قديم 09-23-2013, 12:10 AM   #11
::نائبة المدير العام::
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 29
المشاركات: 17,098
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 10
د/روليان غالي will become famous soon enough
افتراضي



تابع..

تراجع المشروع الوحدوي وبدايات الانقسام

تحولات الوضع في المشرق العربي وحسم معركة اسبانيا لصالح الكاثوليك، يضاف إليها انهيار القوة المحلية القادرة على مواجهة آثار هذه التحولات، أدخلت المغرب العربي في مرحلة جديدة بدأت مع مطلع القرن السادس عشر واستمرت لغاية القرن التاسع عشر. الميزة التاريخية للوضعية الجديدة كانت تحويل شما افريقيا إلى ساحة سجال استراتيجي للهيمنة دارت رحاه بين الدولة العثمانية وأوروبا. ففي الوقت الذي شملت الغلبة العثمانية مناطق المشرق الغربي كان حتميا اتجاه الخلافة الفتية نحو افريقيا. كما أن سقوط اسبانيا بيد فردينان والملكة إيزابيل عام 1492 م، وإخراج المسلمين من شبه الجزيرة الايبرية كان أيضا بداية التقدم الأوروبي إلى مداخل افريقيا من ناحتي الأطلسي والأبيض المتوسط.

التدخل العثماني توقف عند حدود إمارة الجزائر والتدخل الأوروبي وصل إلى سبته ومليلية متجاوزا جبل طارق، وبينهما بقي المغرب الأقصى منطقة مستقلة تحارب المد العثماني شرقا والخطر الأوروبي شمالا وغربا. ومنذ 1587 م تحديدا كانت ليبيا وتونس والجزائر قد تحولت إلى ثلاث ولايات عثمانية بحيث انعقدت علاقات سياسية جديدة وضعت الاتجاهات التوحيدية على هامش التطور اليومي للأحداث التاريخية منتجة بذلك سلطة عثمانية في شرق المغرب العربي وسلطة شريفية في المغرب الأقصى (مراكش). سلطات فوق المجتمع لم تغير تجديدات البنية السياسية الفوقية من طبيعة الانتماء القومي إلا في فترة لاحقة وبعد ثلاثة قرون من الفصل الجغرافي والتمايز السياسي.

منذ مطلع القرن السادس عشر وبوادر التدخل العثماني في المغرب العربي تسير نحو الظهور بحيث أن منتصف القرن كان قد وضّح السياسة المبدئية للسلاطين الجدد. السيطرة العثمانية على القسم الشرقي من المغرب وقسمه الأوسط كانت نتيجة صراع دائم الحركة بين أطراف متناقضة المصالح تتغير تحالفاتها وفق موازين القوى: العثمانيون، الأوربيون وسكان المناطق المذكورة. كما كانت سيطرة ناقصة، بمعنى أنها لم تكن شاملة لكل المغرب العربي مما أوجد حلقة ضعف مركزية في المشروع العثماني: عدم القدرة في الوصول إلى المحيط الأطلسي. وناقصة أيضا لأن سلطة المشروع المذكور لم تستطع بلوغ كافة المناطق الواقعة تحت نفوذها.

سيطرة عثمانية غير هادئة، في حالة استنزاف دائم أمام محاولات حثيثة لاختراق ثغور السلطة، سيطرة غير شاملة لعدم تمكن السلطان العثماني من ممارسة سيطرة فعلية إلا في المناطق المحاذية للبحر الأبيض المتوسط.

أما عمق البلاد فقد كان، بسبب بعده عن مركز السلطة وعن مصدر الخطر الاستراتيجي (الأوروبي غالبا)، شبه مستقل، تخضع السلطة فيه للبنى الاجتماعية المحلية التي كانت سائدة –قبائل بشكل خاص. (15)

أما السيطرة نفسها فتدخل في تطور تاريخي خاص. أدى ضعف الإمبراطورية الموحدية إلى استقلال الجزائر التي أعلن عمال الموحدين فيها بنو زيان عن قيام إمارة جعلوا تلمسان عاصمة لها من 1235 إلى 1393 حيث عادت لتسقط من جديد في يد بني مرين المراكشيين وتتوحد مع المغرب الأقصى. في مطلع القرن الخامس عشر كانت الموانئ الجزائرية، بجاية ووهران، إضافة إلى طرابلس الغرب قد وقعت تحت سلطة الجيوش الاسبانية. عجّل هذا الانتصار الأوروبي بقدوم العثمانيين الذين استفادوا من أحداث «لسبي» فاحتلوا جزيرة حربي الواقعة مقابل الساحل الليبي (طرابلس) حيث بدأوا من هناك، بقيادة عروج بربروسة بشن هجمات بحرية على مواقع الجيش الاسباني انتهت بتراجع بني مرين عن الداخل الجزائري وانكفائهم نحو الغرب المغربي.

وفي عام 1515 وصل عروج إلى الجزائر معلنا بداية دخول هذه المنطقة تحت نفوذ السلطنة. ثلاثون عاما من التوتر والتصادم واجهت الدخول العثماني وانتهت بإحكام السيطرة: عام 1518 جرى تعيين خير الدين واليا على الجزائر بعد وفاة أخيه عروج، في عام 1530 سقطت قلعة بي تن الجزائرية التي كانت لا تزال في قبضة الاسبان، أما مدينة وهران فلم تسقط إلا عام 1708. أما التمركز الفعلي للسلطة الجدية فقد بدأ بعد وفاة حسن آغا عام 1544. (16)

بدءا من هذا العام أصبح الباب العالي صاحب القرار والسلطة السياسية المباشرة في الجزائر، حيث تحولت السلطة المحلية إلى باي لارباي يُعيّن مباشرة من قبل بابا العالي (17). أول ابي لارباي كان حسن باشا الذي بدأ حكمه اثر وفاة حسن آغا عام 1544. لكي يتمكن الوالي العثماني من ضبط الوضع الداخلي وتحديد منطقة نفوذه السياسي والعسكري عمد إلى تقسيم الجزائر إلى أربع مناطق:

1- منطقة مدينة الجزائر وضواحيها، وبعض المرافئ الهامة، وهي تدار من قبل الباشا مباشرة.

2- منطقة الجنوب وتسمى تيتري، تأسست عام 1548 وعاصمتها مدينة ميديا، وتدار بواسطة باي يعينه الباشا.

3- منطقة الغرب، المتأسسة عام 1563، تبدلت فيها العواصم لأسباب غير واضحة، وعلى الأرجح لأسباب عسكرية. فقد كانت عاصمتها الأولى مازونا والثانية مسكرة والثالثة وهران. أما قائد المنطقة (الباي) فيعينه الباشا أيضا.

4- منطقة الشرق، تأسست عام 1567، عاصمتها قسنطينة، وتدار بواسطة باي يعينه الباشا.

لم يستطع الباشا فرض سلطته على كل المناطق، وكما أشرنا آنفا، فان مناطق عديدة بقيت خارج النفوذ الفعلي للعثمانيين، محتفظة بسلطتها القبلية السائدة. كما كان الحال مع الملك كوكو، الذي كان حاكما على المنطقية الجبلية كلها. كذلك «شيخ بني عباس» الذي كان يحكم منطقة توغودت. (18). دون أن يعني ذلك «استقلالات» إيديولوجية عن الخلافة الإسلامية المرمّز إليها بالخليفة العثماني. بمعنى آخر، أسفر عدم الاهتمام بعمق المنطقة وانشغال العثمانيين بالثغور عن إبقاء مناطق محددة تخضع لسلطاتها المحلية التي لم تضع نفسها في مواجهة «المركز» بشكل حاد.

من بداية السيطرة العثمانية إلى بداية التدخل الفرنسي، عرفت الجزائر أربعة أشكال من السلطة السياسية، وذلك خلال أربع مراحل قطعها الوجود العثماني من 1546 إلى 1830.

المرحلة الأولى، وهي مرحلة الباي لارباي، امتدت من 1546 إلى 1587.

المرحلة الثانية، وهي مرحلة الباشوات الثلاثيات –أي أن حكم الباشا يدوم ثلاث سنوات فقط- امتدت من 1587 إلى 1659.

المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الاغاوات، امتدت من 1659 إلى 1671.

المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الديات-الداي- التي امتدت من 1671 إلى 1830 وانتهت مع احتلال فرنسا للجزائر في نفس العام.

وضعية المغرب الأوسط –الجزائر- تحت الحكم العثماني، كان يشوبها توتر داخلي بين رموز السلطنة العثمانية والزعماء المحليين. توتر كان يزداد أو يخف حسب درجة الانتفاضات الريفية ودرجة الخطر الخارجي وخاصة الاسباني. ورغم فشل الداي محمد بن عثمان 1766-1791 في محاولة إعلان نفسه ملكا للجزائر فإن النفوذ السياسي للزعماء المحليين كان يتعاظم بشكل أصبح معه القول بثنائية السلطة ممكنا. التوازن السياسي بين نمطي السلطة كان يسمح للزعماء المحليين بإعلان تعاطف مع الزوايا المراكشية، ولكنه في نفس الوقت كان يقوّي التحالف مع الأتراك في لحظات الخطر الأوروبي. حيث أنه، بفضل هذا التحالف، جرى طرد الاسبان من وهران ومرسى الكبير عام 1708. ومنذ تلك الفترة والصراع العثماني-الاسباني يشهد حركية مستمرة شهدت فصلها الأول بتحول وهران إلى عاصمة للبابوية الغربية عام 1793 وذلك كمقدمة لانهيار تام أعقبه انتصار فرنسي عام 1830. (19).

أعلن بنو حفص، ممثلو الموحدين في تونس، استقلالهم عن سلطة مراكش عام 1228 لحظة بدء انحسار قوة الإمبراطورية. ومنذ ذلك العام ولغاية 1534 أي أكثر من ثلاثة قرون بقليل، كان الحفصيون يقدمون تجربة سياسية ذات دلالات هامة انعقدت فيها علاقات تاريخية متينة مع المشرق العربي جعلت تونس خاضنة لإرث الثقافة المشرقية وبوابة عبوره نحو المغرب، كما عكست تجربة متقدمة من التعامل التجاري-الاقتصادي مع الجانب الشمالي للأبيض المتوسط وخاصة مع الجمهوريات الايطالية. إن دراسة التجربة الحفصية لا شك هامة، وبدونها يكون من الصعب معرفة العوامل الداخلية للارتباط السياسي-الثقافي بين المشرق والمغرب، معرفة علمية وأمينة. دراسة هذا النوع ليست في مجال عملنا الراهن، وعليه فإننا سوف نذكر فقط تأريخا حديثا لتحولها من استقلالية محلية إلى منطقة صراع عثماني-اسباني.

عام 1534م وصلت قوات خير الدين بربروسة إلى تونس منتصرة على الحفصيين، لكنها لا تلبث أن تنهزم، بعد عام، في معركة مع جيش الملك شارل الخامس الذي يمكن الحفصيين من استعادة سلطتهم. وبذلك يكون الصراع المفتوح حول تونس قد تحددت أطرافه: الجيش الاسباني يواصل تقدمه فيحتل غلته التي تسقط بعد سنوات بيد قراصنة البحر الذين يتقدمون ببطء ليخوضوا معركة مستمرة تفصل احتلال تونس المدينة عام 1568م عن احتلال غلته عام 1574م والتي بعدها استتب الوضع للعثمانيين لغاية التدخل الفرنسي عام 1881م.

إذن في عام 1574 وقعت تونس تحت السيطرة الفعلية للخلافة العثمانية وأصبح علي الدج سيدا على إمارة الحفصيين، كما عيّن في نفس العام سيد حيدر القيرواني وأعطاه لقب بشا داي.

على غرار الجزائر، عرفت تونس في ظل العثمانيين ثلاث مراحل كانت خلالها أشكال السلطة السياسية غير متجانسة، كما كان الزعماء المحليون يمتازون، وسط التناقضات العثمانية-الأوروبية، بنفوذ ساعدهم مرارا على التدخل في إدارة شؤون البلاد. أم السلطة المركزية فقد بدأت بمرحلة التنظيمات العابرة التي امتدت من سنة 1574 إلى 1590 حيث مهدت الطريق لمرحلة حكم الباي المنتخب من قبل الديوان والتي امتدت من 1590 إلى 1650. الصيغة الأخيرة للسلطة كانت وراثية وعرفت بمرحلة البايات الوراثيين والتي غطت مرحلة الحكم من 1650 إلى لحظة وقوعها تحت الحماية الفرسنية.(20).

ليبيا، التي كانت ضمن نفوذ بني حفص، سارعت إلى إعلان استقلالها عن تونس مع بوادر التدخل العثماني، وذلك لتقييم نوعا من الحكم الذاتي.

لم يتأخر الاسبان في الهجوم على ليبيا واحتلال طرابلس الغرب عام 1510، معلنين بذلك بدء المواجهة مع العثمانيين الذين كانوا في طريقهم نحو الجزائر. المواجهة الاسبانية-العثمانية حول ليبيا كانت معقدة وطويلة استمرت رحاها إلى مطلع القرن السابع عشر.

في شهر آب-أغسطس- من عام 1551 بدأ الهجوم العثماني على ليبيا، الذي انتهى بإخراج الاسبان عام 1554 واستلام تودغوت للسلطة بعد أن أصبح باي لارباي يحكم باسم الباب العالي. لم يكتف العثمانيون بالسيطرة على الساحل الليبي بل تقدموا إلى عمق البلاد ليحتلوا جربة على الحدود الليبية-التونسية وليخوضوا معركة طاحنة مع الاسبان استمرت أكثر من نصف قرن. عام 1609 كان تحديدا عام إعلان ليبيا ولاية عثمانية دون أي تحديد لحدودها مع الولايات الأخرى، استتبع ذلك منازعات بين الحكام المحليين، وخاصة بعد سقوط تونس، أدت إلى مشكلة حدود النفوذ السياسي، وخاصة حول مدينة حربة، الأمر الذي دفع الباب العالي للتدخل حاسما الأشكال بإعلان جربة مدينة تونسية، بمعنى أنها ضمن نفوذ الباي التونسي.

رغم كل ذلك، فإن شمول السيطرة العثمانية على ليبيا ترافق مع تمردات الحركات الداخلية التي جعلت العثمانيين في وضعية توتر واضطراب لغاية 1860.


في أصول تكون المغرب الأقصى

من التدخل العثماني وانتصار ايزابيل وصولا إلى مطلع القرن التاسع عشر، كان التراث الموحدين يتلقى ضربات ويقاوم. واعيا كان أم لا، فإن المغرب العربي كان يتصادم بعناد مع محاولات حثيثة لتفتيته من الخارج، لم تعمل تناقضاته الداخلية إلا على إخصاب حركة التدخل. انحطاط المغرب، الذي ترافق مع نهضة الغرب وامتداد النفوذ العثماني، كان قد دخل في شبكة علاقات وتحولات دفع المشروع الموحدي ثمنها باهضا، دون أن يلقي بكل أسلحته: بنو مرين خلفاء الموحدين في مراكش لم يتأخروا في الوصول إلى الجزائر وضمها إليهم، وبنو حفص لم يتباطأوا في استيعاب أهمية ليبيا فأدخلوها في سياستهم. السلف الحفصي والخلف المريني كانا يدركان أن استعادة المشروع التومرتي سوف يكون عسيرا، ولكن إهماله ودفنه يكون بدوره خطوة ستنهار معها ركائز المشروع المتأصلة في الوجدان المغربي.

المقاومة المحلية، رغم ضعفها العام، كانت قد ساهمتا في تسريع نهايتها. فالأسر التي عملت على إيصال مشروع التوحيد إلى ذروته، ورأت، في لحظة تراجع، إمكانية الشروع بتوحيد جديد تقوده هي من مواقع نفوذها، كانت في أساس التكون الجديد الذي سوف يخطو تكريسه خطوات متسارعة أثناء حكم البايات والدايات. وعلى امتداد قرنين كانت وضعية «جغرافيا» المغرب العربي قد ارتسمت معالمها، يرافقها تنامي التمايزات المحلية التي تضافرت عوامل عديدة (أوروبية، عثمانية ومحلية) على تركيزها. حدود سلطة الوالي ستتحول مع التدخل الأوروبي إلى حدود الوطن الذي لم يستطع الوالي نفسه تقديم صيغة ثابتة -قانونية- له. على قاعدة هذا السياق من التطور، كان المغربان الشرقي والأوسط، بولايات ليبيا وتونس والجزائر، يعيشان مرحلة نمو غير متجانس لم يخفف من حركة تطورها سوى تبعيتها لسلطة واحدة –عثمانية- وحنين نحو ماض كان أوان استرداده قد فات.

أما المغرب الأقصى فكان قد بدأ مسيرة انفرادية، سوف تتوضح، أثناء، معالم المغرب الجديد بحدوده ومشاكله.

السجال الحربي، الذي استمر سنوات طويلة بين اسبانيا والعثمانيين على مداخل وهران، كان الصدام الذي أعقب انتكاسة المشروع التوحيدي للمرينيين، الذين عادوا بجراح مثخنة لا يصنعوا تاريخيا إقليميا من مراكش. العودة «الجريمة» كانت مهد نزيف المستقبل، استتبعها رسم أمني للحدود بين مرينيين أحرار وزيانيين وقعوا في وسط تناقضات كانت تلقي بكل أثقالها على حلم الحرية. «إن الصراع الطويل، المتذبذب بين المرينيين ترك في الوضع العام خطا فاصلا لا شك في أنه ما يزال غير ثابت لكنه داخل رقعة إقليمية آخذة بالانكماش» (21).

من منطقة تنافس دولي (جبل طارق) ومنطقة صراع شرقي-غربي (وهران) إلى صحراء لم تعرف لغاية هذه اللحظة خطا حدوديا «بدون سياسة» وصولا إلى نهر السنغال كان المغرب الحالي يرسم حدود نفوذ سلطاته، التي أصبحت مع التطور اللاحق حدودا وطنية لبنية محلية تصرّ على تكوّنها القومي.

بنو مرين، سكان المرتفعات المراكشية، كانوا منذ نهاية القرن الثاني عشر قد بدأوا مسيرة الإطاحة بالموحدين. وفي عام 1269 استولوا على مراكش وحكموا المغرب الأقصى من طنجة إلى نهر السنغال، واتجهوا نحو المشرق ليضموا حكم بني زيان الجزائري لدولتهم عام 1393. هزيمة المرينيين على يد الأتراك وانسحابهم من الجزائر دفع ببني وتعس (إحدى قبائل بني مرين) إلى السلطة عام 1470، التي كان استلامها للسلطة بداية العد العكسي لوصول شرفاء مراكش الذين انهوا حكم محمد الثاني بن أحمد عام 1550. ولكن قبل ذلك بسنوات معدودة كانت الطريق قد أصبحت ممهدة لسلالة تربط نفسها بفاطمة ابنة الرسول الإسلامي محددة تناسلها من الإمام الشيعي الثاني الحسن بن علي بن أبي طالب: الأشراف العلويون.

عرفت السلطة السياسية في المغرب الأقصى تنافسا بين الشرفاء انتهى بإنتاج مرحلتي حكم: الأشراف السعديون من عام 1550 إلى عام 1650 والأشراف الفيلاليون –سكان منطقة تافيلالت- من عام 1650 إلى التدخل الأوربي، ولغاية الآن هؤلاء الأخيرون، حسنيين وفيلاليين، تنافسوا حول السلطة وتقاسموا قيادة البلاد: الحسنيون قادوها من فاس والفيلاليون من مراكش. الأولى بدأت مع محمد الأول الشيخ عام 1544 وانتهت مع أحمد الثاني عام 1658. والثانية بدأت مع الرشيد بن الشريف بن علي عام 1664 واليها يرجع الملك الحالي الحسن الثاني (22).

المغرب الأقصى المستقل عن النفوذ الخارجي، بدأ منذ القرن السادس عشر ينتج خصوصية تاريخية سوف تميزه لاحقا عن المغرب الأوسط والشرقي. العلامات الفارقة في هذه الخصوصية عكست ازدواجية صراع حاد بين السكان المحليين ضد المحاولات العثمانية القادمة من الشرق والزحف الاسباني والبرتغالي المتقدم من ناحيتي المتوسط والأطلسي. وأنتجت حالة الصراع الدائم مغربا حربيا ودولة فوق المجتمع قوتها اليومي يكمن في قدرتها على تأمين جيش مقاتل: تراجع التجارة وتعاظم النظام الضرائبي ثغرتا التسلل اللاحق لأوروبيي الثورة الصناعية فرنسا وبريطانيا.

قبل أن تتوضح معالم إستراتيجية الغرب، كان المغرب العربي، المستقل والواقع تحت النفوذ العثماني، ينمو باتجاه يعاكس التراث التوحيدي ويكيل إليه الضربات، لم تتوصل الرغبات الدفينة لأصحاب التاريخ المشترك إلى تضميد جراحه النازفة.

«في الحقبة المقابلة إجمالا للقرن الثامن عشر كانت الوقائع البارزة هي التالية: المصدر الرئيسي لموارد الدول-المدن وهو القرصنة قد نضب وقاد إلى ضعف الاستقلال الذاتي المديني، الإنتاج الزراعي لم يزد بشكل ظاهر ولاسيما في الجزء الغربي من المغرب، النزاع بين سلطة مركزية وسلطات محلية لم يعرف التوقف، التجارة البحرية بقيت على حالها بل ونمت، ولكن دائما تحت هيمنة الأجانب ومفيدة في المقام الأول للأقلية الحاكمة. وقد استمرت في أنها لا تلعب دور الموحد للمجتمع. وهكذا حل تسرب أوروبا الاقتصادي شيئا فشيئا محل التهديد العسكري. غير أن مناطق المغرب المختلفة لم يكن رد فعلها من نمط واحد على هذا التطور المشترك. فإن التباين قد تحدد.» (22).

ما نحاول ملاحظته في استخلاصنا لوضعية المغرب العربي بعد التدخل العثماني لا يوصلنا إلى نسف تام للبنية الداخلية لوحدة سياسية لم تنحن كليا بعد.

فالايدولوجيا مازالت قادرة على احتضان رغبات وحدوية كان التاريخ قد طبعها في ثنايا المجتمع. وسواء قامت هذه الإيديولوجية على قاعدة صراع وهمي مع غرب متردد وشرق عابث، أم على قاعدة تشكيل تحصين داخلي-ذاتي يواجه غربا قد تسلّح حتى الأسنان بالحضارة والعلم والمدفع وبالضائع، فإنها، أي هذه الإيديولوجية، سوف تسمح، ماضيا ومستقبلا، بإقرار ما يمكن تسميته الربط التاريخي بين أقسام منطقة لم يختر سكانها، ولا اللحظة واحدة، رقعة خاصة للانتماء السياسي. لا يخرج عن التعميم إلا جشع بعض السلاطين الذين انتفخوا في غفلة من الزمن.

المسألة صعبة ومعقدة ولكننا سنجازف في رسم خطوطها الماضية: الوضعية التي أوصلت المغرب العربي إلى أعتاب السيطرة الأوروبية حضنت على الدوام حضارة عربية-إسلامية دافع باستمرار عن تماسكها الداخلي عاملا الدين واللغة.

التراث الخوارجي والشيعي بنماذجه المتعددة أسس بدايات تغلغل المعتقد المشترك الذي لن يغير شكله المذهبي من ثبات أقدامه. وضمن السياق يأتي الأثر العميق للموحدين الذين ربطوا السياسية بالمذهب وجعلوا من التصوف الإيماني شكلا آخر من عشق الأرض. اللغة كانت تعبير الدين وأيضا رمز الاشتراك الحضاري-الثقافي، لا يخرج عن نتائجها البربر.

لقد «أعطى التعريب للمغاربة قوالب معدة للتعبير وكان السلاطين والملوك البربر هم اللذين، بدأب فريد، فرضوه. وإذا سجلنا بعض مؤشرات المعارضة فإنها لم تكن إلا في حقبة الانحطاط وفي إطار صراع سياسي من العسير الإحاطة به- العروي».

الدين واللغة ركائز حفظت، بمشاركة عاملي التماثل العرقي والتشابه في البنية الاجتماعية، للمغرب العربي وحدته السياسية. تجربة القرون الأخيرة أنتجت نموا إقليميا وأعقبت ملامح تثبيت ما للحدود، سوف يسلك طريقا متعرجا ينتهي بانفصال كيانات سياسية.

«ولكن أكثر كذلك من الحدود التي تكرسها فوارق طفيفة في اللهجات فإن تنوع الظروف التي سوف يتبلور فيها، في كل دولة، الوعي بمصيرها الخاص، وهو ما يجب الإشارة إليه. فالمغرب الأقصى تمالك نفسه في صراعه ضد الايبيريين والأتراك في إطار جمعياته الدينية والإخلاص لتركة الإسلام الأندلسي. ودمجت تونس حكامها الأجانب وفي الوقت الذي لم تنس فيه، ممارسة القيروان العقائدية عليها، فيما مضى، فتحت أبوابها لجميع مؤشرات شرق البحر الأبيض المتوسط. وأخيرا فإن الجزائر، على الرغم من تباعد التقاليد، الزيانية والحمادية، قد تفردت في شعور التمييز المشترك الذي فرضه النظام التركي.

كل هذا، ليبقى مخلصا للحقيقة الواقعة، يتطلب ظلالا عديدة من الفروق ولن يأخذ نهائيا شكله إلا في غضون القرن التاسع عشر، ولكن من المؤكد أن عناصر جديدة، مميزة قد أخذت ابتداء من القرن السادس عشر، تعمل بوضوح. غير أن جميع البلدان المغربية وجدت نفسها من جديد في ذلك العصر موحدة فيما كان ينقصها جيش قومي وعاصمة متكونة من قبل وبسبب هذا العوز، سوف تعرف نفس الاحتلال الأجنبي» (24).

هذا هو المغرب العربي عشية وصول السفن الأوروبية إلى شواطئه.

كونه كذلك فإنه سيبدأ مباشرة مواجهة حادة مع إستراتيجية تقسيم ستعتمد على الفوارق الراهنة لتقيم دويلات تستمد شرعيتها من العنف الاستعماري.


إستراتيجية الغرب: من الاستعمار إلى التجزئة

نقل القرن التاسع عشر الأزمة الأوروبية إلى الخارج محولا الحضارة إلى امبريالية.

ولما كان «الخارج» فقير الإمكانات فإن مهمة اغنائه لن تكون غير تنافس بشع سيحمل تناقضات أوروبا حرب الثلاثين عاما إلى قلب «الخارج» فتنهال عليه تفتيتا، وإخضاعا. ولا تسمح مظاهر الأثر الحضاري الفعلي للتركة الأوروبية بأية تبرئة.

لقد كان العنف الامبريالي شكل تجل لعنف من نوع آخر: العنف الحضاري.

لم يعد المطلوب استغلال الخارج وتقسيمه بل ينبغي أيضا تدمير ذاته لكي بقى وإلى الأبد جزءا من ذات أخرى. لقد كانت المهمة تدمير مجتمع وتاريخ لخدمة مجتمع وتاريخ آخر. من الجزائر إلى جنوب افريقيا وصولا إلى فلسطين كانت ظاهرة استئصال الآخر مهمة سامية لأحفاد الثورة الصناعية. المطلوب كان نفيا لكل حضارة لا ترى في البضائع المحملة والمرابين، القادمين بحماية الجيوش المتعددة الهويات، بداية مستقبل باهر.

تنافس أوروبي على الضحية واتفاق إجماعي على سحقها وتجريدها من كل شيء، هذا هو التعبير المختصر لإستراتيجية الغرب لحظة انحطاط قوى الذات.

الوضعية الجيو-سياسية والإستراتيجية للمغرب العربي جعلت منه منذ قرون طويلة مسرحا لصراعات لا تهدأ. منذ ما قبل التدخل العثماني إلى لحظة انكفاء اسطمبول كانت أوروبا تنظر إلى المغرب النظرة نفسها: بوابة افريقيا والعالم العربي، مدخل إلى الفقراء الذين تعودوا نقل البضائع لا إنتاجها. الأساطيل البرتغالية والاسبانية ظلت لأكثر من أربعة قرون تقطع الأطلسي والمتوسط ذهابا وإيابا. بريطانيا لم تتأخر عن نسج علاقات «ودية» مع السلطات المحلية في فترة تدهور صحة السلطنة العثمانية، ولم تتأخر، لحظة اكتشافها لأهمية مضيق جبل طارق، في إرسال جيوشها لتستقر على شواطئ طنجة. أما فرنسا فقد كان لها تكتيك آخر: سياسة النفس الطويل سوف تتحول مع مطلع القرن التاسع عشر إلى سياسة عنف ستنتهي مع مطلع القرن العشرين بإحكام السيطرة والبدء بتقسيم المغرب العربي، تقسيما لا يراعي إلا حاجة الاستعمار في ضبط الوضع الداخلي للمستعمرات، والتحضير لإبقائها قدر الإمكان حلقة ضعف لا يشفيها إلا العلاج السحري المستورد من باريس.

ثلاث قوى رئيسية، فرنسا وانكلترا واسبانيا، سوف تلعب دورا هاما في تاريخ المغرب العربي، تاريخ وحدته الداخلية ووحدته مع المشرق العربي. الدور المعني تنافس وبالتالي تقسيم.

هذا لا يعني تحييد الآخرين (ألمانيا وايطاليا) بقدر ما يعني النتائج التي جرى تحضيرها منذ قرون بين الدول الثلاث المذكورة.

تستهدف دراستنا، تحديدا، وبالدرجة الأولى، إبراز حقيقتين: الأولى لا تدخل مباشرة في صميم بحثنا ولكنها أساسه التاريخي، والثانية ما سوف نعتمد عليه في معالجتنا لقضية الصحراء الغربية: تقسيم المغرب العربي إلى كيانات سياسية وتقسيم المغرب الأقصى نفسه بين الدول الأوروبية كخطوة أولى لإستراتيجية توليد كيانات داخل الكيان لإعلانها في اللحظة المناسبة، لحظة اليقظة التي ترى في الكيان الأساسي اصطناعا فكيف بها أمام خطر كيانات الكيان. تحويل الجزء إلى أجزاء كانت سياسة وإستراتيجية الغربيين في المغرب الأقصى. كيف كان ذلك؟ الإجابة تعني إعادة قراءة للتاريخ الاستعماري، أحداثه ووثائقه. سنختصر الأحداث ونستعرض الوثائق (الاتفاقات، المعاهدات، المؤتمرات) لكشف أقنعة هذه الإستراتيجية التي أصبحت، عند بعضنا، حقيقة وواقعا.

الخطوة الأولى كانت تدشينا لأبشع بداية استعمارية: احتلال الجزائر. الحضارة المقنّعة كشفت في الجزائر عن وحشية مضاعفة: مرة عندما استعبدت الأرض ومرة لحظة تدمير المجتمع. الخطوة الأولى طالت بنتائجها عموم المغرب العربي، وكانت تحديدا مقدمة لها.

تميزت الخطوة الأولى بطابع العنف العسكري المباشر. فالتمهيد التحضيري الحضاري والديبلوماسي لم يحدث إلا فترة قليلة من الزمن. السبب هو الموقع. فالأهمية الإستراتيجية للجزائر في قلب افريقيا الشمالية، وازدياد حدة التناقض في العلاقات الجزائرية-الاسبانية، وتدهور الوضع الداخلي للعثمانيين وضرورة التدخل السريع من أكثر النقاط ضعفا لحسم الموقف والاستفادة القصوى من الظرف، كل ذلك نقل الفرنسيين إلى مرحلة البدء بتنفيذ إستراتيجية تدخل امتازت بخصوصية الطريقة: بدون أية اتفاقات ولا معاهدات، وبدون توقيع أي نمط من الوثائق (حماية، تجارة، جمارك...) بل إنذار عسكري رافقته حشود الجيش الفرنسي التي وضعت حدا لما يسمى السلطة السياسية الجزائرية –التي، رغم وجود الأتراك، كانت بيد الزعماء المحليين- معتبرة الجزائر مقاطعة فرنسية. نتيجة هذا التدخل، ورغم صدامه بمقاومة عنيفة (تجربة الأمير عبد القادر، إعلان سكان تلمسان انضمامهم لسلطة عبد الرحمن بن هاشم المراكشي)، كانت إلغاء ولفترة طويلة من الزمن تزيد عن قرن، للوجود السياسي والديبلوماسي للجزائر مترافقا مع عنف يومي قوامه تذويب قسري للذات في الآخر...

العملية كانت سهلة البداية، تطورها الحدثي واختلال ميزان القوى يشهدان على ذلك.

منذ اللحظة التي رفض فيها الداي حسين التعاون مع فرنسا، وصلت الأزمة بين الداي وباريس إلى طريق مسدود مفتاحه الوحيد كان عسكريا. في 31 كانون الثاني من عام 1830 اتخذ مجلس الوزراء الفرنسي قرار التقدم نحو الجزائر واحتلالها عسكريا بهدف إخضاع الداي حسين لسلطة فرنسا. وهكذا كان: 37684 جنديا وضابطا و5200 وسيلة نقل تحركت من ميناء طولون الفرنسي على متن أسطولين من أضخم الأساطيل الفرنسية –الأول يتألف من مائة وحدة بحرية من القطع الكبيرة، والثاني من خمسمائة وحدة من القطع المتوسطة متجهة نحو العاصمة الجزائرية. الظاهرة السياسية الوحيدة التي رافقت التقدم كانت تطويق ردود فعل المنافسين الأوروبيين، وإنذارا بالاستسلام للداي.

وبالمقابل كانت القوة الجزائرية في حالة قلق داخل ميزان قوى يميل بكيفيته لصالح القادم الأوروبي: «ستة آلاف جندي من الأوجاق، الذين أقلعوا منذ زمن طويل عن عادة القتال حقيقة» لم يكن يمقدورهم أكثر من الصمود قليلا.

النشاط الديبلوماسي كان قد أصبح، سلفا، في تصرف النشاط الحربي. بعد أن توصل وزير خارجية فرنسا إلى ضمان سكوت باي تونس وباي ليبيا مع تحييد السلطان المغربي عبد الرحمن وسكوته، بدأت مواجهة الضغوط الأوروبية التي كانت ترى في التحرك الفرنسي بدء السباق نحو القارة السوداء.

اسبانيا كان لها حسابات خاصة على مداخل المغرب الأقصى فلم يكن مكلفا لها السكوت عن احتلال الجزائر، بل ودعمه أيضا: تقديم مرفأ باليارس Baleares للقوات الفرنسية، إضافة إلى بعض التسهيلات في المواقع الإستراتيجية مثل موقع ماهون.

أما بريطانيا فقد رأت في التدخل الفرنسي بداية تقدم سوف يؤدي تمريره إلى أبعاد المملكة المتحدة عن افريقيا، فقامت بسبب ذلك بحملة انتقادات واحتجاجات معارضة السياسية الجديدة لفرنسا. بهدف تطويق الموقف الانكليزي تحرك الفرنسيون باتجاهين: اتجاه ديبلوماسي عبّر عن نفسه برسالة من الحكومة الفرنسية مؤرخة في 12 آذار 1830، موجهة إلى كافة الدول العظمى، تنتقد ردة الفعل الانكليزية (25).

