشتغل بأي وظيفة أتوسَط له فيها . . أنت وش رايك؟
عبدالمجيد : يبي له فترة طويلة عشان يتقبل موت أبوه
سلطان : طيب أنت قوله أيَ شي يبيه أنا مستعد أسويه له، ترى الفراغ مو زين له! بيوْسوس فيه وبيخليه ينهبل من التفكير!
عبدالمجيد : بستشيرك بشي، خلنا نكلم عبدالرحمن يخلي بنته تجي له
سلطان رفع حاجبيْه بإستغراب : نعم! ليه؟
عبدالمجيد : يعني . .
سلطان يُقاطعه : تراه زواج على ورق ومحد راضي فيه
عبدالمجيد : لا غلطان! فارس راضي فيها وهي راضية بعد
سلطان بدهشة : متى أمداه يرضى هي وياه؟ . . وش ذا الحُب الرخيص اللي من يومين حبوا بعض!!
عبدالمجيد تنهَد : سلطان ماهو وقت تمصخرك!! جد يحبون بعض ولا تسألني كيف . . يمكن هي الوحيدة اللي بتقدر تطلعه من جو هالكآبة
سلطان : مستحيل يوافق عبدالرحمن عقب اللي صار! بيحفظ بناته بعيونه ولا راح يخلي أحد يقرَب لهم
عبدالمجيد : سلطان! أنا وياك لا أتفقنا بنقدر نقنعه ونبيَن له! وبعدين فارس ماهو سيء! بالعكس رجَال والنعم فيه وماله علاقة بإسم أبوه
سلطان : يعني وش قصدِك؟ تبيهم يكملون حياتهم مثل ايَ زوجين!
عبدالمجيد : إيه
سلطان ضحك من أفكار عبدالمجيد : أنت عارف كيف الزواج تمَ؟ مستحيل يكملون مع بعض
عبدالمجيد : مو توَك تقول مستعد أسوِي له أيَ شي؟
سلطان : بس عاد ماهو على حساب بنات بو سعود
عبدالمجيد : يعني بتترك مهمة الإقناع عليَ؟
سلطان تنهَد : وش أقوله؟ أقوله معليش يا عبدالرحمن خلَ بنتك تروح له؟ كيف بيثق أصلاً ؟
عبدالمجيد : لمَا نرجع الرياض على خير إن شاء الله بيكون فارس قدام عيونه وبيثق فيه وبيتطمن على بنته
سلطان مسح وجهه بكفيَه : طيب، بس يرجعون الرياض راح أكلمه ولو إني عارف وش بتكون ردة فعله
عبدالمجيد : كلامي مع كلامك بيفيد، أنت جرَب وش بتخسر؟
سلطان وقف : طيب اللي تشوفه . . أنا ماشي تآمرني على شي
عبدالمجيد : توصل بالسلامة
سلطان : ألله يسلمك . . . . وهو يسيرُ بإتجاه الباب إلتفت عليه . . ما سألتك كيف جتِك فكرة آسلي؟
عبدالمجيد بإبتسامة : أفكار سلطان العيد الله يرحمه
سلطان رفع حاجبيْه بإندهاش : صار لنا سنتين مدري 3 سنوات نقول فيه واحد إسمه آسلي وراح يجي يوم يقابله رائد وحالتنا حالة آخر شي يطلع واحد منَا!!
عبدالمجيد : لو بتفكر بكل الأشياء اللي صارت بتكتشف إنك ماتدري عن تفاصيلها
سلطان تنهَد : خل يجي سعد ويجيب أمل معه عشان أفرغ اللي بقى في داخلي
عبدالمجيد : لا سعد خلَه عليَ وأمل بتُحاكم حالها من حالهم
سلطان : و وليد؟
عبدالمجيد : لا عاد هِنا لا يلعب فيك الشيطان، وليد ما سوَا أيَ شي خارج القانون
سلطان : أجل خلني أبشرك الشيطان على قولتك وش يقولي، ودَي أشوفه بعد وأطلع الحرَة الخاصة فيه
عبدالمجيد بجدية : سلطان! جد أترك وليد عنك، لأنه هو تصرف مثل أيَ شخص راح يكون بمكانه . . لا تدخل المشاكل العائلية بموضوعه
سلطان نظر إلى ساعته التي تُشير إلى ـ هبوط المغرب على سماء الرياض ـ : وأنت مصدَق إني بروح له ميونخ، بس في خاطري طبعًا . . . يالله سلام . . . خرج ونزل بالسلالم وهو يكتب في الواتس آب لـ " جنتِي " ( الساعة 9 طيارتي يعني بوصل تقريبًا 3 الفجر )
لم تمَر دقيقة إلا وأضاء هاتفه بإتصالها، أجابها بصوتٍ مبتهج : يا هلا
حصَة : هلابِك، بشرني عنك؟
سلطان يُشير إلى التاكسي بالوقوف : بخير الحمدلله وأموري تمام، أنتِ شلونِك؟
حصَة : الحمدلله بصحة وعافية، خلصت شغلك كله؟
سلطان : إيه الحمدلله، بلغي السوَاق عشان يجيني المطار
حصَة : أبشر . . ما قلت لك ؟
سلطان : وشو ؟
حصَة : عايشة أسلمت
سلطان : ماشاء الله، متى ؟
حصة : أمس وأحزر من اللي أنطقها الشهادة؟
سلطان : أنتِ؟ ولا العنود جايتك
حصَة : الجوهرة، هي اللي معطتها الكتب أصلاً . . لو تشوف فرحتها
سلطان بإستغراب : الجوهرة بالرياض؟؟؟
حصَة : لا، كلمناها بالجوال . . ـ بنبرةٍ تستدرجه ـ . . إذا ودَك مرة تقدر تجيبها للرياض
سلطان : هذي اللي قالت يا سلطان ماعاد بفتح الموضوع معك
حصَة : يخي وش أسوي، بس أسمع صوتك أحس لساني يركض يبي يقول الجوهرة بأيَ سالفة حتى لو أنه مافيه سالفة
سلطان غرق بضحكتِه : مالِك حل
حصَة إبتسمت : بس آخر سؤال، كلمتها من جيت باريس ولا لأ ؟ يالله جبت لك سالفة إتصل عليها وقولها عن عايشة! ومنها تتطمن عليها بدون ما تجرح كبرياء سموَك!!
سلطان بلع ريقه متنهدًا : كلمتها، وتطمنت عليها
حصَة : جد؟
سلطان : إيه والله اليوم الظهر كلمتها
حصة : وشلونها؟
سلطان بضحكة : يعني ماتدرين؟
حصة : لازم أعرف الحال من ناحيْتك
سلطان : أبد الله يسلمك تقول إنها بخير الحمدلله
حصَة : وش رايك تروح لمطار الملك فهد؟
سلطان : الطيارة بمزاجي، أقولهم نزلوني بالدمام ؟
حصَة بخبث : يعني أنت تبي الدمام؟ وعذرك الطيارة؟
سلطان : لا أنا أجاوبك على سؤالك . .
حصَة : طيب تعال خلني أشوفك وترتاح وأقرأ عليك كود الشياطين تهجد وتقولي . . ـ تقلد نبرته ـ . . والله يا حصة عندي مشوار للشرقية
سلطان : لا حول ولا قوة الا بالله . . لا تخافين بجي الشرقية
حصَة غرقت بضحكتِها : والله إني دارية
سلطان : طبيعي بجي . . بشوف أبوها بعد
حصَة : رجعها يا سلطان
سلطان بإستفزاز : عدَتها بتنتهي إن شاء الله و . .
تُقاطعه حصة بإنفعال : قل آمين . .
سلطان بضحكة : حصة بسألك سؤال جد
حصة : وشو مع إنك ما تستاهل
سلطان : الجوهرة بأيَ شهر؟
حصة ضربت صدرها بيدها : عسى السما ما تطيح علينا! مرتك يا سلطان . . تعرف وش يعني مرتك؟ مفروض عارف هي في أيَ يوم حتى؟
سلطان تنهد : تبيني أذكرك إني ماعرفت بحملها إلا متأخر وش يدريني متى حملت ؟
حصة : إيه صح . . بس ولو كان مفروض تسأل . . هي بالشهر الثالث
سلطان : باقي لها 6 شهور ؟
حصة : إيه 6 شهور إن شاء الله . . يعني على صيف 2013 بتولد بإذن الله . . . الله يسهَل عليها
سلطان : بس يولدون بالسابع؟
حصَة : سلطان معلوماتك الطبية زيرو . . فيه ناس حتى تولد بالثامن . . يعني ماهو شرط يا السابع يا التاسع . . تدري إنه فيه حريم يوصلون لبداية العاشر
سلطان : أدري بس أبي أعرف متى يكون وقت ولادتها
حصَة : يارب يارب يارب إنها تولد بالرياض
سلطان : أنا أفكر وين وأنتِ وين، أنا بس ما أبي يكون عندِي دوْرة برا أو مسافر
حصة بحدَة : طبعًا، أهم شي عندك شغلك . . ما أقول الا مالت عليك وعلى اللي متحمس! قلت يسأل متى ولادتها يعني مهتم! أثاريك تبي تنسَق عشان ماتكون مسافر



