قديم 08-04-2013, 07:04 AM   #1
-||[عضو النادي الملكي]||-
 
الصورة الرمزية أمير الشوق 99
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
الدولة: السعودية
العمر: 21
المشاركات: 22,687
معدل تقييم المستوى: 30
أمير الشوق 99 is on a distinguished road
الإسلام ومسحة الجمال


بسم الله الرحمن الرحيم
هل للجمال مكان في عقول أصحاب المشروع الإسلامي وبرامجهم التربوية والاجتماعية؟ إنه سؤال له ما يبرر طرحه بسبب ضغط موروث مزدوج يكاد يسقط الجمال من النسق الإسلامي، ذلك أن ثمة مناهج فكرية امتدت عبر تفكير نصوصي كثير الجنوح إلى التحريم والتبديع فلم يترك استواؤها على الذهنيات المشدودة إلى الماضي وحده أي فسحة للحس الجمالي، كما أن فكر المحنة الذي يستصحبه الدعاة منذ أكثر من نصف قرن ألقى بظلاله على الموضوع وأحال العواطف إلى الطواف بالسجون والدماء والسياط والجلادين فلم يترك للذوق الجمالي سوى مساحة ضيقة، فانتهت الأدبيات الإسلامية إلى مقاسات تطبعها الصرامة المفرطة والبرودة تجاه الجمال المبثوث في النفس والكون، وهذا أمر غير طبيعي ولا مفر من إدراج عنصر الجمال في منظومة إصلاح القلوب والعقول والمجتمعات والسلوكيات باعتباره من مكونات النفس السوية ومن دلائل الإعجاز الإلهي، وكيف يتلذذ بنعم الله من لا يفرق بين الحلو والمرّ والجميل والقبيح؟

كتب عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- إلى قائد جيشه "إذا جاء الربيع فأخرج الأجناد إلى الوادي ليروا كيف يحي الله الأرض بعد موتها"... هذه مسحة جمالية رأى أمير المؤمنين أن يزوّد بها جيشه رغم ما يبدو من تباعد بين الخدمة العسكرية والجمال، لكنه فطن إلى التكوين المتكامل الذي لا يمكن أن يهمل عنصرا فاعلاً كثيرا ما استعمله القرآن الكريم لينفذ معانيه إلى النفوس "ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون" - "إنّا زينّا السماء الدنيا بزينة الكواكب" - "خذوا زينتكم عند كل مسجد" - "ولقد زينّأ السماء بمصابيح وحفظا" - "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين" - "أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه" .



إن الله جميل يحب أن يكسو الجمال البواطن والظواهر فيشبع العين والأذن، لذلك خلع مسحة الجمال على كونه الفسيح فآتى نبيه داود -عليه السلام- صوتا ندياً جذب إلى ترنيماته تجاوب الطيور: "ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير"، وإن من تمام التربية الإيمانية التفكر في خلق الله والنظر فيه لإدراك الحسن والتأثر ببدائع الصنع وإمتاع السمع والبصر به "صنع الله الذي أتقن كل شيء" - "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض" - "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت"، فالقلب يتحرك والعين تبتهج بمشاهدة ظواهر الطبيعة الخلابة، ومنها- كما يقول صاحب الظلال رحمه الله- "هذا الليل الطامي السادل الشامل الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح، وهذا الفجر المتفتح في سدف الليل كابتسامة الوليد الراضي، وهذه الحركة يبستم بها الصبح فيدب النشاط في الحياة والأحياء، وهذه الظلال السارية يحسبها الرائي ساكنةً وهي تدب كالطيف، وهذا الطير الغادي الرائح القافز الواثب السابح في الهواء، وهذا النبت المتطلّع أبداً إلى النماء والحياة" .