واتجاه عسكري يستهدف الانتهاء السريع من عملية الاحتلال وبالتالي وضع الانكليز أمام الأمر الواقع.

بهدف استكمال ناجح للخطة، وجهت الحكومة الفرنسية إنذارا للداي حسين طالبة منه التسليم وفتح الطرق أمام القوات الفرنسية، متعهدة له بضمان سلامته وسلامة أفراد عائلته، دون أي تلميح أو عرض للمساومة أو الاتفاق. وفي عشية 4 تموز يخضع الداي لنص الإنذار ويعلن الموافقة على ما ورد فيه، تلاه في صبيحة اليوم التالي، 5 تموز 1830، تحول الجزائر إلى مستعمرة فرنسية (26).

الخطوة الأولى كانت استثناء في الأسلوب انعكس على الخطوات التالية فتغيرت الطريقة والنتيجة، على المدى الطويل، واحدة.

الوضعية التي سهلت على فرنسا احتلال الجزائر، وتطويق رد الفعل الانكليزي، لم تتكرر وتيرتها في حالة تونس، مما ألزم الفرنسيين بممارسة نشاط ديبلوماسي وخوض صراع مكشوف مع بريطانيا والسلطنة العثمانية في داخل تونس وخارجها. بديهي أن للتطورات الداخلية انعكاساتها على هذه الوضعية: منذ فشل تجربة الإصلاح الأولى، التي أعلنها الباي محمد الصادق في 9 أيلول/سبتمبر عام 1857، وفشل تجربة الإصلاح الثانية، وتجربة خير الدين عام 1869، مرورا بالأزمة الاقتصادية عام 1858 والتي بلغت ذروتها «على شكل اختلال عظيم في النقد» (27) والأمور تتطور بشكل أصبح فيه التدخل الأوروبي -الفرنسي خاصة- في مصير تونس مسألة وقت.

التنافس الفرنسي-الانكليزي حول تونس كان قد مال منذ المسألة الجزائرية لمصلحة فرنسا. ورغم كونه متعدد الأشكال والصيغ فإن الطرفين ارتكزا على مواقع سياسية واجتماعية واقتصادية داخل تونس: الحليف المحلي أو التبعية في صيغة جنينية. فقد «كانت انكلترا تريد توطيد السيادة العثمانية على تونس، بينما كانت فرنسا تختار أن تلعب ورقة الاستقلال… وعلى عكس ما كان في الوسع توقعه لم تكن النخبة التركية الأصل وعلى رأسها الباي معادية للسياسية الفرنسية بينما جنحت النخبة المحلية الأصل نحو انكلترا والسلطان» (28).

عدم التردد الفرنسي وانشغال الانكليز بترتيبات جبل طارق أعطى الفرنسيين دفعا قويا سوف يؤدي، بعد مخاض وتوتر، إلى حسم المسألة وتوقيع معاهدة الحماية الفرنسية على تونس. وبالفعل، ففي 26 نيسان/أبريل عام 1881 دخلت قوات الجنرال الفرنسي فورجنول الحدود الخاضعة لسلطة باي تونس، وفي 12 أيار/مايو من نفس العام جرى التوقيع على معاهدة الحماية-معاهدة باردو.

نصت معاهدة باردو على عدة نقاط أهمها:

1-السماح لفرنسا بالاحتلال العسكري.

2- حق فرنسا في تسمية وزير مقيم، مهمته «التوسط» بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية لمعالجة الأعمال المشتركة بين البلدين.

3- تنظيم الشؤون المالية لخدمة الدين العام.

4- سحب حق الباي في أية مناقشات أو اتفاقات دولية –التمثيل الديبلوماسي- مع ضمانة كل الحماية اللازمة لشخصه ولأفراد عشيرته (29).

ولكي تكون الحماية احتلال جرى تعديل على نصوص معاهدة باردو بالتوقيع على اتفاقية جديدة في 8 حزيران/يونيو عام 1883 والتي أطلق عليها اسم معاهدة مارسا. أهم نقاط هذه المعاهدة وردت في بندها الأول الذي نص على انه «من أجل تسهيل الحكومة الفرنسية في ممارسة حمايتها، على صاحب السمو باي تونس أن يقوم بتنفيذ الإصلاحات الإدارية والحقوقية والمالية التي تراها الحكومة الفرنسية صالحة.»(30).

بديهي أن تضع نهايات كهذه الدول الأوروبية المتنافسة أمام ضرورة تصعيد آخر للمواجهة، سارعت فرنسا قبل غيرها إلى تطويقه بتوقيع اتفاقية مع انكلترا عام 1890، تعلن فيها الدولتان موافقتهما على إتباع سياسة مشتركة لتقسيم المنطقة المجاورة للصحراء الوسطى والشرقية.

أسفر احتلال تيبستي عن تصعيد في الخلافات التركية-الفرنسية حول الحدود الليبية-التونسية انتهت باتفاق الطرفين وتوقيع اتفاقيتين حول الحدود، الأولى عام 1906 والثانية عام 1910، سوف تكونان في أساس تخطيط الحدود اللاحق. توقيع الاتفاقيتين فتح قابلية ايطاليا وألمانيا وانكلترا التي سارعت في البحث عن مداخل إلى ليبيا. كسب المسعى الايطالي السباق وانتهى بحصول ايطاليا على عدد كبير من المؤسسات التجارية والمصرفية والزراعية، كما نالت حقوقا لبناء المدارس التعليمية والمهنية. ولما كان المغرب الأقصى بحدوده الأطلسية وأهمية جبل طارق الإستراتيجية مجال تنافس دقيق، فإن ايطاليا سوف تتفرع لليبيا بينما يتراكض الباقون لتقرير مصير سلطان مراكش.

لم تتأخر ايطاليا، وهي، إذ تستفيد من الامتيازات المذكورة، بتحضير غزو عسكري ما لبث أن دخل حيز التطبيق صبيحة 5 تشرين أول/أكتوبر من عام 1911. كانت كل الظروف تساعد الايطاليين على الحسم السريع: الوضع التركي الداخلي يعاني مأزقه القاتل عام 1912، والسكوت الأوروبي عن الهجوم الايطالي كان له ما يبرره –كان كل طرف يعمل على كسب ايطاليا في فترة كانت الأمور تسير فيها نحو حرب شاملة وأكيدة- واندلاع حرب البلقان الأولى.

أخذت السيطرة العسكرية والسياسية الايطالية على ليبيا صفة شرعية بعد التوقيع على معاهدة لوزان-اوشي في 27 تشرين الأول/أوكتوبر عام 1912 (31).

وهي آخر معاهدة في مسلسل التدخل الأوروبي بعد توقيع معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب في 30 آذار/مارس 1912. وبذلك تدخل أوروبا الاستعمارية إلى افريقيا وتخرج منها الإمبراطورية المريضة بهزيمة تنهيها على حدود أنطاكية (32).

في الوقت الذي كان فيه سكان تلمسان (الجزائرية حاليا) يرون في الانتماء السياسي المراكشي عملية طبيعية في مواجهة العسكر الذين سيطروا على الساحل الجزائري، والأمير عبد القادر يخوض تمردا متواصلا كان يحلم بأن يكون تحالفه مع السلطان عبد الرحمن استراتيجيا في عملية دفاع عن أرض واحدة. في ذلك الوقت، كانت مراكش (المغرب الأقصى) قد تآكلها الرأسمال «المدنس»، والتفكك الداخلي يبحث عن حضن غربي ظلت تناقضات أطرافه عامل الحفاظ على استقلال يعيش لحظة احتضار وانهيار بطيء. ولكن كل شيء كان قد بدأ يتجه وإصرار نحو مغرب الأطلسي، وهناك تحديدا ستتراكم التناقضات الاستعمارية وتنفجر، فتعيد التئامها بتقسيم آخر.

منذ مؤتمر فيينا 1815 إلى مؤتمر برلين 1881 كانت إستراتيجية غريبة قد رسمت الخطوط العريضة لخط سيرها نحو مراكش، في رحمه كان ينمو مستقبل كان أصحابه آخر من شاركوا في صناعته.

المغرب الأقصى الذي كان يتمتع باستقلالية سياسية عن السلطنة العثمانية، كان قد تحول إلى مسرح لصراع مستتر وقاس دفع سلطانه للبحث عن حماية انكليزية (33).

وكان الانكليز، بعد أن دخلوا من نقاط ضعفه –التجارية خاصة- قد استحوذوا على امتيازات عسكرية وسياسية واقتصادية سوف تلعب، لفترة من الزمن، دورا كبيرا في إيقاف المدّ الفرنسي. هذا المدّ الذي كان، منذ حطّ رحاله في الجزائر، يرى في الوصول إلى الأطلسي محطة نهائية بدونها يعجز الفرنسيون عن سد أهم ثغرة إستراتيجية في مشروعهم الاستعماري الخاص بافريقيا. فالمغرب الأقصى الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، ووقوعه بأيد لأوروبية معادية لفرنسا سيهدد مباشرة الوجود الفرنسي على محاذاة المتوسط، وما وراء الصحراء على مشارف «افريقيا الفرنسية». وهنا تكمن أهمية التطورات الخاصة، محلية وأوربية، التي تميّز المغرب الأقصى عن باقي مناطق المغرب العربي (34).

كان التوقيع على معاهدة طنجة، في 10 تشرين أول/أوكتوبر عام 1844، ومن بعدها التوقيع على اتفاقية الحدود الفرنسية (الجزائرية)- المغربية المسماة بمعاهدة للالا مارنيا في 18 آذار/مارس عام 1845، والتي تميزت «بتحديد غير دقيق للحدود الجزائرية-المراكشية الأمر الذي كان يقدم للفرنسيين وسيلة ضغط مفيدة دائما».

بداية التدخل الفرنسي في المغرب الأقصى، مهّدت له تطورات مستجدة: وفاة السلطان عبد الرحمن عام 1859، احتلال اسبانيا للجزر الجعفرية، التدخل الانكليزي تحت ستار تقديم الدعم للسلطان، التوقيع على اتفاق فرنسي-مغربي في 17 آب/أغسطس 1863. هذه التطورات غيرت وجهة سير السفن الفرنسية، تغيير اشترط تحقيق نجاحه الحسم السريع (35).

بحجة مواجهة قبائل أولاد سيدي الشيخ، تقدمت الجيوش الفرنسية باتجاه العمق المراكشي والصحراء، فاحتلت القليعة عام 1891. وفي 19 آذار/مارس عام 1900 احتلت تواط وبعدها في 5 نيسان/ابريل وصلت إلى ايغلي (36).

اثر التدخل الألماني في طنجة عام 1905، ونتائج مؤتمر الجزيرة الخضراء الدولي عام 1906، بدأت فرنسا سياسة مواجهة مع الأوربيين أخذت صيغة التقدم العسكري الشامل، تأخير تنفيذها سوف يعجّل بقدوم الألمان.

وفق السياق، كان من المنطقي أن تضرب فرنسا عرض الحائط مقررات مؤتمر الجزيرة، وتتذرع يتمرد المغاربة في المخزن، لتتقدم مسرعة نحو الوسط والساحل. كانت مدينة وجدة المحطة الأولى فاحتلتها بتاريخ 19 آذار/مارس 1907، أعقبتها بقصف مدفعي شديد على الدار البيضاء قبل أن تدخلها في آب/أغسطس من نفس العام.

أثار هذا التقدم ردود فعل ألمانية شديدة كان لزاما على فرنسا، لتهدئتها، تقديم تنازلات في مواضع أخرى أخذت شكلها القانوني بالتوقيع على معاهدة 9 شباط/فبراير عام 1909. التسوية الفرنسية-الألمانية أعطت زخما للمخطط الفرنسي الذي استكمل تقدمه فوصل محتلا إلى مراكش عام 1911. وفي 21 أيار/مايو من نفس العام جرى احتلال فاس وبدء التمهيد لعقد معاهدة حماية بالقوة، مع السلطان المغربي عبد الحفيظ.

قدرة فرنسا على تجاوز حادثة أغادير وتطويق الأطماع الألمانية باتفاقية جديدة (4 تشرين الثاني/نوفمبر 1911) وضعت اللمسات الأخيرة على معاهدة الحماية. وفي 30 آذار/مارس من عام 1912 جرى توقيع معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب، التي بواسطتها تمكنت فرنسا من تشريع سيطرتها السياسية والاقتصادية على القسم الأكبر من المغرب الأقصى، من النواحي القانونية والدولية فقط. فهي قد اجتاحت لأكثر من عشرين عاما لتتمكن من فرض سيطرتها على كامل التراب المغربي (بالتعاون مع اسبانيا). بمعنى أنها خاضت حربا شعواء ضد انتفاضات القبائل المغربية في الشمال والجنوب، حربا انتهت بتصفية المعارضة الشعبية التي صمدت في ظروف قاسية وحالت دون هدوء السيطرة الفرنسية-الاسبانية لغاية مطلع عام 1935.

الوضعية الخاصة والتنافسية والتاريخية لاسبانيا أرغمت فرنسا على قبول منطق تقسيم المغرب معها، بحيث يمكن القول أنه منذ قرن أو أكثر من التدخل والتدخل المعاكس الاسباني والفرنسي، خاصة بعد احتلال اسبانيا لمدن في شمال المغرب وجنوبه، كانت قد ارتسمت إستراتيجية مميزة لتقسيم المغرب الأقصى سوف نعرض تفاصيلها في الصفحات القادمة.

كون هذه الإستراتيجية إطارا تاريخيا يشكل استيعابها مدخلا لفهم تناقضات قضية الصحراء، فقد رأينا ضرورة عرض الصراع الأوروبي حول المغرب وكيفية معالجة الغرب لهذا الموضع وذلك من خلال عرض أهم ما ورد في المعاهدات الثنائية المتعلقة بالمغرب الأقصى.



يتبع...


0 كاريكاتير باللغة الاسبانية
0 مواضيع الاستاذ عماد القاضي في المنتدى العام
0 وأخيييرا لقيتهم! شخصيات فايسبوك
0 مسلمون يبادون في صمت بدولة مينمار
0 تميّز..وكن احد الناشرين على صفحة برق في الفايسبوك
0 كيف تجعلين بيتك مملكة لزوجك يكره الخروج منها؟
0 التنبيه عـ ـلى المخالفات
0 كرة القدم سلاح الماسونية الفعال لإلهاء الشعوب وجني المال
0 المفردات في الايطالية
0 سائق يتحول الي ذئب مصاص دماء ثم ينتحر أمام الركاب(اقوى كاميرا خفية 2013)
0 الايباد
0 طبيعة مواضيع القسم
0 عشرة أسباب لتعلم اللغة الألمانية
0 فضيحة فتاة في المركز التجاري باب الزوار
0 الحب الحقيقي – ما هو الحب الحقيقي
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 12:23 AM   #12
::نائبة المدير العام::
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 29
المشاركات: 17,098
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 10
د/روليان غالي will become famous soon enough
افتراضي




تابع..

تشريع التجزئة والمسألة المغربية

الاتفاقيات الثنائية التي عقدت بين المغرب وإحدى الدول الأوروبية، أو بين الدول الأوروبية نفسها تتضمن مسألتين جوهريتين:

الأولى، وهي اعتبار المغرب الأقصى من شاطئ المتوسط في الشمال إلى نهر السنغال في الجنوب منطقة «سياسية» تابعة للسلطان. لا يلغي ذلك كيفية علاقات هذا السلطان بأطراف سلطته. الدول الأوروبية تتعامل مع سلطان المغرب بوصفه مالكا لصفة شرعية وممثلا للسكان الذين سوف يرزحون تحت نير الاستعمار.

الثانية، وهي أن إستراتيجية الدول الغربية المتنافسة على المغرب الأقصى انتهت بتقسيم منطقة موحّدة سياسيا وجغرافيا، لم تفصل بين سكانها أية حدود. الصراع الأوروبي للحصول على مواقع في أهم المداخل الإفريقية كان يضعه التناقضات باستمرار على حافة مواجهة شاملة: التقسيم الاستعماري للمغرب الأقصى بين مناطق نفوذ فرنسية ومناطق نفوذ اسبانية إضافة إلى مناطق عازلة ودولية الخ. كان، تحديدا، محاولة لتفادي الصدام الشامل.

بهاتين المسألتين تحاول دراستنا تقديم شهادة تاريخية وإدانة في نفس الوقت.

شهادة على وحدة تاريخية، وإدانة لمؤامرة تاريخية... نعني بالوحدة التاريخية أن الوضع الراهن هو نتائج المؤامرة التاريخية وليس صيرورة طبيعية لبنية كان مصيرها أن تتجزأ، وكون الاستعمار لم يفعل سوى الإشراف والمراقبة على تجزئة تجري من الداخل! أيضا، الوحدة في مفهومنا ليست وجود سلطان «سياسي»، مع أهمية هذا الوجود، الوحدة هي الثبات في التاريخ الذي يصنعه نفس البشر وفي نفس المنطقة مع التبدل الدائم لوجه السلطان. من إدريس الأول والمعز لدين الله، ويوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن بن تومرت الخ... وصولا إلى عبد الحفيظ كانت الظاهرة ثابتة على الأرض ومتغيرة في السلطة. كانت ولازالت. إن تناقضات «الذات» وتمايزات المناطق لم تسفر «تاريخيا» عن «ذوات» مستقلة ومتباعدة عن بعضها. وحده العنف الامبريالي-الاستعماري الذي يقسم الأراضي والشعوب، والوثائق تشهد بينما الجيوش تنفّذ: تفتيت الذات من الخارج كان الدرس الأول لأساتذة الحضارة الغربية.

كان التعامل مع سلطة وأرض موحدتين، والتاريخ المادي ذكرناه، لنقرأ التاريخ النظري: -بتاريخ 28 أيار/مايو عام 1767 وقّع السلطان المغربي محمد بن عبد الله بن إسماعيل على «معاهدة السلام والتجارة» مع ملك اسبانيا كارلوس الثالث، وذلك في إطار وضع حد للمشاكل التي كانت تثيرها تجاوزات السفن الاسبانية في المياه الإقليمية للمغرب في الشمال من ناحية البحر الأبيض المتوسط وفي الجنوب من ناحية المحيط الأطلسي.

أهم ما ورد في هذه المعاهدة نصت عليه الفقرة الأخيرة منها، وخاصة المادتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، والذي جاء فيها حسب النص العربي للمعاهدة:

«18- إن سيدنا نصره الله تبرأ من أهل كنارية من اصطيادهم للحوت بساحل وادي نون إلى ما وراءه ولم يبق عليه درك فيما يقع بهم من عرب البلاد حيث لم تنلهم أحكام ولا قرار، فهم ينزلون بخيمهم حيث شاؤوا ويذهبون حيث شاؤوا، وهلاك أهل كنارية محقق مع هؤلاء العرب. وأما ما كان من ساحل أكادير إلى ناحية العرب فهو تحت ظل أمامنا وقد جعل أيده الله لأهل كنارية أن يصطادوا بساحل أكادير واسقط عنهم الوظيف وأبقى هاتيك الساحلين بقصد أهل كنارية وغيرهم من الاسبانيين لا يزاحمهم فيها أحد مراعاة للصلح والمهادنة».

«19- طلب التوسع في الأرض للمدن الأربعة سبتة ومليلية والنكور وباديس فكان الجواب على ذلك من سيدنا نصره الله أن الملوك المتقدمة جعلوا تلك الحدود القائمة الآن بمحضر العلماء والقضاة والجماعة من المسلمين من زمن أخذ هذه المدن المذكورة وأنزلوا عليها خطوط أيدهم وألزموا نفوسهم عند تلك الحدود حتى لا يقع فيها نقص ولا زيادة، وكل سلطان يتولى أمر الرعية يشهد عليه عمارة تلك الحدود المذكورة، وأردتم أن يحضر رجل منكم وآخر من قبلنا حتى تعرفوا هذه الحدود وتتحققوا منها حتى لا يبقى فيها خلاف. ها نحن جعلنا وكيلنا للوقوف مع وكيلكم قائد تطوان والذي يفعل مع صاحبكم أمضيناه وتُخطّ الحدود بالأحجار».

بتاريخ أول آذار عام 1799 وقّع الفقيه سيدي محمد بن عثمان،وزير السلطان المغربي بن سليمان، مع سفير الملك كارلوس الرابع «معاهدة السلام والصداقة والملاحة والتجارة والصيد، في مدينة مكناس. هذه المعاهدة تعالج تقريبا نفس القضايا التي تضمنتها المعاهدة السابقة مع توضيح أكثر لصلاحيات وحقوق السلطان المغربي، وخاصة فيما يتعلق بموضوع الصيد البحري.

ففي البند الرابع عشر من هذه المعاهدة ورد أن «رعية الاسبان الفارين من سبتة ومليلية والنكور وباديس إلى بلد سيدنا أمير المؤمنين، فإن خرجوا في بلد فيها القونصوا (القنصل الاسباني) أو نائبه، فإن أراد أحدهم الإسلام فيحضر القونصوا أو نائبه ليرى وليسمع، وأن يخرجوا من حضرة سيدنا نصره الله أو غيرها مما لا قونصوا بها ولا نائبه فسمع ممن أراد الإسلام العدول ومن بقي على نصرانيته يدفع للقونصوا...»

والبند الخامس عشر نصّ على ما يلي: «تبقى حدود سبتة وما حولها لرعي بهائمهم على ما تركهم عليه سيدنا رحمه الله وجيرانهم واقفون عند الحدود محافظون على شروط الصلح بخلاف جيران مليلية والنكور وباديس فغير محافظين على الشروط فيجب أن يلزموا الوقوف عند الحد والوفاء بالعهد ولا يتركون على الإساءة إلى أهل هذه القرى فإن لم يقصدوا فإن حكام المدن المذكورة يدافعون عن أنفسهم بالمدفع وغيره».

أما من ناحية الساحل الأطلسي والجنوب فقد نص البند الثاني والعشرون على انه «إذا حرث مركب لجنس الاسبان فيما وراءه سوس وواد نون فمن جهة المحبة التي لملك اسبانيا في سيدنا أيده الله يبحث كل البحوث ويستعمل عزمه في إنقاذ رعية المحرثين بما أمكن، إلى أن يرجعوا لبلدهم».

البند السادس والعشرون نصّ على أن «لا تعطي رعية سيدنا نصره الله بمرسى الاسبان في صك الدخول والخروج عن سلعتهم المأذون المتاجرة فيها إلاّ ما هو معلوم لهم من قديم إلى الآن».

البند السابع والعشرون يكمّل بأنه «إذا أتى أحد من رعية الاسبان بسلع تجارة غير ممنوعة لمراسي سيدنا فلا يعطون عن صاكتها إلا عشرة في المئة سواء دفع في الواجب سلعة أو دراهم».

البند الخامس والثلاثون نصّ على أنه للاسبانيين «القاطنين بجزر كنارية وغيرها يأمر سيدنا لتلك السواحل من حرس أكادير إلى وراءها من جهة الزط بأن يتركوا تلك الرعية يصيدون السمك وغيره بالبحر وبحيث لا يلحقهم ضرر من المسلمين أن يلتجئوا إليهم».

البند السادس والثلاثون يتابع بأن «رعية الاسبان الذين يخرجون من مراسيهم بصدد الصيد يستظهرون لولاة سيدنا بتلك الناحية بسنسية (إذن) إتيانهم ليعين الحاكم المتولي هنالك الوضع الذي يتصيدون منه ولا يتعدونه». البند الأخير من هذه المعاهدة يجيز للمغاربة اعتقال كل اسباني يتقدم نحو الساحل بدون موافقة السلطات المحلية، حيث يدفع بعد إلقاء القبض عليه إلى القنصل أو «لأحد نوابه بالقرب من الموضع الذي قبض به في الحين ليبحثوا في أمره فإن كانت عليه حجة في ذلك يزجرونه على حسب ما يقتضيه حكم جنسهم...».

معاهدة السلام والصداقة بين اسبانيا والمغرب الموقعة في تطوان بتاريخ 26 نيسان/ابريل عام 1860، من قبل الملكة ايزابيل الثانية والسلطان محمد عبرت عن تشريع للاحتلال الاسباني في مناطق المغرب الشمالية (سبتة، مليلية، النكور وباديس) حيث يتعهد السلطان المغربي بضمان أمن وسلامة الاسبان المقيمين في تلك المناطق ويحول دون هجمات القبائل عليها (البند السادس).

كما يعطي في البند السابع كل الحق لملكة اسبانيا باتخاذ «التدابير التي تراها ملائمة لأمن تلك الأراضي، وذلك بأن تقيم في أي مكان منها التحصينات، والمواقع الدفاعية التي تراها مناسبة، دون أن تلقى في أي وقت أية عرقلة من جانب السلطات المغربية».

أما البند الثامن فقد نص على وعد من السلطان المغربي بإعطاء اسبانيا موقعا على ساحل المحيط وذلك «لتكوين مركز للصيد البحري» وذلك بالقرب من سانتا كروز دي ماربيكينا، المعروفة حاليا باسمها المغربي ايفني.

واضح من المعاهدات أنها تضمنت جميعها مشاكل تدور داخل الأراضي المغربية، وحلولا تراوح فيها التنازل مع التمسك بالأرض في فترة كان فيها السلطان المغربي باتجاه تقديم تنازلات أكثر من الصمود. لهذا بدون شك أسباب، مهما تكن طبيعتها، فإن معالجتها تساعد على معرفة خلفيات مضامين هذه البنود مجتمعة. ما يهمنا التنبيه إليه وهو أن السلطان المغربي، إذ يتفاوض باسم كل المنطقة المذكورة وسكانها، كان، في حالة تنازله، ملزما بخوض مواجهة مع القبائل التي ترفض دخول الأجنبي إلى بلادها، سواء كان ذلك في الشمال على حدود سبتة أم في الجنوب بمواجهة جزر الكناري. وفي ذلك ظاهرة متكررة تحول المغربي، باستمرار، إلى مقاتل لحظة شعوره بتهديد يطال أرضه، صحراء كانت أم ريفا.

المعاهدة البريطانية- المغربية حول امتلاك المغرب لمنشآت شركة نورث وست افريكا (شمال غرب افريقيا) في الطرفايا، التي وقعها في 13 آذار/مارس عام 1895 كل من الوزير أحمد بن الفقيه موسى بن احمد وأرنيط ماسن ساطو، تضمنت اعترافا انكليزيا بحقوق المغرب الجنوبية المحاذية للأطلسي. فالبند الأول نصّ على انه في حالة شراء المخزن للشركة المذكورة «لا يبقى كلام لأحد في الأراضي التي من وادي درعا إلى رأس بوجدور المعروف بالطرفايا المذكورة، وكذلك فيما هو المحل من الأراضي لكون ذلك كله من حساب أرض المغرب». أما البند الثالث فيعتبر أن عملية شراء الشركة المذكورة شاملة «لزينة البناء حجرا أو خشبا الذي بالبحر والذي بالبر كما يكون شاملا أيضا شراء المخزن لذلك ولجميع ما اشتمل عليه جميع البناء المذكور الذي في البر والذي في البحر من مدافع وغيرها ولا يبقى كلام لأحد في ذلك ولا في تلك الأراضي».

الاتفاقيات المغربية-الفرنسية كانت سياسية-جغرافية أكثر من بحرية-تجارية. وهنا تكمن أهميتها، إذ تكشف بوادر الإستراتيجية الفرنسية تجاه المغرب فور احتلال الجزائر.

كان تمرد الأمير عبد القادر الجزائري بشكل نواة حرب تحرير استفادت من استقلال المغرب الأقصى لتنطلق منه عمليات صد قوات الاحتلال الفرنسي. استمرارية حركة مسلحة من هذا النوع كادت تؤدي إلى تهديد طويل الأمد للمشروع الفرنسي، ظهرت بوادره في تعاظم التأييد الشعبي للأمير وفي بداية نوع من التحالف بين الجزائريين (بقيادة الأمير عبد القادر) والمغاربة ممثلين بسلطانهم عبد الرحمن. لمواجهة حالة متميزة بالخطورة تحركت فرنسا لتحقيق ثلاثة أهداف: الأول، تصفية الانتفاضة المعادية للاحتلال الفرنسي. الثاني، إخراج المغرب من فلك الأزمة الجزائرية من خلال ضرب الموقف المشترك من التدخل الفرنسي المعبر عنه بالتعاطف مع الأمير عبد القادر. الثالث وهو رسم حدود للسيطرة الفرنسية ضمن إستراتيجية التقدم البطيء باتجاه وديان الأطلس كخطوة أولى نحو المحيط. أي تدخل بخطى سلحفاة واحتلال تدريجي للمغرب يرافقه تقسيم غير ثابت لوحدة الأراضي الجزائرية-المغربية.

المعاهدة الفرنسية-المغربية الموقعة في طنجة بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر عام 1844 كانت حجر الأساس لهذه الإستراتيجية. حول هذه المعاهدة نقدم الملاحظات التالية:

إنها نصت على أن القوات المغربية المجتمعة بشكل غير عادي على حدود الدولتين، أو على مقربة من الحدود، يجب أن تسرّح، وعلى أن سلطان المغرب، من الآن فصاعدا، سيلتزم بمنع أي تجمع من هذا النوع. بالمقابل، يحق لقائد منطقة وجدة أن يملك قوة مؤلفة، في الحالات العادية، من ألفي رجل على أن يزيدهم في الظروف غير العادية والتي تراها الحكومتان كذلك، وذلك بما هو ضروري للفائدة المشتركة (البند الأول).

إنها نصت على معاقبة، معاقبة نموذجية، كل زعيم مغربي يقود أو يتعاطف مع أعمال العنف، التي تمارس أيام السلم، فوق الأراضي الجزائرية ضد قوات صاحب الجلالة ملك فرنسا. بناء عليه فإن على الحكومة المغربية إشعار الحكومة الفرنسية بالتدابير التي ستتخذها لتنفيذ ذلك. (البند الثاني).

إنها نصت على التزام السلطان المغربي بشكل نهائي ومطلق، بعدم تقديم أية معونة مادية (أموال أو أسلحة) للمتمردين أو أعداء فرنسا. (البند الثالث)

البند الرابع جرى تخصيصه لقضية الأمير عبد القادر. حول ذلك نصت المعاهدة على اعتبار الأمير خارجا عن القانون في داخل المملكة المغربية، وكذلك الجزائر، وبالتالي فإنه سيصبح ملاحقا بالسلاح بواسطة الفرنسيين فوق الأراضي الجزائرية، والمغاربة فوق الأراضي المغربية، حتى يقع في قبضة إحدى القوتين.

استتبعت هذه النقطة تحديدا عاما للحدود هدفه معرفة دائرة التحرك العسكري للفرنسيين والمغاربة. لذلك نصت المعاهدة أن تعيين الحدود التابعة للفرنسيين ولسلطان المغرب تبقى وضعيتها التي كانت قائمة ومعترفا من قبل الحكومة المغربية منذ عهد السيطرة التركية على الجزائر. على أن يكون التنفيذ التام لهذه القضية موضوع مناقشات ميدانية بين اختصاصيين من كلا الطرفين. (البند الخامس). انسجاما مع هذه النقاط تتوقف العداوة بين الطرفين. واثر تنفيذ مضامين البنود السابقة بما يرضي الحكومة الفرنسية، تنسحب القوات الفرنسية من جيرة موغادور ومدينة وجدة، كما يعاد لكل حكومة سجناؤها المعتقلون عند الحكومة الأخرى. (البند السادس).

عمومية هذه المعاهدة وخاصة فيما يتعلق بقضية الحدود أدت إلى توقيع معاهدة ثانية خاصة بالحدود الجزائرية-المغربية. معاهدة دقيقة من ناحية الحدود الشرقية، وعامة فيما يتعلق بالصحراء.

تضمنت هذه المعاهدة الموقعة بتاريخ 18 آذار عام 1845 (معاهدة لالاّ مارنيا) عدة بنود هامة جديرة بالتعليق.

البند الأول، اعتبر حدود السلطة التركية نهائية ونصّ على أن الطرفين يعتبران الحدود القائمة سابقا بين المغرب وتركيا تبقى هي نفسها بين الجزائر والمغرب. ولا يحق لأي من الدولتين تجاوز حدود الأخرى. كما لا يحق لأحد بتعمير جديد على خط الحدود الذي لن يتعين بالحجارة، بل سيبقى، وبكلمة واحدة، كما كان بين البلدين قبل التدخل الفرنسي في الجزائر.

البند الثاني أقرّ، لكي تصبح القضية واضحة، أن كل ما هو شرق هذه الحدود يتبع الجزائر، وما هو غربها يتبع المغرب.

البند الثالث كان هندسة دقيقة وميدانية للحدود المذكورة، بحيث كانت تتعين النقاط وفق حاجة المخطط الفرنسي بدون أية مراعاة للتواجد البشري: تقسيم قبيلة أو قرية مثلا (حالة أولاد سيدي الشيخ)، أي تقسيم للأرض وللمقيمين عليها. وقد جرى تعيين الحدود على الشكل التالي:

«تبدأ الحدود بخط يمتد من البحر بممر وادي أجرود ويتابع سيره للمكان حيث يأخذ الوادي اسم كيس، ويصعد أيضا مع نفس مجرى المياه ليصل إلى النبع المعروف برأس العيون الواقع في سفح ثلاث تلال تحمل اسم مناسب كيس، التي، بسبب وقوعها شرق الوادي، تتبع الجزائر. من رأس العيون يتابع هذا الخط سيره صاعدا باتجاه الجبال المجاورة ليصل إلى نقطة تدعى دراع-الدوم، حيث ينحدر باتجاه سهل الأوج.

من هذه النقطة يتجه بخط مستقيم فوق حوش سيدي عايد الذي يبقى رغم ذلك ضمن مساحة 250 مترا (أي الحوش)، إلى الجانب الشرقي من الحد الجزائري. من حوش سيدي عايد يتابع الخط سيره باتجاه جرف-البارود الواقع فوق وادي بو-نعيم، ومنه يصل إلى كركور سيدي حمزة الذي يوصله بدوره بزوج البغال، ومن ثم يمتد شرقا من منطقة أولاد علي بن طلحة إلى سيدي زاهر الواقع فوق الأراضي الجزائرية. يتابع الخط سيره على الطريق الكبير، لغاية عين-تكبالت الواقعة بين وادي بو أردة والزيتونتين المعروفتين باسم التومية فوق الأراضي المغربية. من عين تكبالت يصعد الخط مع وادي ربان ليصل إلى رأس عافور.

يتابع تاركا من ناحية الشرق مربط سيدي عبد الله بن محمد الحمليلي، وبعد أن يتجه غربا متبعا طريق المشميمش يسير بخط مستقيم ليبلغ مربط سيدي عيسى الذي يقع في نهاية سهل ميسويين. هذا المربط وتوابعه يعتبران فوق الأراضي الجزائرية.

بعد ذلك ينحدر جنوبا إلى كودية الدباغ، وهي التلة الواقعة على طرف الأرض الزراعية حيث يستقيم في وجهة تتجه نحو الجنوب لتصل إلى خناج الحادا التي تسير منها إلى تانيت الساسي حيث الفائدة تعود للطرفين.