سحبها لصدره بقوَة، وقفت على أطرافِ أصابعها وهي تستنشقُه بلهفة، قبَل رأسها وهي تُخفضه باكيَة، بهمس : لا تبكين!
غادة أبتعدت حتى تنظرُ إليه بنظراتٍ يُضيئها الإشتياق : الحمدلله الحمدلله . . كنت راح أموت لو صار لك شي
عبدالعزيز : بسم الله عليك . . قبَل جبينها وهو يُطيلها بذكرى ـ والدتِه و والدِه و هديل ـ . . خلينا نطلع من هنا
غادة مسحت ملامحها من آثار البكاء التي تغزُوها، مسكت يدِه لتخرج من الفندق وهُم يسيران على الرصيف.
كنت أشعرُ ولوهلة أنني فقدتُ عائلتي المتمثلة بِك، أنت ليس وحدِك يا عزيز! أصبحت تقفُ بهيبة أبي وعناق أمي وضحكة هديل، إن فقدتُك! فقدتُ عائلتي مرةً أخرى وهذا مالاطاقة ليْ به، يكفيني فقدُ واحِد لا أريد للتجربة أن تتكرر! أُريدك أنت، وأن أعيش على شُرفة صوتِك وأنسى كل ما مرَ خلال هذه السنـة، أحتاجُك يا ـ أخوي ـ ولا أملكُ أيَ سدًا يمنعُ حاجتي لك، أصبحت كل شيء في حياتي، وأخافُك! والله أخافُ أن تستيقظ عيني في يومٍ ما ولا أراك، وأخافُ من هذه الوحدَة أن تُطيل بعتمتها، أرجُوك بدَد الظلام بعينيْك و أجعلنا / نعيش. فقط نعيش.
غادة : وين كنت باليومين اللي فاتوا؟ وش صار لك؟
عبدالعزيز : شغل، لكن أنتهى
غادة بتوتر عميق : وناصر معاك
عبدالعزيز إلتفت عليها وبنبرةٍ تحملُ معنى أعمق : إن شاء الله أنه معايْ
غادة : وينه؟
عبدالعزيز : راح يجي . . مخنوق من باريس و لا عاد لي نفس أمشي بشوارعها! راح نطلع من هنا لأيَ مكان غير الرياض
غادة شدَت على كفَه وهي تُسانده : المكان اللي بتروح له راح أروح له معاك
عبدالعزيز بوجَعٍ يُرجف قلبه : بس يجي ناصر راح أقوله، راح نبني حياتنا بعيد عن باريس والرياض وكل مكان فيه أحد يعرفنا، راح نبدأ من جديد
غادة التي فهمته جيدًا : وش منَه موجوع؟
عبدالعزيز صمَت وأكمل معها السيْر، وقفت غادة لتُجبره على الوقوف : قولي!
عبدالعزيز : موجوع من كل شي حولي، أبي أبعد بأقرب فرصة من باريس
غادة : و رتيل؟
عبدالعزيز أتاهُ السؤال بغتةً ليصمت.
غادة : قالوا لـك؟
عبدالعزيز : وصلني الخبر
غادة : رحت شفتها؟
عبدالعزيز : إيه كنت عندها
غادة : شلونها؟
عبدالعزيز : بخير إن شاء الله بتقوم بالسلامة بسرعة
غادة : ماراح تجلس عندها
عبدالعزيز تنهَد : غادة لا تشغلين نفسك بأموري . . خل يجي ناصر بس وارتاح
غادة : بس . .
يُقاطعها : قلت لك لا تشغلين نفسك فيني . . أشار لتاكسي بالوقوف ليركبان ويتجهان نحو شقتهما . .
إلتفت عليها عبدالعزيز : أخذي كل أغراضِك، ماراح أجلس الليلة هِنا
غادة : خلنا نروح المستشفى
عبدالعزيز : لا يا غادة . .
غادة : عبدالعزيز ما يصير . . خلنا نروح
عبدالعزيز : ليه كل هالحدَة عشانها؟ وش سوَت لك؟
غادة : ما سوَت ليْ شي بس مكسور قلبي عليها، وهي زوجتك أصلاً يعني مفروض أنت أكثر واحد توقف بصفَها الحين
عبدالعزيز تنهَد : رتـ . . أقصد غادة
غادة إبتسمت : إيوا رتيل . . عبدالعزيز روح للمستشفى
عبدالعزيز بضيق : ما نمت وواصلة معي ونفسيتي بالحضيض طبيعي بخربط، واللي يرحم والديك لا تضغطين عليَ
غادة : هذا طلب مني؟ ترَد لي طلب؟
عبدالعزيز صمت لثوانِ طويلة حتى نطق : توني كنت عندها، الله يخليك يا غادة
غادة : بسألك سؤال وجاوبني بصراحة
عبدالعزيز : عارف وش بتسألين عشان كِذا لا
غادة : وش بسأل ؟
عبدالعزيز : أثير ولا رتيل؟
غادة أبتسمت بإندهاش : لأني مصدومة منك كيف تزوجت مرتين بسنة وحدة؟ الأولى رتيل وبعدها أثير! طبيعي بسأل ليه؟
عبدالعزيز : راح أقولك كل شي بوقته
غادة : بس أنا أبي أسمع الحين، قلبي يقولي إنه قلبك مافيه الا شخص واحد وهو رتيل بس ليه أثير؟
عبدالعزيز : ومتى أكتشفتِ هالشي؟ بهالسرعة قدرتي تحللين الموضوع؟
غادة : أنا إحساسي يقول كِذا لأن عُمرك ما قلت أبي أثير! حتى كنت دايم تنزعج لمَا نذكرها عشانِك
عبدالعزيز إتسعت محاجره : تتذكرين؟
غادة عقدت حاجبيْها : إيه أتذكر
عبدالعزيز بدهشة : تتذكرين كل شي ؟
غادة بلعت ريقها برجفة : وش فيك عبدالعزيز؟ أتذكر بعض الأشياء اللي فاتت . .
عبدالعزيز تنهَد : يعني تتذكرين وش صار قبل الحادث؟
غادة : كانت ليلة عرسي . .
عبدالعزيز : إيه صح . .
وصلا إلى العمارة التي تضمَ شقتهم، نزل لينظر إلى الجسد الذي يُعطيه ظهره، بصوتٍ حاد : ناصـــر
إلتفت عليه بعد أن طال إنتظاره له، عبدالعزيز تقدَم إليه : وين كنت؟ تعبت وأنا أدوَرك؟
ناصِر : رحت أدوَر وليد . .
عبدالعزيز بغضب : طيب ليه ما قلت ليْ؟ توقعتك تحللت من النار وأنت جالس تدوَر وليد!!! وأصلاً هو ماهو فيه!!
ناصِر بضيق نظر إلى غادة الواقفة بجمُودٍ خلف أخيها، أكمل : المهم أسمعني تروح تجيب جوازك وتحضَر شنطتك وبنطلع الليلة من باريس!!
ناصر : وين بنروح ؟
عبدالعزيز بعصبية : أيَ زفت! المهم ما نجلس هنا، نروح للندن أقرب شي وبعدها نفكر بأيَ مكان ثاني . . طيب؟
ناصر : طيب . .
عبدالعزيز : روح الحين لشقتِك وجيب أغراضك وبنتظرك هنا
ناصر تنهَد : طيب . . . دخل عبدالعزيز إلى العمارة وضلَت غادة واقفة، أطالت بنظراتِها وأطال هو بتأملها.
أعرفُ هذه النظراتِ جيدًا! وأعرفُ سرَها، لم تتغيَر يا ناصر، مازلت الرجل الأسمَر المبعثِر لكل خليَة إتزان تحفَني! مازلت الرجلُ الذي اطل من النافذة كل يوم لأراه، والذي يجذبُني إليه كالمغناطيس، مازلت الرجُل الذي أحبه ومازلت أُحبه لأن فطرتِي / هي حُبه. عُدنا!
دخلت دون أن تنطق شيئًا، وقف عبدالعزيز في منتصف الدرج ينتظرها، مشت معه ناحية الشقَة، حاول أن يفتحها ولكن لاحظ أنها مُقفلة والمفتاح بها، ثوانٍ قليلة حتى تقدَمت أثير وفتحته وهي التي تنتظره من الصباح، تجمدَت عيناها برؤية غادة، أبتعدت عدَة خطوات للخلف برهبة من الذي تراه، إرتعش جسدها بأكملها وعيناها مازالت تتسعُ أكثر وأكثر بوجودِ غادة.
من رهبتها أستثار الخوف معدتها حتى شعرت بالغثيان، إتجهت نحو المغاسل لتتقيء صدمتها من الحياة التي تجيءُ بغادة.
إلتفتت على عبدالعزيز : خافت؟ ماكانت تدري عنَي صح؟
عبدالعزيز تنهَد : أدخلي أجلسي وأنا أروح أشوفها . . . إتجه إليها . . أثير
تمضمضت وأخذت المنشفة تمسحُ وجهها الذي شحَب، وبرجفة تقطعُ صوتها : هذي غادة!!
عبدالعزيز عقد حاجبيْه : إيه، قبل فترة عرفت بوجودها وشفتها
أثير بلعت ريقها بصعوبة : يعني حيَة؟
عبدالعزيز بإنفعال : وش فيك؟ أقولك حيَة وتسأليني عقبها!!
أثير : قلبي وقف حسبت إني أتوَهم ولا شي
عبدالعزيز مسح على وجهها : لا تتوهمين ولا شي
أثير : وين كنت طيب كل هالفترة؟
عبدالعزيز : شغل مقدرت أطلع منه، حتى غادة نفسها توني اليوم مرَيتها
أثير تذكرت أمرُ رتيل لتلفظ : أًصلاً انا أبغاك بموضوع
عبدالعزيز : وشو ؟
أثير : ست الحسن والدلال عارف وش سوَت فيني؟
عبدالعزيز تنهَد : أثير واللي يرحم والديك نفسيتي واصلة للحضيض ماني متحمَل أيَ شي
أثير : لا لازم تعرف، مزوَرة تحليلي الطبي ولا تسألني كيف لأني أنا مدري وش نوع الجنون اللي في مخها! ومخليتني لأيام أصدَق إني مريضة وقلبي يعاني! وآخر شي أروح المستشفى وتقولي الدكتور كل شي فيك سليم و أنه فيه وحدة كلمتنا وشرحنا لها وطبعًا مافيه وحدة بالشقة غيرها
عبدالعزيز بعدم تصديق : هي سوَت كِذا؟
أثير : أقسم لك بالله إنه هذا اللي صار، ولو تبي روح للمستشفى وكلم دكتورتي وبتعرف بنفسك إنها أتصلت وغيَرت التحليل
عبدالعزيز : طيب
أثير بإنفعال : وش طيب؟ أنا ماراح أجلس أنتظرها تطبَق جنونها عليَ وعليك، عبدالعزيز يا أنا يا هيَ
عبدالعزيز بحدَة : أثيـــر، قلت طيب يعني أنهي الموضوع . . تركها وإتجه للصالة.
أثير تمتمت : طيب وراك وراك لين تطلقها!!
غادة : كيفها الحين؟
عبدالعزيز : بخير لا تشغلين بالك،
غادة : ماراح تروح لرتيل؟
عبدالعزيز : وش قلت يا غادة؟
غادة بضيق : لأني أبي أتطمن عليها بعد، هي ما قصرت طول ما كنت معها
عبدالعزيز : غادة! يا روحي لا تزيدينها عليَ
غادة : ماني قادرة أفهمك وأفهم تصرفاتِك . . بحدَة أردفت . . لو القرار بإيدي ولو كنت مكانك ما كنت تركتها إلى الآن!! . . روح يا عبدالعزيز ما يصير كِذا
عبدالعزيز : مصدوم منك يا غادة على وقوفك الحادَ معها؟ طيب وانا وش سويت؟ رحت لها وأهلها الحين عندها.
دخلت أثير لتُقاطع حديثهم، تنحنحت كثيرًا حتى نطقت : مساء الخير غادة
غادة إبتسمت : مساء النور . . شلونِك الحين؟ عساك أحسن؟
أثير صمتت بعد أن سمعت صوتها، تحاول أن تستوعبْه لثوانٍ طويلة : بخير