أليست هذه المشاهد تدغدغ العواطف وتصقل النفوس وترفع الإيمان؟ إنه سحر الجمال...كيف لا والمؤمن يرى يد الله وراء كل نجم يبزغ أو يأفل وكل برعم يترعرع أو يذبل وكل ورقة تنبت أو تسقط وكل نبع يرفرف أو يغيض وكل حي يولد أو يموت؟ إن الإحساس بجمال الكون وروعته عبادة فإذا سلك الفن هذا المسلك فهو من وسائل العبادة وذرائعها ، وللسمع حظه من الاستمتاع بالجمال، فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام يشنف سمعه بقراءة أبي موسى وابن مسعود رضي الله عنهما ويطرب لشعر الخنساء ولبيد وكعب بن زهير ويتنبه إلى ما فجره الحادي بترنيماته من أحاسيس غلبت نساء القافلة في الهوادج فيشفق عليهن ويقول بعبارة فيها تأثر وإعجاب وتشجيع أيضا : "رفقا بالقوارير يا حادي "، ويأتيه رجل ثائر الشعر فينتهره ويأمره بتسريح شعره.


أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد فهموا عن الله ورسوله معنى التربية الجمالية فتفننوا فيها ويسجل التاريخ أن ابن عباس رضي الله عنهما -وهو العالم المتبحر في القرآن الكريم والسنة الشريفة والفتوى- كان يتزين لزوجته كما تتزين له حتى اشتهر بنوع معين من العطر خاص به فإذا مر بطرق المدينة وجدت النساء رائحته وهن في البيوت فقلن : "أمر المسك أم ابن عباس؟ ". وورثت هذا الحس الجمالي الأجيال الفاضلة فكان مالك بن أنس رحمه الله –وهو عالم المدينة الفذ وأحد أقطاب الفقه والحديث- لا يأتي حلقة درسه في المسجد النبوي إلا بعد أن يرتدي أحسن ثيابه ويتعطر ، وقد كان من أرباب العبادة والزهد.

ومن روائع حضارتنا ما تفردت به من مسحة جمالية فريدة في العمران كالمساجد والقصور والحصون والخط العربي... أو ليس قصر الحمراء-مثلا- آية في الجمال تضاهي عجائب العالم؟ وقل مثل ذلك عن المسجد الأزرق في اسطنبول وتاج محل في الهند.

إن الذوق الجمالي يهز المشاعر ويربط القلوب بالمعاني السامية ، ومن علامات الخسف بالقلب أنه لا يزال جوالا حول السفليات والرذائل ليس له تطلع إلى المقامات الرفيعة والأدب العالي وهذا من أفدح ما يصيب الإنسان ، ولقد استشرى هذا الداء حتى كاد يطمس ملامح الجمال في المجتمع الإنساني فما أجدر المسلمين أن يؤسسوا أقساما للتربية الجمالية في الجامعات الإسلامية لبعث وتأصيل الأداة المفترض فيها تنمية الجمال ألا وهي الفن لتدارك ما أصاب الحس من تبلد من جراء استفحال النزعة المادية من جهة والروح الأعرابية من جهة أخرى.


فلا عجب من إهمال الوظائف الجمالية في ظل ذهنية التخلف الحضاري وسطوة المادة ،وهذا ما يحمل دعاة الإسلام واجب تطعيم أدبياتهم ومشروعاتهم بالفن الرفيع الذي تلين له القلوب القاسية وترتفع به همتها لأنه فن يمتع السمع والبصر باللحن العذب والكلمة الطيبة المؤثرة والمشهد الخلاب والأداء الجيد، إنه الفن الذي لا يتمرد على القيم وإنما يخدمها بوسائله ولا يمجد الرذيلة بل يفضح قبحها ويقود الناس إلى ضدها، فن يكون بديلا عن كتاب ألف ليلة وليلة وأغاني الأصفهاني وروايات نجيب محفوظ وأشعار أدونيس وموسيقى الرأي وأصنام النحاتين، فن يتناول – بدل هذا الغثاء – آمال الإنسان وآلامه ويدفع المتذوقين إلى الانسجام مع الكون ويرفعهم إلى الأعلى بعد أن كان الأدعياء يهوون بهم إلى الأسفل ، ويصنع البطولة من مواقف الأمانة والعفة والوفاء لا من مشاهد الخيانة والجنوح والانغماس في الشهوات البهيمية، ذلك أن الجمال يجليه الفن، والفنان المبدع ينفعل أمام الطبيعة ويعيش بمنهجية السلام والانسجام فيبدع وهو يتمثل مبادئ الصياغة الجمالية ويستشفها في مجال السمع أو النظر أو اللمس..إن له وظيفة حضارية فهو ينشىء الحس المرهف ويعلم الذوق الرفيع وينقل الإنسان من ضيق اللحظة و الحيز إلى سعة الوجود والكون ، كل هذا بتعبيرات وإيحاءات ورموز و أسرار وألفاظ و أشكال وأنغام ، بالريشة أو الكلمة أو الآلة ،يبدع فيطرب و يؤثر.