لم ندخل بعد إلى الصحراء. المهندس الفرنسي سار لغاية الآن من البحر إلى أول تلة رملية ووقف. هندسة تقسيمية أخرى للقبائل: لكي تكون الحدود واضحة يجب أن يكون التقسيم البشري أيضا واضحا. من الحبر باتجاه الخط المذكور برا. تصبح قبائل بني منغوش التحتا وعاطية، المغاربة جزائريين (أي تحت حكم فرنسا) بعد أن ارتحلوا لخلافات لهم «مع إخوتهم في المغرب» -كما يقول النص- لأنهم وجدوا في ظل الحاكم الجزائري ملجأ مقابل ضريبة سنوية. ولما كان مندوبو فرنسا راغبين في إثبات «الكرم الفرنسي» أمام مفاوضهم المغربي و«لتمتين أواصر الصداقة والتفاهم والعلاقات الجيدة بين البلدين» فليلغوا الضريبة (ومقدراها خمسامئة فرنك فرنسي على كل قبيلة) ويعفوا القبيلتين من الدفع مقابل تبديل الانتماء «طالما السلام بين ملكي فرنسا والمغرب قائما».

تتابع العملية فصولها لتصبح القبائل التي تقع بعد أراضي عاطية خاضعة لنفوذ سلطان الجزائر الفرنسي: قبائل مسيرده، ال آشاش، أولاد ملوك، بنو بو سعيد، بنو سنوس، أولاد الناصر... يقابلهم على نفس المستوى اعتبار القبائل التالية مغربية: أولاد منصور رل طريفا، بني ايزناسن، المزاوير، أولاد أحمد بن إبراهيم، أولاد العباس، أولاد علي بن طلحة، أولاد عزوز، بني بو حمدون، بني حمليل وبني متار رل رأس العين...

الإسهاب في عرض البند الثالث من هذه المعاهدة لا يهدف سوى إلى إبراز القاعدة التي كان يتم عليها تجزئة الشعب الواحد والأرض الواحدة: تقسيم المياه والسهول والزيتون وحتى القبائل التي كانت تشرب من نفس المياه وتزرع نفس السهول وتأكل نفس الزيتون!!.

مع البند الرابع تطل مسالة الصحراء لتأخذ صيغة لا زالت سلبيتها ترمي بأثقالها لغاية هذه اللحظة: «في الصحراء لا يوجد حدود ترابية يمكن إقامتها بين البلدين، لأنها أرض غير صالحة ولا تفيد إلاّ ممرا للعرب (القبائل الرحل) التابعين للدولتين التي تأتي باحثة عن مرقد تجد فيه المرعى والمياه الضروريتين لها...» وإذا كان تحديد الخط الرملي صعبا فمن السهل تحديد أسماء القبائل المفترض خضوعها لإحدى الدولتين: قبيلة أولاد سيدي الشيخ تصبح قبيلتين واحدة مع المغرب (أولاد سيدي الشيخ الغاربة) –من غرب- والثانية مع الجزائر (أولاد سيدي الشيخ الشارقة)... نفس العملية تنطبق على قبائل حميان التي تصبح كلها للجزائر باستثناء فرع حميان-جنيه الذي يلتحق بالمغرب (بواسطة المعاهدة طبعا).

تصل المعاهدة إلى القصور، أو قرى الصحراء، فتمارس عليها نفس المخطط: قصور ايش وفيغويغ للمغرب وقصور عين صفرة وصفيصة وأصلا، ويتوط، وشلاّلا، والأبياد وبوسمغون للجزائر... (البند الخامس).

لأن المنطقة الواقعة جنوب هذه القصور لا تحتوي على مياه وغير مسكونة والتي هي صحراء بكل معنى الكلمة فالحدود تبقى فيها مائعة (البند السادس).

باستثناء القبائل المذكورة، بإمكان كل فرد أن ينتقل بين طرفي خط الحدود، وحركة انتقاله تحدد انتماءه الوطني. من أراد أن يكون جزائريا يقطع الطريق شرقا ومن أراد أن يكون مغربيا يقطعه غربا ولا يحق للسلطات المعنية منعه.

كذلك، من أراد تغيير جنسيته ووطنيته يتنقل من تحت الزيتونة التي فصلتها عن الزيتونة المجاورة مسطرة المهندس الفرنسي.

أما «الحاج عبد القادر وكل من تبعه لا يحق لهم الاستفادة من هذه المعاهدة، علما بأن ذلك يناقض (في حالة العكس) البند الرابع من معاهدة 10 أيلول/سبتمبر لعام 1844» (البند السابع).

انتهى التقسيم مبدئيا ووقعه الكونت دي لارو وأحمد بن علي.

البروتوكول السري، الذي وقعته كل من فرنسا والمغرب بتاريخ 20 تموز/يوليو عام 1901، طوّر معاهدة الحدود وأضاف عليها تحديدا لنقاط المراقبة والجمارك. البنود الثاني والثالث والرابع تسمّى النقاط التي يحق الحكومة المغربية ولسلطات الاحتلال الفرنسي إقامتها.

ولما كانت المسألة على شيء من التعقيد، فإن الحل سوف يأتي غربيا وخاصة كما نصت البنود الباقية، الخامس والسادس تحديدا:

«وضعية سكان الأراضي الواقعة بين خطوط المراكز التابعة للبلدين والمذكورة أعلاه، سويت على الشكل التالي:

فيما يتعلق بالسكان التابعين لقبائل دوي-منيا وأولاد جرير، تعين الحكومتان ممثلين للاتصال بهم ومنحهم حق اختيار السلطة التي يرغبون الانتقال إليها. الذين يرغبون منهم بالبقاء ضمن نفوذ السلطة الفرنسة، يمكنهم البقاء في منازلهم. والذين يرغبون بالانضمام للنفوذ المغربي يجري نقلهم من مكانهم إلى المكان الذي تعينه الحكومة المغربية لهم، كما يحق لهم الاحتفاظ بملكياتهم وإدارتها بواسطة مفوضين عنهم أو بيعها إذا أرادوا. أما السكان الآخرون الذين يسكنون نفس المنطقة ولكن تحت الخيام فيصبحون تحت السلطة المغربية ويمكنهم الاحتفاظ بإقامتهم.

سكان القصور، القاطنون في نفس المنطقة، يختارون السلطة التي تدير شؤونهم، وبكل الأحوال، يمكنهم متابعة العيش فوق أرضهم.» (البند الخامس).

البند السادس يعطي الحق للذين يقيمون في «الجزائر» بإدارة ممتلكاتهم العائدة لهم والواقعة في «المغرب» والعكس بالعكس..

لتأكيد ما ورد في هذا البروتوكول السري وقعت كل من فرنسا والمغرب على بروتكول آخر بتاريخ 28 نيسان/أبريل عام 1902، وقعه باسم المغرب محمد الكبّاس وباسم فرنسا الجنرال كوشميز.

يُعيّن البند الأول مواقع السلطة المغربية، تاركا الصحراء للنفوذ الفرنسي:

«تقيم الحكومة الفرنسية السلطة والسلام في المناطق الصحراوية، والحكومة المغربية، جارتها، تساعدها بكل إمكاناتها».

البند الثالث عيّن النقاط التي يحق لأي من الطرفين إقامة أسواق تجارية فيها. بقصد نشر السلام وتأمين حرية المرور بين البلدين تضمن البند السابع تسمية المناطق التي تقام فيها مراكز الحراسة لكلا الطرفين.

البند الثامن كُرّس «للأمن» حيث يتفق الطرفان على ملاحقة «المشاغبين» الذين يهددون السلام بين البلدين...

سلسلة المعاهدات هذه انتهت بتوقيع معاهدة الحماية في 30 آذار/مارس 1912 بعد أن كانت القوات الفرنسية قد تغلغلت في طول بلاد السلطان وعرضها.

لم تتناول هذه المعاهدة قضية الحدود المغربية كما تناولتها المعاهدات السابقة باستثناء فقرة تلميحية وردت في البند الأول وجاء فيها أن «حكومة الجمهورية الفرنسية ستتفاوض في موضوع المصالح التي لها من أجل موقعها الجغرافي وممتلكاتها الأرضية على الشاطئ المغربي.

كما أن مدينة طنجة ستحفظ بالطابع الخاص الذي اعترف لها به والذي سيحدد نظامها البلدي».

اتفاقيات المغرب مع فرنسا واسبانيا وانكلترا أخذت صيغة مزدوجة يغلب عليها طابع التنازل العام أمام الزحف الأوروبي من ناحية، وطابع الدور الفرنسي في مشاكل الحدود التي ورثتها لحكومتي ما بعد الاستقلال، من ناحية ثانية.

إلا أن الجانب الآخر للحدود وهو الجانب الجنوبي على محاذاة الأطلسي فقد كان خارج موضع التساؤل، ولو ببعض الغموض، وخاصة في الاتفاقات المغربية-الاسبانية والمغربية-الانكليزية.

أما الاتفاقات التي عقدتها الدول الأوروبية فيما بينها فقد احتوت على إثباتات وبراهين تفضح نوايا الغرب وتساعد على كشف الإطار القانوني الذي بموجبه كانت تتم عملية التجزئة الاستعمارية للتراب المغربي.

فرنسا، ألمانيا، النمسا، هنغاريا، بلجيكا، الدانمارك، اسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، ايطاليا، البلاد المنخفضة، البرتغال، السويد والنروج عقدوا مؤتمرا في مدريد بتاريخ 3 تموز/يوليو عام 1880 ليناقشوا، وبحضور المغرب، «طبيعة وحجم الوجود الديبلوماسي الدولي في المغرب».

مؤتمر ملفت للنظر. فإذا كانت العادة المتبعة تنص على أن العلاقات الديبلوماسية بين بلد وآخر تخص الحكومات المعنية في هذين البلدين، فلماذا إذن يجتمع كل هؤلاء ليتحدثوا ويتقاسموا مهمات سفرائهم في المغرب.

المسألة تتعدى الإعلان الرسمي للمؤتمر لتفتح ملف المغرب برمته في فترة كان التنافس الأوروبي على الأسواق الخارجية والمستعمرات قد وصل إلى درجة بات فيه ضروريا مرافقة السيطرة على الأسواق بالسيطرة على المواقع الإستراتيجية التي تحمي الأسواق.

وهنا بالذات أهمية المشكلة المغربية. الموقع الاستراتيجي للمغرب الأقصى هو في أساس هذا التنافس، في ذلك الحين، لا الفوسفات ولا النفط بل تحديدا إمساك العالم العربي وافريقيا من أهم مداخلهما.

خارج هذا الإطار يصبح عسيرا استيعاب الفضول الأوروبي والاهتمام المتزايد بمصير السلطان عبد الحفيظ.

عندما انتهت فرنسا من الأمير عبد القادر، وعالجت مشكلة الحدود بالشكل الذي يناسبها، وحسمت المسألة التونسية، أصبح همها الوحيد الانطلاق باتجاه الأطلسي من الشرق وعبر الصحراء. باحتلال تونس والجزائر ازدادت قوة فرنسا في شمال افريقيا واضعة بذلك الدول الأوروبية الأخرى في حالة تنافس مباشر معها. وهذا ما يفسر كون معظم الاتفاقات الأوروبية حول المغرب قد جرى توقيعها بين فرنسا ودولة أخرى.

كانت البداية في صيف عام 1902 عندما وقعت فرنسا وايطاليا معاهدة ثنائية حاول فيها الطرفان تطويق احتمالات اتساع خلافاتهما. ففي مقابل سكوت ايطاليا عن التدخل الفرنسي في المغرب، لا تعارض فرنسا بشدّة التدخل الايطالي في ليبيا.

انكلترا، التي كانت تتمتع بعلاقات جيدة مع السلطان المغربي والتي لعبت دورا ملحوظا في عملية تأخير السيطرة الفرنسية على المغرب في أواخر القرن الماضي، والتي، أيضا تحتل مواقع جغرافية مميزة داخل المغرب، شكلت الخصم الأول والمنافس القوي لفرنسا، الذي يشكل شرط إبعاده ضرورة لا غنى عنها لانجاز المخطط الفرنسي. أخذ التنافس صيغة أولى عبرت عن نفسها من خلال اشتراط انكلترا بحقها في استمرار سيطرتها على مدينة طنجة ومضيق جبل طارق وأن يكون لها كامل الحرية فيما يتعلق بالنشاطات الاقتصادية داخل المغرب، وذلك مقابل تسهيل حصول فرنسا على مواقع مميزة داخل ذلك البلد.

رفض فرنسا لهذه الشروط أدخل العلاقات الفرنسية-الانكليزية في أزمة حادة، حاول الطرفان تجاوزها بمفاوضات ومشاورات قاسية دامت عدة أشهر وانتهت بتوقيع اتفاقية ثنائية حول المغرب ومصر وذلك بتاريخ 8 نيسان/أبريل عام 19074 في لندن.

فيما يتعلق بالمغرب تضمنت هذه المعاهدة موافقة بريطانيا على اعتبار المغرب تحت الوصاية الفرنسية. فقد جاء في البند الثاني ما يلي: «تعلن حكومة الجمهورية الفرنسية عن عدم وجود نوايا لتغيير السلطة السياسية القائمة في المغرب.

من جهتها، تعرف حكومة صاحبة الجلالة البريطانية بأنه يعود لفرنسا، خاصة بوصفها قوة مجاورة للمغرب على مسافة واسعة، أن تشرف على كل الإصلاحات الإدارية، الاقتصادية، المالية والعسكرية حيث تدعي الحاجة.» كما أعلنت فرنسا موافقتها على أن يكون الباب المغربي مفتوحا أمام التجارة البريطانية لمدة ثلاثين عاما، قابلة للتجديد بعد انتهاء هذه المدة.

فيما يتعلق بمصر تتضمن المعاهدة عملية تبادل ومقايضة: المغرب لفرنسا مقابل أن تكون مصر وطريق الهند لبريطانيا. وفق ما جاء في البند الأول فإن «حكومة الجمهورية الفرنسية تعلن أنها لا تعرقل نشاط انكلترا في مصر، مطالبة بان يحدد شكل الاحتلال البريطاني أو أية صيغة أخرى...»

لكي لا تبدو هذه المعاهدة وكأنها استبعادا لاسبانيا المنافس الأقوى لفرسنا في المغرب، عمدت الدولتان التنويه بفوائد حصول اسبانيا على بعض الأراضي الساحلية، وذلك بسبب موقعها الجغرافي:

«بسبب ما تكنانه من مشاعر الصداقة تجاه اسبانيا تأخذ الحكومتان بعين الاعتبار وبشكل خاص الفوائد التي لاسبانيا من ناحية موقعها الجغرافي وممتلكاتها الترابية على الساحل المغربي لبحر الأبيض المتوسط، وحول هذا الموضوع سوف تجري فرنسا محادثات مع الحكومة الاسبانية»- البند الثامن-

أرفقت الدولتان هذه المعاهدة ببنود سرية لم يجر كشفها إلا مؤخرا، وتتعلق بسياسة كل من فرنسا وانكلترا في كل من المغرب ومصر.

نصّ البند الأول على انه «في الحالة التي ترى فيها إحدى الحكومتان نفسها مرغمة بسبب قوة الظروف على تغيير سياستها تجاه مصر أو المغرب، فإن الالتزامات التي تعهد به كل طرف تجاه الآخر تبقى ثابتة».

أما البند الثاني فقد نصّ على أنه «في الحالة التي تصبح فيها صاحبة الجلالة البريطانية أمام فرصة مناسبة لإدخال إصلاحات إلى مصر لجعل التشريع المصري شبيها بتشريع الدول المتحضّرة الأخرى، فإن حكومة الجمهورية الفرنسية لا ترفض فحص هذه الاقتراحات، بشرط أن تقبل صاحبة الجلالة بفحص الإجراءات التي من الممكن أن توجهها إليها الحكومة الفرنسية حول إدخال إصلاحات من نفس النوع في المغرب».

كانت هذه المعاهدة عمليا تحضيرا لمعاهدة أخرى مع اسبانيا. ولكن لاسبانيا تاريخ تدخل مختلف عن انكلترا وله حساباته الخاصة.

لان اسبانيا كانت بأمسّ الحاجة لموقع استراتيجي على مداخل افريقيا، ولأن الصحراء تشكل ممرا تجاريا يربط القارة الأوروبية بالقارة الافريقية عند التقاطع المائي الذي يربط جزر الكناري-جزر الخالدات- بالصحراء الغربية، ولأن مضيق جبل طارق يتحكم بمصير البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ومن خلالهما يتحكم بالطرق التجارية التي تعتبر اسبانيا محطتها الأولى على أهم تقاطع بحري مواجه لأوروبا. لأنها باختصار بصدد البحث عن مستعمرات فقد تقدمت واحتلت الجزر الجعفرية عام 1848.

أعقب ذلك تقدم وسيطرة على تطوان عام 1859 ووصول الجيوش الاسبانية من الشمال إلى المحيط الأطلسي عام 1884 انتهى بإحكام السيطرة الاسبانية العسكرية التامة على شمالي المغرب، يضاف إلى ذلك احتلال مدينتي سبته ومليلية الإستراتيجيتين وحجرتي النكور وباديس، كما كانت قد حسمت موضوع تدخلها في الجنوب المغربي محتلة سيدي ايفني في شمال الصحراء الغربية ومدينة الداخلة –فيلا سيسنيروس- في أقصى الجنوب الصحراوي.

ردة الفعل الفرنسية أحذت شكل تقدم مضاد حيث سارعت الحكومة الفرنسية بإرسال قواتها، التي أوشكت على إحكام سيطرتها على الجزائر وتونس، نحو باقي الشمال والوسط المغربيين وتصل إلى الجنوب الشرقي-أي موريتانيا الحالية. تقدم وتقدم مضاد أوصل فرنسا واسبانيا إلى صراع مفتوح حول طريق البحر، وخاصة ربط الوجود الفرنسي في الجزائر والصحراء الشرقية بالمحيط الأطلسي على الشاطئ المواجه لها.

انتهت المرحلة الأولى من الصراع بمحادثات مكثفة أسفرت عن اتفاقية سريّة لم يعلن عنها إلاّ بعد توقيع اتفاقيتي الحماية الفرنسية والاسبانية على الأراضي المغربية.

ما يميز هذه المعاهدة أنها تضمنت تقسيما واضحا وصريحا للمغرب بين الدولتين تنال بموجبه فرنسا كل المنطقة التي تقع فيها موريتانيا حاليا وكل الوسط وقسما كبيرا من الشمال وصولا إلى البحر. تأخذ اسبانيا كل المنطقة الممتدة شمالا من مدينة مليلية على البحر الأبيض المتوسط وتمر عبر حوض نهر أناوون وصولا إلى منطقة كركوس عبر طريق مولاي بوشته على ساحل المحيط. وتأخذ أيضا كل المنطقة الممتدة جنوبا من وادي درعا وسوس لغاية منطقة ماسة في أقصى جنوب الصحراء الغربية.

ونظرا لأهمية هذه الاتفاقية فقد ارتأيانا عرض أهم ما ورد فيها حسب النص الحرفي المترجم إلى اللغة العربية عن النص الاسباني:

«قرر رئيس الجمهورية الفرنسية وصاحب الجلالة ملك اسبانيا، رغبة منهما في تحديد مدى الحقوق وضمان المصالح الناتجة لفرنسا عن ممتلكاتها الجزائرية ولاسبانيا من ممتلكاتها على الشاطئ المغربي أن يبرما اتفاقية، وعيّنا لهذا الغرض كمعتمدين لهما:

رئيس الجمهورية الفرنسية: صاحب السعادة السيد تيوفيل ديلكاس، النائب ووزير خارجية الجمهورية الفرنسية...

وصاحب الجلالة ملك اسبانيا: صاحب السعادة السيد دي ليون أي كاستيو، مركيز مونى، وسفيره فوق العادة المعتمد لدى رئيس الجمهورية الفرنسية...

اللذان، بعد أن تدولا أوراق اعتمادهما ووجداها مستوفية الشروط، اتفقا على البنود التالية:

1- تنضم اسبانيا بموجب الاتفاقية الحالية إلى التصريح الفرنسي-الانكليزي المؤرخ بـ 8 نيسان/ابريل 1904 والمتعلق بالمغرب ومصر.

2- تعتبر الناحية الواقعة غرب شمال الخط المحدود أسفله منطقة النفوذ الناجمة لاسبانيا عن ممتلكاتها على الشاطئ المغربي للبحر الأبيض المتوسط. ويحتفظ لاسبانيا في هذه المنطقة بنفس العمل المعترف به لفرنسا بمقتضى البند الثاني من الفصل الثاني من تصريح 8 نيسان/أبريل 1904 المتعلق بالمغرب ومصر.

غير أنه اعتبارا للصعوبات الراهنة، ولما في تذليلها من مصلحة متبادلة تعلن اسبانيا أنها لن تمارس هذا العمل إلاّ بعد أن تتفق في شأن ذلك مع فرنسا خلال الفترة الأولى من تطبيق الاتفاقية الحاضرة على أن لا تتجاوز هذه الفترة خمسة عشر عاما، ابتداء من توقيع الاتفاقية.

وخلال نفس الفترة، فإن فرنسا، رغبة منها في أن تكون الحقوق والمصالح المعترف بها لاسبانيا بموجب الاتفاقية الحالية، محترمة دائما، ستحيط مسبقا حكومة الملك علما بعملها لدى سلطان المغرب فيما يتعلق بمنطقة النفوذ الاسباني.

وعند انصرام هذه الفترة الأولى، وطيلة بقاء الحالة على ما عليه، فإن عمل فرنسا لدى الحكومة المغربية، فيما يتعلق بمنطقة النفوذ المحتفظ بها لاسبانيا، لن يمارس إلاّ بعد اتفاق مع الحكومة الاسبانية...

ويبدأ الخط المشار إليه أعلاه (أي منطقة النفوذ الاسباني) من مصب نهر الملوية في البحر الأبيض المتوسط ثم يصعد تلعة النهر المذكور في محاذاة الضفة اليسرى لواد ديلفا. من هذه النقطة وبدون أن يقطع مجرى الملوية بحال من الأحوال يصل رأسا بقدر الإمكان إلى خط القمم الذي يفصل أحواض الملوية وواد يناون عن حوض واد كيرت ثم يستمر في الاتجاه صوب غرب خط القسم الذي يفصل أحواض واد يناون وواد سبوعن عن أحواض كيرت وواد ورغة ليصل إلى أقصى الذروة الشمالية لجبل مولاي بوشتة. ثم يصعد بعد ذلك في اتجاه الشمال، مبتعدا بمسافة لا تقل عن خمسة وعشرين كيلومترا شرقي الطريق المؤدية من فاس إلى القصر الكبير على طريق وزان إلى الالتقاء مع واد القوس ثم يهبط تلعة هذا النهر إلى مسافة 5 كيلومترات في أسفل نقطة تقاطع هذا النهر مع الطريق المذكور، طريق القصر الكبير من وزان، ومن هذه النقطة يتجه رأسا بقدر الإمكان نحو ساحل المحيط الأطلسي، فوق البحيرة الزرقاء...

3- في حالة ما إذا بدا أن الحالة السياسية في المغرب والحكومة الشريفية غير ممكنتي البقاء، أو تبين أن النظام الحالي صار من المستحيل بقاؤه إما بسبب ضعف هذه الحكومة وعجزها المستمر عن صيانة الأمن والنظام أو لأي سبب آخر يلاحظ باتفاق مشترك، يمكن لاسبانيا آنذاك أن تمارس بحرية عملها في الناحية المحددة في البند السابق والتي تعتبر منذ ذلك الحين منطقة نفوذها.

4- بما أن الحكومة المغربية سلمت لاسبانيا بموجب الفصل الثامن من اتفاقية 26 نيسان/أبريل 1869 منطقة في «سانتا كروز دي ماربيكنيا» -ايفني- ضمن المعلوم أن مسافة هذه المنطقة لا تتعدى مجرى واد تزروالت. من منبعه إلى ملتقاه مع واد ماسه، ومجرى واد ماسه، من ملتقاه هذا مع واد تزروالت إلى البحر، حسبما هو مبين في الخريطة رقم 2 الموجودة طيه مع هذه الاتفاقية.

5- إتماما للحدود المعلن عنها في الفصل الأول من اتفاقية 27 حزيران/يونيو 1900 فإنه من المعلوم أن الخط الذي يفصل بين منطقة النفوذ الفرنسي ومنطقة النفوذ الاسباني هو الخط الذاهب من ملتقى الدرجة 14-20 غرب باريس مع الدرجة 26 من خطوط العرض الشمالية، والذي يمتد شرقا إلى أن يصل إلى نقطة التقائه مع الدرجة 11 غرب باريس، ويستمر هذا الخلط محاذيا لهذه الدرجة إلى نقطة التقائهما مع نهر درعا، ثم محاذيا لتلعة وادي درعا إلى نقطة التقائه مع الدرجة 10 من خطوط الطول غرب باريس، ومن الدرجة 10 غرب باريس إلى قمة الأراضي التي بين حوض وادي درعا وحوض وادي سوس ويتابع طريقه باتجاه الغرب محاذيا للخط الأعلى من وادي درعا وسوس ثم يسير بين الأراضي الساحلية لواد ماسه ووادي نون إلى أن يصل إلى اقرب نقطة لمنبع وادي تزروالت، وهذا التحديد مطابق للتحديد المسطّر في الخريطة رقم 2 المذكورة، والمرفقة بالاتفاقية الحالية.

6- يطبق البندان 4 و5 في نفس الوقت الذي يطبق فيه البند 2 من الاتفاقية الحالية غير أن حكومة الجمهورية الفرنسية توافق على أن تقوم اسبانيا في أي وقت من الأوقات باحتلال المنطقة المعينة في البند 4 شريطة أن تتفق قبل ذلك مع السلطان.

كما أن حكومة الجمهورية الفرنسية تعترف من الآن للحكومة الاسبانية بمطلق الحرية في أن تعمل ما تشاء في الناحية الواقعة بين الدرجة 26 والدرجة 40 و27 من خطوط العرض الشمالية والدرجة 11 من خطوط الطول غرب باريس وهذه الدرجة توجد خارج الأراضي المغربية.

7- تلتزم اسبانيا بأن لا تعطي الغير وبأن لا تتنازل له بأية صورة من الصور حتى ولو كان ذلك بصفة مؤقتة، عن الأراضي المعينة في البنود 2 و4 و5 من الاتفاقية الحالية، كلها أو بعضها.

8- إذا تبين عند التطبيق الفصول 2 و4 و5 من هذه الاتفاقية أنه لا بد لأحد الطرفين المتعاقدين من القيام بعمل عسكري، فعليه أن يخطر بذلك في الحين الطرف الآخر.

9- تحتفظ مدينة طنجة بصيغتها الخاصة التي يخولها إياها وجود السلك الديبلوماسي بها ومؤسساتها البلدية والصحية.

10- طالما ظلت الحالة الراهنة على ما هي عليه فإن القيام بالأشغال العمومية مثل السكك الحديدية والطرق والقنوات التي تبدأ من نقطة ما في المغرب لتنتهي في الناحية المعينة في البند الثاني، وعكسا تقوم بها شركات يمكن للفرنسيين والاسبان أن يؤسسها. كما سيكون في وسع الفرنسيين والاسبان بالمغرب أن يشتركوا في استثمار المناجم والمرافق ذات الصبغة الاقتصادية على وجه العموم.

11- تحترم المدارس والمؤسسات الاسبانية الموجودة حاليا بالمغرب، ولا يمنع ولا يعرقل رواج العملة الاسبانية وتداولها، ويستمر الاسبان في التمتع في المغرب بالحقوق التي تضمنها لهم المعاهدات والاتفاقات والأعراف المعمول بها بما في ذلك حق الملاحة والصيد في المياه والمراسي المغربية.

13- يتمتع الفرنسيون في النواحي المعنية في البنود 2 و4 و5 من الاتفاقية الراهنة بنفس الحقوق المعترف بها للاسبان، بموجب البند السابق، في بقية أنحاء المغرب....» (37).

لم تنته الاتفاقيات بنصها الحرفي عند هذا البند، فهناك بند يتعلق بموضوع الأسلحة وآخر بحدود الاتفاق الفرنسي-الانكليزي...

ما نريد الإشارة إليه فيما يختص بالبنود المذكورة هو كيفية التحرك والتقرير الاختياري لكل من فرنسا واسبانيا في مصير المغرب ووحدة أراضيه. فهم يقيسون ويقسمون وفق مصالحهم، ويحدّدون مجالات الاستغلال المناسبة لفوائدهم بحرية تامة.

وُقعت هذه الاتفاقية بتاريخ 3 تشرين أول/أكتوبر عام 1904 ولم تنشر، ولكن أرفقت بتصريح صدر في نفس اليوم وموقع من قبل نفس الأشخاص. وقد نصّ التصريح على وحدة التراب المغربي. فقد جاء في هذا التصريح ما يلي: «ان حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة صاحب الجلالة ملك اسبانيا بعدما اتفقا على تحديد مدى الحدود وضمان المصالح الناجمة لفرنسا من ممتلكاتها الجزائرية، ولاسبانيا من ممتلكاتها في شاطئ المغرب، وبعد أن انضمت حكومة جلالة ملك اسبانيا بناء على ذلك إلى التصريح الفرنسي-الانكليزي المؤرخ بـ 8 نيسان/ابريل 1904 والمتعلق بالمغرب ومصر، وهو التصريح الذي أبلغتها إياه حكومة الجمهورية الفرنسية، تعلنان:

إنهما تتشبثان بصفة بوحدة تراب المملكة المغربية تحت سيادة السلطان وبمقتضى ما ذكر، فإن الموقعين أسفله:

سعادة وزير الشؤون الخارجية، وسعادة السفير فوق العادة والمعتمد من طرف جلالة ملك اسبانيا لدى رئيس الجمهورية الفرنسية، اللذين أذن لهما بذلك، فقد أصدرا هذا التصريح ووضعا عليه طابعهما».

لم يبق خارج اللعبة إلاّ ألمانيا. وها هي فور علمها بهذه الاتفاقات تبدأ تدخلا مباشرا عنوانه الحرص على سيادة المغرب. الصراع الفرنسي الألماني حول المغرب يشكل أهم المنعطفات القابلة للانفجار بين أطراف الاستعمار الأوروبي في شمال افريقيا. صراع كاد أن يؤدي أكثر من مرة، إلى حدوث مواجهة شاملة بين البلدين. بهدف تفادي هكذا مواجهة أجرى الفريقان عدة محادثات ووقّعا على عدة اتفاقات وتعهدات كانا يعملان على تجاوزها عند أول سانحة وعند أدنى تغيير في موازين القوى. خاصة وأنه بداية القرن والخط العام للتحالفات الإستراتيجية بين الدول الأوروبية يتم على قاعدة عزل ألمانيا، المنافس القوي والجديد على الساحة. هذا ما يفسر جوهر الاتفاقيات التي سبق ذكرها من ناحية التناقضات الأوروبية-الأوروبية.

في محاولة شن هجوم دفاعي يطوّق سلبيات الاتفاقيات المذكورة على مستقبل ألمانيا، حاولت هذه الأخيرة استعمال أوراق الضغط المتوفرة عندها: القوة الحربية. ففي 31 آذار/مارس عام 1905 يدخل الإمبراطور الألماني غليوم الثاني إلى مدينة طنجة ويعلنها مدينة دولية مفتوحة لكل الأطراف، ويعترف باستقلال المغرب ووحدة أراضيه وعدم خضوعه لسيطرة أية دولة أجنبية.

هذه الخطوة الألمانية كانت في حقيقتها مناورة استفزاز تهدف إلى عقد مؤتمر أوروبي يتم بموجبه إعادة ترتيب المسألة المغربية وفق التقسيم «العادل» وانسجاما مع المتغيرات المستجدة. كانت ردة الفعل الفرنسية عنيفة، بدأت بحملة إعلامية مركزة ضد التدخل الألماني في طنجة وأخذت فيما بعد صيغة رفض قاطع لأي مؤتمر دولي حول المغرب، مرتكزة في ذلك على وجود اتفاقات ثنائية بينها وبين كل من ايطاليا وانكلترا واسبانيا. فلا حاجة لاتفقا جديد، جماعي أو ثنائي.

رفض فرنسا وإصرار ألمانيا أديا إلى تدهور كان تداركه تراجعا متبادلا تمت صياغته باتفاقية 8 تموز/يوليو 1905. تضمنت الاتفاقية المذكورة تراجعا فرنسيا عن رفض حضور مؤتمر دولي لمناقشة موضوع المغرب فأعلنت فرنسا الموافقة عليه، بينما تراجعت ألمانيا واعترفت بحقوق وفوائد فرنسا في المغرب.

الجزيرة الخضراء، المدينة الاسبانية التي يفصلها عن المغرب البحر وجبل طارق، استقبلت لمدة ثلاثة أشهر زعماء أوروبا الاستعمارية الذين جاؤوا ليناقشوا فيها، وعلى مقربة من المغرب، مصير هذا الأخير. افتتحت أعمال المؤتمر في 15 كانون الثاني/يناير من عام 1906 واستمرت إلى 7 نيسان/ابريل من نفس العام أي حوالي ثلاثة أشهر من الصراعات الدولية الحادة، تمحورت في معظمها بين فرنسا وألمانيا. دارت خلافات المؤتمرين حول أربعة مواضيع أساسية جرى إعلانها مسبقا كجدول أعمال لهذا المؤتمر:

1-تنظيم دولي للبوليس داخل حدود المغرب.

2-إنشاء مصرف للدولة.

3-الصلاح المالي ومبدأ المشاركة المادية في الأشغال العامة.

4-المخلون بالأمن.

بالنسبة لقضية البوليس، توصل المؤتمر إلى حصر المسؤوليات بفرنسا واسبانيا على أساس أن تقوم الأولى بالإشراف الأمني في كل من الرباط وصافي ومغادور، والثانية في كل من تطوان ولاراش، وكلتاهما معا تشرفان على طنجة والدار البيضاء.

لمواجهة الضغوطات الداخلية وعمليات تسرّب الأسلحة أعاد المؤتمر تنظيم العلاقات الجمركية. ووافق أيضا على إنشاء مصرف دولي، برأسمال أوروبي، وبرئاسة فرنسية، مركزه الرئيسي في باريس. حددت مهمة هذا المصرف بإصدار العملة وتسهيل عمليات البورصة، والمصارفة، إضافة إلى تقديم المساعدات للمؤسسات الأوروبية.

وأخيرا، وافق المؤتمر على أن يكون باب المغرب مفتوحا لكل الأطراف المشاركة في أعمال هذا المؤتمر في التجارة والتعاون المشترك. (38).

كان مؤتمر الجزيرة، عمليا بمثابة تدويل لقضية المغرب، الأمر الذي يؤدي في حالة استمراره إلى إضعاف النفوذ الفرنسي. لا يغير من ذلك في شيء انحياز مقررات المؤتمر لمصلحة فرنسا أكثر من غيرها. وفق هذا السياق، وبسبب كون المشروع الفرنسي يتجه نحو السيطرة التامة على المغرب، فإن فرنسا لن تلتزم بحدود مقررات هذا المؤتمر. وبهدف تطويق عملية التدويل ودفنها في المهد، سارعت فرنسا إلى إحكام سيطرتها على بعض المدن المغربية، فاحتلت بعد عام واحد على هذا المؤتمر مدينة وجدة على الحدود الجزائرية-المغربية، ثم تقدمت فاحتلت في نفس العام مدينة الدار البيضاء على المحيط الأطلسي وبدأت تحضر نفسها لغزو مراكش.