،


إبتسم عبدالرحمن حتى رفعها عن مستوى الأرض بخفَة : يا رُوحي!
عبير بضيق : أشتقت لك أشتقت لك أشتقت لك أشتقت لك . . . كررتها كثيرًا حتى قاطعتها ضحكةُ والدها.
تقدَمت ضي على صوتِ ضحكاته، ببهجة : ما بغيت!!
أنزل عبير ليتقدم ناحية ضي وعانقها وهو يُغرقها بقبلاتِه، همس في إذنها : وحشتيني
" أشتقتُك، توحشتك، وحشتني " و كل مصطلحات الحنين لن تكفي لشرح وتوضيح مقدار شوْقِي لعناقِك و رائحتِك، في كل مرةٍ اتأكد بأن لا حياة أستطيع أنظر إليها وعيناك لا تُشاركني النظر، لا أستطيع العيْش بهناء وأنتَ بعيدٌ وتحملُ في قلبك هناءي! إني على الرُغم من كل شيْء يحصل ويحدثُ في حياتِنا إلا أنه سبب رئيسي يجعلني أقول دائِمًا " الحمدلله علِيك وش كثر أحبك! "
عبير : شفت رتيل؟
عبدالرحمن : توني كنت عندها، هي بخير الحمدلله . . بس تطلع بالسلامة راح نرجع على طول الرياض
عبير : طيب وش سويتوا؟ وش صار معكم؟
عبدالرحمن : كل أمورنا بخير الحمدلله، حققنا اليوم نجاح كبير لله الفضل والمنَة
ضيَ : الحمدلله، يعني أنتهى كل هذا؟
عبدالرحمن : إيه الحمدلله أنتهى كل شي هنا في باريس
عبير أرادت أن تسحبُ منه خبر عن فارس ولكن لم تستطع ان تسأل بطريقة غير مباشرة، جلست على طرف السرير : غادة طلعت قبل شويَ قالوا إنه عبدالعزيز جاء
عبدالرحمن : إيه هو سبقنا وجاكم . .
ضيَ : كلكم بخير؟
عبدالرحمن : كلنا الحمدلله
ضيَ إبتسمت : الحمدلله . . طيب خلنا نروح لرتيل ونشوفها
عبير : إيه خلنا نروح
عبدالرحمن : بس برتاح ساعتين على الأقل وبعدها بنروح كلها إن شاء الله . .
ضيَ : نوم العوافي
عبدالرحمن : الله يعافيك
عبير بتوتر جلست : وش صار مع رائد؟
عبدالرحمن : مات
عبير شهقت : وشو!!!
عبدالرحمن نظر إليها : مات الله يغفر له . . وش فيك تفاجئتي؟
عبير : آآآ . . لا بس أنصدمت شويَ . . كيف مات؟
عبدالرحمن : تعرَض لطلق نار، الله يصبَر ولده بس
عبير بللت شفتيْها بلسانِها من الربكة : ولده كان موجود هناك؟
عبدالرحمن : إيه، أكيد صعبة عليه يموت أبوه قدامه!!! . . الله لا يفجعنا بأحد ويرجَعنا الرياض سالمين
عبير همست وبدأت أفكارها تدور حول فارس : آمين . . .


،


بعد ـ شهريْن ـ


في الرياض تحديدًا، ( منزل عبدالله القايد )
تقف على أطرافِ أصابعها وهي تقرأ بضحكَة الأوراق التي كتبها فيصل : وهذي بعد . . كما لو أنكِ جئتِ حتى تبثَين بيْ الحياة. . هالله الله!
فيصل المستلقي على الأريكة وينظرُ إليها بتركيز : وش بقى ما قريتيه ؟
هيفاء : طيَحت قلبي يومها، وقمت أصيح ورحت كلمت أبوي قلت السالفة فيها إنَ بس زين ما طلعت مثل ما انا فاهمتها
فيصل وقف ليهجم عليها بضحكة وهو يأخذ منها الأوراق، عانقها من الخلف وهو يهمسُ بإذنها : ما أحب أحد يقرأ شي كتبته
هيفاء إتسعت إبتسامتها : خلاص راحت عليك! كل الأوراق قريتها وفتحت كل الكتب . .
فيصل كان سينطق شيئًا لولا حضور ريف التي تكتفت : ماما تقول أنزلوا على الغدا
هيفاء تنحنحت وهي تحكَ رقبتها من المنظر الذي دخلت عليه ريف، نزلت ومن خلفها فيصل الذي حمل بين يديْه ريف وأغلقها بقُبلاته : ثاني مرَة دقي الباب بعدها أدخلي
ريف : دقَيته بس ما سمعتوني
هيفاء إلتفتت عليها بحرجٍ كبير : فيصل خلاص
فيصل عض شفتِه حتى يُمسك ضحكته ويُنزلها، أقترب من والدتِه وقبَل رأسها، نظر إلى الطاولة المُجهَزة بأكلٍ يُغريه تمامًا : يسلم لي هالإيدين
والدته : عساه عافية . .
هيفاء جلسَت بمُقابله، أخذت نفس عميق من السعادة التي تُحيطها بوجودِ فيصل.
ظننتُ بك أول ما قرأتِ الأوراق سوءً ولكن أدركتُ تمامًا أننا أحيانًا نتصرفُ بطريقةٍ بشعة ولكن غايتنا منها / ضحكَة وفرحة، أنا ممتنة للأيام التي تجمعني معك تحت سقف واحِد وممتنة لطعم الحُب الذي تذوقتَه مِنك، وللضحكة التي بادلتني بها، أنا ممتنة لأولِ لحظة قبلتني بها وجعلتني أشعرُ بأن حياةً قضمت قلبي وليست شفاهِك، أنتَ أجملُ شيءٍ حصل بحياتي وأحلمُ بطفلٍ ينمو بين أحشائي يحملُ دماءِك، أحلمُ باللحظة التي أسمعُ بها أنني حامل، وأثق أنه سيجيء هذا اليوْم، سيجيء وأنتَ حبيبي.


،

" عبُود قام يمشي، يسلم لي قلبه "
نطقها وهو يُلاعبه، رفع عينه لوالدته : شايفة قام يمشي
والدته بإبتسامة : الله يحفظه ويخليه . .
أبو منصور : عبدالله . . . هرول عبدالله الصغير إليه حتى سقط بحُضنه، رفعه وأغرقه بقبلاته : يا زينه يا ناس
والدته : يوسف ما أتصل عليك؟
منصور : أكيد وصل حايل . . إن شاء الله ما يرجع الا معها
والدته : والله خايفة تصمم على رآيها
منصور : وبيصمَم يوسف بعد على رآيه، طول أمس أنا من جهة وعلي من جهة وحشَينا راسه عشان يروح
والدته : والله مهرة وش حليلها بس رآسها يابس! ذا عيبها
منصور إبتسم : ما تنلام بعد . . . إن شاء الله إنه نجلا ما تطوَل عشان ما تخرَب مزاجي
: هذي نجلا جتَ قبل لا يخرب مزاجك
منصور رفع عينه : ساعة أنتظرك . . المُشكلة عزيمة أمها مفروض مهتمة اكثر مني
نجلاء : شايفة خالتي ولدك وش كثر متحلطم؟
أم منصور : منصور زوَدتها
منصور وهو يقترب منها، قرص خدها : نمزح مع أم عبدالله . . ضحكت نجلاء وهي تحمل بين يديْها عبدالله الصغير : مع السلامة . . . ركبت السيارة . . . يالله منصور تذكَر اليوم وشو ؟ ولا والله بزعل
منصور ضحك وهو يلتفت عليها : يوم ميلادك مير إني ما أعترف فيه أنا آسف
نجلاء بضيق : طيب قول كل عام وأنتِ بخير لو جبر خاطر
منصور بإبتسامة : كل عام وأنتِ بخير وسعادة و فرحة و صحة وعافية و . . وش بعد تبين ؟
نجلاء إبتسمت عيناها التي تُضيء بالدمع : وكل عام وأنا أحبك . .
منصور : وكل عام وأنتِ تحبيني
نجلاء ضربت كتفه : قول وأنا أحبك؟ رومانسيتِك تحت الصفر
منصور سحبها حتى يُقبَل رأسها : أنا رومانسيتي أفعال . . حرَك سيارتِه وعينا عبدالله على الطريق والأضواء التي تُثير إنجذابه.
وأيضًا أُحبك، مرَت سنـة ونصف على زواجنـا ومازلت أشعرُ بحماسة الحُب وشغفه وكأنها أول ليلة معك، أنت النصيبُ الصالح الذي كُنا ندعو إليه وأنا قسمتُك، ممتنـة للحياة التي تجعلني أتمسكُ بك دائِمًا وأبدًا، ممتنة لعبدالله الذي وثَق حُبنا بميلادِه، وفي كل سنَة أكبرُ بها أشعرُ بأن حُبك مازال صبيًا في داخلي، لا يشيخ شيئًا عيناك تحفَه يا منصور.