إن التربية الجمالية تمتد إلى المبدع والمتلقي حتى تتفتح العقول المغلقة والقلوب القاسية وينزاح التشدد والإفراط في الحسية وتنتشر المشاعر الرقيقة

تابع لحملة تنشيط المنتدى-منتدى برق


0 ماذا قالت أحلام للصائمات بدون حجاب 2014
0 قالو عن الحب أمثال
0 رحمة رياض ... فراشة في ربوع لبنان
0 وحدة بتعاتب زوجها
0 شخصية الرجل من خلال طعامه المفضل
0 معصية الله في الخلوات
0 صديقُك يبقى صديقَك، ولو فعل ما لا يعجبك
0 صور الفنانة ميلا كونيس 2012
0 لاتناظرني بعين الشوق وعيوني حزينة
0 تعالوا شوفوا البنات لما تجيهم دعوة عرس ههه
0 المطربة شذى تنضم لـ k music
0 ريهانا تتحرش بصديقة حبيبته السابقة
0 أول صورة لـمحمد عبده مع طفله “خالد ” وزوجته الفرنسية
0 فاطمة التركية بعيدة عن بلاد النيل ورمضانها
0 اغرب جسر بالعالم
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة زياد الهمامي ; 08-06-2013 الساعة 11:24 PM
أمير الشوق 99 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2013, 03:05 PM   #5
دعواتكم بالتوفيق والنجاح
 
الصورة الرمزية خَفَآيَآ الْرُوْحْ
 
تاريخ التسجيل: May 2011
الدولة: السودان
المشاركات: 7,621
مقالات المدونة: 9
معدل تقييم المستوى: 16
خَفَآيَآ الْرُوْحْ is on a distinguished road
افتراضي


مشكور اخوى امير الشوق على الموضوع والجهد
بارك الله فيك ويعطيك الف عافية
اتمنى من رقابة القسم كتابة " تابع للحملة التنشيطية"
تقبل مرورى وتحياتى
خفايا الروح


التوقيع

اضغط هنا لتكبير الصوره

دقـــات قلــب المــرء قائــلة لـه .. إن الحيــــاة دقائـــق وثـــواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرهـا .. فــالذكـــر للإنسان عمــر ثاني

اضغط هنا لتكبير الصوره



قريباً ..عودة فعالية تنشيط المنتدى .. كونوا قريبا


اضغط هنا لتكبير الصوره
خَفَآيَآ الْرُوْحْ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دافيد ليفلي .. الإسلام هو دين الله د/روليان غالي المنتدي العام 4 11-27-2017 07:37 PM
مفهوم الجهاد في الإسلام وشروطه وضوابطه د/روليان غالي المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 5 06-16-2013 08:18 PM
ماتقوليش عادي .. علشان دا مش عاااااااادي زياد الهمامي المنتدي العام 22 02-01-2012 03:28 PM
لازم نفتح صفحة جديدة محمد خليفة اب منتدي الخواطر الرومانسية - بوح القلوب (حصريات) 7 11-24-2011 10:36 PM


الساعة الآن 06:23 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.