بديهي أن تعبر ألمانيا هذا التقدم الفرنسي بمثابة خرق لاتفاقيات الجزيرة الخضراء، فشنت تبعا لذلك هجوما ديبلوماسيا عنيفا ضد السياسة الفرنسية في المغرب. أما فرنسا، التي اعتمدت سياسة وضع الألمان أمام الأمر الواقع فقد سارعت إلى تطويق ردة الفعل الألمانية بعقد معاهدة 9 شباط/فبراير التي جمدت مؤقتا الخلاف الثنائي بين البلدين.

نصت هذه الاتفاقية على نقطتين أساسيتين: في الأولى، تلتزم فرسنا بالحفاظ على وحدة واستقلال المغرب، وتتعهد بالحفاظ على المساواة الاقتصادية، وبالتالي لا تتعرض للفوائد التجارية والصناعية الألمانية في المغرب. في النقطة الثانية تتعهد الحكومة الألمانية بأن لا تواصل سوى الأعمال الاقتصادية معترفة بالمصالح السياسية الخاصة لفرنسا داخل الأراضي المغربية.

وقد جاء حرفيا ما يلي:

«إن حكومة الجمهورية الفرنسية، متعلقة كليا بالحفاظ على وحدة واستقلال الدولة الشريفية. تقرر أن تحافظ فيها على المساواة الاقتصادية، وبالتالي، لا تعرقل الفوائد التجارية والصناعية الألمانية في المغرب.

والحكومة الألمانية، متبعة فقط الفوائد الاقتصادية في المغربـ تعترف، من ناحية ثانية، بأن الفوائد السياسية الخاصة لفرنسا داخل المغرب مرتبطة تماما بتثبيت النظام والسلام الداخلي، وتتعهد بعدم عرقلة هذه الفوائد»(39).

لم يشذ هذا الاتفاق عن قاعدة الصراع الفرنسي-الألماني، كما لم يكن بإمكانه وقف مسيرة التدخل الفرنسي. إذ انه لم يمر عامان على هذا الاتفاق حتى سارعت فرنسا إلى خرقه، خالقة بذلك وضعا جديدا أنتج بدوره مضاعفات خطيرة تجسدت بحادثة أغادير ولم تنته إلاّ بتوقيع معاهدة جديدة وأخيرة في سلسلة التنافس على المستعمرات الافريقية.

بحجة مواجهة التطورات الداخلية التي باتت تهدد الوجود الفرنسي في المغرب، وخاصة بعد توتر الأوضاع في المخزن وتصاعد العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال، وبداية تمرد القبائل على الوجود الفرنسي، تقدمت الجيوش الفرنسية باتجاه الجنوب فاحتلت مراكش ومن بعدها اتجهت نحو الشمال الشرقي لتدخل مدينة فاس وتحتلها في 21 أيار/مايو عام 1911.

قبل أن يستتب الأمر لفرنسا على هذه الوضعية الجديدة كان عليها أن تواجه معارضة حادة من قبل ألمانيا التي اعتبرت هذه التصرفات الفرنسية خرقا لمقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء، وخاصة احتلال مدينة فاس. ورغم المحاولات الصعبة والطويلة بين البلدين، فإن فرنسا، المتفوقة ميدانيا، ظلت متمسكة بنهجها رافضة الاقتراحات الألمانية.

أمام هذا الوضع تقدمت البواخر الحربية الألمانية من الشواطئ المغربية من جهة المحيط الأطلسي، ودخلت البارجة الألمانية ميناء أغادير، رافقها تصريح للسفير الألماني في باريس شوين معلنا «أن قوات بلاده دخلت إلى ميناء أغادير وذلك للحفاظ على المصالح الوطنية الألمانية المهددة في منطقة سوس»(40).

اعتبرت فرنسا هذا التصرف الألماني خروجا على اتفاقية 9 شباط/فبراير 1909، فبدأت حملة اعتراضات ديبلوماسية مرفقة بتهديد بالتدخل العسكري، لا يخفّف من حدته احتمال تحوله إلى مواجهة شاملة بين البلدين.

تمسك ألمانيا بموقفها، مع تلميحها بأن لا أطماع لها في المغرب وبأن المشكلة قابلة للحل في حالة حصولها على تعويض في منطقة أخرى من افريقيا، يضاف إليهما تردد فرنسا في هجومها العسكري لإخراج البارجة الحربية من أغادير مع إدراكها لطبيعة التكتيك الألماني، هذه الأمور مجتمعة أدت إلى تخفيف حدّة التوتر بين البلدين. على أرضية هذا الهدوء بدأ الطرفان عملية مفاوضات مفتوحة استمرت من شهر تموز/يوليو إلى شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1911. بالطبع، فإن الخلاف حول طبيعة التعويض الفرنسي لألمانيا، وحجم الثمن الذي تطلبه هذه الأخيرة مقابل سكوتها (الإصرار على الكونغو والغابون) أطال في عمر المفاوضات.

انتهت المحادثات بتوقيع اتفاقية جديدة بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1911.

نصّت هذه المعاهدة على تخلي ألمانيا نهائيا عن كل المغرب لفرنسا، مقابل أن توافق فرنسا على إعطاء ألمانيا ما طلبته في الكونغو والاوبانغي، مع ضمانات المرور في الممرات النهرية، إضافة إلى تسهيلات أخرى في كل من بك دي كانار (Bec de Canar) والتوغو (Lession Au Togo) والكونغو البلجيكي، على أن يبقى الكونغو الأوسط فرنسيا. (41) تمثّل التنازل الألماني باعتراف ألمانيا بأن يكون لفرنسا حق التمثيل الديبلوماسي للمغرب والاحتلال العسكري وحق الحماية والإصلاح الحقوقي الخ...

وبما أن المغرب قطعة أرض يجري اقتسامها عمليا بين فرنسا واسبانيا، فإن ألمانيا لن تكتفي بتعويض فرنسي بل حاولت أن تحصل على تعويض اسباني مقابل سكوتها عن احتلال أجزاء المغرب الشمالية والجنوبية. وقد تدارك الألمان عدم تضمّن الاتفاقية المذكورة لتعويض من هذا النوع، فسارعوا بإرسال مذكرة إلى الحكومة الفرنسية كتبها السيد دي كيدولين، كاتب الدولة في الشؤون الخارجية وسلمها إلى جول كامبون، السفير في برلين، قال المسؤول الألماني في هذه الرسالة:

«لكي أوضح تمام الإيضاح الاتفاق المؤرخ بـ 4 تشرين الثاني/ 1911 والمتعلق بالمغرب، ولكي أبين مداه أتشرف بإحاطة سعادتكم علما بأنه في حالة ما إذا رأت الحكومة الفرنسية من واجبها أن تتكفل بحماية المغرب، فإن الحكومة الإمبراطورية لن تضع في طريق ذلك أية عرقلة.

فالموافقة التي منحتها الحكومة الألمانية للحكومة الفرنسية بصفة عامة بمقتضى الفصل الأول من الاتفاق المذكور تنطبق بالطبع على جميع المسائل التي تقتضي التقنيين كما أشير إلى ذلك في معاهدة الجزيرة الخضراء.

ومن جهة أخرى فقد تفضلتم بإعلامي بأنه في حالة ما إذا أعربت ألمانيا عن رغبتها في الحصول من اسبانيا على غينيا الاسبانية وجزيرة كوريسكو وجزر ايلوبي، ستكون فرنسا مستعدة لان تتخلى في صالحها عن ممارسة حقوقها التفاضلية المترتبة لها عن معاهدة 27 حزيران 1900 بين فرنسا واسبانيا. يسعدني أن أسجل هذا التأكيد وأن أضيف أن ألمانيا ستظل بعيدة عن الاتفاقيات الخاصة التي سترى فرنسا واسبانيا من واجبها إبرامها فيما بينهما بخصوص المغرب، مع العلم بأن المغرب يشمل على جميع القسم في افريقيا الشمالية الممتد بين الجزائر وافريقيا الغربية الفرنسية ومستعمرة ريو دي أورو (وادي الذهب) الاسبانية.

وأن الحكومة الألمانية بتنازلها عن المطالبة بتحديد الحصص التي ستعطي للصناعة الألمانية في بناء السكك الحديدية مسبقا، تعتمد على أن فرنسا سيسعدها أن يقع تمازج في مصالح رعايا الدولتين في القضايا التي سيكون في مستطاعهم الحصول عليها...».

الرسالة الملحقة بالاتفاقية أبعدت ألمانيا، واقتنعت انكلترا بحجمها في مضيق جبل طارق، وبالتالي أصبحت الطريق ممهدة لاتفاقية تقسيم فرنسي-اسباني علني للمغرب ينهي الخطة السرية ويغيّر نوعيا التكتيك السياسي لهذين البلدين وخاصة بعد توقيع معاهدة الحماية. فالاتفاقية الفرنسية-الاسبانية الموقعة بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1912، والتي كانت عمليا خاتمة الاتفاقات الدولية، شرّعت للسيطرة الاستعمارية على كامل التراب الوطني المغربي ناقلة قوات الاحتلال إلى مرحلة مواجهة الانتفاضات الشعبية التي رأت، في التوقيع على معاهدة الحماية، انتقاصا من حرية واستقلال المغرب، التي كانت القرون الماضية صمودا عنيدا في خدمتها.


الفصل الثاني سوف يتناول تاريخ المواجهة المغربية-الاستعمارية. وعليه فإننا سنكتفي هنا بذكر الخطوة الأخيرة القانونية، في العرف الاستعماري، لتقسيم المغرب وفق ما احتوته هذه الاتفاقية.

نصّت هذه المعاهدة على مجمل النقاط التي جرى الاتفاق عليها سريا في اتفاقية عام 1904 مع بعض التعديلات.

بموجب التعديلات الأخيرة تعطي اسبانيا لفرنسا المنطقة المحيطة بايفني والتي كانت قد حصلت عليها اسبانيا عام 1880، وذلك بموجب معاهدة الصيد التي جرى توقيعها بين اسبانيا والسلطان المغربي. وبذلك تكون فرنسا قد بسطت هيمنتها على كل المنطقة الممتدة من وادي درعا إلى وادي سوس، وهي منطقة غنية بالمعادن. أضف إلى ذلك حصول فرنسا على المناطق الأكثر خصوبة وكثافة سكانية في الشمال وهي المنطقة المسماة بوادي أويرغا، حيث تمكنت فرنسا، بفضل ذلك، ربط المغرب بكل من الجزائر وتونس بواسطة خط سكة الحديد الممتد من الجزائر-وهران-وجدة-فاس. هذا الربط كان يعني تأمين اتساع السيطرة الاقتصادية وتسهيل حركة ضبط الأمن في عموم الشمال الافريقي.

من ناحية اسبانيا جرى تعديل نسبي في حدود الاتفاق السابق وخاصة من ناحية مول الباشا وعلى طول المولويا ومن ناحية غرب القسار أيضا.

أما الأمن في مناطق النفوذ الاسباني فيتم نشره عن طريق خليفة للسلطان يختاره من بين اثنين تقترحها اسبانيا ويكون مقره في تطوان ويتبع إليه كل السكان المغاربة المقيمين داخل منطقة الاحتلال الاسباني المعينة شمالا وجنوبا لغاية الحدود الفرنسية-السنغالية الجنوبية التي تنتهي عند الحد الذي يمتد من موقع بحري يتجه جنوب مدينة الداخلة ليفصل منطقة تيريس الغربية كلها من موريتانيا الحالية التابعة سابقا للنفوذ الفرنسي.

نظرا لوضوح كيفية التقسيم الفرنسي-الاسباني وجدنا من الضرورة عرض أهم ما ورد في هذه الوثيقة-الاتفاقية.

بعد أن يحدد البند الثاني الحدود الشمالية لمنطقتي النفوذ الفرنسي والاسباني محددا انطلاقها من ملوية وانتهاءها بين دوار مغاريا وماريا سيدي سلامه حيث يرتبط عند هذه النقطة الخط البري بالبحر، وذلك وفق الخط الذي جرى تفصيله في معاهدة 3 تشرين أول/أكتوبر 1904. فيما يتعلق بالتقسيم المشترك لجنوب المغرب جاء في هذا البند ما نصّه: «في جنوب المغرب، حدود المنطقتين الفرنسية والاسبانية ستحدّد انطلاقا من مجرى وادي درعا الذي يصعد من مصبه على البحر إلى نقطة التقائه مع خط الطول 11 غرب باريس، يتابع هذا الخط سيره باتجاه الجنوب لغاية نقطة التقائه مع خط العرض 27 درجة و40 دقيقة عرض شمالي. إلى الجنوب من هذا الخط تبقى البنود 6.5 من اتفاقية 3 تشرين أول/أكتوبر 19.4 سارية المفعول.

أما المناطق المغربية الواقعة شمالا وشرق التحديد المذكور في هذا النص ستصبح تابعة للمنطقة الفرنسية...».

«وبما أن الحكومة المغربية قد منحت اسبانيا، بموجب البند الثامن من معاهدة 26 نيسان/ابريل 1860، مركزا في سانتا كروز دي ماربيكينا (ايفني)، يفهم من ذلك أن أرض ذلك المركز ستكون لها الحدود التالية: شمالا، نهر بوسدره من مصبه، جنوبا، نهر نون، من مصبه. وشرقا، إلى خط يمتد على مساحة تقريبية مقدارها 25 كيلومترا عن الساحل». (البند الثالث).

«ستعين لجنة فنية، يعين أعضاءها بعدد متساو من قبل الحكومتين الفرنسية والاسبانية، لتثبّت الخط الدقيق للحدود المنصوص عليها في البنود السابقة. ويمكن للجنة أن تأخذ بعين الاعتبار أثناء عملها، ليس فقط التضاريس الطبيعية بل أيضا العوامل المحلية...» (البند الرابع).

البند الخامس نصّ على التزام اسبانيا بأن «لا توفت ولا تتنازل عن حقوقها، بأي شكل من الأشكال، حتى ولو بصفة مؤقتة، سواء بالنسبة لمجموع التراب المشمول بنفوذها أو بعضه.»

أما وضعية جبل طارق فقد نص عليها البند السادس بما يلي: «بقصد تأمين العبور الحر لمضيق جبل طارق، تتفق الحكومتان على عدم السماح بإقامة تحصينات أو منشآت إستراتيجية في أي نقطة من الساحل المغربي المشار إليه في البند السابع من التصريح الفرنسي-الانكليزي بتاريخ 8 نيسان/أبريل 1904، والبند رقم 14 من الاتفاقية الاسبانية-الفرنسية بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر من نفس العام والمشمولة بمنطقتي نفوذ الدولتين.»

مدينة طنجة ذات الموقع الاستراتيجي الهام افرد لها بند خاص لتعيين حدودها. فقد جاء التعيين في البند السابع على الشكل التالي:

«ستزود مدينة طنجة وضواحيها بنظام خاص سيحدد لاحقا، وهي المنطقة المتضمنة في الحدود التالية: انطلاقا من بونتا-التارس على الساحل الجنوبي لمضيق جبل طارق، تتجه الحدود بخط مستقيم نحو سفح جبل بني ميمل، تاركة إلى الغرب قرية تدعى دكسار الزيتون، ثم تتابع خط الحدود الواقعة بين الفحصى من ناحية قبائل عنجرة ووادي رأس من الناحية الثانية إلى نقطة التقائها مع وادي الصغير، ومن وديان محرحر وتزامورز إلى البحر...»

«الاستقلالية الإدارية المتبعة في منطقتي النفوذ الفرنسي والاسباني داخل المملكة الشرفية لا يمكنها أن تمسّ الحقوق، العطايا والامتيازات الممنوحة، استنادا لعقد الجزيرة الخضراء، لمصرف الدولة في المغرب. على كل أراضي الدولة وبواسطة الحكومة المغربية، مصرف الدولة المغربي يواصل تمتعه بكامل الحقوق في كلا المنطقتين... دون نقصان أو تحفظ» (البند 16).

نفس الحقوق تنطبق على المؤسسة الدولية للتبغ في المغرب وفق البند رقم 17.

والمغاربة المتحدرون من منطقة النفوذ الاسباني يجري نقلهم إلى الخارج تحت حماية الهيئات الديبلوماسية والقنصلية لاسبانيا. (البند رقم 22). أما البنود الباقية فتحدد الصلاحيات المتبادلة وحدود صلاحيات السلطان المغربي إضافة إلى اعتبار هذه المعاهدة بمثابة إلغاء للمعاهدات السابقة المخالفة لما ورد فيها. (42).

إستراتيجية الغرب التي حاولنا قدر الإمكان تبيان مسار تنفيذها، في الواقع وفي النصوص، لم تطل بنتائجها التقسيمية المغرب العربي فحسب، بل ستطبق نفس المنهج على عموم العالم العربي والقارة الافريقية.

إن نظرة مقارنة على القارة الافريقية عام 1879 مثلا مع نظرة أخرى لنفس القارة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تساعدنا على قول الحقيقة التالية:

في المرحلة الأولى كانت الدول الأوروبية تسيطر على مواقع في افريقيا يمكن تحديدها كما يلي:

1-فرنسا: متواجدة شمالا في الجزائر، غربا في السنغال، في الوسط غينيا وبنين وليبرفيل فقط.

2-اسبانيا: متواجدة شمالا في سبتة ومليلية (المغرب)ـ غربا في جزر الكناري، وفي الوسط في غينيا الاسبانية المحاذية لليبرفيل.

3-بريطانيا: متواجدة في غامبيا غربا وسيراليون، شاطئ العاج ونيجيريا في الوسط، ومنطقة ساحلية في ناميبيا إضافة إلى افريقيا الجنوبية كلها.

4-البرتغال: متواجدة غربا في كاسامانس، وجنوبا من الناحية الغربية في موقع بحري (كابيندا) وعموم أنغولا، ومن الناحية الشرقية في الموزامبيق.

أما ألمانيا وايطاليا فلم يكن لهما أي موقع في عموم القارة. والملاحظ أن أماكن التواجد الأوروبي هذه كلها ساحلية بدون استثناء، مما يعطي لعملية التدخل صفة السيطرة على المداخل الإستراتيجية الساحلية للقارة السوداء.

أما المرحلة الثانية، فإنها تكشف حقيقة التقسيم الاستعماري لكامل القارة الافريقية باستثناء أثيوبيا التي لم تكن قد خضعت كليا بعد. ويمكن تحديد إستراتيجية التقسيم كما يلي:

1-فرنسا: كانت تسيطر على كامل المنطقة الممتدة شرقا من الاوبانغي على حدود الكونغو البلجيكي مرورا بالصحراء الكبرى ووصولا إلى المحيط الأطلسي والدول الواقعة على سواحله باستثناء ليبيا ومواقع النفوذ الاسباني في المغرب شمالا وجنوبا وسيراليون وغينيا البرتغالية. بالإضافة إلى الكونغو برازافيل وجيرة مدغشقر الواقعة تحت السيطرة الفرنسية.

2-اسبانيا: كانت تسيطر على المناطق التي سبق تحديدها في شمال المغرب إضافة إلى ايفني والصحراء الغربية، كما أنها احتلت جزيرة غرناندوبو القريبة من غينيا الاسبانية.

3-بريطانيا: كانت تسيطر على سيراليون، غامبيا، شاطئ العاج، نجيريا، روديسيا واتحاد جنوب افريقيا وافريقيا الشرقية البريطانية (كينيا) والجزء الصومالي الواقع على الممر الضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. بالإضافة لمصر والسودان.

4- البرتغال: كانت تحتل غينيا بيساو، كابيندا، أنغولا، وموزامبيق إضافة إلى جزر رسان تومي.

5-ألمانيا: كانت تسيطر على الكاميرون، ناميبيا وافريقيا الشرقية الألمانية (تانزانيا).

6-ايطاليا: كانت تسيطر على ليبيا، ارتريا والصومال الايطالي الواقع على جهة الساحل المواجهة للمحيط الهادئ...




يتبع بالهوامش..


0 مطابخ عصرية مميزة باللون الأبيض
0 مارأيك بـ ............؟
0 هرباً من الزحام يصف سيارته في شرفة منزله !
0 مواضيع الكاتب السوداني عمر عيسى محمد في المنتدى العام
0 عذوبة في مباراة كرة قدم تعذّب اللاعبات
0 أسوس ASUS تكشف عن الحاسب الهجين ” Transformer T100
0 فيديو مُهدى الى ديامس التي اسلمت حديثا
0 رولا .. عرب قصورهم الخيام
0 4 امور تتعلمها الفتاة المراهقة من الصداقة الحقيقية
0 أعيدي تألق شعرك باتباع الارشادات الصحية وتغذيته
0 ألبيول: "أتمنى بقاء كريستيانو لأنه الأفضل في العالم"
0 اجمل أزياء Dolce&Gabbana لخريف وشتاء 2013-2014
0 عقيدة أهل السنة والجماعة-فارسي "عقيدهء أهل سنت وجماعت"
0 مواصفات المرأة المثالية في عين الرجل .. ؟؟
0 كيف لنا أن نتعايش مع أناس تكبر أجسادهم و عقولهم في تدني ؛ كلمات عن الاخلاق الراقيه

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-23-2013 الساعة 12:28 AM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-23-2013, 12:40 AM   #13
::نائبة المدير العام::
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 29
المشاركات: 17,098
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 10
د/روليان غالي will become famous soon enough
افتراضي




هوامش الفصل الأول

1-عبد الله العروي: تاريخ المغرب. ترجمة ذوقان قرقوط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1977، ص 60.

2-المرجع السابق، ص 66-67. يضيف عبد الله العروي محددا «ان النظام القبائلي، في جميع وجوهه وبأنماطه المتدنية، يجب أن يوصف في الوقت الذي ظهر أو عاد إلى الظهور فيه، في تاريخ، بعد الفتح الروماني، وليس كنظام أساسي، في أصل التاريخ نفسه، فأهميته المستديمة في ماضي المغرب ليست في انه كان أساسا لتطور أو لركود، بل في أنه الرد، مبتكر أو مأخوذ به من جديد (وهو ما يعتبر في النهاية شيئا واحدا) الديالكتيكي على محاصرة تاريخية.

ومن هنا يأتي وجهه المزدوج: من الاستدامة ومن الدفاع عن الذات، تعلق تقليدي وكذلك انتقالي....» ص 67-68.

3-ابن خلدون: المقدمة، الجزء الأول، ص 245.

4-المرجع السابق، ص 122.

5-يؤكد عبد الله العروي هذا الارتباط معتبرا «ان تاريخ الإمبراطورية العربية هذا يساعدنا على فهم بعض الوقائع المغربية أفضل مما كان يتيحه لنا تاريخ بيزنطية الداخلي في حالة مماثلة، لأن التأثير العربي كان يتجاوز كثيرا تأثير البيزنطيين ويستأنف تأثير الكنيسة الكاثوليكية في القرن الثالث...»

المرجع المذكور، ص 92.

6-حول سياسة الأدارسة، راجع العروي المرجع السابق الصفحات 109-113. حول تواريخ الحقبة الادريسية وأسماء زعماء هذه الأسرة وتاريخ سقوطها.

راجع:طبقات سلاطين الإسلام، تأليف ستانلي لين بول، الترجمة العربية، بغداد -1968- صفحات 39-40 حول تاريخ الأغالبة: العروي ص ص 116-122 وص ص 40-41.

7-العروي، ص 122. حول سياسة الفاطميين، نفس المرجع ص ص 130-138.

8-حول بني زيري وبني حماد، راجع العروي، المرجع السابق، ص ص 138-158 حول سلالة الزيرين ومدة إماراتهم، طبقات سلاطين الإسلام، ص 42-43، بني حماد ص 44.

9-«يمكن الظن بأن هذه التجارة لم تكن تجري مباشرة (إذا كانت المرحلة الأخيرة في أيدي الزناتيين) وان حروب القرن العاشر الكبرى قد أتاحت لصناهجيي الجنوب الوصول إلى أسواق الشمال، مستفيدين من انتقال الزناتيين إلى مراكش. ويمكن الظن كذلك بأن دمار سيجلماسا وتاهرت، مغبة الحروب المستمرة في المغرب الأوسط، أعطى من جديد أهمية لطريق غربي أدرار موريتانيا، منذ زمن طويل تحت سيطرة اللانتونا Lantuna، والقودّالا Cuddala الذين اتصلوا حينئذ بمدن الوسط المراكشي (تامادالت ونفيس وتادلا وسالة وجميعها إمارات ادريسية أو افرانية). وهي افتراضات بالطبع، تستند إلى تفصيلات بسيطة سجلتها الأخبار التاريخية، لكنها تلقي أضواء على الحوادث التي سوف تبقى بدونها مليئة بالألغاز...» عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 161.

10-المرجع السابق، ص 173. حول تاريخ المرابطين، نشأتهم، سلطتهم، حركة انهيارهم، راجع العروي، ص ص 159-174. حول أسماء زعماء المرابطين وتسلسل حكمهم، تواريخ وأسماء المدن، راجع طبقات سلاطين الإسلام، ص ص 44-48.

11-«كانت الدعاية الشيعية من القرن الثامن إلى العاشر قد جعلته يألف فكرة المهدي فلم يساوره أي تردد في أن يدمج هذه الفكرة في مذهبه. ولما كان ينبغي لهذا المهدي أن يكون من ذرية فاطمية، فإنه اصطنع لنفسه أو اصطنعت له شجرة نسب تمت به إلى علي، ألحقته بالأسرة الادريسية في الجنوب المراكشي.» عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 178.

12-تكتيك ابن تومرت يكشف إلى حد بعيد إلى أي درجة كان مؤسس الموحّدين يحاول تقليد تجربة الرسول السياسية.

13-عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 179.

14-حول تاريخ الموحدين، راجع العروي، ص ص 175-200. حول أسماء زعماء الإمبراطورية الموحّدية وتاريخ حكمهم، راجع طبقات سلاطين الإسلام، ص ص 48-51.

15-تاريخ افريقيا الشمالية قبل 1830. تأليف ل.بيشو. صفحة 7.

L.Pechot: Histoire de l’Afrique du Nord avant 1830. Ed; Gojesso, Alger, 1919

16-المرجع السابق، ص 52.

17-باي لارباي اصطلاح تركي يعني بيك البكوات.

18-المرجع السابق، ص 30.

19-حول الحكم العثماني في الجزائر، راجع عبد الله العروي، المرجع السابق، ص ص 267-271.

20-ل.بيشو، المرجع السابق، الصفحات 157-206 تتضمن تفاصيل السيطرة العثمانية على تونس، مع ذكر الأسماء والتواريخ. وفي كتاب العروي عرض لتفاصيل التدخل العثماني في شمال افريقيا في الصفحات 249-262، وخاصة معركة عروج بربروسة مع الاسبان صفحة 250 وتمركز السيطرة السياسية، أي قيام الولايات.

21-العروي، المرجع السابق، ص 240.

22-حول تسلسل الحكم في المغرب الأقصى من المرينيين إلى العلويين، راجع طبقات سلاطين الإسلام ص ص 58-64.

23-العروي، المرجع السابق ص 263.

24-المرجع السابق 286-287.

25-مما قاله الفرنسيون في هذه الرسالة مهدّدين: «نحن لا نزج بأنفسنا في شؤون الانكليز، فعليهم أن لا يزجوا أنفسهم بتاتا في شؤوننا».

26-تتضمن الصفحات 140-156 من كتاب ل.بيشو، المرجع السابق، عرضا بالتفاصيل لتسلسل الأحداث وحجم القوات الفرنسية مع ذكر كافة الأسماء والتواريخ المتعلقة بغزو الجزائر، إضافة إلى النص الحرفي للإنذار الذي وجهته فرنسا للداي حسين. وتتضمن الصفحات 293-304 من كتاب عبد الله العروي، المرجع المذكور، عرضا سريعا ومكثفا لصراع الأمير عبد القادر الجزائري ضد الفرنسيين، وطبيعة التدمير الاقتصادي الفرنسي للمجتمع الجزائري، وكيفية تحطيم معالم البنية الاجتماعية السائدة.

27-عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 310، وفي الصفحات 304-314 يتحدث العروي عن أزمات وإصلاحات المجتمع التونسي قبل وصول فرنسا.

28-المرجع السابق، صفحة 305. ويضيف العروي على الهامش قائلا: «لقد وجدت سياسة انكلترا شكلها في المعاهدة الانكليزية-التركية لعام 1838 –معاهدة كوتاهية- التي سوف ترغب بريطانيا العظمى تطبيقها على تونس بمجرد التصديق، والتي ستفيد كنموذج للمعاهدة الانكليزية-المراكشية المؤرخة في 9 تشرين أول/أكتوبر 1856».

29-شارل اندريه جوليان: تاريخ افريقيا الشمالية: تونس، الجزائر، المغرب. نشر بايو، باريس 1931، ص ص. 708-710.

30-ذكر جوليان، المرجع السابق، ما ورد في هذه المعاهدة، صفحة 712.

31-رغم التوقيع على هذه المعاهدة، فإن المقاومة المحلية للغزو الايطالي استمرت سنوات طويلة. أحمد الشريف ظل يقاتل ولسنوات باسم السلطان التركي محمد الخامس. هذه المقاومة جعلت السيطرة الايطالية ثم على مرحلتين شهدت كل منهما مواجهة شعبية مسلحة: الأولى امتدت من عام 1911 إلى عام 1917، والثانية من 1923 إلى 1932. غير أن السيطرة النهائية والفعلية لم تتم إلا بعد اعتقال عمر المختار وإعدامه في 16 أيلول/سبتمبر 1931.

للمزيد من التفاصيل راجع:

ليبيا الجديدة، انقطاع واستمرارية. إصدار المركز الوطني للبحث العلمي، باريس 1975. تتضمن الصفحات 26-32 من هذا الكتاب أهم ما ورد في معاهدة لوزان-اوشي. الصفحات 32-51 تتضمن تفاصيل الأحداث التي أعقبت التدخل الايطالي، وخاصة مواجهة الايطاليين مع أحمد الشريف ومن بعده عمر المختار.

32-على الحدود السورية-التركية.

33-يقول العروي، ص 316: «لم يكن الجيش المراكشي، المفكك والسيء التجهيز هو الذي يضمن استقلال السلطان وسلامة الأراضي المغربية بل حماية الانكليز».

34-

Les Relations Franco-Espagnoles et l’Affaire du Maroc.

Par Jean Alengry Ed.Maurice D’Alligny, Paris 1920

الصفحات 89-90، تتضمن تعريفا جغرافيا بالمغرب الأقصى. وحسب المؤلف فإن المغرب في تلك الفترة كانت مساحته 850 ألف كيلومتر مربع وعدد سكانه بين 10 و12 مليون نسمة من عرب وبربر ويهود. أما عن حدوده فقد قال: «المغرب هو المنطقة الشمالية الغربية من القارة الافريقية، من الشمال والغرب يحده الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي اللذان يشكلان حزاما مائيا طوله 1700 كلم، وفي الجنوب الصحراء تحيط به من نواحي Cap Juby إلى منطقة القصور في تافيلالت فيجويج Tafilette et figuig بحزام رملي طوله 1300 كلم. في الشرق تحده مولويا Moulouia والوادي غوير Oued Guir الذي يمر بمحاذاة الاطلسي ويتوقف عند الحدود الجزائرية المتفق عليها في معاهدة آذار-مارس 1845.»

35- يصف العروي الوضع قبل التدخل الفرنسي في الصفحة 322: «انطلاقا من عام 1860 يتخذ الوضع الاستعماري شكله في المغرب: قبل عامين كان إخضاع بلاد القبائل ومناورات الإرهاب البحرية في عرض البحر على طول السواحل التونسية، والاستعدادات للحرب المراكشية-الاسبانية، بعد ثلاث سنوات أعلن النظام المدني S.C. لعام 1863 في الجزائر، وتم توقيع المعاهدة التجارية الانكليزية-التونسية والمعاهدة الفرنسية-المراكشية وما كاد يمضي عام واحد حتى كانت تنطلق ثورات الرحامنة Rhamna في مراكش وثورات أولاد سيدي الشيخ في منطقة وهران والعروش Urush في الجنوب التونسي وحتى عام 1871 كانت ستتعاقب سنوات المجاعة والوباء والكوارث الطبيعية، وهي أحداث كانت بالتأكيد مألوفة لكن آثارها المدمرة ضوعفت هذه المرة بالاستئثار بالأراضي وازدياد التجارة الأوروبية وارتفاع الأسعار والأزمة النقدية. وفيما وراء فارق مجموعة الأنظمة التشريعية-السياسية، كان سكان المغرب الأوسط يعرفون، شأنهم في الماضي، الظروف المفجعة نفسها».

وفي الصفحات 314-325، يعرض العروي التطورات والأزمات والإصلاحات التي تسارعت في المغرب قبل وقوعه تحت السيطرة الفرنسية.

36-بعد أحداث الصحراء التي جرت عامي 1900 و1901 أدت المحادثات التي أجراها وزير فرنسا في طنجة السيد Revoil مع السلطان، إلى إبرام معاهدتين واحدة سرية والأخرى علنية، وقد عرفتا ببروتوكول 1901 (-20 تموز/يوليو) واتفاق 20 نيسان-ابريل 1902، الذي تم بموجبها تنظيم مسائل الحدود، والتعاون المشترك الفرنسي-العربي، وإقامة الأسواق المشتركة.

37-تضمنت الصفحات 7-12 من كتاب النجري المذكور مزيدا من التفاصيل حول هذه الاتفاقية.

38-ذكرها النجري Alengry، في كتابه-المرجع السابق- صفحة 17.

39- ذكرها النجري Alengry- المرجع السابق، صفحة 29.

40-النجري ذكرها النجري Alengry، المرجع السابق، صفحة 39.

41-تتضمن الصفحات 25-54 من الكتاب المذكور ذكرها النجري Alengry تفصيل دقيقة عن المفاوضات الفرنسية-الألمانية، وأهم ما ورد في الاتفاق الفرنسي-الألماني.

حول تاريخ السياسة الألمانية في المغرب، من المفيد مراجعة الكتاب:

Pierre Guillen L’Allemagne et Le Maroc: de 1870-1905. Ed.P.U.F. Paris 1967

42-حول الأزمة المغربية وتاريخ السياسة الفرنسية اعتمدنا:

Jean-Claude Allain. Josef Caillaux et la seconde crise marocaine 3 volumes; Thèse de Doctorats, soutenu le 30 Nov. 1974

حول الاتفاقيات الدولية، اعتمدنا على أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، ومطبوعات لجنة الدراسات والنشر التابعة لحزب الاستقلال. كما اعتمدنا أيضا على المراجع الفرنسية المذكورة سابقا مع إضافة كتاب للملك الحسن الثاني عنوانه «التحدي»: Le Defi . صدر عن دار نشر ميشال البان Michel Albin في باريس عام 1976.