" الصِدف أحيانًا تخلق السعادة لكن نفس الصِدف أحيانًا تكون سبب تعاسـة "
أغلقت صفحة ـ نواف ـ بتويتر وهي تقرأ آخر تغريدة له قبل شهر، وهي تتنهَد، من فرط خيالها أن تتوقع بإمكانها من الزواج من شخص لا يعرف عنها شيء، أقبلي يا أفنان بالوقع، هذا الوقع! كيف سيجيء ويتزوجني هكذا؟ منطقيًا هذا لا يحدُث، ولكن أردتُ لو صدفَة تخلقُ سعادتي، لو شيئًا يحدُث يجعله يطرق باب منزلنا، لم أشعرُ أنني أحبه بهذه الشدَة في وقتٍ سابق ولكن هو أول شيءٍ أفتح صفحته قبل أنام وعندما أستيقظ، أصبح جُزءٍ من يومي، تمنيَتُ أن يتحقق لي ولو كان خيالاً أؤمن به حتى يجيء حقيقة، ولكن لا حُب يأتِ بهذه الطريقة ولا حياة تُبنى بأساسٍ خيالي.
رفعت عينها للجوهرة التي دخلت عليها : وش فيك جالسة بالظلمة؟
أفنان تنهدَت : نسيت لا أشغَل النور
الجوهرة إبتسمت : جايبة لك خبر يعني ممكن حلو وممكن لا . . على حسب
أفنان : وشو ؟
الجوهرة : أمي قالت لي أقولك لأنها تقول محد يعرف يتفاهم مع أفنان غيرك
أفنان وقفت بربكة : إيه وشو قولي؟ خرعتيني
الجوهرة : فيه ناس أتصلوا وأطلبوك لولدهم
أفنان : مين؟
الجوهرة : ما تعرفينهم، شفتي خوال زوج هيفاء . . منهم
أفنان بضيق : طيب وش إسمه؟
الجوهرة : إسمه نايف، يشتغل بنفس المكان اللي فيه فيصل زوج هيفا . . ويعني الرجَال كويس ويقولون أخلاقه حلوة وأمي تقول إذا وافقت أفنان بلغت أبوك
أفنان جلست بخيبة لا تدري لِمَ أتاها أمل أن تسمع إسم ـ نواف ـ بآخر لحظة.
الجوهرة : وش فِيك ضقتِ؟ استخيري وشوفي! أما إذا تفكرين بنواف فأنتِ مجنونة
أفنان : ما أفكر فيه
الجوهرة : لا تكذبين!!! أفنان صدقيني بتتعبين إذا بتفكرين بشخص شفتيه بالصدفة . .
أفنان ضاقت محاجرها : طيب خلاص أرَد على امي بعدين
الجوهرة : أنتِ عارفة بقرارة نفسك إنه مافيه زواجات كِذا! شافِك يومين وقال بخطبها، يعني هي تصير بس مو دايم! وحتى أنتِ ماتعرفين عنه شي . . يمكن متزوج يمكن عنده عيال بعد . . . ويمكن اللي في داخلك مُجرد إعجاب وبينتهي . . . . أستخيري وشوفي
طلَ ريَان عليهما : أنتِ هنا وأنا أدوَرك
الجوهرة إلتفتت : ليه ؟
ريَان : سلطان تحت
الجوهرة إرتجفت أطرافها وهي تبلعُ ريقها بصعوبة : جد ؟
ريَان : إيه . . بالمجلس مع أبوي
الجوهرة : طيب بنزل له
إتجه ريَان لغرفتِه وأول ما فتح الباب رأى باقة ورد بوجهه، إبتسم : ريم؟
أبعدت ريم باقة الورد من أمام وجهها : بمُناسبة حصولك على ترقية بالشغل
ريَان : عندي حساسية من الورد
ريم بإحباط : جد عاد ؟
ريَان بضحكة أخذها : تسلمين
ريم إبتسمت : الله يسلمك . . مسكت يدِه لتذهب به إلى الغرفة الأخرى، وبمًنتصف الطاولة كيكة ناعِمة بلونِ الفانيلا.
ريم : تعبت وأنا أنتظرك بغيت أصلي ركعتين عشان تحنَ وتجي الغرفة
ريَان بإبتسامة : شكرًا
ريم : عفوًا . . طيب قول كلمة ثانية غير تسلمين و شكرًا
ريَان إلتفت عليها وبدأ الإحراج يتضح عليه : آآآآ. . شكرًا بعد
ريم غرقت بضحكتها : خلاص راضية فيها . . .
لو أنني بقيتُ على احلامي لمَا تقدمتُ لحظَة، كان لزامًا عليَ أن أُجهض أحلام الصِبا الورديَة وأتعايش مع واقعي، كان لِزامًا أن أتقبل ريَان بسلبياته، التي أصبحت بنظري الآن نوع من الإختلاف لا أكثر، تعلَمت كيف أخلقُ من هذا الواقع حلمًا ورديًا طويل الأمَد، حتى نظراتِك أصبحت بالنسبة لي شيءٌ مقدَس، أشعرُ دائِمًا أن نظراتِك معي تختلف، وهذا يُشعرني بأنني لستُ عاديَة بحياتِك، بالنسبـة لك يا ريَان / أنا أُحبك.


،


بدأت قدمِه بالإهتزاز وهو ينتظرُ حضورها إليْه، طال إنتظاره ويخشى أن لا تخرج إليْه، رُغم أنه لم يسمع صوْتها منذُ تلك الليلة ولا يدري ما تغيَر بها، حتى ملامحها أشتاقُها بشدَة.
قاطعت أفكارِه بدخولها، رفع عينه إليها تابعًا وقوفِه، طال الهدوء بينهما وهو يتأملها بلهفة الشوْق بعد أن غابت عن عينيْه لمدَة طويلة.
مُهرة : مساء الخير
حاولت أن تتجاوزه وتجلس ولكن ذراعِه قاطعت سيْرها، بشدَة سحبها إليه وعانقها، لم يستطع أن يُقاوم حضورها بعد كل هذا الغياب.
كيف أستطعتِ أن أعيش كل هذه الفترة دون صوتِك؟ و عيناكِ؟ أشتقتُ إليْك، وبلغت من شوْقي الصبَابَـة، لِمَ نبتعد من أجل هذا الكبرياء؟ كل خطوة وكل إنفصال بالحُب سببه الكبرياء الذي لو نروَضه قليلاً لقَدِرنا على العيْش بسلام.
مُهرة إرتجفت واترفعت حرارة الحُمرة بجسدِها من عناقه، همست : يوسف
أبتعد عنها لينظر إليْها : كيف تضيَعين نفسك كِذا ؟
مُهرة بضيق : يوسف الله يخليك لا توجعني
يوسف : جايَ عشان آخذك
مُهرة : تكلمنا بهالموضوع
يوسف : إيه تكلمنا! لكن لمَا يكون سبب الطلاق مقنع أبشري بوقتها لكن عشان أخوك اللي مات الله يرحمه ولا يدري عنك طبعًا لا
مُهرة أمتلأت عينيْها بالدموع : يوسف أرجوك!!
يوسف : أنتِ اللي أرجوك! . . ما يصير تهدمين كل شي عشان سبب واحد؟ وفيه مليون سبب عشان نكمَل
مُهرة ببكاء : حط نفسك مكاني، تخيَل كيف بناظر أهلك؟ والله مالي وجه
يُوسف بإنفعال : وش دخلك فيهم؟ أصلاً حتى هم قبل لا أجيك يكلموني ويقولون خلَك مصمَم عليها . . والله العظيم إنه أمي تنتظرك وتبيك
مُهرة أخفضت رأسها، أردف : مالي خاطر عندِك ؟
مُهرة بإندفاع : إلا طبعا
يوسف إبتسم : طيب؟
مُهرة : أحس أفكاري تشتت، مو قادرة أفكَر صح
يوسف : أنا أفكر عنك وأقولك جيبي أغراضِك وخلينا نمشي عشان نوصل الرياض بدري
مُهرة : يوسف
يوسف : لا يوسف ولا غيره . . بنتظرك
مُهرة : بس . .
يوسف : قلت بنتظرك
مُهرة عضَت شفتِها السفليَة بتوتر : والله أخاف من الحياة اللي بتجيني
يوسف اقترب ليُقبَل جبينها : أنا معاك . . خرج لينتظرها بالسيارة دون أن يترك لها مجال للنقاش والتفكير.
تنهدَت مُهرة تعلم أن والدتها لن تقف هذه المرَة بوجهها، خرجت لتجدها : جاء يوسف
والدتها : أدري
مُهرة بلعت ريقها : بروح معاه
والدتها : ماعاد لي شغل بحياتتس
مُهرة بضيق جلست على ركبتيْها عند أقدامها : يمه تكفين، وش أسوي أنا بدون رضاك؟
والدتها : إذا تبين رضايَ ماتركضين وراه
مُهرة : هو زوجي .. تكفين يمه طلبتك
والدتها بضيق : بكرا تتهاوشين معه وتقولين صادزة يمَه
مُهرة : لا ماني متهاوشة معه ولا قايلة صادقة يمَه، يوسف مستحيل يأذيني بشي . . تكفين
والدتها : روحي وشو له تنتظرين؟
مُهرة : ماني رايحة بدون لا ترضين عليَ . . . قبَلت ظاهر كفَها ورفعت عينيْها إليْه . . . هاا؟؟
والدتها تنهدَت بقلة حيلة : طيب روحي
مُهرة إبتسمت ووقفت لتُقبَل رأسها : يالله عساك ترضين عليه . . .
ركضت للأعلى ليأتِ صوت والدتها : شويَ شوي لا تطيحين
هذه المرَة يا يوسف أرجُو أن يكون الغياب الفائت آخرُ بُعدٍ بيننا، أنا التي كنت الطرف الظالم في هذه العلاقة ولكنني كُنت أشتاقُك في كل لحظة، ولكن كل شيء أمامي يجعلني أفكَر بأن لا بدايَة جديدة بيننا، تصوَر كل شيء يُخبرني، عندما مرَ أكثرُ من شهريْن ولم أسمع بها صوتِك أدركت أنك لا تُفكر أبدًا بأن تُعيدني لحياتِك، شعرت بالخيبة رُغم أنني أنا سببها، ولكن كنت أريد إصرارًا منك بعد أن تحدَثت مع منصور، أردتُ فعلاً أن أستيقظ على عينيْك، لا يهُم! الذي يهمني حالاً أنك بالأسفل تنتظرني.


،

في ميُونِخ، يسمعُ لمريضِه الذي يُعاني من فرط كآبـة، وفي كل كلمةٍ ينطقها يستذكرُ غادة التي كانت تُخبره بمثل هذا الحُزن وبنبرة هذا الوجَع، لم أنجح ولم أفلح أبدًا بأيَ علاقة بحياتي، مازلت موجُوع! حاولت أن أتمسَك بكل فرصةٍ أتت إليَ ولكن لم أستطع أبدًا، أنا الذي بعد الله أُساعد غيري أعجزُ عن مساعدة نفسي، أحلمُ بأن أكوَن عائلة ولكن هذه العائلة لا تُريدني، حاولت مرَة تقليديًا وحاولت ثانيةً بصورةِ حُبٍ أردته وبكلا الحالتين فشلتْ، لا نصيب لي ولا حظَ بالحُب! والآن؟ أُكمل حياتي برتابَـة، أستيقظ لأنظم مواعيدي، أحضرُ دورات وأُعطي دروس وأداوم بالعيادة، وماذا أيضًا؟ لا شيء سوى الوحدَة التي تحفَني، الوحدَة التي مهما حاولت أن أنسلخ عنها لا أقدر، هي تنمُو بدل جلِدي ومن يقدر أن ينزع هذا الجِلد؟ لا أحَد! وحيدٌ جدًا و لا أظنُ أنني أستحق هذا الكمَ من الوجَع.