ومقال للقومندان الفرنسي جورج سالڨي Michel Albin، نشرته جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير عام 1976 بعنوان:

« Le grand jeu politique dans le désert»


0 3 أجانب يعتنقون الإسلام خلال يوم واحد بغليزان
0 الصين تطلق أسرع حاسب خارق في العالم
0 100 من شباب «بلاك بلوك» فى قبضة النيابة المصرية
0 فيديو مُهدى الى ديامس التي اسلمت حديثا
0 princesse 11111 و ‏♥ النشمي ♥ مبارك الاشراف
0 مليار و600 مليون مسلم يشكّلون 23 بالمائة من سكان العالم!
0 صور الـخمس سيارات التي يفضلها أثرياء أمريكا
0 كل مافعله فيغولي فالنسيا ضد البايرن
0 المدونات
0 الفشل كنز ثمين ياخذك للنجاح . الفشل والنجاح . اسباب النجاح . سبب الفشل . اهمية الفشل
0 منزل مفعم بالحياة والألوان المشرقة في مدينة نيويورك
0 رسالة العلامة ‏رسلان‬ إلى ‏التكفريين‬ أتقوا الله في ‏جيش‬ مصر
0 الابجدية الصينية
0 طلاب الشريعة :ما يحدث بالتأسيسية تلهية سياسية والإخوان تخلَّوا عـ ن الشريعة
0 الادوات في الاسبانية
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 07:54 PM   #14
::نائبة المدير العام::
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 29
المشاركات: 17,098
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 10
د/روليان غالي will become famous soon enough
الفصل الثاني من كتاب "الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي"/علي الشامي





الفصل الثاني من كتاب "الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي"

السبت 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

علي الشامي

اضغط هنا لتكبير الصوره

الصحراء الغربية. تعريف أولي [ صفحة 1 ]
البنية القبلية ومراحل التمركز [ صفحة 1 ]
الخصوصية الاقتصادية وعلاقات السلطة [ صفحة 1 ]
حول الانتماء السياسي [ صفحة 1 ]


الصحراء الغربية. تعريف أولي


عندما نترك مراكش ونتجه نحو الصحراء من الوسط، أو عندما نغادر شاطئ أغادير ونتجه جنوبا على محاذاة الأطلسي، ندخل الصحراء. المنطقة الأولى، يطلق عليها المغاربة اسم إقليم الطرفايا وعاصمتها (طان طان)، 25600 كيلومتر مربع يفصلها عن شمال المغرب وادي درعا. المنطقة التي تليها معروفة باسم الساقية الحمراء وهي المساحة الممتدة إلى الجنوب من وادي درعا وتغطي 82000 كلم2. امتدادها الساحلي يطلق عليه اسم وادي الذهب، وهو خط السير الجنوبي وتبلغ مساحته 190000 كلم2. من الساقية الحمراء باتجاه الشرق تبدأ منطقة تندوف (الجزائرية) والتي تشمل كل الحمادة باتجاه الغرب الشرقي وتضم معظم المنطقة الصحراوية الواقعة بين وادي درعا وايرج شيش، أي من حدود دولة مالي إلى شمال موريتانيا. تبقى صحراء أقصى الجنوب (موريتانيا) وتدعى منطقة تيريز-زمور، وهي الجزء الأكبر من الصحراء، إذ تبلغ مساحتها ما يعادل نصف مساحة الدولة الموريتانية كلها.

الصحراء الغربية المتنازع عليها والتي تضم إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، أو تحديدا، منطقة تواجد القبائل الرحل (الحسانيون)، فإنها تتميز عن الصحراء الوسطى (جزائرية، تونسية، ونيجيرية، الخ)، وعن الصحراء الشرقية (ليبية، تشادية...). يمكن تحديدها هي موريتانيا داخل منطقة تنحصر بين وادي درعا وسفح جبال باني، والأطلس الداخلي، وحمادة تندوف وضفاف نهر السنغال ومنعطف النيجر.

أما الساقية الحمراء ووادي الذهب فتمتد شمالا من ناحية شمالا من ناحية الطرفايا إلى الكويرة ورأس كاساندور في أقصى الجنوب المحاذي لساحل موريتانيا. تتصل شمالا بالمغرب وغربا بالمحيط الأطلسي، وجنوبا وشرقا بموريتانيا وشرقا من ناحية تندوف بالجزائر. تبلغ مساحتها، حسب المسح الاسباني، 272 ألف كلم2، داخل منطقة يبلغ عرضها 460 كلم وطولها 1200 كلم تبدأ من الطرفايا في الشمال وتنتهي عند رأس كانسادور في الجنوب.

أهم ما يميز هذه المنطقة هي موقعها الجغرافي-الاستراتيجي. فهي من ناحية نقطة اتصال بري بين الجزائر والغرب وموريتانيا، ومن ناحية ثانية، تربط افريقيا بأوروبا عن طريق المحيط الأطلسي، وأخيرا فإن المساحة الممتدة من جزر لاس بالماس إلى مدينة العيون، والتي تبلغ حوالي 200 كلم، تشكل مضيقا يمتد جنوبا فاتحا استراتيجيا نحو افريقيا واسيا.

بالنسبة لعدد سكان هذين الإقليمين، تغدو المسألة غنية بالالتباس، إذ أن وثائق الأطراف المتنازعة حول الصحراء الغربية تحتوي إحصاءات متناقضة ومتباعدة تغلب عليها الاعتبارات السياسية أكثر من التدقيق العلمي.

أحمد بابا مسكي يذكر إحصاء البوليزاريو ويعطي رقمين متباعدين رفقهما بتقدير «عاطفي»: «500000 إنسان تقريبا، مائة بالمائة عرب ومسلمون... عام 1974 كان عدد السكان يقدّر بـ 100000 (أي ربع المهاجرين) التقديرات الصحراوية تتراوح بين 500000 ومليون وبغياب أي إحصاء جدّي ومعقول، فإننا نعطي التقدير الأكثر تواضعا من بين هذه التقديرات»(1).

علي يعته، زعيم الحزب الشيوعي المغرب (حزب التقدم والاشتراكية)، يعطي رقما يختلف كثيرا عن الرقم السابق. فقد ذكر في كتابه (الصحراء الغربية المغربية) صفحة 66، «ان عدد سكان الصحراء كان، قبل الاحتلال الاسباني، يبلغ 200 ألف نسمة، أما الآن فإن العدد لا يتجاوز الستين ألفا، عشرون ألفا يعيشون في الساقية الحمراء وأربعون ألفا في وادي الذهب». أما عبدو عبد الغني في كتابه «الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية» فإنه يذكر بأن عدد السكان يتراوح بين 70 ألفا و80 ألف نسمة، وعدد المقيمين منهم في الجزائر والمغرب وموريتانيا لا يزيد عن 300 ألفا مهاجر. (2).

الماركسيون المغاربة أعطوا رقما آخر. ففي مقال بعنوان «فلسطين جديدة في الصحراء» ذكرت مجلة «أنفاس» أن عدد السكان يبلغ 250 ألف نسمة، دون تحديد ما إذا كانوا جميعهم من المقيمين حاليا في الصحراء، أم من المقيمين والمهاجرين.(3).

وأخيرا، فإن غوديو اتيليو، في كتابه «ملف الصحراء الغربية» يتحدث عن عدد المقيمين قائلا بأن عددهم يبلغ السبعين ألفا.(4).

وحسب الإحصاءات الرسمية المغربية المعلنة بتاريخ 30 آذار/مارس 1966، فإن عدد السكان محدّد على الشكل التالي:

1-منطقة إقليم الطرفايا: 27976 نسمة من المهاجرين.

2-الساقية الحمراء ووادي الذهب: 48400 نسمة من المقيمين.

3-موريتانيا: 9000 نسمة من المهاجرين.

4-تندوف: 1200 نسمة من المهاجرين.

أي أن عدد السكان الإجمالي يبلغ وفق ما جاء في هذا الإحصاء 97376 نسمة نصفهم مهاجر خارج حدود الصحراء الغربية.

يتناقض هذا الرقم مع إحصاء الأمم المتحدة الخاص بالمهاجرين. فحسب إحصاءات الأمم المتحدة، يبلغ عدد المهاجرين الصحراويين خلال العشرين عاما الماضية ما يلي: 30000 في المغرب، 4000 في موريتانيا و2400 في الجزائر.

من بين هذه الإحصاءات جميعها، يبدو الإحصاء الاسباني الأكثر علمية. وبوصفها القوة المسيطرة في الصحراء، وتقوم بتنفيذ إستراتيجية استيطان، فإن اسبانيا كانت ملزمة بإجراء إحصاء دقيق للسكان المحليين. عملية الإحصاء تمت بالهليكوبتر وشملت كل الصحراويين المقيمين والمرتحلين. وفي عام 1974 نشرت الحكومة الاسبانية إحصاء للسكان يشمل فقط المقيمين ويستثني اللذين هاجروا بعد عام 1958، ويتضمن الجدول التالي:

1-العدد الإجمالي للسكان: 73497 من المقيمين في الصحراء

2-عدد الذكور: 38336

3-عدد الإناث: 35161

4-عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم سن السابعة عشرة بلغ 35909، أي ما يقارب النصف، من بينهم 18876 من الذكور و17033 من الإناث.

طال الإحصاء الاسباني أيضا عدد أفراد كل قبيلة وعدد أفراد كل مدينة وقرية في الصحراء الغربية.

حسب التقييم القبلي للأفراد المقيمين داخل الإقليم –أي أن عدد أفراد القبيلة ليس كاملا لوجود فروع لها خارج الصحراء الغربية- فإن هذا الإحصاء يقدم الجدول التالي:

ازرقيون 19000، أولاد الدلايم 11000، العروسيون 4500، أولاد تيدرارين 1000، آية الحسن 3000، ايكوت 1000، توبالت 600، مجاط 450، أهل الشيخ ماء العينين 2500، فيلالا 200، لادايكه 500، لميار 700، شناغلة 100، آية موسى 150، أولاد بوعسيطة 40، أولاد بو السباع 15، آزوافيد 80، ايمراكوين 40.(5).

حسب التوزيع الجغرافي، يقسّم الإحصاء الاسباني الصحراويين على أهم ثلاث مدن ويذكر الجدول التالي:

1-مدينة العيون (وهي أكبر المراكز الحضرية في الصحراء، تقع على الجانب الأيسر من الساقية الحمراء وتبعد عن الشاطئ 25 كلم، كما تعتبر عاصمة الصحراء ومركز الفوسفات) يبلغ عدد سكانها 28010 نسمة.

2-مدينة الداخلة أو فيلا سيسنيروس (تمتاز بموقعها التجاري الهام، وموقعها البحري وثروتها السمكية) يبلغ عدد سكانها 5370 نسمة بدون الاسبان –مع الاسبان يصبح العدد 15 ألفا.

3-السمارة (مدينة الشيخ ماء العينين، وتحتل موقعا رئيسيا يربط الساقية الحمراء بوادي الذهب) يبلغ عدد سكانها 7280 نسمة.

في أجواء إحصاءات متناقضة من هذا النوع، فإننا لا نستطيع إعطاء رقم ثابت وعلمي بشكل نهائي، إلا أننا نميل للأخذ بعدد احتمالي ووسط بين مجموع هذه الأعداد: سبعين ألفا من المقيمين في الساقية الحمراء ووادي الذهب. أما المهاجرون فإن إحصاءهم يخضع لعملية ابتزاز سياسي، ولا يمكن الركون لأي منها، كما أن اختلال العدد بهذا الشكل لا يساعد على إيجاد رقم وسطي.


البنية القبلية ومراحل التمركز


حركة الانتقال نحو الصحراء والأساس التاريخي للأصول القبلية لسكان الساقية الحمراء ووادي الذهب يتمتعان بوفاق الباحثين. عندما تبدأ عملية تحديد الانتماء السياسي الراهن لهذه القبائل تطفو كل التناقضات على السطح. وبدون نفي للتاريخ المتفق عليه، فإن الباحث عن هوية سياسية معينة يعمل في التاريخ تأويلا من المفترض أن يوصل إلى إثبات هذه الهوية. الأصل متفق عليه ولكن التفسير والتطور مجال نزاع.

تمتلك البنية القبيلة -تاريخها، أقسامها، تناقضاتها وعلاقاتها السياسية والإيديولوجية- أهم مفاتيح المشكلة وفي نفس الوقت، القفل الذي اعتراه الصدأ: فهي تتوحد داخل تاريخ معين، تعمل فيه وينعكس فيها، وهي أيضا تتوزع في حقباته ومساحاته بحيث أن عملية التجميع، في عصر التجزئة، تغدو معقدة. وإذا اكتملت فإلى أي «وطن» تنسب؟ إذن، الأصل ليس موضع نقاش وإنما الانتماء، وهذا ما يجعل «المفتاح» التاريخي «قفلا» سياسيا.

لا ندعي أننا استوعبنا البنية ولا نوافق على أن إلغاء القفل يمكن في استعمال التاريخ. ما سنعرضه يشكل مراجعة تاريخية وتعريفا سريعا، أكاديمي أكثر منه تحليلي-نقدي، والهدف هو جلاء الغموض الذي يكتنف معادلة تحول الوضوح الماضي إلى ارتباك معاصر.

في القرن الثاني بعد الميلاد، ارتحل عدد كبير من البربر الصنهاجيين باتجاه الجنوب بحثا عن مستقر آمن لوقت محدد، انتهى بعودة قسم واستقرار القسم الباقي الذي سوف يكون لاحقا الذرية التي سينحدر منها مؤسسو الإمبراطورية المرابطية. وفي القرن التاسع الميلادي وصلت القبائل العربية الحسانية (ماكيل) إلى الصحراء في مهمة «أسلمة» من عاد فأنكر إسلام الحملة الأولى: الزناتة الذين اسلموا على يد عقبة بن نافع وارتدوا في عهد عبد الرحمن الثالث الذي جدد المهمة التبشيرية بحملة قادها عيلان بن حسان بوجهة سير محطتها ما وراء السنغال والسودان. في طريق العودة، رغبت بعض القبائل العربية بمناخ الصحراء فاستقرت داخل الساقية الحمراء ووادي الذهب وموريتانيا. أما القبائل السود الإسلامية والمستعربة لاحقا فأغلب الظن أنها قدمت من الجنوب والجنوب الشرقي من نواحي السنغال ومالي وتشاد واستقرت في الأجزاء الشرقية والجنوبية للصحراء.

من بين هذه التجمعات يتمتع العرب بتفوق معترف به من قبل شركائهم: أفضلية قائمة على أسبقية إسلامية (الصنهاجة اسلموا على يد العرب) وتفوق قائم على نجاح مهمة التبشير والفتح وتوسيع رقعة الإسلام. يضاف إلى ذلك احتفاظ القبائل العربية بامتياز الحرب (حيازة الأسلحة) وكثرة عددهم بالمقارنة مع البربر والسود، مما يعطي صفة عربية غالبة في الانتماء التاريخي للصحراء لما بعد الفتح العربي-الإسلامي.(6).

منذ عاد يحي ابن إبراهيم من الحج واتجه غربا مع رفاقه الملثمين من قبيلة لمتونة، كانت بوادر فعل سياسي آت من الصحراء قد لاحت في الأفق: تحالف حقيقي ومتين بين جميع القبائل البربرية والعربية القاطنة في الصحراء الغربية (قبائل لمتونة، غزولة، ماكيل، بني هلال، بني سليم وبني حسان...) تجمعه مهمة إصلاح الوضع المتردي في المخزن المغربي وحمل راية الإسلام المالكي المعارض للإسلام الشيعي. مهمة نجحت بقيام دولة المرابطين. استتبع سقوط الإمبراطورية فرط التحالف الذي انتشرت أجزاؤه في الصحراء منتجة ثلاث مجموعات كبيرة: الرقيبات، التكنة والحسانيين.

الرقيبات: انتقلوا إلى المغرب مع الادارسة وينسبون أنفسهم إلى إدريس الثاني مؤسس الدولة الادريسية، ولذلك يعتبرون أنفسهم مع الأشراف. إلا أن تسميتهم بالرقيبات تعود عمليا إلى سيد أحمد الرقيبي. هذا الأخير، حفيد مولاي عبد السلام بالمشيش، المدفون في جبل العلم بالقرب من مدينة تطوان، كان أول الراحلين باتجاه الجنوب حاملا التراث المذهبي لجده عبد السلام. غادر «تواط» محطته الأولى وحط رحاله على مقربة من درعا ليؤسس «زاوية» في الساقية الحمراء في بداية القرن السادس عشر (1503). بعد زواجه من سلام كوريا بنت محمد (عربية) أنجب ولدين: علي، زعيم قبيلة رقيبات الساحل، وقاسم، زعيم قبيلة رقيبات الشرق (القواسم). أما زواجه من ايلامود اواسمي الزنجية فقد أعطاه (عامر) زعيم أولاد الشيخ وأولاد طالب. هؤلاء الأولاد الثلاثة، باختلاف تواجدهم، يشكلون أساس الرقيبات الصحراويين الحاليين.

تمركز الرقيبات في الصحراء الغربية ترافق مع تطورات سياسية، تتميز بمنازعات واتفاقات مع أطراف محلية وخارجية، يصعب تفسيرها. أو تبريرها دون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة القبيلة التي تفوق كل مصلحة أخرى. اصطدموا بادئ الأمر مع بني حسان ومن بعدهم أولاد الدلايم، وتفاديا لنزاع طويل الأمد، اشتروا من هؤلاء الأراضي التي استقروا فيها بادئ الأمر والتي تمتد من درعا والساقية الحمراء إلى زمور وتيريس لغاية ادرار سطوف. أدت الاتفاقية مع «الجيران» مدعومة بازدهار «الزاوية» إلى تقوية نفوذ هذه القبيلة التي بدأت تبحث لنفسها عن مدخل إلى العمليات التجارية، في نفس الوقت الذي بدأت فيه زاويتهم تخرج عن طاعة الشرفاء السعديين. بالمقابل كان على الشرفاء مهمة بسط نفوذهم في طول دولتهم وعرضها، وبالتالي إحباط محاولات التدخل «المسيحية» وتطويق النفوذ التجاري للقبائل الصحراوية بمشروع المركز.

بعد أن تحتل قبائل ماكيل مدينة تواط عام 1581، باسم السلطان، وجودر يكلل حملته بنجاح واصلا إلى غاو وتومبوكتو عام 1590، تجري عملية تطويق لنفوذ الزوايا الصحراوية، وأقواها في ذلك الحين زاوية الرقيبات، الذين كانوا قد تدعموا بفروعهم القادمة من بن غرير (72 كلم إلى الشرق من مراكش) وبعض حلفائهم في منطقة بشار، الذين دخلوا في حركة التجارة السودانية.

ساهمت سياسة المخزن بشكل غير مباشر في تزايد قوة الرقيبات وخاصة بعدما دفع تافيلاليت العلويين، في محاولة تأسيس وتوسيع نفوذهم، قبائل ماكيل باتجاه السنغال وذلك بهدف السيطرة على عموم الجنوب الصحراوي.(7).

مقابل ماكيل درعا، فاتحو موريتانيا، وتكنة الشمال، الذين يتحكمون بالخط التجاري الذي يربط تاغوست، اودان، تيسيت وبني صاحب، تاودني تومبوكتو، في وقت ازدهرت فيه تجارة الذهب والعاج مع السودان، كان الرقيبات قد أصبحوا أمام فرصة سانحة للتوسع جنوبا ضمن منطقة تحدها شمالا درعا، جنوبا ادرار، غربا المحيط الأطلسي وشرقا تواط. كما ساعد ولاء الساقية الحمراء للسلطان العلوي مولاي احمد (1728) على فتح طريق الساحل أمام نفوذ الرقيبات، الذين سارعوا ليدخلوا من تناقضات قبائل الساحل داعمين تحالف التكنة ضد الولاد الدلايم.(8).

بديهي أن يؤدي هذا النفوذ إلى بلورة سلطة سياسية توحدها العصبية الرقيبة وتمثلها فعليا «الجماعة»، سلطة سوف تتحرك وسط تناقضات الصحراء المحلية ووسط التنافس الأوروبي، فتتحالف تارة التكنة ضد أولاد بوسباع والكنتة، كما تعلن الطاعة للسلطان العلوي أحيانا وتتجاوز سلطته أحيانا أخرى لتعقد معاهدات مع الفرنسيين (30 تشرين الثاني/أكتوبر 1907) ومع الاسبان (28 أيلول 1911). غير أن الخط العام لتاريخ الرقيبات السياسي يؤكد بداهة الانتماء إلى الداخل المغربي وعناد الدفاع عن الصحراء ضد الغزو الفرنسي في الجنوب (ادرار) والغزو الاسباني من ناحية الغرب (وهذا ما يفسر الاتفاقات التي عقدها زعماء الرقيبات مع الفرنسيين والاسبانيين والتي يعلنون فيها، مقابل سلامتهم، وقف القتال ضد القوات الأجنبية).(9).

يبلغ عدد أفراد هذه القبيلة مجتمعة حوالي خمسين ألف نسمة (مقيمين ومهاجرين) ويطلقون على أنفسهم لقب «أبناء الغيوم». تتمركز القبيلة ضمن دائرة صالحة للزراعة وتتوافر فيها المياه تمتد على مسافة ألف كلم من الشرق إلى الغرب (من ايرغ شيش إلى الأطلسي) ومن الشمال إلى الجنوب (من الساقية الحمراء إلى اوكر تاغانت). تاريخيا، عرفت هذه القبيلة تفرعين كبيرين يقود كل منهما احد أبناء سيد أحمد الرقيبي:

رقيبات القواسم وعددهم يتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين ألف نسمة ويرتحلون بين درعا وايغودي لغاية ايرغ شيش، ويتمركزون في محطات «بشرية» شبه ثابتة في كل من العيون، السمارة، تندوف، طانطان وغوليمين.

وبسبب من تمركزهم الشرقي، يطلق عليهم اسم رقيبات الشرق الذي يضم كل من أهل سيدي علال، سلاكه، بلقاسم إبراهيم، الحسن أو حمد وفوغرا...

- رقيبات الساحل وعددهم يتراوح بين 25 و30 ألف نسمة. يرتحلون بين زمور، جنوبي الساقية الحمراء، وأوكرتاغانت، في وسط موريتانيا. محطاتهم البشرية (نقاط التمركز) متواجدة في بير موغرين، زويرات، شنغيطي وآطار –يعتبرون الآن مواطنين موريتانيين، ويضمون كلاّ من أولاد موس، أولاد الشيخ، طحالت، السواعد، أولاد داود، أولاد الحسن وأولاد الحسين.

لهذه القبيلة امتدادات (أو بالأحرى أصول) في داخل المغرب الحالي وخاصة في نواحي الرحامنة وبن غرير قرب مراكش، وفي سيدي يحي وبوذنيب وحاوز والسوس الشرقي... (10).

- التكنة: في بداية القرن السادس عشر تقريبا وفي منطقة تدعى تاراجيجت، الواقعة قرب أغادير، تشكّل تحالف يضم حوالي 12 قبيلة من القبائل المحاربة لمواجهة تحالف آخر يضم قبائل السماليل. الحلف العسكري-القبلي المناوئ للسماليل أطلق عليه اسم التكنة ويضم كل من الارزقيين-اولاد تيدرارين، العروسيين، آية الحسن، آية موسى وعلي، آية الخمس، ازوافيط، آية أوس، آية حماد، أولاد بوعشرة وآية مسعود...

أسفرت حرب التكنة-السماليل عن تصفية السماليل والتحاق ما بقي بالقبائل الأخرى، وعن انقسام في صفوف التحالف المنتصر: آية الجمال وآية بللا.

آية الجمال، يشكلون التكتل العربي في تحالف التكنة. يعرف هذا التكتل أيضا باسم آية أوسا ويرتبط مباشرة بالقبائل العربية (ماكيل) وخاصة بعد وصول الفاتح سيدي يازا احدا، ويتكلم باللهجة الحسّانية، أما آية بللا (آية اطمان) فينسبون أنفسهم إلى المرابط بن ياسين (القرن الحادي عشر) وهم من أصل بربري صحراوي، بالتمايز عن الأصل البربري الريفي. وهم يتحدثون باللهجة البربرية المتداولة في منطقة السوس.

إذن، ارتبط التحالف لحظة اشتداد التنافس مع السماليل، وعاد لينقسم إلى عرب التكنة وبربر التكنة دون أن يولّد هذا الانقسام تناقضات ومنازعات. غير أن سياسة التكنة كوحدة (كعصبية) صعبة التحديد بسبب فوارق الأصل القبلي لفروعها. علامة فارقة أساسية تميزهم عن غيرهم من قبائل الصحراوي وهي اختصاصهم بالتجارة. تغادر قوافلهم مغرب ما بين سوس والصحراء محمّلة بالسكر، والشاي، والسجاد، والأسلحة البيضاء والملح... وتتجه نحو السودان والسنغال وتحديدا إلى سوق أدرار حيث تلتقي بضائعهم مع البضائع القادمة من هذين البلدين. وصل نفوذهم التجاري إلى ذروته مع الشيخ بيروك الذي استفاد من علاقته مع السلطان المغربي لتعزيز قوته التجارية، حيث ظل لسنوات طويلة يخضع طريق كوملين لسيطرته ومراقبته، مما كان يساعده على إقامة علاقات خاصة ومباشرة مع التجار الأوروبيين الذين يفضلون عقد صفقات لا تخضع لضريبة السلطان العلوي.(11).

حاول بيروك، من جهته، عقد صفقة مع الانكليزي دافيدسون (الذي اغتيل في تومبوكتو عام 1836) ونسج علاقات حميمة مع الفرنسيين بعد خلافات مستمرة مع نائب القنصل الانكليزي في موقادور.

أوصلته علاقاته التجارية مع الغرب إلى حد تجاوز فيه سلطة المخزن وعقد صفقة انفرادية عام 1844 بواسطة أحد شركائه بو عزّا، الذي اعتقله السلطان في تموز 1845 بعد عودته على السفينة التي كانت تحمل البضائع من مارسيليا إلى الشيخ بيروك.(12).

هذا الفرع من قبائل التكنة كان أول من دشّن القوافل البحرية بين الصحراء والسنغال، التي كانت تتعرض دائما لعمليات قرصنة من قبائل الترارزة، فنعرض للخطر السفن التجارية الفرنسية والاسبانية ومصالح بيروك، الأمر الذي استلزم عقد اتفاقيات مع السلطان المغربي لحماية السفن التجارية (معاهدة 26 آب 1869 في تطوان) وبين السلطان والاسبانيين وزعماء القبائل (21 كانون الثاني 1878). غير أن حاجة المخزن لضبط التوسع التجاري المحلي وتطويق محاولات خروجه من فلك العلاقات التجارية المركزية أسفرت عن زيارة مولاي الحسن إلى الجنوب (السوس وتيزنيت) حيث أعاد تنظيم العلاقات بين زعماء التكنة والبدو الصحراويين...

بلغ عدد أفراد قبائل التكنة قبل استقلال المغرب حوالي 44500 نسمة، وكانوا يتجولون في مناطق الجنوب الساحلية والشرقية (بين تاغونيت وايفني والداخلة من ناحية الساحل، ومنطقة الصويرة الممتدة بين تندوف غربتا وتيفوشي وايغويدي). أما تمركزهم الأساسي فيمتد على محطات بين الطارفيا ووادي درعا.

وحسب الإحصاء الاسباني فإن التكتة يتواجدون في العيون (2490 نسمة)، الداخلة (301 نسمة)، بوقراع (620 نسمة) السمارة (107 أفراد) الحقونية (334) الدورة (323).

أهم قبائل هذا التحالف ثلاث:

أ-أزرقيون، وهي متحدرة من أصل عربي (يقال أنهم جاءوا من اليمن مع القرامطة، غير أن هذه القول غير مثبت تاريخيا)، جاءت إلى النواحي الغربية من الغرب نحو الجنوب. تتوزع هذه القبيلة في محطات متباعدة نسبيا (الساقية الحمراء، طرفايا، ايفين) ويقال بوجود فرع لها في مدينة فاس.

ب-أولاد تيدرارين، الذين يرجعون إلى الأنصار وينسون أنفسهم إلى سيدي أحمد بن غنبور الذي هاجر من وزان في شمال المغرب إلى الجنوب، حيث ترك فروعا من بعده، تقيم حاليا في الطرفايا، مراكش، الرحامنة، بن غرير، الصويرة وأغادير، بالإضافة إلى الذين يقيمون داخل الصحراء الغربية.

ج-العروسيون ينسبون إلى الأشراف الأدارسة ويرجعون أصل قيامهم إلى قبيلة بني عروس التي غادرت جبل العلام بالقرب من تطوان إلى الجنوب، ولا يزال هناك فروع لهذه القبيلة ضواحي تطوان الساحلية.

ويعتبر هؤلاء آخر من نزح إلى الصحراء من القبائل المغربية.

3-الحسانيون: يطلق اسم قبائل حسان ماكيل على كافة القبائل العربية في الصحراء، سواء من جاء مباشرة من المشرق مع حسان بن نعمان أو من كان في حملة بن حسان إلى السنغال أو الذين نزحوا من شمال المغرب باتجاه الجنوب، وذلك تمييزا لهم عن قبائل الصحراء البربرية من أصل صنهاجي أو وزناتي والقبائل السود.

أما القبيلة المتحدرة مباشرة من حسان فقد عرفت باسم أولاد الدلايم، وهي أكثر القبائل وضوحا في نسبها: عرب حميريون جاؤوا مع الفتح العربي وشاركوا في الحملة إلى السودان والسنغال في القرن الثالث الهجري. زواج أحد أولاد حسان «أويدي» واستقراره في أقصى الجنوب الصحراوي كان في أساس نشأة القبائل المتحدرة من أويدي بن حسان، أصل معظم قبائل في موريتانيا (ترارزة، براكنة، أولاد ياحا، بن أو طمار، أولاد ناصر...). أحد أولاده (دليم) اتجه نحو شمال موريتانيا واستقر بقرب مدينة الداخلة الحالية وإليه يرجع نسب أولاد الدلايم المقيمين في الصحراء الغربية (شونيك ورميث....).

إذن يرتبط أولاد الدلايم رحميا بكافة القبائل الحسّانية، وانتشارهم في الصحراء يعود لسبب طبيعتهم البدوية المعتمدة على الترحال والصيد: أولاد باعمار والسراحنة يتجولون في وادي الذهب، لودايكات، أولاد خليفة وأولاد تغويدي يتجولون في موريتانيا. وكلهم يرجعون إلى رميث بن دليم.

يعتبر أولاد الدلايم من أكثر قبائل الصحراء فقرا وأكثرهم قوة حربية وشجاعة، نقلوا معهم تقاليد الصحراء العربية في الغزو والصيد كشرط لإنتاج المعاش، رافضين أيا من الأعمال اليدوية أو المهنية (التجارية). وبسبب قوتهم الحربية، استطاعوا طيلة القرن الثامن عشر فرض نفوذهم على قبائل متعددة (أولاد تيدارين، لميار...) وفي أواخر القرن التاسع عشر شكلوا أخطر قوة محلية ضد التدخل الاسباني في وادي الذهب حيث كانوا يسيطرون فعليا على كل وادي الذهب وصولا إلى موريتانيا (بين نوديبو وايجبيل).

أدى ازدهار مدينة الداخلة، بعد الاختلال الاسباني لها، إلى إدخال أولاد الدلايم في بعض العمليات التجارية داخل المدينة مع احتفاظهم بمهنة البحث عن المرعى والماء لمواشيهم. يبلغ عدد المقيمين منهم في الصحراء الغربية حوالي 2000 (كانوا في القرن السادس عشر حسب ما ذكر ليون الإفريقي، عشرة آلاف)، وتذكر وثائق وزارة الخارجية المغربية أن لهم فروعا في سيدي قاسم، الواقعة بين الرباط ومكناس باتجاه شمال المغرب، وفي مناطق واقعة بين مراكش والصويرة باتجاه جنوب المغرب. وبسبب من قيمتهم القتالية، كان أولاد الدلايم لا يدفعون أية ضريبة للسلطان المغربي ويكتفون بتحمل مسؤولية الدفاع في حالات الغزو الأجنبي، القبائل الأخرى أيضا لا تدفع ضرائب للسلطان، باستثناء الرسوم الجمركية على العمليات التجارية.

خارج هذه التجمعات الكبيرة، توجد قبائل أخرى تتميز عن الباقين إما بطابعها غير العربي أو بطابعها الديني.

الزوايا مثلا، وهم القبائل المتفرغة لنشر الرسالة الإسلامية، وهم بفضل حرمتهم «الدينية» يحاربون ولا يُحاربون ولا يدفعون أي شيء مقابل حمايتهم. قبيلة ولد داده مثلا، في موريتانيا، تشتهر بالعلوم الدينية من فقه وأصول وتشريع. أما أهل ماء العينين الذين يرجعون إلى الشيخ ماء العينين، مؤسس مدينة السمارة وزاويتها الدينية، فقد اشتهروا بتسييسهم للإسلام حيث تحولت زاوية السمارة الدينية إلى قاعدة الانطلاق في العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الفرنسي والاسباني منذ مطلع هذا القرن.

الزناقة، وهو الاسم المحرّف عن قبائل زناتة البربرية الذين اسلموا في بادئ الأمر ثم عادوا إلى تقاليد ما قبل الإسلام، وعندما أسلموا ثانية، جرى استعباد قسم منهم ألزم بدفع جزيات سنوية بدلا للحماية. وهم عمليا لا يحاربون ويعيشون من احتراف الرعي، كما يطلق عليهم أحيانا اسم الزناغط وأحيانا غزولة غير أن أصلهم الأكثر وضوحا هو زناتة وهي قبيلة بربرية مشهورة تعيش حاليا في الأطلس الأوسط.

إجمالا، يمكن تحديد البنية القبلية للصحراء الغربية بثلاث مجموعات، كل واحد منها تختص بمهمة معينة (حرب، دعوة إسلامية...):

1-أولاد الدلايم، أولاد بوسباع، رقيبات الساحل، رقيبات القواسم، تكنة العروسيين، سرابيش، سماكا. (قبائل مقاتلة).

2-أولاد عبد الواحد، أولاد تيدرارين، ميارا، ايمرغوين، فويكات ومناصر.

3-أهل الشيخ ماء العينين، بارك الله، أهل عبد الحي، فيلالا، توبالت، تجالانت وطرقا. (قبائل مرابطية او أصحاب زوايا دينية).

من بين هذه القبائل الـ 21 تمتاز قبائل التكنة ورقيبات الساحل والقواسم وأولاد الدلايم وأولاد بوسباع وبارك الله والعروسيين وماء العينين بأهمية سياسية وتاريخية وثقافية بالقياس مع وضعية القبائل الأخرى. كما يتحدرون من أصول عربية-مغربية واضحة (الرقيبات والعروسيين وأهل ماء العينين ينتسبون إلى الأشراف الأدارسة، (وأولاد الدلايم والازرقيون –فرع من التكنة- ينتسبون إلى العرب. أولاد تيدرارين –فرع من التكنة- من الأنصار، أما باقي التكنة فهم من العرب والبربر والصنهاجيين).

أبان العهد الاستعماري كانت هذه القبائل قد أُخضعت لعملية تمركز سمح لاحقا بتمديد أماكن تواجدها الثابت أو دائرة ترحالها. ففي الساقية الحمراء كانت تعيش قبائل التكنة (ازرقيين) وماكيل (حسان) على الشاطئ، وفي الوسط أو الساحل الشرقي توجد قبائل أولاد الدلايم (أهل العروسيين أولاد تدرارين) أولاد بوسباع، أما في الداخل فكانت تتعايش قبائل الرقيبات القواسم، رقيبات أهل إبراهيم، أولاد داود، أهل سيدي بلال، أهل بلقاسم، أولاد إبراهيم، سلاله، أهل الحسن، أولاد حمادي، جنحه. وفي وادي الذهب يتعايش حسب الترتيب الجغرافي السابق كل من ايمراغوين (متحدرين من بافور البربري) وأولاد الدلايم وأولاد بو عماره (ماكيل حسان) على الشاطئ، أولاد الدلايم، أولاد تيدرارين، أهل العروسيين، أولاد بوسباع على الجانب الشمالي من الساحل. أولاد الدلايم بوسباع، رقيبات القواسم، البويهات، رفع أولاد عمر بن أحمد الرقيبي، أولاد طالب، أولاد الشيخ، طاحالت، على الجانب الجنوبي من الساحل. أما في الداخل فقد كانت تتعايش رقيبات الساحل بفروعها التالية: أولاد علي بن أحمد الرقيبي، سواعد، أولاد داود، أولاد موسى. يضاف إليها أولاد بوسباع (ماكيل) والكنتة (في شمالي مملحة ايجبيل).(13).

وأخيرا، فإن ما ثبت لنا من خلال مراجعة تاريخ هذه القبائل (كتاب الأنساب) فإن ولادة محلية من قلب الصحراء كانت معدمة بوضوح، والتاريخ يثبت حركة انتقال من الخارج إلى داخل الصحراء. إن التمايزات الاجتماعية والثقافية التي تحيط بحياة قبائل الصحراء كانت تمايزات وراثية لا تتناقض في شيء مع التمايزات الحاصلة داخل موريتانيا بين عرب وسود أو داخل المغرب بين عرب وبربر وبين بربر الجنوب وبربر الشمال ولا داخل الجزائر بين عرب وقبائليين.

إن التمايز المنتج حاليا يعود بشكل خاص إلى التمايز المهني (زويا، تجارة، حروب، صيد، رعي الخ...). الذي انتهى بدوره إلى توزيع هذه القبائل داخل الصحراء توزيعا فوضويا أحيانا ومصلحيا طوعيا أحيانا أخرى.

النقطة الأكثر غموضا في هذا الرحيل الصحراوي تمكن في طبيعة العلاقات التي تربط القبائل المقيمة في الصحراء مع فروعها المقيمة داخل المغرب، ان لوضوح هذه الروابط أهمية سياسية، خاصة وأنها تدخل في صلب المناقشات الدائرة حاليا حول استقلالية ثقافية-سياسية وجغرافية تتمظهر بإنتاج تناقضات الانتماء الوطني للصحراويين.

فقد شهدت مرحلة ما قبل التدخل الاستعماري حركة دائمة بدون حدود جغرافية، الأمر الذي يسمح بقبول سيادة نوع من العلاقات المتبادلة بين القبائل وفروعها.

أما مرحلة التقسيم التي أوقفت حركة الانتقال فقد أسفرت عن انكفاء داخلي وشبه انقطاع عن الشمال (المغرب) وعن الجنوب (موريتانيا) وعن الشرق (الجزائر).

وبناء عليه، فإن التكون السياسي-الثقافي-الاقتصادي الذاتي والمستقل عن هذه الدول العربية الثلاث سوف ينحصر فقط في مرحلة ما بعد التجزئة الفرنسية-الاسبانية للمغرب الأقصى. كما أن التاريخ السياسي للصحراء بوصفها منطقة ذات حدود جغرافية، سينمو ذاتيا داخل الحقبة الاستعمارية لا خارجها. أي ذات أنتجت هذه الحقبة، وعلى أية قاعدة سياسية-جغرافية يرتكز هذا الإنتاج التاريخي؟ (14).


الخصوصية الاقتصادية وعلاقات السلطة


«الفوضى» السياسية المتمثلة بالانتشار والمرتبطة بالوضع الاقتصادي كانت تضبط محليا على مستوى سلطة القبيلة، أي الضبط الذاتي المندرج في تراتب أبوي يبدأ بشيخ القبيلة ويمر بالعائلة ليصل إلى الفرد. ولا يتعدى الإطار السياسي للسلطة نطاق أفراد القبيلة، يترافق في حالات استثنائية بإخضاع بعض القبائل الصغيرة من قبل الأقوى فتدخل معها في تحالف تبعية قوامه المشاركة في المعاش والحماية. كافة القضايا الثانوية أو المصيرية كانت تناقش داخل دائرة القبيلة، وبهذا المعنى يكون «الاستقلال تلبية رغبة ثقافية» أساسها رفض القبيلة لسلطة قبيلة أخرى عليها.

إن وجود التجمعات القبلية «وسلطتها» في منطقة جغرافية محددة عمليا بحركة انتقال وتواجد التجمعات نفسها، استلزم وجود صيغة ما بمقدورها تطويق وتنظيم الخلافات والعلاقات التي قد تنشب بين القبائل.

شكل وجود صيغة بدائية للمركزة انعكاسا لوضعية قبلية-بدوية أكثر من كونه اتجاها نحو توحيد سياسي قائم على الغلبة القبلية، كما هي الحالة بالنسبة للصراع السياسي على مستوى المغرب مثلا.

لذلك فإن الشكل المركزي للعلاقات قائم على توازن إرادي يجمع زعماء القبائل في هيئة عليا (الجماعة أو آية الأربعين) تعتمد على العرف القبلي والشريعة الإسلامية لمعاجلة مشاكلها دون الحاجة لتدخل مركزي. خاصة إذا كانت الخلافات موضعية. في الحالات الأخرى، كتعرض الصحراء لهجوم خارجي، فإن دخول جيوش المخزن إلى جانب قوات القبائل يغدو مسألة طبيعية تدخل ضمن إطار سلطة تحتوي سلطات صغيرة مشابهة للجماعة الصحراوية، دون إقرار الضبط الحاسم والنهائي المركزي. شكل الضبط الوحيد يتم بين رؤوس السلطات، الصغيرة والكبيرة، ويأخذ شكل العلاقات المباشرة التي تربط زعماء القبائل وشيوخ الزوايا ورجال الدين –وهم السلطة التقريرية في الصحراء- بالسلطان.

هذا الأخير كان باستطاعته التدخل في ميزان القوى المحلي لتنفيذ سياسته، أو لتقوية نفوذه في مرحلة تعرض المخزن لخطر داخلي أو لغزو خارجي. (دعم أمير الترارزة مثلا، أو التساهل مع أهل بيروك، يدخل ضمن هذا السياق).

هذه الصيغة التراتبية تؤكد وجود استقلالية قاعدية عن المركز، وحرية رفض بعض الاتجاهات السلطوية –إيديولوجيا أو اقتصاديا- التي تهدف إلى إلحاق الصحراويين بمذهب السلطان وبحاجته التجارية (حماية الممرات والموانئ). غير أن هذه الحرية كانت تنتهي دائما إما باتجاه صراع سياسي مركزي (المرابطون) وإما بانكفاء داخلي غير منظم (تفرد بعض القبائل بتحالفات تجارية وسياسية تلبية لحاجاتها الخاصة). وهي أيضا –أي الحرية- كانت عبارة عن «حريات» قبلية متعددة الأهواء ومختلفة التعابير، مما لا يشجع على اعتبارها شكل سلطة محلية متماسكة وموحدة منفصلة عن السلطات المحيطة بها أو المجاورة لها أو حتى التابعة لها. بمعنى أن تمايزات القبائل كانت قائمة على عدة مستويات. وحده المستوى السياسي كان مرفوضا: أما الخضوع للسلطان عن طريق شيخ القبيلة، وإما الخضوع لشيخ القبيلة، ولا خضوع آخر إطلاقا (قبائل الحقبة الاستعمارية طبعا).

إن الاشتراك في نمط حياتي حربي واقتصادي-رعوي يضعه التمايزات في مستوى آخر: «إنا ما يميز قبيلة عن أخرى هو أن كلاّ منها مختصة في مهمة اجتماعية تشاطرها فيها قبيلة أخرى، وهو ما يمنحها، بالنسبة لقبيلة أو لقبائل أخرى، حقوقا وواجبات، وبالنسبة لكافة القبائل، مرتبة ومقاما لا يضاهيان. فقد تكون القبيلة حربية أو مرابطة (زاوية) أو تابعة لواحدة منهما: فهناك من يقاتل، ومن يدرس، ومن يؤدي الطقوس الدينية، ومن يعمل، كما ورد في التقاليد المحلية»(15). أما السلطة السياسية الواحدة القائمة فوق المجتمع الصحراوي، بوصفها مركز تقرير ومجال التعبير عن استقلال وخصوصية سياسيين، فقد كانت منعدمة كليا.

وكما أن خصوصية الصحراء أنتجت علاقات سياسية من هذا النوع، فإنه بدورها ستقوم على علاقات اقتصادية مشابهة. فالقاعدة الاقتصادية للقبيلة وللعائلة هي التي تحدد علاقات القبيلة وتراتبها الداخلي، وتعين مكانتها بالنسبة للقبائل الأخرى. الثراء والملكية الكبرى للمواشي وعدد أفراد القبيلة وقوتها الحربية ومكانتها الدينية تشكل مجتمعة العوامل الحاسمة لغلبة معنوية، تتوحد من أجلها فروع القبيلة من عائلات وبطون منتجين بذلك عصبيتهم.

تمتاز البنية الاقتصادية للساقية الحمراء ووادي الذهب بمفارقات تجعلها في حالة تعارض مع العلاقات الاقتصادية، التي كانت سائدة في مراكز التجارة والمدن والمناطق الزراعية والأسواق. فقد كانت تقوم على أساس فلاحي-تبادلي، أو رعوي-تجاري، يعتمد بالدرجة الأولى على تربية المواشي والبحث الدائم عن المراعي وتجمعات المياه واشتراكية الأرض، ويرتكز على حركة تجارية قائمة على تبادل المنتجات الزراعية-الحيوانية بالسلع الضرورية وعلى الانخراط في العمليات التجارية (الحماية أو الصفقات).

كون الصحراء تحتوي على كميات هائلة من التربة الحمراء جعل منها، أرضا صالحة للزراعة (حوالي 40% من إجمالي المساحة العامة). غير أن عدم توفر المياه الضرورية لذلك، إضافة إلى وجود كميات الماء اللازمة فقط لشرب الرحل والمواشي، أسفر عن إماتة الأرض الصالحة. رغم ذلك فإن مناطق مثل العقدة، ايمريكي، ايزيك، الساقية الحمراء، وادي اتيقي، واديلا تغزيرت، خانك سكوم، والخط الواقع ما بين وادي بوقراع وبوجدور إضافة إلى ضواحي بوجدور، تعتبر كلها أرضا صالحة للزراعة، وتنتج عمليا كميات متوسطة من القمح والشعير والذرة.

بدأت الملكية الخاصة للأراضي المزروعة تظهر في مرحلة متأخرة وصلت إلى حالة واضحة لحظة بدء إيقاف حركة النقل لحاجات ضبط الوضع الداخلي من قبل قوات الاحتلال الاسباني. لذلك كانت وضعية الملكية غير ثابتة، تتمثل باشتراكية-قبلية يضبطها وينتجها توازن دقيق ورغبة في عدم الاقتتال مع ما يرافقها من رفض للثبات وعشق للارتحال. أما توزيع الأرض الخصبة فإنه يجري بالمساواة بين أفراد القبيلة الواحدة وفق مقياس خاص يعرف باسم الزوز، باللهجة الحسانية، ويعني أن الوحدة تتألف من جمل ورجل ومحراث. حصاد الأرض ينهي نسبيا ملكية القبيلة الحارثة التي تخزن المنتوج في المرسى –وهو مكان تحت الأرض تخزن فيه الحبوب أثناء رحيل القبيلة- أي أن القبيلة تحرث وتزرع ثم تحصد وتخزن وترحل، فلا تثبت على الأرض المزروعة ولا تملكها. بديهي أن تؤدي علاقة من هذا النوع إلى خلافات بين القبائل: من يزرع نفس الأرض ويتقاسمها في العام التالي ولمن الحق الأول في ذلك؟ في حالة توازن الأقوى، توافق القبيلة البادئة بمشاركة القبيلة القادمة وفق قاعدة الزوز في التوزيع والحراثة (الحصص والعمل). في حالة قدوم قبيلة أضعف من القبيلة البادئة يجري إما طردها وإما إشراكها بدون تكافؤ...

غير أن الصفة الغالبة تظهر في العلاقات الرعوية، أي في تربية المواشي والاحتفاظ بالأراضي الصالحة للرعي والشرب. إذ أن المواشي (ملكيتها وتربيتها) شكلت الدخل الأساسي للقبائل وحددت الفوارق الاجتماعية بينها: الثروة هي نتاج حيواني، ولا مصدر آخر لها –الثروة التجارية لاحقة، فالصفقات الانفرادية كانت نادرة ومتأخرة، بينما العمليات الأساسية كانت تتم عن طريق المخزن.

على قاعدة تربية المواشي من ابل وغنم وماعز، ومع بعض البقر والخيول والحمير، كانت تقوم علاقات إنتاجية أساسها استخراج اللحم واللبن والصوف والوبر وصناعة الجلد والخيام والعلك (16)، معتمدة في تسويقها على التبادل السلعي –دون تدخل النقد- داخل الصحراء. أما في الأسواق فقد كان التبادل السلعي قائما والشراء بالنقد المغربي (المثقال، الزبيل، الريال الحسني والدرهم) الذي بقي سائدا لغاية عام 1933 حيث حل محله البسيطة الاسبانية والفرنك الفرنسي. عملية التبادل هذه كانت تأخذ شكل رحلات سنوية، واحدة في الخريف وواحدة في أواخر فصل الربيع تنتقل من الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى الأسواق الموسمية التي كانت تقام في اكلميم وتندوف وموريتانيا ومراكش وغولمين كانت القوافل تعبر طريقين رئيسيين إحداهما يربط الصحراء الغربية بالجزائر عن طريق تندوف والثاني يربط بمراكش عن طريق غولمين. ففي سوق غولمين مثلا كان الصحراويون يحصلون، مقابل المواشي ومنتجاتها والجلود والخيام، على حاجاتهم من الملابس والأحذية والكتان والمنسوجات الصوفية والزيت والسكر والشاي والقمح والقطن والحرير الخ، القادمة من مراكش والدار البيضاء.

كانت بعض القبائل تقوم بعمليات تجارية داخل الصحراء، حيث تنقل على الجمال منتجات الداخل المغربي وتبادلها في داخل الصحراء مع منتجات المواشي. وهذا الشكل البسيط من التجارة هو الذي كان سائدا ولفترة طويلة داخل الصحراء الغربية.

العمليات التجارية الصحراوية-الأوروبية بدأت بشكل جنيني ونادر منذ القرن التاسع عشر، غير أن عمليات القرصنة ضد الأوروبيين هي التي طبعت المرحلة، وخاصة حركة التجارة البحرية الاسبانية التي كانت تواجه دائما عمليات تخريب وقرصنة من قبل أولاد الدلايم، الذين كانوا يرون في التوسع التجاري بداية احتلال مسيحي. عمليات القرصنة هذه كانت تضع دائما المخزن المراكشي في مشكلة مع الأوروبيين في الشمال والجنوب على حد سواء. كما أن معظم الاتفاقيات، سواء تلك التي أبرمت بين الحكومات الأوروبية والسلطان المغربي أم التي عقدها الأوروبيون مع زعماء بعض القبائل مباشرة، كانت تهدف إلى تطويق تأثيرات العمليات المسلحة على الحركة التجارية الجديدة.

يرافق كل ذلك الأهمية الجغرافية للصحراء التي جعلت منها ممرا تجاريا حيويا ينقل البضائع والثقافات في آن واحد ويتيح تطورا ماديا وحضاريا لسكان الصحراء أنفسهم. لقد كانت الصحراء الغربية، ولعصور طويلة، إحدى أهم الطرق الثلاثة التي تمر فيها ثروات السودان (ذهب، توابل، عاج، دقيق...) وثروات المغرب (التمور، الملح، الخيول، الكتب، المنتجات الصناعية...) وتربطهما معا بالإنتاج الفكري لحضارة العربية-الإسلامية التي حملتها قوافل الجنود والتجار من المغرب إلى السنغال والسودان... «لقد بقيت هذه الطريق على ما كانت عليه تقريبا، من «طريق المصفحات» التي تدل عليها نقوش صخرية ترجع إلى ألف وألفي سنة قبل الميلاد، إلى «الدرب الإمبراطوري رقم 1» حتى أفضل عصور «الإمبراطورية الفرنسية» حيث كانت توجد طرق ودروب مختلفة تربط السنغال والسودان بواحات تاغانت وادرار، ثم من هذه الأماكن، مرورا بتافيلالت، وجنوب وهران نحو سوس والسهول الأطلسية للمغرب الأقصى.(17).

استتبعت هذه الأهمية قيام علاقات متبادلة جعلت الارتباط بين الصحراء والدول المتاجرة المغربية والسودانية يبدو مصيريا فالقبائل كانت، من جهتها، ترى في إقامتها على الطريق التجاري فرصة لتحصيل المعاش وتبعا لذلك كانت تمارس عملية الحراسة للقوافل وأحيانا دور ناقل السلع الوسيط بين أسواق المغرب والسنغال والسودان ومن هنا تنشأ الحاجة لاقتناء الجمال بكثرة والدول المحيطة شمالا وجنوبا كانت تعتمد، بشكل جوهري، لإنجاح عملية العبور التجاري على طواعية السكان، مما كان يلزم بإقامة علاقات سياسية-سلطوية يغلب عليها التساهل والإغراء، إذ كانت يصعب على السلطان المراكشي مرافقة القوافل المتجهة إلى الجنوب الافريقي بألوف الجنود لما يتطلب ذلك من مصاريف باهظة يكفي أن تكون الطريق آمنة لكي تكون الصفقة رابحة الميزة الإستراتيجية للموقع الجغرافي أنتجت علاقات خاصة بين الصحراويين وأرباب التجارة، والسلاطين غالبا، ووضع كل منهما في دائرة علاقات لم تشهد اختراقا يذكر إلى لحظة دخول الشريك الثالث: أوروبا الاستعمارية.

هذه البنية الاقتصادية الرعوية-التجارية، وإن حكمها ثابت تاريخي، عرفت اهتزازا بنيويا بعد الاحتلال الاسباني أسفر عن تدهور الإنتاج الذاتي الفلاحي وعن تصفية الدور التجاري الوسيط. كما أن ظاهرة الارتحال الدائم كانت بدورها تعبيرا عن حالة تغير مستمر في الوضع الاقتصادي لكل قبيلة، أدت بدورها إلى إضعاف الإنتاج الزراعي على حساب اللجوء إلى الصيد (النعام والغزال والمهر واللوريس والاروي –نوع من البقر الوحشي- إضافة إلى الصيد البحري، خاصة السمك والحوت...) وإدخال الصحراويين في حركة استيراد متطورة (وخاصة الخضار والطحين والمواد الغذائية) من جزر الكناري (18).

والانعكاس السلبي كان واضحا في كافة المجالات. فمن ناحية أولى شهدت البنية الاقتصادية حالة عدم الثبات في علاقات الإنتاج، خاصة وأن البحث الدائم عن الأراضي الخصبة والمراعي وتجمعات المياه أسفر عن وجود حالة تنقل دائم لدى القبائل، مما كان يؤثر بدوره على علاقات الإنتاج التي أصبح التنقل جزءا منها.

وقد عملت ظاهرة التنقل هذه على إحداث تغييرات هامة في بنية العلاقات الاجتماعية للقبائل. فمن جهة كانت ظاهرة التنقل تؤدي إلى التسابق والمزاحمة على الأراضي القابلة للزراعة وعلى مراكز المياه ومنابعها، وخاصة حركة الانتقال والتسابق المتبادل التي كانت تتم بين القبائل التي تقطن في شمال الصحراء، وخاصة في وادي درعا، والقبائل التي كانت تقطن في الجنوب، وخاصة في الوادي الكبير، أي وادي الذهب، وذلك حسب المواسم والأمطار.

ومن جهة ثانية كانت هذه الظاهرة تؤدي إلى تطورات سياسية واجتماعية لدى القبائل نفسها (المصاهرة، الغلبة العائلية، القبلية، التزاحم والخلافات حول الأراضي ومنابع المياه) كما أن اكتشاف الأراضي الصالحة للزراعة كان يؤدي إلى إثبات بعض القبائل في مواقعها، سواء كانت قادمة من الجنوب باتجاه وادي درعا، أو من الشمال باتجاه وادي الذهب، هذا الثبات كان يؤدي بدوره إلى تغيير في علاقات الإنتاج عبّر عن نفسه في الملكية الفردية للأرض ضمن صيغة ملكية الجماعة العائلة-القبلية لقطعة الأرض.

لم تتوقف حركة التنقل هذه بشكل فعلي إلا بعد تمركز بعض القبائل في الأرضي التي زرعتها وتملكتها، أي عندما بدأت العلاقات الفلاحية-الزراعية تدخل في بنية الصحراء الاقتصادية. وبعد سيطرة الاستعمار الاسباني الكاملة –خاصة بعد عام 1935- بدأت حركة التنقل تتعدى حدود الساقية الحمراء ووادي الذهب لتصل إلى الوسط والشمال وإلى موريتانيا، الأمر الذي كان يفقد الاسبان القدرة على ضبط البنية الاجتماعية-البشرية للصحراء، فعملت على إيقاف حركة التنقل بالقوة.

أما العلاقات التجارية-الرأسمالية-النقدية فلنم تدخل إلى صلب علاقات الإنتاج القبلية في الصحراء إلا بعد دخول نمط الإنتاج الرأسمالي-التجاري إلى المدن المغربية الكبرى، حيث أدت علاقات الإنتاج الجديدة إلى ضرب الأسواق التبادلية القديمة، وإلى تصفية الإنتاج القبلي والحاقة بنمط الإنتاج الجديد –خاصة في حركة التجارة التي ازدهرت بسرعة في العيون والداخلة مثلا- الأمر الذي أدى إلى إحداث تدهور خطير في معيشة القبائل ودفعها إلى مغادرة الصحراء بحثا عن مورد للعيش، وخاصة تحول معظمهم إلى عمال وحرفيين في المدن الكبرى، أو الالتحاق بجيش الاحتلال الاسباني أو جيش النظام المغربي.

أدت هذه العلاقات الاقتصادية الجديدة إلى تغيير البنية السكانية في معظم مدن الساقية الحمراء ووادي الذهب. مثلا، مدن العيون والداخلة والسمارة والكويرة شهدت ارتفاعا في عدد سكانها تجاوز العشرة آلاف خلال ثلاث سنوات فقط. وحسب الإحصاء الذي ذكره عبده عبد الغني في كتابه المذكور صفحة 65، فإن عدد سكان هذه المدن الأربع كان عام 1961 يقدر بـ 23428 نسمة، وبلغ عام 1964 حوالي 33673 نسمة.

كما أدت أيضا إلى تدهور كبير في تربية المواشي، ففي هذا الجدول، الذي نشره عبده عبد الغني صفحة 66، إثبات على مدى هذا التدهور:

أنواع المواشي 1960 1961 1962 1963 1964

الجمال 49848 24130 10150 24300 24625

الماعز 48908 35443 6850 35200 24100

الاغنام 26287 6880 2920 5800 5630

الحمير 877 867 241 790 517

أنواع مختلفة 150 123 24 139 546

المجموع 126061 67443 20185 66229 55418

ترافق كل ذلك مع انخفاض المنتوجات الزراعية وخاصة الحبوب، الشعير والذرة بشكل أساسي والتي بلغت عام 1963، 5471 قنطارا، وتراجعت عام 1964 إلى 2750 قنطارا، أي ما يقارب النصف.

وأخيرا، عملت هذه العلاقات الإنتاجية، وخاصة بعد اكتشاف الفوسفات في بوكراع إلى تكون طبقة عاملة تخدم في مناجم الفوسفات وفي قطاع الخدمات والتجارة والمصانع الصغيرة الحرفية في المدن الرئيسية. وحسب إحصاءات جبهة البوليزاريو، فإن عدد العمال بلغ عشرة آلاف عام 1973، من بينهم ثلاثة آلاف عامل يعملون في مناجم بوكراع. وهذه النسبة غير ثابتة، إذ أن الطرد الكيفي للعمال من قبل الاسبان كان يؤثر على حياة العمال ويدفعهم إلى تغيير نمط معيشتهم هربا من البطالة...


حول الانتماء السياسي


المحاولة الجدية، المستهدفة إعطاء تحديد سياسي للانتماء التاريخي للصحراء الغربية، تبدو كمسألة معقدة وعسيرة الحل. إن استخلاصات ونتائج هذه المحاولة، رغم علميتها، تبقى احتمالية، وتخضع في كثير من الأحيان لمواجهات نقدية ونقيضة، تكاد تنسق الجهود الحثيثة التي يكون قد بذلها الباحث في هذا المجال. كون المحاولة صعبة لا ينفي إمكانية «المغامرة» ولا ضيع البحث المتفائل في خدمة منهج متشائم. كما أن كون الاستنتاجات احتمالية لا ينفي إعطاء صفة الغلبة العلمية على الاحتمال الأكثر ثباتا في تطور بنية ما، والأكثر غنى في معطيات المنهج والأمانة التاريخية.

الدراسة النظرية والميدانية التي حاولنا إكمالها طيلة الفترة الماضية لا تمنحنا الجرأة الكافية لتعميم استنتاجاتنا. إن إصرارنا على الطابع اليقيني والأمين لعلمية بحثنا ومنهجه لا يسمح لنا بإرهاق القارئ بسيل من النظريات المستخرجة بعد قراءة معينة للتاريخ أساسها عاطفي مشحون بغضب ودفاع سياسي لدى فئة، أو تبرير وإيديولوجية لدى فئة أخرى. ولما كانت مواد البحث مستندة إلى تراث من هذا النوع، تتوافق فيه الأحداث التاريخية بواقعية حدوثها وتناقض نتائجها، وكون البحث لا يشكل تجميعا لأحداث صالحة للاستعمال التوجيهي كنصائح لكوادر في دولة ما أو كتحصين لمناضلين في تنظيم ما، فإن ما سوف نعرضه لا يدعي شمولية تاريخية ولا عملية غير خاضعة للنقد والدحض. نحاول، تحديدا، المساهمة في تركيز القراءة التاريخية لمشكلة تتجاوز تفصيلاتها الراهنة تاريخها الماضي. إنها مساهمة لأن الأطراف المتناقضة لم تر من هذا التاريخ إلا ما يخدم التفصيل الراهن. ولكي لا يدفن الايجابي في ولا ترتفع راية السلبي في المستقبل، ولكي لا نعطي لعملنا صفة فروسية تجندل كل الأبحاث القائمة والممكن قيامها –كما يفعل العديد من المؤرخين المعاصرين- فإننا نقول ببساطة أن المسألة صعبة ومعقدة، وإن عملنا مدخل يطمح لأن يكون مساهمة في تذليل صعوبات البحث الذي لا يستهدف إطلاقا غير تبيان الطريق المؤدية إلى المستقبل الجماعي.

الذي يدفعنا إلى تقديم هذه الملاحظة ليس فقط تناقضات التراث المكتوب، بل أيضا عدم ثبات وقائع التراث المعاش. الصحراء كبيرة وواسعة، تكررت في تاريخها ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية، ولكن لم يدع أحد انتماءها إليه. من رحل إليها فهي منه ومن ابتعد عنها فهي قابلة لأن تبقى في المستقبل حلمه وملجأه. لا يملكها أحد وتحتضن كل قادم. البشر ينتقلون إليها من الشمال والشرق، يُستوطنوها ويهجرونها، وفي بعض الأحيان يتركون أثرا حضريا أو بدويا، أو ذرية قبيلة.

الثابت فيها هو الدائم الانتقال، وبديمومة هذه الحركة وتكرارها الدوري يمكن فقط القول بثبات موضعي الماضي كله مجال برهان على الثبات، بينما الحاضر –الاستعماري وما بعد الاستعماري- مجال تمظهر أعوام حركة التنقل وإحداث ثبات قائم على الحدود والعنف. بمعنى آخر، التاريخ الماضي معقد لأنه لم يعرف الثبات، والظواهر المتكررة وغير المستقرة موضعيا لا تسهل استخراج النتائج. والتاريخ الحاضر معقد لأن كاتبيه يقيسونه وفق أهوائهم، ولكنه سهل، بالمقارنة مع الماضي، لأنه عمل، بفضل الاستعمار، على منع حركة التنقل، وحصر «الظاهرة» بين حدود تسهل له السيطرة وتسهل علينا الدراسة الميدانية.

الانتماء السياسي الأول للصحراء كان دفاعيا، بالمعنى الحربي والثقافي. المنطقة التي يجهل منحنياتها وطرقها الغرب القديم والجديد، شكلت وعلى مدار قرون طويلة، قبل السلام بشكل خاص، العمق الأمني لسكان المغرب البربر.

إن الوضعية الجغرافية للمغرب التي تساعد على القول بوجود تمايزات جهوية بين مدن وأرياف وصحراء، وتساعد، تبعا لذلك، على تحديد أنماط الإنتاج بتربية المواشي –الحياة البدوية-التجارية-الحياة المدينية، تنتج خصوصية سياسية.

فالأرياف والمدن الآهلة بالسكان وذات الأهمية الإستراتيجية كانت تتلقى الهجمات الدائمة القادمة من وراء البحر، بينما الصحراء تقدم الحصن الدفاعي للقبائل الهاربة أو المتراجعة بعد هزيمة أو معركة ما. وسط هجومي وصحراء دفاعية يصنع تاريخها نفس البشر. فالبدوي هو التاجر وقد التجأ إلى الصحراء مؤقتا، والتاجر هو البدوي الذي انتقل مع قبيلته إلى المدينة-الممر. طبعا مع ثبات الواقع. فالمدينة تبقى بعضا من تجارها ولكن بالتحاق سياسي إلى الغرب الغازي، والصحراء تبقي بعض بداوتها ولكن بحرية سياسية كاملة.

يتم الانتقال على قاعدة سياسية وينتهي على قاعدة علاقات سياسية-اقتصادية. وكون التجارة نقل وحماية البضائع والقوافل وليس إنتاجها، فإن «السياسي» هو المقاتل القادر على القيام بهذه المهمة.

لذلك، لا يكون صعبا على قبيلة تشتهر بالبداوة تمارس هذا الدور، أي أن تقيم سلطتها.

إذن، العمق الأمني-الدفاعي للمغربي كان الصحراء، طبعته بطابعها، وصنع بانتقاله من مهاجم إلى مدافع ومن تاجر إلى بدوي، تاريخها المميز. تجاوز هذه الحركة يضع القانون التاريخي في طاحونة هوائية، وعدم استيعاب جوهر الانتماء المعبّر عنه بحركة انتقال يجعل من الخلاصة العلمية خواء سياسيا.

«... في النطاق الاقتصادي، يسير التدرج من تربية الماشية المتنقلة في البداية إلى التجارة في المدينة، وعلى العكس ذلك يجري الأمر في النطاق السياسي، فإن التطور يرافقه تراجع. فالظاهرة التي ينبغي علينا إدراكها ليست ظاهرة البداوة (مشكلة مؤرخي ما قبل الكتابة) بقدر ما هي ظاهرة العودة إلى حياة البداوة، (مسألة تاريخية بحتة)، إن التأخير ليس بالأمر الذي يصعب على التفسير، وإنما الانكفاء، الذي يكون أحيانا رمزيا. فالإنسان الذي يعود إلى حياة البدواة في الصحراء، لا يفكر إلا بالعودة وعينه على منطقة التخوم الرومانية، الليمس، وهو يعلم أن الصحراء تبقى، ضد عدو لم يقهر، الملجأ الوحيد...» (19) هذا هو الانتماء الأول، الانتماء الثاني تجاري-هجومي.

من الشروط الداخلية، التي سمحت بارتقاء البنية القبلية لمجتمع الجزيرة العربية إلى مستوى سياسي-دولي (من دولة)، شرط خصوصية موقعها الخرافي الذي جعل منها عقدة طرق المواصلات التجارية العالمية. ومن العوامل التي كانت في أساس وعي القبائل العربية لأهمية دورها في هذا الارتقاء يمكن تحديد اثنين: الأول امتلاكها لأهم وسيلة نقل في العالم القديم، الجمل، والثاني، قدرتها الدائمة على تأمين مقاتلين لمرافقة القوافل وحراستها. في عالم الصحراء، لا يمكن عملية عبور تجارية إن تحقق مراميها بدون الجمل الناقل والقبيلة الحامية. وفي صحراء المغرب الظاهرة تتكرر.

موقع الصحراء الرابط بين أجزاء منطقة متباعدة الأطراف عاشت لفترة طويلة قبل الإسلام وبعده بفضل حركة التجارة التي تعبر الصحراء قادمة من السودان ومصر والحبشة باتجاه الأطلسي، أو قادمة من أوروبا باتجاه افريقيا الوسطى والجنوبية، كان يدفع الصحراويين للانخراط في هذه العملية. وللانخراط شروط لا بدّ من إتمامها: الوسيلة والبشر، يضاف إليها القوة الناظمة.

مصدر الجمل، وسيلة النقل الوحيدة والأساسية لقوافل الصحراء، كان مدار خلاف بين مؤرخي الغرب. بينما يعتبر غوتيه أن «الروماني أهّل المغرب بالناس والحيوانات وبينها للأسف الجمل الذي خلق البدوي المخرب»، يعتبر كورتوا العكس رافضا «أن يكون الجمل قد غاب أبدا عن الصحراء طيلة العصر التاريخي». دون أن ندخل في المهمة التي على ما يبدو قد أتعبت عبد الله العروي وأوصلته إلى سؤاله المعقّد:

من الذي ابتكر الآخر الجمل أم البدوي؟ (20) (وذلك في عملية تعرية للتشويه الذي يكيله التأريخ الغربي لماضي الصحراء) نوافق على أن توفر الجمل يرتبط بصورة مؤكدة وفاعلة في مرحلة الانتقال التي عاشتها الصحراء: من البداوة إلى التجارة.

أعطى الجمل للموقع الجغرافي أهميته الاقتصادية، بينما سيلعب امتلاكه والقدرة على حماية القوافل دورا كبيرا في تحويل القبيلة إلى قوة سياسية. القبيلة القادرة على تأمين مواصلات التجارة بالوسيلة والحرس، وتجد في نفسها قوة فرض الشروط على عملية المرور، لا ينقصها، لكي تتحول إلى سلطة، سوى السيطرة على المدن-الممرات. هنا تنقلب العملية. البدوي الملتجئ إلى الصحراء يعود «سياسيا» إلى المدن. يتغير بذلك دور الصحراء من عمق أمني إلى عمق سياسي، تتجمع فيه ركائز الهجوم الجديد: احتلال سجلماسا كان يسدّ طريق القوافل الذاهبة إلى الجنوب بوجه القوى الحاكمة في الشمال، ويعيد فتحها بعد أن تصبح القوة المحتلة الجديدة قوة حاكمة. بمعنى آخر، كان للصحراء، بفضل هذين العاملين، انتماء تقرير يجري بموجبه إجراء نقض عام لميزان القوى السياسي السائد، ليس في الصحراء فحسب بل في عموم المغرب العربي. هذه المعادلة تنتج وضعا تاريخيا-جغرافيا يمكن تسميته المغرب الصحراوي المرتبط بالمغرب الريفي والساحلي...