،


في حلقةِ قُرآن بالمعهد، كان يحفظُ الجزء المطلوبِ منه، " ومن يعمل من الصالِحات من ذكَرٍ أو أنثى وهو مُؤمن فأولئك يدخلون الجنَة ولا يُظلمَون نقيرًا " أكمل حفظ نصف القرآن وتبقى النصف الآخر.
حلاوة حفظ القرآن لن يستشعرها سوى حافظِ الكتاب، يستشعرُ بكل المواقف في حياتِه أن هُناك آيات سكينة تُتلى في قلبِه وهُناك آيات تُذكره عند الإقدام على ذَنبٍ ما وهُناك آيات تُرتَل جمال الجنَة عندما يتعبُ من طاعته، أحاول أن أنسى الجوهرة! لا أقول أنها لا تجيئني وتخترق عقلي، مازالت بسطوةِ حضورها ولكن بدأت أنزعُ إنجذابي إليْها، أشعرُ أنني بحاجة لأعوامٍ طويلة حتى أتخلَص من حُبها، اقتربتُ من عبدالمحسن، سيُسامحني قريبًا! أنا متأكد أنه سيسامحني حين أخبره أنني ختمتُ القرآن، كنت دائِمًا أظن أن صاحب المعصية لا بُد أن تكون نهايته مروَعة وكأننا لا نملكُ ربٌ رحيم، أكتشفتُ أن صاحب المعصية له حق الإختيار إما الجنة أو النار، لا أحد يُجازى بشيء لا يُريده، جميعنا نُجازى بما نُريد، حتى لو أنكرنا ذلك! بالنهاية أنا عصيتُ الله إذن أنا راضٍ بالعقاب، لكن الحمدلله على ـ التوبة ـ ، الحمدلله على هذا الدِين الذي جعل ذنبي صغيرًا أمام رحمتِه وعظمته.


،


أغلق هاتفِه بعد أن تحدَث مع والدِه الذي مازال منذُ شهريْن يسأله نفس السؤال عن غادة " كيف لقيتها؟ " ويشرحُ له ذات الموضوع في كل مرَة.
في جُزء من الرياض جميلاً، ركن سيارته ليلتفت عليها : هذا المسجد
غادة إبتسمت : اللي بنيته ليْ؟
ناصِر : إيه . . كنت متحمس أجي الرياض عشان أوريك إياه بس الله يهدي عبدالعزيز كأن الرياض ذبحته على كُرهه لها
غادة : المُهم شفته الحين، وبعدين عزوز رضى على الرياض لا تنسى
ناصِر : وش عقبه؟ عقب ما راح صوتي وأنا أقنعه . . .
غادة إلتفتت بكامل جسدِه إليْه : جد ناصر، أنا محظوظة فيك . . يعني عقب كل اللي صار أنت هنا وقدامي
ناصِر : أنا اللي محظوظ فيك، . . ـ بضحكة من فرحته ـ أحس إني بحلم! لو تدرين كم مرَة بكيت وقلت كيف أعيش بدونها؟ حياتي مالها قيمة أبدًا بدونك
غادة : الله لا يحرمني منك ويخليك ليْ
ناصِر : اللهم آمين يارب
غادة : تدرين وش جايَ على بالي؟
ناصِر : وشو ؟
غادة : إنه أحلامنا اللي كتبناها! ما تحس إنها تحققت؟ يعني ماتحققت بالوقت اللي أنتظرناه فيه لكنها بالنهاية تحققت
ناصِر : خلَيه يجي البطل ومستعد أخليه يربيني
غادة غرفت بضحكتها وهي تضع يدها على بطنها : يوه مطوَلين، أحسب 8 شهور بالتمام
ناصِر : أنتظره سنة وسنتين واللي يبي . .
غادة : بتكمل فرحتي لو تصالح عبدالعزيز مع رتيل
ناصر : أخوك راسه مصدَي! ما يعرف يتعامل مع الأنثى
غادة تنهدَت : حرام عليك!! هو بس مايعرف يعبَر صح
ناصِر بإبتسامة : وش رايك نطبَ عليه الحين ؟
غادة : قلت بتمشَيني بالرياض ! بعدها نطبَ عليه
ناصِر بضحكة : أوديك قصر المصمك؟
غادة : تتطنَز؟
ناصر : وش فيه! حاله من حال برج إيفل! ولا هذاك على رآسه ريشة، هذا تراثنا مفروض تعتَزين فيه
غادة : ومين قال إني ماني معتَزة فيه؟ بالعكس بس يعني ودَني مكان فيه حياة
ناصر : مافيه غير الأسواق . .
غادة : طيَب خلنا نروح لأيَ سوق بديت أجوع
ناصِر حرَك سيارتِه، وعينيَ غادة تنظرُ للمسجد نظرةً أخيرة.
كيف أشكرُ الله عليك بما يليق؟ تبني لي مسجدًا؟ هذا أكبرُ طموحٍ لمْ أكن تصِل يدي إليه! مرَت سنين على معرفتي بِك ورُغم أن السعادة لم تكن تمَر هذه السنين ولكن يكفيني آخر شهريْن، أنا أسعدُ إنسانة على هذه الأرض في هذه اللحظة، مرَت أيامًا كنت أبكِيك وأنا أجهلُك، كنت أقول أن جُزءً مني فقدتـُه، ولكن لم أستطع أن أتذكَر إسمك وهيئتك، ولكن قلبك كنتُ أعرفه وهو من أشكِي له قوْلي " أشتقت "، ومرَت أيامُ أكثر حُزنًا وَ وجعًا حين حاولت أن أتذكَرك ولم أستطع، حين شعرتُ بأنني شخصيَتيْن، وأنني مُشتتة ضائعة، ولكن مرَت أيضًا، والآن أمرُ بمرحلةٍ أنا لا أعرفُك وفقط، أنا أعشقك كوداعة الخيرَة من الله في قلبي. وأنت الخِيرة التي أردتُها.