إذا أضفنا حركة التجارة الداخلية ودور الصحراويين في إنجاح عملية التبادل البضائعي بين مناطق المغرب العربي شرقا وشمالا وجنوبا، ولاحظنا مراكز الأسواق التجارية والممرات، يمكن أن نؤكد أن حياة الصحراء قد انعقدت شرايينها بتوافر هذه الشروط وبالتالي أصبح مصيرها مرتبطا بمصير المغرب كله ارتباطا تبادليا وجدليا. الارتباط المقصود لا يقف عند حدود العيش وشكل إنتاج القوت اليومي. إنه يطال مباشرة صيرورة القبيلة، قوتها وضعها، وبالتالي تحولها إلى قوة سياسية. بهذا المعنى تحديدا يمكن قبول الانتماء المشترك للصحراء بالمغرب.

الارتباط الاقتصادي-التجاري بين المغرب والسودان مثلا لم يأخذ صيغة تحول المغرب سودانيا أو السودان مغربيا، كما هو الحال بين الصحراء المغربية والمغرب الصحراوي.

يتدعم كل ذلك بحقيقة كون الصحراويين أنفسهم مغاربة من الشرق والشمال استوطنوا الصحراء وجنّسوها.

«وأخيرا فإن المغرب الصحراوي امتد هو كذلك امتدادا هائلا حتى قلب الصحراء الحالية. فقد أصبح أساسا مغرب التجارة، خاضعا في نقطتي الوصول والانطلاق لجماعات الزناتية والصنهاجية الملثمة. إن الانفتاح الحقيقي للصحراء يرجع تاريخه إلى ذلك العصر (العصر الروماني). فقد أصبح سكان هذا الجزء حراس تجارة في قوافل الإبل. وثمة بنية اجتماعية (ليست بنية متعلقة بالدولة إذا شئنا) خاصة تنتج عن ذلك. لكن الظاهرة الأساسية والقاطعة تبقى هي التجارة وليست تلك البنية المحددة. وهكذا يرى المرء جيدا كيف يمكن بسهولة تغيير اتجاه جميع التطورات والسيرورات اللاحقة باستبدال التحديد الاقتصادي بتحديد البنية الاجتماعية أو بنية العرق، بمعارض زناتة (المغرب الأوسط) بصنهاجة (جبليين في بلاد القبائل وموغلين في البداوة والترحال في الصحراء في آن واحد) وبالمصموديين (من قبيلة مصمودة) سكان سهول الأطلنطي...»(21).

على قاعدة هذين الانتماءين ترتسم علامة فاصلة في حالة الانتماء السياسي:

الصحراء جزء ارتبط مصيره بمصير المغرب العربي، وبنيته البشرية والاقتصادية أصبحت تقاس ببنية المغرب كلها، والعكس بالعكس.

التحول السياسي الدائم يمحو الغموض الذي يكتنف هذا الاستنتاج، ويربط في نفس الوقت الانتماءين المذكورين بوحدة ترابية-سياسية قوامهما احتواء الصحراء لمشروع استقلال ذاتي عن قوة الداخل الأجنبية (غير بربرية) وتحول الصحراء من «عزلة» إلى انفتاح ظل يتبلور وبصعوبة طوال القرون المسيحية كلها، ولم يأخذ شكلا ثابتا وتاريخيا إلا بعد السلام والفتح العربي.

بالانطلاق من هذا الشكل الأخير يصبح تحديد الانتماء مسالة منهج أكثر من معرفة الطريق التي أتى منها الجمل، من روما أم الشرق؟

مرة أخرى نستعيد النموذج المشرقي القائم على مركزة سياسية أساسها إلحاق القبائل العربية بسلطة سياسية واحدة عامل توحيدها إيديولوجي. صيغة اللامركزية السياسية السابقة على الإسلام، والمندرجة في سياق التطور التاريخي للمنطقة برمتها تجاريا واجتماعيا وثقافيا، لم تشهد طيلة كل الحقبة الجاهلية سلطة ذات صفة تقريرية. الانعدام على المستوى يعني أن إنتاج سلطة من هذا النوع يستدعي النمو الكامل لمجمل الشروط الدافعة والمؤسسة لتكوّنها داخليا وخارجيا. كما أنه لا يعني إلغاء صفة العروبة عن مجموعة القبائل المتنافسة والمتحالفة والتي جمعها تاريخ مشترك ومنطقة مشتركة.

تسمح مجموعة العوامل المشتركة، قبليا وتجاريا، بتشبيه مماثل: القبائل القاطنة في الصحراء، سواء خضعت لدولة مركزية أم لا، كانت في مرحلة ما قبل الفتح العربي جزءا من المغرب الكبير الذي رسمنا موقعه الجغرافي في مطلع الفصل الأول.

يبدأ الانتماء السياسي بأخذ منحى مؤسسي ومركزي من لحظة انتشار الصيغة العربية-الإسلامية للسلطة. الانتماء إلى السلطة (الخلافة) يتم، قانونيا، بالبيعة، وسياسيا، بإلحاق مجموع القبائل بالمشروع الإسلامي العام، على المستوى المركز وعلى مستوى الفتوحات.

صيغة البيعة تعني ببساطة عملية أدلجة لفرز في ميزان القوى القبلي يضع عصبية قوية في مركز السلطة تفرض خضوع الآخرين لها. بديهي أن يلعب الإسلام الدافع الحاسم في أدلجة الإلحاق، إلاّ أنه في نهاية التحليل، تأخذ البيعة صفة قانونية توحيدية تجعل من كافة السكان الذين يطالهم نفوذ المراكز السياسي والإيديولوجي والعسكري جزءا من الأمة. لا يلغي ذلك، ولا في أية لحظة، استمرارية تناقضات سابقة على المركزة، بل يوجهها وجهة أخرى: الصراع على السلطة المركزية الواحدة.

إن وجود ممثل للخلفية الأموي في العراق بعد عام 640 م، مع استمرارية البنى المحلية المميزة والمتناقضة لغويا وحضاريا وتاريخيا مع البنى التي أنتجت الخليفة القرشي، لم يكن يعني أن الارتباط محدّد إداريا. إنه سياسي –ديني دون اشتراط كون الملحق أو التابع قرشي الانتماء. إن السلطة المركزية أخذت منحى الأمة، والبيعة أخذت منحى الارتباط-الموافقة على وجود رأس للسلطة: الشكل الحقوقي للغلبة والوحدة.

إذن، على قاعدة النموذج العربي-الإسلامي للسلطة تأسس مفهوم البيعة في المغرب العربي. طبعاـ يترافق هذا المفهوم مع صراع العصبيات القبلية التي أصبح دورها الحفاظ على وحدة الأمة في نفس اللحظة التي يجري فيها البحث عن تشريع غلبة قبلية.

سلطة واحدة وصراع مستمر من أجلها حدّدا منذ الفتح العربي-الإسلامي لشمال افريقيا صيغة العلاقات السياسية التي تربط السكان المحليين بالسلطة المركزية. وعندما نقول أن الأندلس كانت عربية-إسلامية نقصد تماما هذه الصيغة وليس الباسا قرشيا، أمويا أو عباسيا، لأطراف الخلافة (السلطة) لقاطينها في إطار يتجاوز حدود الصحراء ولا يسمح بإعطاء خصوصية سياسية-وطنية خارج خصوصية المركز. إن عدم مقدرة المركز في فرض سلطاته على أطرف الدولة لا يلغي التبعية ولا يلغي مشروعية صراع التابع لصبح متبوعا.

إن التبعية شكل حقوقي-إيديولوجي للمركزة. أما وحدة الانتماء فإنها تطال أسس المشروع كله: علاقات السلطة-الفرد (القبيلة)، علاقات وقوى الإنتاج (بالمعنى الاقتصادي)، علاقات المركز بالأطراف، الصراع على السلطة بين العصابات الخ، ورفض البيعة، أي الخروج عن طاعة المركز، كان يعني تحديدا الطلقة الأولى لصراع سياسي حول نفس المركز بحثا عن طاعة جديدة، وليس خروجا عن المركز بوصفه ملتقى الوحدات الاجتماعية المتمايزة جغرافيا واقتصاديا.

يمكن الفرق فيما بين مرحلة ما قبل الإسلام وما بعده في صيرورة إنتاج الدولة-المركز. أما الانتماء فلا يشوبه ناقص. القبائل التي سكنت الصحراء، مؤقتا أو بشكل دائم، قبلا الإسلام، لم تكن تعرف حدودا جغرافية لانتمائها. الانتقال من الصحراء إلى الريف ومن الريف إلى الوسط لا يعني تغييرا في الهوية القومية. البربري الذي سكن ايغلي والبربري الذي سكن الجزائر أو تطوان، رغم الفوارق الشاسعة بينهما، كان ينتقل من هنا إلى هناك بوعي تام وقناعة بأنه إنما يتجول في دائرة انتمائه. لا داعي لتكرار ما سبق ذكره حول تغييرات قوى السلطة السياسية في المغرب العربي، وكيفية انهيار الواحدة وانتصار الأخرى ضمن السياق القبلي. ما نريد ذكره فقط، مع أخذنا كمثل ساطع تجربة المرابطين، هو انخراط الصحراء الغربية في صلب التطور السياسي الناشئ: فهي تتبع لسلطة الأدارسة حينا (فاس) ويتبعها الموحدون حينا آخر (الأطلس). مصيرها داخل الدائرة، ضعفاء الهامش قد يصبحون في مرحلة أخرى أقوياء الدائرة وهكذا...

عند هذه الحدود تكون عملية الانتماء السياسي للصحراء الغربية واضحة، يتفق عليها جميع من يختلفون على تاريخها اللاحق. التناقض يبدأ في القرن التاسع عشر، ولكن تاريخه يبدأ لحظة انهيار إمبراطورية الموحدين.

إن تاريخا جديدا سوف يبدأ حاملا بشرى في رحمها تناقض مشوّه: هل الصحراء الغربية مغربية؟ كيف ولماذا؟

بدايات التاريخ المحلي

الخلاف المغربي-الاسباني حول الهوية القومية للصحراء الغربية لم يصمد كثيرا. لم يكن بإمكان وجهة النظر الاسبانية سوى تشويه المرحلة الأخيرة، أما التاريخ الماضي بكل تعقيداته فقد كال لنظرية التغريب ضربة قاضية. ولم يعد الإشكال قائما على هذا المستوى.

الخلاف المحلي حول الهوية الإقليمية للصحراء هو ما يمكن اعتباره البؤرة الفعلية للتناقضات: هل الصحراء المغربية مغربية أم جزائرية أم موريتانية أم أخيرا صحراوية؟؟

تعددية الانتماء فعل راهن، وهو تحديدا نتاج تقسيم راهن واستعماري للمغرب العربي. خلال التاريخ الماضي كله لم يجر خلاف واحد من هذا النوع، ولم تصل التناقضات المحلية إلى هذا المستوى. كيف يمكن حصر الإشكالية؟ إذا دخلنا في عملية الإجابة على المشكلة وفق سياق الأسئلة تكون قد بدأنا نقاتل بسلاح الغرب!!.

وإن أجبنا بوحدة سياسية نكون قد تجاوزنا، تجاوزا واهيا، التناقض الحاد لأهم مشكلة معاصرة في المغرب العربي.

في محاولة تخط للإشكالية المطروحة وتعقيداتها وجدنا أن الإجابة أو المعالجة الممكنة والوحيدة تكمن في استحضار الماضي. أي إعادة قراءة للتاريخ الخاص للصحراء الغربية كما عاشه وصنعه سكانها، دون الادعاء بشمولية مراجعتنا لهذا التاريخ. النواقص ممكنة، أما القناعة فثابتة حول نقطتين: رفض القراءة الغربية لتاريخ الصحراء، وإصرار على أن حل الإشكالية يتجاوز السؤال عن الهوية. التناقض إقليمي بينما المسببات اعقد وأهم. الإقليمية نتاج سبب آت من خارجها ونحن لا نريد أن نلعب لا في قراءة التاريخ ولا في تحليل منظوماته وأحداثه.

علميا، يمكن أن نبدأ من مرحلة ما بعد سقوط إمبراطورية الموحدين. كل ما جاء قبلها ووصل إلى ذروته في عهدها يثبت أن اتجاه الوحدة هو الغالب في سيرورة التاريخ السياسي للمغرب العربي. المرحلة قيد البحث والتي تبدأ عمليا من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي كانت بداية تحويل الإرث التوحيدي التومرتي إلى إمارات مستقلة عن بعضها: بنو حفص في تونس، بنو زيان في الجزائر وبنو مرين في المغرب الأقصى. تفتيت تراث الموحدين كان جغرافيا-اجتماعيا، أما سياسيا-تاريخيا فالاتجاه التوحيدي ظل راسخ الأقدام. وحدة المغرب الأقصى مع الجزائر في ظل بني مرين أو وحدة تونس مع ليبيا في ظل بني حفص شواهد دامغة.

وحده الخارج امتلك مقوّيات الضربة الأخيرة للمحاولة التوحيدية الأخيرة:

كان تراجع بني مرين عن الجزائر انعكاسا لضعف القوة المحلية داخل ميزان قوى عثماني-اسباني في قمة عنفوانه. وتراجع بني حفص عن ليبيا نتاج نفس المعادلة.

الإطار الحدثي والمرحلي لهذا التطور حاولنا رسم خطوطه العريضة في الفصل الأول، أما هنا، فإن الوضع الذي تحوّل حاليا إلى مشكلة يجد جذوره الأولى: عندما كان في المغرب العربي ثلاث إمارات «سياسية» ماذا كانت وضعية الصحراء الغربية؟ هل كانت إمارة؟ هل كانت مستقلة؟ هل كانت تابعة، بشكل من الأشكال، لسلطة المغرب الأقصى؟

بالنسبة للسؤال الأول، التاريخ المكتوب ينفي نفيا قطاعا وجود إمارة في الصحراء الغربية على غرار الأمارات الثلاث الأخرى.

بالنسبة للسؤال الثاني، التاريخ يميل باتجاه استقلالية محلية دون أن يصل على مستوى سلطة-بيعة. لكن الاستقلالية المعنية تدخل في صلب بنية قبلية وليس في إطار وطني، ومن الفرق بين الحالتين يبرز التناقض الحاد بين وجهة نظر تقول باستقلالية عصبية كمقدمة لتشكّل الوطن، ووجهة نظر تقول بتعددية العصبيات وحرية تحركها ولكن داخل إطار «الوطن». ومن تجربة الرسول الإسلامي (تطور تاريخ القبائل بقيادة من خارجها) والتاريخ المحلي يجسد هذه القضية موحِّدا تناقض العصبيات على المستوى السياسي-الإيديولوجي. أي أن القبائل المتمتعة باستقلال ذاتي عن المركز لا تتناقض باستقلالها عن وضعية القبائل القريبة من المركز. فالسلطة المركزية موحدة ولكنها فوق المجتمع، أي لا تضبط شؤونه الداخلية إلا من خلال ضبط شروط المركزة تجاريا وحربيا. أما العلاقات الداخلية فتبقى محافظة على ركائزها: الدور الرئيسي لشيخ القبيلة أو لمجموعة زعماء القبائل، معالجة القبائل لمشاكلها اليومية: رعي، ثأر، زواج، مصالحات الخ.. أما الوحدة الفعلية بين هذه القبائل أو بينها وبين المركز فإنها تتمثل بالشرع وبالانتماء إلى الجماعة الإسلامية الواحدة. وكلما كانت السلطة-المركز نقطة جذب ودفاع عن هذين العاملين (الشرع والجماعة) كانت شرعيتها (الخضوع عن طريق البيعة) مقبولة. لا يغيّر من ذلك استمرار الصراع العصبي المتحصن مذهبيا والباحث عن المركز-الوحدة.

فالعصبية شرط الوجود وشرط استمراره عند قبيلة ما، سواء كانت في الصحراء الغربية أم في السوس وسهول الأطلسي أم في الريف. لحظة تحولها إلى عصبية سياسية يعني أنها دخلت في مشروع السلطة، معها أو ضدها، وبالتالي تكون عصبيتها مدخلا إلى السلطة، وطريقا نحو تكريس غلبة الوحدة عكس التمايز والتناقض:

عصبية قبائل لمتونة أنتجت سلطة المرابطين في كل المغرب، عصبية قبائل مصمودة أنتجت سلطة الموحدين أيضا في عموم المغرب، عصبية قبائل الفيلاليين أوصلت العلويين إلى السلطة المركزية الواحدة...

الثغرة الوحيدة تكمن في الاعتبار التالي: صعوبة خضوع قبيلة لسلطة قبيلة أخرى. من هذا الاعتبار تنشأ ظاهرة تاريخية، لا تزال سائدة لغاية الآن عند قبائل السوس في المغرب، وهي إلحاح القبيلة على استقلالها الداخلي (22).

هذه الثغرة تعني أن حالة قوية من التضامن تسود العلاقات بين القبائل أو بين أفراد قبيلة واحدة، يزيد فعاليتها الرغبة الدفينة في رفض الخضوع للمركز. وفي نفس الوقت يعايشها شعور عميق بالانتماء إلى شيء آخر أكبر من القبيلة: الأمة. الرغبة لم تتجاوز الشعور، وبدونهما يصعب تفسير التبعية السياسية الواضحة أحيانا والغامضة أحيانا أخرى والتي كانت قائمة بين القبائل الخاضعة والقبيلة المخضعة.

إذن الاستقلالية موجودة ومازالت ولكن ضمن هذا الإطار (القبيلة).

الحديث عن استقلالية أخرى، بمعنى تحول القبيلة إلى إمارة مثلا أو خروجها عن البيعة، تجد منحى منهجيا آخر، صعب الملاحظة، رغم مساعدة التاريخ.

مراجعتنا التاريخية للتطور السياسي للصحراء لا تساعدنا على القول بوجود حالة من هذا النوع. أي بوجود استقلالية ذات صفة سلطوية-مركزية.

إن التاريخ يقدّم ظاهرة لا يعتريها شك: إن تحول منطقة ما إلى إمارة يتطلب تحقيق مسألتين: الأولى، وجود قبيلة قادرة على توحيد باقي القبائل وإخضاعها لسلطتها الوحيدة. الثانية، وجود خط فاصل بين نفوذ هذه السلطة المحلية ونفوذ السلطة المجاورة (ليس جغرافيا فقط، بل سياسيا أيضا).

تاريخ الصحراء الغربية لا يتحدث عن توفير أي من المسألتين. وبهذا الصدد نقدم ثلاث ملاحظات:

1-يبرز أولا اختلاف الشكل السياسي للوضع القبلي بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب. في أقصى الجنوب الصحراوي (موريتانيا حاليا) تضافرت عدة عوامل محلية وخارجية عززت اتجاه المركزة السياسية والحاجة لوجود قوة-سلطة ما، ذات قدرات محلية يمكن بواسطتها الحفاظ على «الإسلام» وإنجاح العمليات التجارية. أهم العوامل الخارجية يتأتى من محاذاة الجنوب الصحراوي لافريقيا مسيحية كان الإسلام قد اخفق في تحقيق انتشاره الكامل فيها، وأسفر بالتالي عن قيام حالات دفاع متبادل. في مقابل سنغال نصفه مسيحي ونصفه الآخر إسلامي متردد، اعتنق الإسلام مرة وتركه مرة أخرى ثم عاد ليؤمن به من جديد (بعد تدخل من الشمال)، كانت الحاجة لوجود قوة صمود، لدى سكان هذا الجزء من الصحراء الجنوبية، الدافع الذي ذلّل عقبات مركزة أولية. أهم العوامل الداخلية كان استرجاع طريق ادرار موريتانيا لأهميته الإستراتيجية على طرق المواصلات التجارية بين الشمال والجنوب الافريقي. إن انتقال قبائل زناتة نحو الشمال، وتدمير مدينتي سجلماسا وتامرت اثر حروب القرن العاشر عزّز وضعية القبائل المحلية (اللانتونا والقودالا) ودفعها باتجاه تأمين قدرة ذاتية سياسية وعسكرية للاستفادة من الوضع الجديد. أما نسيج العلاقات الذي بدأ مع مدن الوسط المراكشي، (تامادالت، نفيس، تامدلا، سالة، الخ) فإنه سوف سنتهي بمركزة جنينية بعد وصول العثمانيين إلى شرق المغرب العربي. «في وسط وجنوب موريتانيا الحالية، في ادارار، وتاغانت، في ترارزة وبراكنة، تشكلت، بداية من القرن السابع عشر، امارات كانت بمثابة النوى الأولى لسلطة تعلو سلطة كل قبيلة معزولة، وكانت تلك السلطة ممركزة، وفردية، بتوارثها في غالب الأحيان أفراد عائلة واحدة» (23).

لم يسفر هذا التحول، رغم أهميته، عن قيام إمارة بالمعنى الزياني أو الحفصي، ولا يساعدنا بالتالي على القول باستقلالية سياسية كاملة ونهائية عن المحيط المراكشي. لغاية مطلع القرن العشرين تبقى الاستنتاجات احتمالية. الوضوح اللاحق سوف يساعد على كشف القشرة التي تفصل حاجة ذاتية عن حنين إلى الأمة.

2-في مقابل اتجاه من هذا النوع، كانت الصحراء الغربية (الساقية الحمراء ووادي الذهب) خارج أي نوع من المركزة. لا يغير من ذلك في شيء تأثر قبائل وادي الذهب بتطورات الوضع في الجنوب الموريتاني. إن وجود بني قبلية متناقضة الأصل، ذات أصل عربي (أولاد الدلايم) أو متعربة (تكنة، برابيش..) أو من أصل بربري-مرابطي (أهل بارك الله، أهل عبد الله، تركز، توبالت..) أو القبائل الزناتية (أبو عيطة، لمنار، امراغن..) كان يحول دون حسم مركزي على المستوى المحلي. القبائل العربية الأكثر عددا وقوة لم تستطع (مع احتمال غياب الفكرة) فرض غلبة قبلية من نوع سلطوي. العصبيات كانت قوية وحب الاستقلال والتحرر البدويين كان أشد العلامات الفارقة في تاريخ الصحراء السياسي.

كما أن التمايز المذكور، بين قبائل الجنوب وقبائل الغرب، لم يكن نتاج رغبات ذاتية. إن للتمركز السياسي شروطا تتعدى الرغبة وتمليها الحاجة لضبط أوضاع تتطور بشكل تعدو معه تعددية مراكز التقرير عائقا مزعجا.

لقد كانت ادرار، والجنوب والجنوب الشرقي بقاعا تنزل فيها الأمطار أكثر من غيرها (من 150 إلى 300 ملم سنويا) وقد تتعرض حتى إلى الفيضانات. لذلك كانت تكثر فيها المراعي الخضراء، ومنابع المياه، والقطعان (وخاصة قطعان البقر)، فهي مناطق أغنى من بقية الجهات. ونجد في كل من ادارار وتاغانت واحات النخيل، والأسواق ومحطات لقوافل الإبل، مراكز للمثقفين، أي الكثير من الأماكن الإستراتيجية الهامة.

وأخيرا، بداية من القرن السادس عشر، بدأ يتكون نشاط تجاري منتظم (الدقيق، وخاصة الصموغ مقابل البنادق، منسوجات ومنتجات «البذخ والتباهي» أي للزينة) وكانت توجد محطات لتلك التجارة في نهر السنغال، وأحيانا في بعض المناطق الساحلية التي كانت مصدر قوة ومناعة بالنسبة للجنود المحاربين، وثروة لحماتهم ومموليهم. هناك إذن نزعات فطرية نحو بروز هياكل سيطرة واستغلال مركزيين تتجاوز القبائل منعزلة بعضها عن بعض (24).

هذه الخاصية المناخية-السياسية كانت شبه معدومة في الصحراء الغربية، والشرقية كذلك. على طول المساحة الممتدة في شمال موريتانيا الحالية وصولا إلى وادي درعا نشهد تراجعا ملحوظا في المظاهر الحضرية (واحات، تجمعات ثابتة) باستثناء بعض مناطق الساقية الحمراء. إن حركة الانتقال والترحال الدائميين كانت في أساس عدم الانتظام في العمليات التجارية، وفي أساس تقوية الانغلاق القبلي المتضامن داخل وحدة دائمة التنقل، لا تعتريها حاجة لمركزة، مصيرها مرتبط بحركة سيرها المتواصل.

نخلص من ذلك بنتيجة أساسية تعتمد على فوراق محلية لتصيغ تاريخا يمازجه غياب وحدته السياسية الداخلية، بالمعنى السلطوي، لينسج حالة ليست استقلالا، بالمعنى الحرفي، وليست خضوعا بالمعنى السياسي.

3-يبدو للوهلة الأولى أن هاتين الملاحظتين تعكسان بعدا جغرافيا-سياسيا خارج حدود وطنية: غلبة عصبية في الصحراء الجنوبية، ولا مركزية قبلية في الصحراء الغربية والشرقية. غلبة ولا مركزية خارج إطار قومي، تشكلان موضعا ليس فقط غير مثبت تاريخا بل، أيضا، لا تشجعنا معطيات البحث على إقراره ولا على نفيه قاطعا. وحده الإسلام بشكل مدخلا الاستيعاب لهذه الظاهرة، التي ستزداد وضوحا بعد قيام ثلاثية السلطة في المغرب العربي.

وصل الفتح العربي في أواخر القرن الثاني للهجرة إلى مداخل الصحراء، ولم يدخلها. ولكن بعض القبائل العربية التي قدمت مع الهلاليين واستقرت في المغرب الأقصى، عاودت تقدمها مع حسان بن نعمان موصلة الإسلام المغربي إلى حدود السنغال. وفي طريق العودة بقيت أعداد من قبائل حملة الفتح الأخيرة في الصحراء الغربية وارتحلت منتشرة في أرجائها الواسعة. الاستقرار المحلي إذن ناتج عن حركة تقوم من الداخل، فالداخل هو الأصل ومرتحلو الصحراء هم الفروع. ينعقد هنا الارتباط العرقي-القبلي والسياسي الإيديولوجي بين مجموعات ترتبط بمشروع عام إسلامي يقوده قوميا الخليفة العباسي ومحليا الوالي. لم يحدد هذا الارتباط إطلاقا مساحة حركة الانتقال داخل الصحراء أو إلى خارجها، كما لم يعين حدود العلاقات الداخلية للقبيلة.

سيتدعم الارتباط الإيديولوجي بامتداد الحركة التجارية نحو الجنوب، الأمر الذي ساهم في تحويل بعض القبائل المرتحلة إلى تجار وبالتالي تسييس عصبيتهم. المد الأول بدأ مع بناء مدينة سجلماسا (757م، 140هـ) التي تتوسط، في أهم تقاطع بري لطرق المواصلات التجارية، بين الصحراء كلها (الشرقية والغربية والجنوبية) والمغرب الأقصى من ناحية الساحل الأطلسي إلى شمال اغادير ومن ناحية السهول إلى شرق فاس ومكناس. قيام مدينة (حلقة وصل) تجارية استتبع تحولا في الوضع الصحراوي: «كان يسكن هذا الجزء من الصحراء بدو موغلون بالترحال من أهل الإبل يدعون بالصنهاجيين وكانوا قد اتصلوا بالسود فدفعوهم إلى الجنوب شيئا فشيئا، وبعد أن فازوا بالسيادة على مناجم الملح بادلوا هذا المحصول الأساسي بالتبر. ولا ندري بالطبع في أي تاريخ على وجه الدقة وفي أية ظروف أقيمت هذه التجارة. وقد تألف على أساس هذه التجارة اتحاد صنهاجي متسلط على مملكة غانا السوداء وبنى لنفسه عاصمة هي اوداغوست» (25).

رغم ندرة المعلومات، فإن مدينة سجلماسا لعبت دورا مزدوجا. فهي عملت من ناحية على تقوية الصحراويين المقيمين على مشارفها ومتنت روابطهم بالداخل المغربي، كما عملت على فتح أبواب الصحراء لحركة انتقال وتجارة أدخلت بواسطتها العلاقات المتبادلة بين سكان شمال سجلماسا وسكان جنوبها في إطار مشروع حياتي ومصيري بالغ الأهمية، سوف يتطور بقوة وبسرعة لينتج عصبية سياسية صحراوية متفوقة (قبيلة لمتونة)، سوف تنتهي بدورها إلى سلطة مركزية (إمبراطورية المرابطين) التي لم تكن ولا للحظة واحدة إمارة صحراوية. وإذا كان التحالف القبلي قد أخذ شكلا مركزيا في عملية تحضيره الذاتي لاستلام السلطة، فإن هذا التحالف، وإن كان مستقلا نوعيا عن سلطة المخزن، لم يحتمل إطلاقا حلما استقلاليا عن المخزن نفسه.

تكمن أهمية المشروع المرابطي في تأسيسه لحركة انتقال معاكسة للحركة التي قادها حسان بن نعمان: المغرب الذي يدخل إلى الصحراء في القرن التاسع والصحراء التي تدخل إلى المغرب في القرن الحادي عشر. الانتقال والانتقال المعاكس، مع ما يرافقها من عمليات تنقل صغيرة وثبات موضعي صعب التحديد ومن تطور تجاري-سياسي، نسج عرى رابط تاريخي عميق الفعالية. من اوداغوست إلى سجلماسا، ومن سجلماسا إلى مراكش، كانت الصحراء تصنع تاريخا موحدا سيصل إلى الجزائر في مرحلة أولى، وسيستكمل توحيد المغرب العربي على يد المصموديين (الموحدين) في مرحلة لاحقة.

إن تحول الصحراويين إلى سلطة سياسية كان نتاج فعل إيديولوجي وحسّي إسلامي متأصل الجذور جعل من الصحراء الغربية، وخاصة الساقية الحمراء، «أرضا للأولياء». كل أولئك العظام الذين رأوا انحرافا عن الدين وتهديدا للإسلام، كانوا يرتحلون بعيدا عن المركز المنحرف ليجدوا في الصحراء مكان تأمل ونقطة انطلاق لعملية تبشير جديدة.

منذ انهيار إمبراطورية الموحدين، والساقية الحمراء تحتضن العلماء والمتصوفين، دعاة الوحدة والدفاع عن الإسلام، ابتداء من غدالة الصنهاجية في القرن الحادي عشر، مرورا باحمد الكنتا واحمد بكاي وسيد احمد الرقيبي وسيد احمد العروسي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وصولا إلى الشيخ ماء العينين في القرن التاسع عشر، والصحراء الغربية تعيش ألما وحلما: الم انهيار المشروع التوحيدي وحلم تجديده... الأقدام كانت في الصحراء بينما العيون كانت على الأمة.

هذه الملاحظات الثلاث تقول حالة تاريخية معينة: الصحراء لم تكن إمارة مستقلة سياسيا واقتصاديا مثل الإمارات المغربية الأخرى. كانت تتبع إحداها بنسيج من العلاقات الإيديولوجية والتجارية تميل الأحداث التاريخية إلى ربطها بإمارة المرينيين ومن بعدهم العلويين في المغرب الأقصى أكثر من ربطهم بإمارة بني زيان التي أصبحت تركية «الرأس» أو بمملكة غانا...

إن وضع تاريخ الصحراء الغربية في سياق التطور العام للمغرب العربي يجعل عملية تحديد الانتماء السياسي مسالة عملية لا يمكن تجاوزها. فالارتباط التوحيدي الذي عبر مراحل تأسيس متعددة، من الفتح العربي ورحلة حسان بن نعمان ومجيء المرابطين والموحدين، انتهى إلى عقدة: أين نضع الصحراء الغربية بعد انهيار الوحدة؟ إذا كان الحدث التاريخي لا يثبت وجود سلطة مستقلة في الصحراء الغربية على غرار غيرها في الشرق والشمال، ولا يربطها بالسلطنة العثمانية، فإن الاحتمال الوحيد الباقي هو وجود نوع الوحدة السياسية مع إمارة المغرب الأقصى التي كانت خارج النفوذ العثماني والتي تربطها بنفس الوقت بالصحراء عوامل قبلية وتاريخية حاولنا في الصفحات السابقة إبراز معالمها وركائزها. الاحتمال وحيد لأن التاريخ المكتوب، الحقيقي أو المشوه، المغربي أو الصحراوي، لا يقدم احتمالا آخر.

لكن الاحتمال المقصود لا يعرض نفسه بنقاوة تاريخية. فالارتباط (الانتماء) عكس امتزاجا بين مركزية واستقلالية، إذا حاولنا معالجته بمنظار غربي ندخل في إشكالية أكثر تعقيدا وأسوأ نتيجة. وإذا حاولنا بمنظار شرقي (خلدوني) وجب علينا تحديد كيفية تمظهر الارتباط وطبيعة البيعة. وبذلك نكون قد دخلنا في عقدة السؤال الثالث.

الارتباط يتم بادئ الأمر بالبيعة ثم يأخذ صيغا مختلفة تتبدل بتبدل السلطة:

تغير التابع والمتبوع: البيعة تعبير عن السلطة وعن شكل الخضوع لها وفق التجربة الإسلامية. والبيعة تمر بثلاث مراحل: الأولى تسبق الانتصار السياسي، وتأخذ صيغة تأييد عدد من القبائل لدعاة المشروع الجديد (القبيلة والمذهب) والتي بموجبها يتعرف قادة المشروع الجديد على مدى قوتهم وتعاظم نفوذهم. الثانية تعقب الحسم السياسي وتأخذ صيغة قدوم مشايخ وزعماء القبائل إلى حضرة السلطان الجديد ليعلنوا أمامه بيعتهم له وولاءهم لحكمه. الثالثة تتم بالقوة وتأخذ شكل حملات عسكرية إلى أطراف السلطة، فيتم بذلك إقرار البيعة للسلطان وتحديد العلاقات المتبادلة: على القبيلة الضريبة وعلى السلطان الحماية.

البيعة شكل إيديولوجي للانتماء السياسي، إراديا أو قسريا، يتدعم بإجماع الفقهاء والعلماء. إما الارتباط فهو محاولة توسيع صلاحيات البيعة.

من ناحية أولى، تتحدد العلاقة السياسية بالانتماء إلى دولة مركزية واحدة فيها حاكم ومحكومون، ومن ناحية ثانية، تتحدد الواجبات والحقوق (على الناس البيعة والخراج وعلى السلطة تأمين الفيء والحماية). يستتبع كل ذلك ضرورة قيام عمل مؤسسي يشرف على تأمين استمرار هذه العلاقات كتعيين الوالي أو ارتباط شيخ قبيلة ما بالسلطان مباشرة، واجبها ضبط العلاقات الضريبية-السياسية وإبقاؤها في إطار سلطة المركز.