دخل إلى الغرفَة وأفكاره تتوتَر أكثرُ وأكثَر، نظر إلى ضي التي بدأ تعبُها يشتَد في شهورها الأخيرة : مو قلت لك لا تصعدين فوق وأجلسي بالغرفة اللي تحت؟
ضيَ : كنت بغيَر ملابسي . . بس صاير فيني خمول وأنام بأي مكان
عبدالرحمن جلس : جاني عبدالمجيد
ضيَ : إيه؟
عبدالرحمن : هو صار له شهر ويعيد عليَ نفس الحكي بس مدري! خايف أقول لا وأظلمهم وخايف أقول إيه ويظلمها
ضي : مافهمت! قصدِك فارس و عبير؟
عبدالرحمن : إيه من فيه غيرهم، فارس تعبان حيل رحت شفته وأنكسر قلبي عليه، ماعاد في حياة بوجهه ويقولي عبدالمجيد لا يآكل ولا شي! حتى يوم قاله أمش نروح لأمك رفض! متوَحد مع نفسه، بس ما أبغى أضغط على عبير! ومستبعد إنه بفترة قصيرة قدرت ترتاح له مع أنَه لما أتصلت عليها يوم كانت عند رائد قالت لي إنه يعاملها زين . .
ضيَ : تبي شوري؟
عبدالرحمن : أكيد
ضيَ : خلها تروح له، حتى عبير بنتك تحتاجه . . وبعدين أنت بنفسك تقول إنه فارس شخص غير وبعيد كل البعد عن شخصية أبوه، لا توقف بوجههم! وبعدين عبير كبرَت ماعادت بنت صغيرة!!
عبدالرحمن : بس ..
ضيَ تُقاطعه : أنا عارفة مصدر خوفك، لكن هي بتكون قدام عيونك! مابينك وبين بيته إلا شارعين، وعبير قوية ما ينخاف عليها! لو ماتبيه بتقولها بوجهك ماأبيه لكن حتى هي تستحي تجيك وتسألك عن أخباره . .
عبدالرحمن تنهَد ليقف : بروح أشوفها
ضيَ : عبدالرحمن لا توقف بوجههم
عبدالرحمن : طيب . . . صعد لغُرفتها، طرق الباب وفتحه ليجد بوجهه رتيل التي مُتزيَنة وكأنها ستذهب لحفلةٍ ما : على وين ؟
رتيل بضحكة : وش رايك فيني ؟ جميلة ولا ؟
عبدالرحمن إبتسم : جميلة ونص
رتيل : بصراحة ماني رايحة مكان، بس أجرَب مكياج عبير . . .
عبير المستلقية على السرير نظرت إلى والدها وأستعدلت بجلستها : تعرف بنتِك تضرب فيوزاتها كل فترة
رتيل : والله يبه مخي محتاج يتنكس ويتنكس ويتنكس وأتنكس معه
والدها ضحك : وش سر هالسعادة عساها دوم ؟
رتيل عقدت حاجبيْها : شفت يبه لما تسألني كِذا أتذكر الأشياء السودا في حياتي
والدها : تدرين إنه عبدالعزيز جاء الرياض؟
رتيل تغيَرت ملامحها المبتهجة : جا؟
والدها : إيه بس طبعًا ما قالي بنفسه، شايل بقلبه عليَ مرة ..
رتيل : طيب . . أنا بروح لغرفتي . .
عبدالرحمن إقترب من عبير : جايَك بموضوع وأبيك تفكرين فيه
عبير تربَعت فوق سريرها : يخص؟
عبدالرحمن : تبين الطلاق؟
عبير أندهشت من السؤال وبقيْت متجمدَة، لم يخرجُ من شفتيْها نصف جواب.
عبدالرحمن : يعني لا، طيب فارس تعبَان ومافيه أحد ممكن يكلمه غيرك، وإذا منتِ راضية من بكرا أخليه يطلقك، أنا أنتظرت كل هالفترة عشان ظروفه، لكن بعد تهمني بنتي، أنتِ انجبرتي على هالزواج لكن ماراح تنجبرين بعد بإستمراريته
عبير أخفضت رأسها والدموع تتدافع في محاجرها، نطقت بصعوبة : ماني مجبورة
عبدالرحمن : يعني مرتاحة له؟
عبير هزَت رأسها بالإيجاب دون أن تنظر لوالدها، بخفُوت : شلونه الحين؟
عبدالرحمن : قومي شوفيه بنفسك . .
عبير رفعت عينيها بدهشَة : جد ؟
عبدالرحمن : إيه والله . . قومي ألبسي وخلينا نروح له . . . اقترب وقبَل رأسها . . تمَر الدقيقة تلو الدقيقة حتى خرج والدها وأرتدت بصورة سريعة ولبست عباءتها، أخذت نفس عميق وهي التي أشتاقت بشدَة إليْه.
مرَ الوقتُ سريعًا بالطريق، أشار لها والدها بمكان فارس : من هِنا . . . ودخل هو الآخر إلى المجلس عند عبدالمجيد
عبير نزعت نقابها وفتحت باب الغرفة بهدُوء، أختنقت عينيْها بالدموع عندما رأته، كان نائِمًا وملامحه لم تعَد هي ذاتُها التي تعرفها، ذقنه المهمَل و نحولِه، أكل هذا يفعلُ به موتِ والده؟
اقتربت منه لتنظر إلى ـ رواية ـ عند رأسه، أخذتها لتفتح الصفحة الأولى وبخطَ يدِه قرأت إهداءهُ لها حتى سقطت دمعة في وسط الورقة، فتح عينيْه التي كانت غافيَة مؤقتًا : عبير؟؟ . . شعَر وكأنه يتخيَلها.
عبير جلست بجانبه وهي تضع يدَها فوق كفَه، بضياء الدمع بعينيْها : يا روحها . .
فارس أستعدَل بجلسته ليُقابلها : مين جابك ؟
عبير : أبويْ . .
فارس صُدم من رضَا والدها وهو الذي شعر طوالِ الأيام الماضية أنهُ لن يراها أبدًا : أبوك!!
عبير : هو اللي قالي أجيك . . . . شلونك ؟
فارس بذبُولِ نظراتِه : بخير
عبير : ليه كل هذا؟ . . . نحفان مرة و عيونك تعبانة
فارس بضيق مازال غير مصدَق، قفزت دمعة إلى عينيْه : أنا أتخيَلك ولا أنتِ صدق قدامي
عبير أجهشت بالبكاء وهي تُخفض رأسها : لا تقول كِذا!!!
فارس : كيف رضى أبوك ؟
عبير : رضَا وبس . . . أهم شي أنتْ
فارس بلع ريقه بصعوبة، وضع يدِه على خدَها حتى يُصدَق ما يراه : منتِ حلم؟ . . تعرفين إني أنتظرتك كثييير
عبير : مقدرت أتكلم وأقول لأحد . . . ماكان راح أحد يظن فيني ظن حسَن حتى أبوي، لكن هو اللي جا ليْ! . . وسألني إذا أبي الطلاق، بس قلت له لا . . . فارس لا تسوي في نفسك كِذا
فارس نزلت دمعَة على خدَه : مات قدامي يا عبير! ناديته وما ردَ عليَ!! فقدت أبويَ
عبير : الله يرحمه ويغفر له . . هذا قضاء وقدر . . إذا ما مات اليوم بيموت بكرا، كل شخص ويومه مكتوب ماتقدر تسوي شي
فارس بتعَب يشتَد حُزنه و وجعه، دمُوعه كانت قاسية جدًا على قلب عبير التي لم تعتاد النظر إلى دموع الرجالِ كثيرًا : فقدته . . أحس روحي بتطلع
عبير : بسم الله عليك . . بسم الله عليك من هالوجَع . . . قوم صلَ ركعتين يمكن يهدآ بالك . . . حاسَة فيك والله، تخيَل حتى عمي مقرن محد قالي إنه توفى إلا من كَم يوم، حسَيت بوقتها إن روحي بتطلع لمَا سمعت، كان أكثر شخص قريب مني، بس كلهم كانوا جمبي . . وأنا جمبك الحين
فارس بتشكِيك : أبوك رضى ؟
عبير ببكاء تقطَع صوتك : والله رضَى والله يا فارس
فارس أجهشت عيناه بالدمَع، ماذا يحدُث؟ هل عبِير هي الحسنَة التي أخرجُ بها من وفاة والدِي؟ يارب إجعلها حسَنةٌ دائِمة، يارب إني أموت من الوجَع على أبِي ولا تجلعني أذُوق وجعها، يارب يارب ساعدني حتى أصبر على فراقه.
عبير : يالله فارس قوم . . صلَ
فارس قبَل جبينها وعيناه لا تتوقفَ من البُكاء، هذا الحلم الذي كان ينتظرُه منذُ زمَن وتوقع إستحالته ولكن لا شيء يستحيل على الله : إن شاء الله . . . إتجه ناحية الحمام ليتوضأ.
عبير سحبت منديلاً حتى تمسح دمُوعها، أخطأت كثيرًا، أدركتُ خطأي ولكنني لم أواصل به، الله يعلم إنني حاولتُ وأجتهدت أن أبتعد عنه، لم أتواصل معه ولم أتقدَم خطوة إليْه، منعته عن نفسِي وحققه الله ليْ بالحلال، أفهمُ تمامًا كيف تجيء جُملة ـ من ترك شيئًا لله عوَضه ـ بلسمًا على قلبي، منذُ اللحظة التي تركتُ به هذا الطريق والله يرحمني بفارس، لو أنني واصلتُ بهذا الطريق؟ وتحدَث مع فارس دائِمًا بالخفاء؟ لو أنني لم أمتنع عنه ماذا حصَل؟ رُبما كارِثة ورُبما مصيبة ورُبما حتى حزنٌ طويل، ولكن حُزني ببعده أتى الآن فرَحْ، يالله! كيف للأشياء التي تكون بالحلال جميلة أكثر، للمرةِ الأولى أنظرُ إليه وأنا لاأشعرُ بالخوْف من ذنبٍ ومعصيَة، يالله عليك يا فارس " وش كثر أحبك ؟ ".


،


عائشَة ركضت إلى حصَة : والله ماما
حصَة : يمه يمه أعوذ بالله وش ذا الخرابيط، اليوم بشغَل قرآن في الدور الثالث وإذا فيه بسم الله بيطلعون إن شاء الله
عائشة : أنا ماراح ينام فوق . . أنا يقول حق أنتِ
حصَة : طيب نامي تحت محد ماسكِك . . خلني أشوف سلطان وش سوَى؟ يارب يصلح قلبه بس . . . حاولت أن تتصل عليه ولكن أتاها مُغلق.
في جهةٍ اخرى كان جالسٌ أمامها لوحدهما، منذُ دخلت وهو يشتت نظراته لتجيء في بطنها، كان يُريد أن ينظر ويُطيل النظر ويكتشفُ تغيَرات جسدِها.
الجوهرة تنحنحت : إيه وش الموضوع ؟
سلطان : ممكن تلبسين عبايتك وتجين معي ؟
الجوهرة إبتسمت رُغمًا عنها : كِذا تعتذر؟
سلطان وقف : أنتظرك
الجوهرة : ماراح أروح معاك يا سلطان . .
سلطان تنهَد : يعني ؟
الجُوهرة بسخرية : جيت عشان تبيَن لي كيف إني مستعبدة عندِك ومتى مابغيت أروح معك أروح ومتى ما بغيت جلست؟
سلطان : طبعًا لا، جيت عشان آخذك
الجوهرة وقفت بصعُوبة وهي تواجه بعض التعب في هذه الأيام من الحمَل : وش مطلوب مني؟ أنا إنسانة لي كرامة دامك أهنتني مرَة بتهيني مليُون مرَة . . .
سلطان بعصبية : نسيتي وش الأسباب؟ تبيني أعدد لك إياهم ؟
الجوهرة بغضب تصرخ بوجهه : وأنا ما فكرت وش أسبابي؟
سلطان يقترب منها ويُشير إليها بالسبابة : صوتِك لا يعلى!! لا أقطع لك لسانِك
الجوهرة جلست وهي تتكتف والدمعة تقترب من النزول : ماني رايحة معاك! مو طلقتني؟ خلاص ماعاد بيني وبينك شيَ
سلطان : هذا آخر كلامك عندِك ؟
الجوهرة : أنت حتى ما أعتذرت لي عشان أفكر بالموضوع ؟
سلطان : ليه أعتذر لك؟ ماشاء الله أنتِ رايتك بيضا! آخر من يعلم بموضوع حملك و لا قدَرتي إني زوجك ولا شي
الجُوهرة بإستهزاء : على أساس إنك أنت مقدَر إني زوجتك، أنواع الذل بعيونِك وساكتة أقول معليه يمكن أنا فهمي غلط لكن حتى لسانك ما سلمت منه
سلطان بسخرية بمثل نبرتها : والله عاد إذا بتحاسبيني على عيوني مشكلة . . بكرا تحاسبيني ليه أتنفس!
الجوهرة تذكرت ذلك الموقف الذي حبست به أنفاسها من أجل كلماتها التي قالتها : بالله؟
سلطان : أنتِ أعتذري لي طيَب، قولي يا سلطان أنا آسفة ما علمتك بالحمَل بدري . .
الجوهرة وقفت لتقترب منه وهي تحتَد بنبرتها : عشان تسقط الحجَة مني، أنا آسفة يا سلطان ما علَمتك بالحمل .. يالله وش سويت شي ثاني؟ ما سويت شي بس أنت سوَيت
سلطان ينظرُ إليها وهي تقتربُ إليه بقوَة لم يعتادها منه، أخذ نفس عميق : آسف
الجوهرة بشعور الإنتصار : على ؟
سلطان لا يتحمَل أن تتلاعب به الجوهرة : لا والله؟ تبيني اطلع جنوني عليك
الجوهرة إبتسمت : طيب أنا ما أعرف على وش الآسف؟ قولي آسف على الشي الفلاني والفلاني والفلاني
سلطان بغضب سحبها من ذراعها : فاهمة غلط يا روحي . .
الجوهرة رفعت حاجبها : أنا حامل! ياليت لو تحسَن أسلوبك شويَ لو مو عشاني عشان اللي في بطني
سلطان ترك ذراعها مُجبرًا ولأولِ مرةٍ يُجبر على فعل أشياءٍ كهذه. : روحي جيبي أغراضك
الجوهرة تستلذُ بتعذيبه : أنا ما بعد رضيت
سلطان بحدَة : الجوهرة!!!
الجوهرة : يعني بالغصب بتوديني؟ طيب وش يضمني إني بربي ولدي ببيئة صحية؟ ماهو بيئة أم وأبو يتهاوشون ليل نهار
سلطان : وش البيئة الصحية اللي تطلبينها حضرتك ؟
الجوهرة : ما أطلب شي، أبي حقوقي بس
سلطان بدأ الغضب يشتدَ بملامحه : إن شاء الله إني بيتي بيكون بيئة صحية يا مدام
الجوهرة تحبس ضحكته خلف إبتسامةٍ ضيَقة : صفَي قلبك ناحيتي، ليه دايم تحسسني كأني مآكلة حلالك؟
سلطان : أنتِ جالسة تستهبلين وتطلعين ألف عذر وعذر!!! يالله صبرك ورحمتك
الجوهرة : تذكر لمَا . .
سلطان يقاطعها بغضب كبير جعلها ترتجف : الجوووهرة!!!
الجوهرة بهدوء وهي تُشتت نظراتها : لا تصرخ عليَ، إذا توترت بتوتَر اللي في بطني وأنت بكيفك
سلطان مسح وجهه : طيب .. طيب يا بنت عبدالمحسن
الجوهرة إبتسمت : ليه معصَب؟ لهدرجة الإعتذار يخليك كِذا؟ ولا أنا ما أستاهل كلمة آسف؟
سلطان يضغطُ على نفسه : تستاهلين وبعد تستاهلين كفَ
الجوهرة حاولت أن تقف على أطراف أصابعها حتى تواجهه بالطول، إلتصق قدمها بقدمِه : تمَد إيدك عليَ ؟
سلطان عضَ شفتِه السفلية وبإكراه : لا
الجوهرة بإستفزاز : طيب بفكَر وأردَ لك خبر، بستخير يمكن حياتي معك . .
سلطان بغضب : حسبي الله ونعم والوكيل في العدو، شوفي أعصابي تلفت ولا تخلينها تتلف أكثر!!
الجوهرة : بسأل أبوي
سلطان : وش رايك بعد نسأل الجيران ؟
الجوهرة تنهدت : هذا أبوي
سلطان : لو أبوك ماهو موافق ما خلاني اشوفك . . ممكن تتنازلين حضرتك عشان عندنا أيام وردية بالرياض
الجُوهرة : تهددني حتى وأنت جايَ تآخذني؟ يارب أعن عبدك
سلطان : ماهددتك! قدامنا أيام وردية إن شاء الله
الجوهرة : طبعًا وردية بقاموسك وسودا بقاموسي
سلطَان : أقول تحرَكي روحي جيبي أغراضك وأنتظرك بالسيارة
الجوهرة : ماني متحركة
سلطان بإبتسامة وبدأت ملامحه تلين : أعدَ لمَا الثلاثة لو ما رحتي تحمَلي وش بيصير . . . واحد . . . إثنين . . . ثلـ
الجوهرة ضربت قدمها بالأرض ومشَت، مهما حاولت أن تُظهر قوتها إلا أنها تخاف منه، سلطان بضحكة : مجنونة!!


،

إقترب من الخادمة : نادي رتيل . .
الخادمة : اوكي
عبدالعزيز : بابا موجود ؟
الخادمة : فيه يروح ويَا ماما عبير . .
عبدالعزيز : محد موجود ؟
الخادمة : لأا
عبدالعزيز : وضيَ ؟
الخادمة : فيه يروح مستشفى
عبدالعزيز : طيب أجلسي أنا أدخل، . . . دخل منزلهم بعد أن تأكد من خلوه، صعد للأعلى وفتح الغرفة ولا أحد بها، تأكد أنها غرفة عبير، إقترب من الغرفة الأخرى التي أجزم أنها لرتيل، فتح الباب بهدوء وكأنه لصَ يحترفُ الدخول بهذه الطريقة، طلَ يمينه ويساره ولم يراها، شعَر بحركة خلف السرير، إتجه للناحية الأخرى ليجدها مستلقية على الأرض وسيقانها مثبته على طرف السرير ومُغمضة عيناها ويبدُو أنها تفكَر بجَد وجُهد.
عبدالعزيز عاد للخلف خطوتيْن، ليأخذ الزهر غير الطبيعي الذي على تسريحتها، إقترب منها وأنحنى ليضعه أمام وجهها، فتحت عينيها لتصرخ برُعبٍ شديد جعل عبدالعزيز أمام منظرها يغرق بضحكاته العاليَة : إسم الله عليك
رتيل بإنفعال لم تعد تدري ما تفعل، أخذت كل الأغراض التي أمامها وبدأت ترميها عليْه : حسبي الله . . وقَفت قلبي . . يممممه
عبدالعزيز يتأملها وهي مُتزيَنة بكامل زينتها : كنتِ زايرة أحد ؟
رتيل : كيف دخلت غرفتي؟
عبدالعزيز : محد في البيت وقلت بدخل
رتيل : إلا ضيَ موجودة
عبدالعزيز تنهَد : حتى صاحبة البيت ماتعرفين عنها! تقول الشغالة بالمستشفى . .
رتيل تكتفت لتنتبه إلى قميصها المفتوح، بغضب أخذت الكتاب ورمتهُ عليه.
عبدالعزيز بضحكة : أنا وش دخلني طيَب؟ يا أم أصفر عطينا وجه شويَ . . وش سر الأصفر معك؟ ذوقك مضروب ولا وش السالفة؟
رتيل بدأت الحُمرة ترتفع إلى وجهها وهي تُعطيه ظهرها، إلتفتت عليه بجمُودِ ملامحها : وش دخلك ؟
عبدالعزيز : تستحين تقولين لي أنا أحب الأصفر؟ تراه لون عادي!
رتيل :ها ها ها ؟ طيب وش المطلوب؟
عبدالعزيز إتسعت إبتسامته : مرَيت من عندكم وقلت أسوي الواجب وأشوفك
رتيل تشعُر وكأنها متعرية أمامه من نظراته، وبحدَة : إرفع عيونك عنَي
عبدالعزيز ينظرُ إلى عينيْها : عفوًا؟ أرفعها عن أيَ جهة بالتحديد؟
رتيل : قليل حيَا . . زين أطلع من غرفتي وروح لأبوي مالي كلام معك . .
عبدالعزيز : أصلاً كلامي كله معك . .
رتيل بضيق : جد عبدالعزيز أطلع، لا تضايقني . . إذا طلقت أثير ذيك الساعة تعال، ماتجمعني معها لو أيش!
عبدالعزيز : أثير ماراح أطلقها
رتيل بغضب : أجل روح تهنَى معها واتركني
عبدالعزيز : الشرع حلل 4
رتيل : إذا الشرع حللك أربع ترى الشرع محللَي الطلاق
عبدالعزيز تنهَد : رتيل . .
رتيل تُقاطعه : ماابغى أتناقش في هالموضوع، غايب صار لك فترة طويلة والحين ترجع عشان تقولي ماراح أطلَق أثير! أجل ليه جايَ!! والله ثم والله ما أقبل بشي هي تشاركني فيه . .
عبدالعزيز : يعني هذا كلامك؟
رتيل : أنا حلف . .
عبدالعزيز : طيب
رتيل بدأ الدمعُ يقفزُ إلى محاجرها : ماراح تطلَقها ؟
عبدالعزيز : أنا ما تزوجتها عشان أطلَقها . . هي زوجتي مثل ما أنتِ زوجتي
رتيل بصراخ : أطلع برااا . . ما ابغى أشوفك وأرسلي ورقة طلاقي بعد
عبدالعزيز : على فكرة هي زعلانة ومارضت تجي معي الرياض
رتيل بإنفعال : أبركها من ساعة! أصلا لا جت الرياض بتحترق من وجودها
عبدالعزيز تنهَد : رتيل . . أنا أبيك
رتيل : وانا ما أبيك
عبدالعزيز : حطي عينك بعيني وقوليها
رتيل إقتربت منه ونظرت إليه : نظام أفلام أبيض وأسود وإني مقدر أقولها بوجهك، لا ياحبيبي أنا أقولها في الوجه
عبدالعزيز : أستغفر الله! وش فيك حشرتيني بصراخِك!!
رتيل : ليه جيت ؟
عبدالعزيز : أشتقت لك
رتيل : والله ؟
عبدالعزيز : بالفرنسية ما يقولون إشتقت لك، يقولون فقدت نفسِي . . وأنا بقولها لك بالفرنسية فقدت نفسي والله
رتيل بضيق بدأت تلينُ ملامحها التي أنشدَت بالغضب : وأثير ؟
عبدالعزيز : أثير زوجتي
رتيل بعصبية : الله يآخذها قل آمين . . أجل يا أنا يا هي . . أختار يا عبدالعزيز
عبدالعزيز : أنتِ وأثير
رتيل : إختار ماراح أرضى لو وش ما صار! ماني أنا اللي تشاركني فيك وحدة
عبدالعزيز : قلت لك أنا ما تزوجتها عشان أطلقها، تزوجتها لأني أبيها زوجتي، ممكن تسرَعت لكن بالنهاية خلاص موضوع تم ماراح أظلمها وأطلقها بدون سبب
رتيل بدأ يخرجُ لسانها الأنثوي شديد الغيرة : يا ماشاء الله ماتبي تظلمها! بسم الله على قلبك يالعادل ياللي تخاف الله في حريمك . .
عبدالعزيز غرق بضحكتِه على إنفعلاتها : إذا أثير ماجتني وطلبت الطلاق مستحيل أطلقها، إذا أنتِ فاهمة إني تزوجتها عشان أوجعك فأنتِ غلطانة، ماهو أنا اللي أستغل أحد ولا هو أنا اللي اتزوَج عشان أطلَق! في ذاك الوقت كانت هي الوحيدة اللي أحس إني اشوف أهلي فيها، وكنت أبي أتقرف منها
رتيل : يعني تزوجتها عشان أهلك قبل يعرفونها؟
عبدالعزيز : إيه و أعزَها
رتيل : قلبك فندق ماشاء الله
عبدالعزيز إبتسم : قلبي تعرفه صاحبته
رتيل رُغمًا عنها إبتسمت، رفعت حاجبها : لا تحرجني طيَب!! عشان أعرف أفكر،
عبدالعزيز بضحكة يستفزها : ماراح تقولين لي علاقتك بالأصفر؟
رتيل ضربته على صدرِه : سُبحان الله ماتشوفني الا فيه . . . ماأحب الأصفر وصرت أكرهه الحين
عبدالعزيز : يالله أنتظر إختيارك سموَك
رتيل : ماراح أرضى، أنقهر يوم ويومين لين أنساك ولا أنقهر عُمر كامل عشانها
عبدالعزيز : تقوين تنسيني؟
رتيل : ماني أول وحدة ولا آخر وحدة، مليون حمارة زيي تحبَ وأنفصلت عن اللي تحبه
عبدالعزيز : حاشاك!
رتيل : إلا أنا حمارة يوم حبَيتك، لأنك ما بادلتني بأيَ نوع من الحُب
عبدالعزيز بغضب إقترب منها : جاحدة! أقسم بالله إنك جاحدة
رتيل إبتسمت من غضبه : دام هي ماهي راضية بجيَتك للرياض وش تبي؟ بس تبي تقهرني . . أنا أعرفها سوسة
عبدالعزيز : لا تغلطين عليها ولا تذكرينها بسوء! وأنتِ بعد مو مقصرة بالتحليل
رتيل شتت نظراتها بعد أن زاد حرجها : قهرتني ولو يرجع الزمن لورى بسوي نفس التصرف لأنها قهرتني
عبدالعزيز بعصبية : ألعبي بكل شي لكن لا تقربين من شي يتعلق بحياة أو موت، لو صدَقت وقلبها وقف من التأثير النفسي اللي تحسَه! وش برود الأعصاب اللي عليك؟
رتيل : تخاف عليها ؟
عبدالعزيز : لا حول ولا قوة الا بالله . . .
رتيل : يارب إني حمارة وكلبة . . المُشكلة لو رجع الزمن لورى بعد بحبَك بكامل خبالي، وأنت بتحبني بكامل إهاناتك
عبدالعزيز بإبتسامة : ماعاش من يهينك، أقص إيد اللي يهينك
رتيل : أنا بسبَ نفسي لين أحس حرَتي بردَت
عبدالعزيز بجديَة : رتيل . . أكلمك جدَ، خلينا ننسى اللي صار
رتيل : ترضى أروح يشاركك أحد فيني ؟
عبدالعزيز : أنتِ مجنونة ولا صاحية؟ لا تقارنين بين شيئين أصلاً الشرع محرَمهم وأنا أمشي على الشرع
رتيل بعصبية : مقطَعك الدين! . . .
عبدالعزيز تنهَد لينظر لهاتفه الذي أضاء برسالةٍ جديدة : الطيب عند ذكره، هذي أثير
رتيل : روح ردَ عليها برَا
عبدالعزيز : مسج ماهو مكالمة . . . قرأ " أبي أكلمك بموضوع ضروري " . . إتصل عليها وبعناد جلس على سريرها.
رتيل بلامُبالاة أخذت مناديل المكياج لتمسح مكياجها التي وضعتهُ من غير سبب.
أثير : وينك ؟
عبدالعزيز : وش بغيتي ؟
أثير : أنا فكرت وماوصلت الا لحاجة وحدة، إختار بيني وبينها!
عبدالعزيز : وشو ؟
أثير : ماراح أرضى فيها أبَد
عبدالعزيز : أثير . . تناقشنا بهالموضوع في باريس
أثير : طيب وأنا الحين أخيَرك
عبدالعزيز : ماراح أطلقك عشان هبالِك!!
رتيل إلتفتت تنظرُ عليه ونظرات الحقد تشَع منها.
أردَف : حطي عقلك في راسك منتِ بزر عشان تفكرين بهالطريقة
رتيل : يعني أنا بزر ؟
عبدالعزيز نظر إليها وأشار لها بالصمت، أثير : أنت عندها ؟
عبدالعزيز : إيه
أثير : طيب طلقني
عبدالعزيز : ماراح أطلقك عشان سبب سخيف زي هذا! لا صار فيه سبب صدقيني بننفصل ولمَا أحس أنه الخيرة بالإنفصال لكن عشان أسباب تافهة مثل هذي طبعًا لا
أثير : أنا ماراح أعيش بالرياض، تقدر تعيش بباريس معاي؟
عبدالعزيز : طبعًا بتجين الرياض
أثير : لا ماهو طبعًا، عبدالعزيز أفهمني ماعاد يهمني رتيل وغيره، أنا مقدر أتكيَف مع بيئتك بالرياض، أبي أعيش هنا وأبيك تكون عندِي ولي لوحدِي مو مع وحدة عايشة بالرياض وتجيها كل فترة أو حتى يمكن عايش عندها
عبدالعزيز تنهَد : أثير . . لو سمحتِ لا تحطين أسباب من مزاجك عشان ننفصل
أثير : أنا ما أحط أسباب، أنا جد أبي أعيش بالبيئة اللي تربَيت فيها، ما أبي أجي الرياض ولا أبغى زواجي يكون بهالطريقة! أنت تحبني؟
عبدالعزيز تفاجئ من السؤال : وش هالسؤال البايخ؟
أثير بضيق : شفت! حتى أبسط سؤال مقدرت تجاوب عليه . . لأني أصلاً ما أعني لك شي، خذيتني عشان ذكرى أهلك ولا أنا غلطانة ؟
عبدالعزيز : مين قالك هالحكي؟
أثير : طول الفترة اللي فاتت، كنت أفكر بدون ضغوط وأكتشفت إني فعلاً ما أعني لك شي
عبدالعزيز تنهَد : نتناقش في هالموضوع بعدين
أثير : أنا أبي جوابك الحين
عبدالعزيز نظر لرتيل الصامتَة الهادئة، و فكَر بأثير : مقدر
أثير : تبيها هي؟ . . طيب طلقني وكل واحد يشوف حياته بعيد عن الثاني
عبدالعزيز : على الأقل أستخيري، لا تخليني أندم ولا تندمين معايَ
رتيل بحلطمة : تندمون بعد!! يارب أرزقني صبر أيوب
أثير : عبدالعزيز هذا آخر حكي معك! دامِك أخترتها تهنَى فيها وأشبع منها، وأنا أمحيني من حياتِك . . . أغلقتهُ بوجهه دون أن تسمع ردَه بعد أن أعطتهُ قرارها.
رتيل : وش قالت لك ؟
عبدالعزيز : يا قُو حوبتك
رتيل : تبي الطلاق؟
عبدالعزيز : إيه . . ماشاء الله دُعاءك ضارب
رتيل إبتسمت : الله يرزق العبد على نيته
عبدالعزيز ضحك رُغم أنه لم يُريد الضحك : الله والنية اللي تعرفينها . . . بكرا الله بيحاسبني على هالطلاق! شرعًا مايجوز الطلاق بدون سبب . . وهي ما تستاهل!
رتيل بضيق : وأنا يعني أستاهل؟
عبدالعزيز : وش فيها لو الواحد تزوَج ثنتين ؟
رتيل : تقدر تعدل بيننا ؟
عبدالعزيز : إيه
رتيل : لا ما تقدر! مو يقولك لا ضرر ولا ضرار! طيب زواجك منها في ضرر لي
عبدالعزيز : تفسرين المواضيع على كيفك!!
رتيل : أختار يا عبدالعزيز . .
عبدالعزيز إقترب منها ليُحاصرها بذراعيْه وظهرها مستنَد على التسريحة : كم مرَة لازم أقولك إنه قلبي ماله إختيار معك؟ و كم مرَة لازم أقُولك إنه الحياة سببها أنتِ؟

.
.


مانشيت 16/11/2013
( ترقية عبدالعزيز بن سلطان العيد في جهاز أمن الرياض )


0 رواية وه فديتك / كاملة
0 أخذتني أمل و رديتني ألم / كاملة
0 الرجيم فوائده واضراره -1
0 ألا ليت القدر / كاملة
0 لمحت في شفتيها طيف مقبرتي تروي الحكايات أن الثغر معصية
0 طرق تساعد على تخسيس الوزن
0 التداوير الانثويه
0 رواية : قلبى إختارك و جيتك طاير حر طليق ما ملي غيرك عيونه وياما في دنياه شاف
0 سما غابة الأوهام ، كاملة
0 تدري وش أقسى جرح في قلب البنت و في مفاهيم الجفى و القساوة !
0 خيالات مجنونه
0 فوائد بذرالقاطونة والكتان للشعر والبشرة
0 طرق تساعد على تخسيس الوزن - 2
0 رواية : و إنت يا الفجر البعيد نامت عيونك : ( منقوله - كامله )
0 حروفك سرقتني من بين الحضور اهيم بك دهرا ولا اكتفي.
خيالات مجنونه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2013, 02:24 AM   #109
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية خيالات مجنونه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 999
معدل تقييم المستوى: 4
خيالات مجنونه is on a distinguished road
افتراضي


تمت بحمد الله وفضله.

سأقُول كلمة أخيرة/ سامحتُ من أغتابنِي وذكرني بسُوء، صفحتي من هذا المنتدى بيضَاء إن شاء الله، و أتمنى قراءة ممتعة لكم و أن تكون الروايـة ذكرى طيَبة في قلوبكم. و راح أقول بعد : $ رُبما يومًا تنظرون إليَ من غلاف كتاب.

بحفظ الرحمن ولا تنسُوني من دعواتكم الطيَبة، أنا بحاجة شديدة إلى الدعوات، ولله الفضل كله ولا فضل لي بهذا العمل ، الذي وهبني هو الله وحده لا إله الا هوَ، سُبحانه الذي وهبني كتابتها وإنهاءها رُغم ظروفي الصحية أحيانًا ورُغم كل ظرف صعب مررت به، أتمنى فعلاً تحفَوني بدعواتكم وتنوَروني هنا بردودكم لان بقرأ كل ردَ بحُب وإمتنان عظيم.



اللهم إن كانت عملاً حسنًا أغفر لي به سيئاتي وإن كان عملاً لا فائدة منه فيارب لا تجعلهُ بميزان سيئاتي، اللهم أغفر سلبياتها بإيجابيتها و أغفر لنا أخطاءنا وارحمنا.


0 لعبة بيد إمرأة // منقول
0 طرق تساعد على تخسيس الوزن - 2
0 تدري وش أقسى جرح في قلب البنت و في مفاهيم الجفى و القساوة !
0 حروفك سرقتني من بين الحضور اهيم بك دهرا ولا اكتفي.
0 خيالات مجنونه
0 فوق خضوع الحب / كامله
0 وصفة لتخسيس البطن وتقليل الترهلات
0 يا خاطفي وين ألقى عزتي في زمان المذلة ! / كاملة
0 سما غابة الأوهام ، كاملة
0 شامخة و بنت رجال و جاء من يغلبني / بقلم روح أمي وقلبها
0 إنت تدري البنت لا عشقت وش ممكن يصير
0 الرجيم فوائده واضراره -1
0 ألا ليت القدر / كاملة
0 ~(اعتـرافـات آخــر الليل )~
0 أسرار الجمال
خيالات مجنونه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
المخابرات العامة والجاسوسية !! متجدد !! علاء التركى المنتدى السياسي والاخباري 50 10-12-2013 03:43 PM
بين إدارة الوقت وإدارة الذات سيل الحب منتدي التنمية البشرية و تطوير الذات 1 10-10-2013 08:01 PM
روايه ((لعنة جورجيت)) $$حبيب حبيبته$$ قسم الروايات المكتملة 38 10-10-2013 06:43 PM
آشيو الحرامي: “الخضر” مرشحون للتأهل إلى البرازيل وحاليلو يملك كل إمكانيات تحقيق ذلك روليان غالي منتدي كرة القدم العربيه 1 09-27-2013 11:03 PM
تفسيـر الاحـلام حسب الحـروف ....... ملــف كامــل .. عديل الروووووح منتدي علم النفس و منتدى حل المشاكل الاجتماعية 45 05-25-2012 01:17 PM


الساعة الآن 05:27 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.