هذا النمط من الارتباط سهل التحديد في حالة وجود تمركز ثابت للسلطة والشعب. في حالة وجود حركة انتقالا دائم (البداوة مثلا) فإن الارتباط والبيعة لا يأخذان شكلا ثابتا، كما أن الضريبة صعبة الحصر لغياب منتوج ثابت. قد تتحقق الناحية الأولى من الارتباط السياسي بالصدفة أحيانا، أو بالولاء الطوعي أحيانا أخرى، أما الناحية الثانية ففيها من الصعوبة ما يجعل تبسيطها وتعميمها ضربا في المجهول. في الحالة الأولى يمكن لقائد حملة عسكرية أن يصادف قبيلة متجولة فيبلغها أن نظاما جديدا قد استتب، وبما أنها داخل إطاره فعليها الطاعة والولاء. الإجابة تكون غالبا بالإيجاب وتنتهي المهمة وتعود الحملة إلى نقطة انطلاقها والقبيلة تواصل ترحالها، أما الانتماء فيبقى سياسيا إيديولوجيا.

في الحالة الثانية تعلم إحدى القبائل بوصول سلطان جديد، فترسل شيخها ليعلن له البيعة. السلطان يستمع إلى خطبة الولاء والشيخ يستمع إلى نصائح السلطان وكلاهما يعود أدراجه، يجمعهما الاتفاق الجديد.

الناحية الثانية من تحديد العلاقات واضحة في حالة المدن صعبة في حالة الأطراف. التناقض القائم بين الحالتين لا يضع المركز والأطراف في إطارين قوميين مختلفين بل العكس يبقيهم في إطار واحد مدعوم إيديولوجيا-إسلاميا وجغرافيا. عندما تتحول البيعة إلى قهر والارتباط إلى إخضاع سياسي تكون العملية محاولة مركزة وتوحيد بالقوة، ولكن البشر ينتمون إلى نفس المنطقة ونفس التاريخ ونفس الثقافة. وهذا هو الجانب الغالب في قيام السلطة عند العرب، منذ الفتوحات إلى بداية التدخل العثماني. نفس الشيء جرى تكراره في المغرب العربي: السلطة الجديدة تطيح بالسلطة القديمة التي لا تتنازل بسهولة فيتم الارتباط بالعنف وتتم البيعة بالخضوع والموافقة، وتتابع السياسة سيرتها.

في حالة المغرب، الظاهرة أكثر وضوحا: في المخزن (مركز سلطة) والمدن تتحدد الحقوق والواجبات بشكل دقيق تراقبها وتحميها الإدارة وقوة السلطة العسكرية. إما بلاد السيبا (قبائل الجبال من الريف إلى الأطلسي) فإن عملية ارتباطها تختلف وتسلك منحى مختلفا. الانفصال القائم بين تبعية صارمة في الحالة الأولى، وتبعية اخف في الحالة الثانية يجد تفسيره في طبيعة شروط التبعية.

في الحالة الأولى، الولاء مرتبط بالممتلكات والأشخاص (بالأرض) فتحدد تبعا لذلك الواجبات والحقوق. في الحالة الثانية يرتبط الولاء بالأشخاص وليس بالأرض.

فالسيادة قوامها موافقة أو خضوعها مجموعات القبائل لسلطة مركزية. يعتبر السلطان نفوذه ساري المفعول لحظة إعلامه بموافقة زعماء القبائل المقيمين أو المتجولين. حدود البيعة هي حدود النفوذ السياسي والعسكري، الذي يكون سياسيا وعسكريا معا في حالة مدن المخزن، وقد يكون سياسيا-إيديولوجيا في حالة بلاد السيبا وقد يكون عسكريا في حالة الحملات العسكرية إلى الأطراف.

المهم من كل ذلك أن السلطة تبحث عن البيعة لبسط نفوذها وتشريعها ومد سلطتها إلى أقاصي البلاد والسيطرة على الطرق التجارية، والناس تبحث عن البيعة، أما لحاجة الحماية من مخاطر خارجية ودائمة فتلجأ إلى القوة الجديدة، وإما كرها وخوفا من التصفية وموافقة إيديولوجية وقبول واع بالولاء. ضمن أي من الأطر يمكن وضع الارتباط السياسي بين الصحراء الغربية والمخزن المراكشي بعد تحول الجزائر وتونس إلى ولايات عثمانية.

إن مراجعة دقيقة لصيرورة الدولة في المغرب الأقصى تثبت وجود نقطة ضعف قاتلة في المجال الجغرافي-السياسي: الأطراف. معظم الحركات التي انتهت إلى سلطة جاءت من الأطراف. في عصور الازدهار الإمبراطوري ترددت معنا باستمرار أسماء المدن الجنوبية (سجلماسا، تاهرت، تافيلالت، درعاـ ادرار...) ومداخلها نحو الشمال والشرق (السوس، مراكش). كما لعبت التجارة دورا محوريا وهاما في انتقال السلطة. وبناء عليه، فإن قبائل حسان الذين توزعوا منذ القرن الثاني عشر في طول الصحراء الغربية-الجنوبية وعرضها بين تافيلالت ودرعا، لم يكن بإمكانهم، مع احتمال نزوعهم الاستقلالي، أن يكونوا خارج حركة التطور. وفي حالة العكس، فإن سلطة المخزن لم تكن قادرة على إهمال ذلك الممر الحيوي والاستراتيجي.

صحيح تماما أن خارطة المغرب الأقصى الكبير قد ارتسمت ضمن دائرة الإمبراطورية المرابطية، وصحيح أيضا أنها وضعت انتماء واضحا متبادلا ومصيريا بين سكان المغرب من زاوية الأطلس الشمالية إلى نهر السنغال، وصحيح كذلك أن الظاهرة تكررت مع الموحدين. ولكن مرحلة انقطاع ممكنة الحدوث وقد حدثت فعلا، تبريرها الوحيد لم يكن ناتجا عن محض نزعة استقلالية عن مخزن قوي ومتسلط، وإنما، تحديدا، ضعف عام في بنية مخزن أصبح عاجزا عن إيصال نفوذه إلى الأطراف، وتدخل أجنبي، عثماني أحيانا، وبرتغالي اسباني أحيانا أخرى، كان يزيد في تعميق مرحلة الانقطاع. الانكفاء نحو الداخل في حركة بطيئة وصلت إلى ذروتها في القرن الثامن عشر، بعكس مرحلة دفاع ذاتي في مواجهة غزو حثيث ومستمر من الخارج، قد يكون الانكفاء ثمنا لاستقلال مخزني عن الغرب والعثمانيين، ولكنه لا يمكن أن يكون شيئا آخر.

أشراف درعا السعديون وأشراف تافيلالت العلويون انطلقوا من الجنوب نحو الشمال. استقرارهم في المخزن (مراكش وفاس) لم يلغ عودتهم، وقد أصبحوا في السلطة، لبسط نفوذهم في الأطراف التي قدموا منها. كل السلطة في مرحلة شبابها تقوم بتوسيع نفوذها. وفي مخزن أصبح اعتماده على الجيش والتجارة أساس استمراره، يكون البحث الدائم عن ضرائب ومركز الممرات شرط بقائه.

أرسل السلطان السعدي جيوشه نحو الصحراء، في بداية عهد السعديين (عام 1566)، في حملة وقائية يبدو أن هدفها بسط النفوذ ومد السلطة الجديدة بولاء مترامي الأطراف. إلا أن الاستنزاف الداخلي، في الشمال والشرق، كان يدفع السعديين، ومن بعدهم العلويين، دائما باتجاه مراقبة أشد صرامة على المداخل وطرق المواصلات وأبواب مرور التجارة المخزنية إلى الصحراء وسلع الصحراء العابرة إلى الداخل (املاح البوادي-اجيل، تغازة، ذهب، دقيق، وريش نعام والصموغ...) في كل مرة تكون حياة المخزن متوقفة على ازدهار حركة التجارة، تتجه جيوش المخزن نحو الصحراء: حملة السلطان السعدي أحمد المنصور (1678-1703) سارت إلى الصحراء وهدفها الاستراتيجي الوصول إلى حدود السنغال، بينما هدفها المباشر كان السيطرة على تقاطع الطريق التجاري الصحراوي (تاورت، تغازة، تومبوكتو).

إن ارتباط قبائل الصحراء الغربية بالسلطة السعدية لا يمكنه بحال من الأحوال تجاوز هذه الحاجة التجارية، بينما نراه مع العلويين يأخذ صبغة سياسية أكثر وضوحا: تمركز جيوش المخزن في أعماق الصحراء (ادرار موريتانيا)، تعيين ولاة محليين وقادة جيوش موضعية (كما كان الحال مع تعيين أمير الترارزة على شندورة)، وتجوال ابن أخ السلطان مولاي إسماعيل الدائم بين شنقيط والسنغال... أما مولاي إسماعيل نفسه (1672-1727) ثاني الشرفاء العلويين وأهمهم فقد «قضى طفولته في التخوم الصحراوية تافيلالت، وكان حليفا لقبائل حسان ماكيل بسبب القرابة السلفية من جهة الأم. ومن الملاحظ، أن هذه القرابة تلعب دورا هاما ومكتوما وفي نفس الحين، في السلطة الفردية للسلاطين الشريفيين الذين لم يخرجوا من دائرة –التحالف والمنافسة- وسط المجموعة التي ينتمون إليها بالقرابة. وقد تمت في عهده، حسب مختلف الرواة، ثلاث بعثات نحو تاغت وادرار، ثم نحو ترارزة. عدا ذلك فإن الهجومات كانت موجهة لمقاومة الأوروبيين والأتراك، والقبائل الداخلية. وبواسطة تلك الإرساليات، يسند من وقت لآخر بعض القبائل المحاربة الحسانية الموجودة في وضع صعب ضد أخرى، وضد القبائل المرابطة أو ضد فرنسيي سان-لوي...»(26).

إن علاقة من هذا النوع، لا يدخلها شكوك متعلقة بالانتماء أو البيعة، كان مقدرا لها أن تشهد انقطاعا سوف يعزل الصحراء الغربية وقبائلها عن مخزن شريفي يعيش اظلم مراحله ويعد نفسه لمرحلة احتضار، نجاته الوحيدة منها كانت الارتماء في أحضان غرب كان تجاره ينتظرون على الموانئ فرصة سانحة للدخول. هل كانت مرحلة العزلة انقطاعا كاملا أم استمرت روابط البيعة كولاء سياسي بحت، لا علاقة له بضريبة ولا بإرسال محاربين؟ أغلب الظن أن الانقطاع كان قائما، أو لعله كان في الغالب قائما حتى ما قبل القرن الثامن عشر، ولكنه محدود بالقيمة الميدانية له. لقد ظلت الصحراء عمقا استراتيجيا للمخزن، وظلت قبائلها تشعر بحنين العودة إلى عهد الموحدين والمرابطين. الشعور بالولاء إلى مخزن متردد ومتسلط أحيانا أو فاتح وقوي أحيانا أخرى، واقتناص لحظات استقلال عن مخزن محتضر وعاجز، لم يخرج الصحراويين من فلك الانتماء إلى مشروع يتجاوز أحلامهم المتواضعة.

يعود هذا الاتجاه ليؤكد نفسه مع مطلع القرن التاسع عشر. أدى احتلال الجزائر عام 1830 إلى انفتاح طريق التجارة الصحراوية. ومنذ عام 1840 أصبحت الطريق الغربية الأكثر ازدهارا وزادها أهمية غزو الفرنسيين لأسواق تندوف ومن بعدها كولمين. وضمن هذا السياق يمكن استيعاب أهمية الحملتين الباهظتي التكاليف اللتين قام بهما مولاي الحسن الأول (1878-1894) إلى منطقة السوس كولمين، حيث أنشأ في الأولى تزنيت وأعاد ربط قبائل بيروك بسلطته، في الثانية (27).

إن ارتباط الصحراء الغربية بالمغرب الأقصى قد يكون بديهة «استراتيجيا»، إلا أن تأكيده علميا مسألة تخالطها مغامرة. الانقطاع لم ينتج حرية تامة عن سلطة المخزن، ولكنه أيضا لم يبق ارتباطا واضحا بها. إن غموض الأحداث والوقائع والغياب النسبي لقبائل الصحراء عن الصراع السياسي لا يساعدان على إثبات أي من الاستنتاجين. كشف التاريخ السياسي للصحراء الغربية كل أوراقه الدفينة والراهنة لحظة مواجهته للغرب الاستعماري. وفي ثنايا هذا التاريخ يمكن التوصل إلى إجابة علمية قدر الإمكان، على الإشكالية المطروحة.

الشيخ ماء العينين أو التجربة الوحدوية

الطريق إلى السلطة في المغرب تبدأ في الدين وتنتهي في السياسة، أو تبدأ في السياسة «دينيا». انتقال الصراعات المحلية إلى مستوى سياسي-إيديولوجي يشترط مقومات مذهبية عقائدية تتعارض مع الركائز السائدة، فتأتي إصلاحا لها أو نقيضا. والاشتراط بهذا المعنى ليس رغبة إيمائية بل، تحديدا، ضرورة وحدوية، يصعب بدونها تكتيل قوة سياسية قادرة على فرض الغلبة «المذهبية»-القبلية.

تكرار الظاهرة يسمح بإدراجها ضمن قانونية علمية يتحدد بموجبها مشروع السلطة: صراع العصبيات المحلية من اجل الغلبة أو صراع الداخل مع الخارج من أجل الدفاع عن الأمة يستمدان جذورهما من التراث السياسي-الاجتماعي للإسلام، يخضعان له ويتكيف مع اتجاه المشروع الغالب.

دائرة الانتماء الوطني تتحدّد سلفا ضمن إطار الدائرة الدينية، وما يتشكل خارج الدائرة يحتمل ثلاثة تفسيرات: تفسير يعتبر الخروج عن دائرة الوطن (الإسلامي) شواذا عن القاعدة، أي استثناء، وتفسير يكشف مشروعا إقليميا له حسابات ذاتية ويتعارض مع المجموع الموحد داخل الدائرة، وأخيرا، التفسير الذي يعكس نتاجا قسريا لحالة معينة في ميزان القوى المحلي والعالمي، والذي يدفع التناقضات القائمة داخل الدائرة إلى التشكل ضمن دوائر صغيرة. لا ينفي ذلك تحييد الدين عن حركة الخروج عن الدائرة، بل يبقى ضلعا هاما يجري تطويعه مع النتيجة واستخدامه مع المسببات.

ضمن هذه المعادلة يمكن استيعاب الدور السياسي «للزوايا» في المغرب الأقصى. فالزاوية التي بدأت بتصحيح النظرة إلى الله –وفق خلفيات المبشرين- انتهت بتغيير النظرة إلى الإنسان. البداية كانت تعني تمتين الإطار الإيديولوجي للمشروع السياسي وتنقيته مذهبيا، والنهاية تعكس صورة الزاوية لحظة تحولها إلى سلطة. وبين البداية تحتفظ الزاوية بصفة جوهرية تكمن في كونها، أساس وقبل كل شيء، نواة «السياسية»: المعبد الذي سيتحول إلى قصر.

الزاوية هي الرباط أو الصومعة، يعيش فيها مبشر-زاهد لا يلبث أن يتحول إلى تيار له أتباع، يدعو إلى المعروف وينهي المنكر. المؤسس ينطلق من السلام ثم يتمذهب دينيا، أي ينحاز لمذهب قائم في المشرق فيحارب المذهب الغالب ليقيم مكانه مذهبه. ولما كان تأسيس المذهب في المشرق يقوم على قاعدة إعلان بديل سياسي للخليفة أي ليس استقلال عنه، بالمعنى القوي، فكيف يتم تسييس الزاوية ذات الشكل المذهبي في المغرب.

إذا اتبعنا التأريخ الغربي لا نستطيع التوصل على قواعد موضوعية تضبط التحليل. شارل اندريه جوليان يتحدث عن مرابط تابع للغرب، ثم يتجاوزه بتعريف للزوايا يبعدها عن السياسة ويحيطها بأكاديمية لا تحتاج إلى تعليق: «لقد أنتج المغرب الأقصى كثيرا من المرابطين الذين بلغوا درجة الصالحين إما لعلمهم وتقاهم وإما لبركتهم وإما لتفانيهم في التصوف. ويوجد بينهم سلم رتب يبتدئ بسلطان المدينة وينتهي بالوالي الصالح المجهول... ويكون كل حرم هام في توابعه زاوية ينفق عليها من عطايا الحجيج.

وللزوايا التي يشرف عليها شريف حظوة خاصة، لذلك يبذل كثير من المرابطين المغاربة جهدهم للحصول على نسب شريف. والزوايا التي هي مراكز لعبادة الأولياء ومجامع للأشراف هي أيضا مقر للطرق. ففي المغرب الأقصى يكون للطرق أكبر نسبة من الأتباع (10%)...» أما لماذا تبتدئ الرتبة بالسلطان، وكيف يكون الحصول على لقب الشريف هدف المرابطين، والطرق، أو طقوس الزاوية، صاحبة أكبر نسبة من الأتباع؟ فإن ش.أ. جوليان لا يتطوع للإيضاح (28).

الزاوية هي الشكل الجنيني للسياسة، وتطورها من زاوية إلى حركة ومن حركة إلى سلطة ليس إلا النمو الطبيعي والتدريجي لهذا الشكل. إدريس الأول أراد «تأسيس عاصمة والتبشير بدعوة» -العروي- وإدريس الثاني جعل من جامع فاس نواة دولة الأدارسة. أبو عبد الله الشيعي بدأ مثلما يتحدث بالدين وانتهى بتأسيس إمبراطورية الفاطميين. يحي بن إبراهيم عاد من الحج إلى بلاده «يصحبه مصلحه، عبد الله: (إن ما حدث فيما بعد: فشل أعمال التبشير الأول، الهجرة إلى جزيرة وبناء رباط (صومعة)، انضمام جماعة قليلة من الرجال الأكفاء ببطء حول عبد الله والزعيم الجديد يحي بن عمر، سوف يشكلون نواة الدولة المقبلة...) (29) هكذا بدأت الدولة المرابطية.

عبد المؤمن بن تومرت انتقل من قرطبة إلى العراق ومن العراق إلى الأطلس، عاد وجعبته مليئة دينا وأسس حركة مليئة سياسة أخذت شكلها الأكثر تجليا بقيام إمبراطورية الموحدين... نصل إلى زاوية الشيخ ماء العينين. هل كانت دينا أم سياسية؟ كل الذين سبقوه اتبعوا آلية معينة في عملية الحسم السياسي: زاوية، قيام اتحاد أو تحالف قبائل، تأسيس نواة السلطة من الدعاة، الاتجاه نحو مراكز التجارة، تعاظم قوة الحركة، الهجوم والانتصار.

الأهداف التي تبدأ بهدوء عند تأسيس الزاوية وتأخذ شكل عنف عند قيام السلطة لسياسية بقيت داخل الدائرة: استلام السلطة الواحدة والمركزية، الدفاع عن وحدة الأمة ضد الغرب المسيحي، السلام، ونقطة انطلاقة الزاوية، أساس البداية وركيزة الاستمرار –إطار تشريع وتركيز الوحدة السياسية ومجال إخضاعها للمركز- المخزن.

هل كانت زاوية الشيخ ماء العينين استمرار لنفس التاريخ، والرد الوحدوي على غرب استعماري في لحظة عنفوانه؟ أم أنها شكل تمظهر وتحصين لمشروع إقليمي-موضعي، أي صحراوي؟

التاريخ الرسمي في المغرب يعرض الشيخ ماء العينين بدون تفاصيل، يضعه أحيانا على الهامش وأحيانا أخرى يقدمه بوصفه العامل الصحرواي الأكثر ولاء للسلطان والأكثر حرصا على وحدة المملكة. والجهد الأكثر تفصيلا لم يتجاوز الأسطر العشرين، تحتوي أهم تجربة سياسية في المغرب الأقصى لحظة التدخل الاستعماري!! (30).

أما محاولة التأريخ الصحراوية شبه الوحيدة والتي سعى جاهدا، لتقديمها «كعلم»، أحمد باب مسكي فإنها الأكثر استفزازا. احد مؤسسي البوليزاريو، الذي يرى في الشيخ ماء العينين أصلا موريتانيا «استقر، شابا، في الساقية الحمراء»، ويعمل بكل «قوته» على دحض الاستعمال المغربي للانتماء الصحراوي لهذا الشيخ، لم يتكرم علينا إلاّ بأربع صفحات. ولغاية الآن، يظل الشيخ ماء العينين –منبع الوطنية الصحراوية- مهملا من قبل الوطنيين الجدد!! (31)

لا نريد الدخول في تحليل أسباب الإهمال وأسباب الاستعمال المتأخر لتراث الشيخ ماء العينين. كل طرف من الأطراف يستعمل هذا التراث وفق سياسته:

القائلون بمغربية الصحراء يقدمونه مغربيا أصيلا، والقائلون بصحراوية الصحراء يقدمونه مناضلا وطنيا من أجل الاستقلال الصحراوي. كل طرف يضعه في إطار تاريخي يختاره هو، ويقدم مشروعه السياسي ضمن المشروع الرسمي العام (مغربيا كان أم صحراويا)، يليه بتحديد الانتماء الوطني، وكل واحد يسعى للقيام بكل هذه العملية ببخل وثائقي وحدثي وتأريخي.

سنحاول قدر الإمكان استخلاص ما استطعنا معرفته عن تجربة هذا الشيخ من خلال بعض المقابلات والمعاينات الميدانية، وبالاستناد إلى بعض المراجع المتفقة على الحدث ولكن المختلفة على تفسيره، والتي هي قليلة ونادرة، وذلك في محاولة جدية للمساهمة في إحياء هذا التراث، بدون تحليل ولا تعليق، فالإهمال المذكور واضح ومدان. نكتفي هنا بعرض حدثي-معلوماتي هدفه الأساسي الإلمام بجوانب التاريخ السياسي للشيخ ماء العينين.

ينتمي الشيخ ماء العينين إلى قبيلة خميس التي انتقلت مع طالب ضيا المختار إلى أدرار (موريتانيا) في القرن الثاني عشر، وهي قبيلة مغربية صنهاجية تنسب نفسها إلى إدريس الثاني، أي ترتبط بأصل عربي-قرشي-هاشمي-علوي (الحسين بن علي)، وبأصل مغربي سياسي-مذهبي (الأشراف الأدارسة). والده، المرابط محمد فاضل بن مامينا، كان في أساس التنشئة الدينية للشيخ ماء العينين، إذ منذ ولادته عام 1838 وهو ينمو في جو إسلامي تقوي سوف يحدّد لاحقا اهتمامات الشيخ: الانكباب على علوم الدين، التعليم في شنغيطا، مدينة العلوم الدينية-الثقافية في موريتانيا، تنتهي المرحلة الأولى بزيارة مبكرة إلى المشرق لأداء فريضة الحج (في سن السادسة عشرة)، يعقبها عودة متواضعة، حيث يبدأ الحاج الشاب بالارتحال بدويا، مع مواشيه القليلة، بين وادي درعا وأدرار بحثا عن المرعى والمياه. غير أن تجواله الدائم بين شمال الصحراء وجنوبها كان يساعده على الاحتكاك بالقبائل، وكان يعزّز عنده الميل نحو تمركز ما بإمكانه المساعدة على تخفيف صعوبة الارتحال في صحراء واسعة الأرجاء: رغبة بدائية للانتقال إلى حياة حضرية تغطي مشروعا دفينا من الصعب تحديده في تلك المرحلة، ولكن من الممكن حصره بإقامة زاوية ونشر الثقافة والتعليم الإسلامي عند قبائل الصحراء.

بدأت صيغة الزاوية تظهر إلى الوجود في أعقاب انتقاله من أدرار إلى الساقية الحمراء، وخاصة بعد زواجه من امرأة عربية عام 1965، شروعه في بناء منزل من حجارة بالقرب من دا حمرا. قلة المياه وصعوبة إنجاح التمركز الحضري في تلك المنطقة، إضافة إلى وجود أماكن أكثر خصوبة وأمطار أكثر غزارة في نواحي التمركز الحضري في تلك المنطقة، إضافة على وجود أماكن أكثر خصوبة وأمطار أكثر غزارة في نواحي غلتا زمور، عوامل أسفرت عن انتقال جديد وأدت إلى تبلور فكره السياسي-التبشيري: في المنطقة التي يتعايش فيها الزرع مع التراب، ويعبرها القادم من الشمال إلى الجنوب والعائد من الجنوب إلى الشمال، يمكن أن يتحول المنزل الحجري إلى نواة مدينة-ممر، والزاوية الدينية إلى واحة سياسية ونقطة جذب وتوحيد للسياسات البدوية المنتشرة.

ارتباط الزاوية بحلم تأسيس مدينة على تقاطع طرق المغرب بموريتانيا، ويتضمن إمكانية إقامة سوق -مركز تجاري وسيط في قلب الصحراء- يساعد على القول بوجود مشروع مركزة موضعي من الصعب تحديد خصوصيته السياسية ومبرراته، وإن كان بالإمكان وضعه في إطار الأحداث التي سبقت فكرة قيام المدينة وترافقت معها فيما بعد. ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الصحراء الغربية تعيش حالة قلقة مصيرية، وكل شيء كان ينذر بانهيار ما: فرنسا تعبر قواتها نهر السنغال وتندس في جنوب الصحراء، اسبانيا تنتظر من جزر الكناري وترسل تجراها ومبعوثيها ليعاينوا «الضحية» عن كثب وبواخر الجيوش في حالة تأهب، انكلترا تتمتع بامتيازات علاقتها مع السلطان وتطل بأطماعها الصحراوية من كاب جوبي (الطرفايا)، أما الشمال، الذي أدخلته أزمته إلى «المخزن» وحصرته فيه، فكان يعيش انقطاعا مع أطرافه في الريف والصحراء، ويشهد صراعا دوليا لاقتسامه، بينما سلطانه لا يملك ورقة ضغط فاعلة. المغرب المحارب يعيش حالة إعياء، السلطان ينتظر لحظة احتضاره، الصحراء تراقب حركة المحاصرة وتتلمس دفاعاته الأولية، والغرب اتخذ قراره التاريخي باحتلال المغرب الأقصى بدءا من أطرافه. ضمن هذا الإطار كان يتبلور الوعي السياسي للشيخ ماء العينين: قلبه على الأرض (الإسلام) وعينه على بواخر الغرب.

في نفس الفترة، كانت القبائل تعيش حالة تفتت داخلي تضع كلاّ منها في مواجهة انفرادية ضد محاولات التغلغل الأولى للاستعمار، مواجهة كانت تنتهي غالبا بتراجع القبائل وإبرامها لاتفاقيات «هدنة» مع الغزاة:

تراجع أولاد الدلايم عام 1884 ساعد اسبانيا في السيطرة على الساحل الافريقي وإرسال جيوشها نحو الرأس الأبيض ورأس بوجدور محتلة الخط الساحلي للصحراء الغربية، وإعلانها الرسمي في 26 كانون الأول من نفس العام عن حمايتها لهذه المنطقة.

المواجهة الانفرادية التي عاودها أولاد الدلايم بتاريخ 9 آذار/مارس 1885 كانت تضع هذه القبيلة في حرب ضد مستعمر قوي، لا يميل ميزان القوى بشكل يساعد على إحباط مخططه، وبديهي أن تنتهي باتفاقية لوقف العمليات المسلحة، وبالتالي إدخال بعض زعماء أولاد الدلايم في المشروع الاسباني، الذي أخذ شكله الأولي ببناء مدينة الداخلة (فيلا سيسنيروس).

أما الجنوب فقد عايش تنافسا صامت وحادا بين اسبانيا وفرنسا. ففي الوقت الذي أرسلت فيه اسبانيا جنرالها سيرارفار إلى ايجيل (عام 1886) ليعقد معهاهدة مع بعض زعماء قبائل ادرار –ومن بينهم أمير أدرار نفسه- ويعلن خضوع القسم الجنوبي للسيطرة الاسبانية، كانت فرنسا ترى في هذه الخطوة تهديدا خطيرا لكامل مشروعها في افريقيا «الفرنسية». «وبعد مرور 15 عاما من المفوضات الصعبة، وأحيانا على مستوى «القمة» للتوصل على تحديد أولي لعملية الاقتسام والتوزيع، ترتسم المعاهدة الفرنسية-الاسبانية المبرمة عام 1900 حول الصحراء وغينيا الحدود التي بقيت هي نفسها من لافيرا وبورت ايتاين (نواذيبو) على خط الغرب الجغرافي 14، 20 درجة بالنسبة لباريس. فالمعاهدة تمنح فرنسا منطقة المساحة الإستراتيجية لايجيل، بملاحتها وجبلها الحديدي...» (32) وتطلق يد اسبانيا في الشمال من مدينة الداخلة إلى ايفني.

انعكس الاتفاق الفرنسي-الاسباني على وضعية المقاومة الداخلية. فالقبائل التي كانت تمارس عمليات حربية ضد «المسيحيين»، وكانت تستفيد من تنافسهم، وجدت نفسها فجأة في مواجهة تحالف قوي، لم تكن نتائجه متجانسة: أولاد الدلايم يتفاوضون ويقاتلون، أهل بيروك يبحثون عن مدخل تجاري داخل الوضع الجديد، الرقيبات يتجمعون على الساحل وقرارهم الوحيد دفاعي، أمير ادرار وبعض زعماء الترارزة ينحنون أمام ثقل التحالف الجديد... بالمقابل، كان المخزن، الأمل الوحيد لقبائل الصحراء، قد كشف كل أوراقه. ضعفه العام يحول دون تنفيذه لشروط البيعة (حماية الرعايا)، وتغلغل الغرب في البلاط الملكي كان يدفع الأمور باتجاه المساومة والانحناء. فالاحتجاج الذي وجهه السلطان حسن الأول، بتاريخ 16 أيار/مايو 1886، إلى الدول الكبرى معترضا فيه على التدخل الاسباني المتجه شمالا، لم يكن تعبيرا عن مشروع مواجهة مع الغرب. لقد كان، تطويقا لمحاولة تقسيم المملكة، والخطوة الأخيرة لضبط انفلات الرعايا وتغريدهم خارج «السرب» المخزني: «أما الحكومة الفرنسية فلم تكن لها لحد الآن مع أسلافنا الكرام إلاّ علاقات المودة، وقد أظهرت إخلاصها لاتفاقية السلام واحترامها لحقوق الجوار وأسلوب عملها منصف والتزاماتنا المتبادلة تتأكد وتقوى، ونريد أن يبقى بين حكومتنا وبين الحكومة الفرنسية سلام دائم وعلاقات ودية، وهذا قد تم بناء على نصوص مكتوبة تحتوي على كل من الحجج والنصوص إلى حد أنه حتى إذا لم يعترف لهم بحق في قضية ما فإن الفرنسيين يمسكون عن طلبهم، ويواصلون معاملة هادئة اعتبارا لموضوع محبتهم انهم لا يعلمون ضد احد دون أن يبنى عملهم على سبب عادل، ولا يحدثون ضررا بجيرانهم إذا لم يجبرهم هذا عليه، فإذا بقيتم إذن في حدود حقوقكم مقتدين في ذلك بأسلافكم لن يصلكم منهم ضرر ولا خراب ولن يلحقكم منهم ظلم طول العمر بإذن الله...» (33) أما وفود القبائل التي كانت في حركة ذهاب وإياب من الصحراء إلى فاس، للمطالبة بدعم صمودهم، كانت تكتشف، عدا اتجاه المساومة، ضعفا بنيويا عاما يجعل المخزن عاجزا عن التحرك خارج دائرة نفوذه، جغرافيا وسياسيا. ولم يبق بالتالي إلاّ البحث عن حل أساسه ذاتي، وعن مشروع يبدأ بالدفاع ضد الاستعمار ويأخذ مسار تصحيح الوضع في المخزن.

على قاعدة هذه التطورات ينبغي وضع تجربة الشيخ ماء العينين. إن محاولة توحيد القبائل الصحراوية، وحماية التراب الوطني والإسلام من الاستعمار، وخلف نقطة جذب محلية قادرة على الاستقطاب وتطويق الانهيار المعنوي العام، كلها عوامل أساسية ومباشرة لعملية بناء مدينة السمارة وتشكل الزاوية السياسية الصحراوية التي ستقود المعركة وتخرق الحصار. ولكن رغم «ذاتيته»، فإن المشروع كان غير قادر على الاكتمال بدون مساعدة (موافقة) المخزن. فالشيخ، رغم قناعته بضعف المخزن وبضرورة أخذ زمام المبادرة، كان يدرك تمام الإدراك أن إمكانات الصحراء المتواضعة لا تتوافق وحاجات بناء المدينة، وبالتالي فإن البحث عن مساعدة السلطان عبد العزيز ضرورة يتوقف عليها المضمون الوطني للمشروع. ففي مقابل المدن التي يبنيها الاستعمار ينبغي تشييد المدن التي بينها الوطن. أما السلطان فقد رأى في مبادرة الشيخ وسيلة التحام جديد ودفعة مقوية للنفوذ المخزني الذي كان قد بدأ يعيش حالة الانحسار. فالمبادرة الصحراوية سوف تعيد سلطة مراكش إلى الصحراء بعد أن أخرجتها منها حالات التفكك العام للمملكة.

كيف كانت العلاقات السياسية بين الشيخ ماء العينين والسلطان المغربي لحظة بزوغ المستقبل السياسي لمدينة السمارة؟ وما هي الروابط التي كانت قائمة بينهما: تبعية أم استقلال؟

تثبت الوقائع التاريخية قيام التبعية بالمعنى الوطني أي انتماء إلى سلطة سياسية مخزنية وملامح مشروع سياسي محلي المنطلق شمولي الهدف. فالشيخ ماء العينين كان يتمتع بشخصية مميزة، استطاعت بفضل الثقافة الإسلامية الواسعة والإيمان الشديد، فرض نفسها في منطقة تتعايش فيها «زعامات» قبلية. لكن هذه الشخصية لم تتحول إلى قيادة سياسية إلا بحيازتها لشروط الزعامة نفسها:

علاقات واضحة مع السلطان العلوي، نفوذ محلي قوامه الزاوية (المربط) والدعوة لمحاربة المسيحيين. العلاقات مع السلطان لم تكن «صدفة» بقدر ما كانت وسيلة حصول على شرعية الزعامة المحلية. فالبيعة التي أعلنها الشيخ ماء العينين للسلطان عبد العزيز عام 1894 يجب أن توضع في سياقها التاريخي: رحلات الذهاب إلى فاس ومراكش والإياب إلى الصحراء طيلة الفترة الممتدة من 1890 إلى 1900، وتشجيع لعمليات التخريب ضد مصالح قوات الاحتلال، وخاصة المصالح الاسبانية في وادي الذهب والانكليزية في كاب جوبي، كانت مبادرة من الصحراء نحو المخزن في محاولة لتوحيد القوى لحظة اشتداد التغلغل المسيحي. ولكي تتحقق شروط الزعامة وجب تطويق العراقيل، أي تحديدا إقناع القبائل وإقناع السلطان. أهل بيروك كانوا يرون في بناء المدينة حظوة تجارية ستؤدي بازدهارها إلى إضعاف غوليمين وبالتالي تدهور نفوذهم الاقتصادي الذي بدأ ينمو على قاعدة الصفقات التجارية مع الغرب. والرقيبات كانوا يرون في الانتعاش الحضري «طعما» يجذب المسيحي، بينما الصحراء «البدوية» لا ترغب الغرب وتبقيه بعيدا عن وطن القبائل. أولاد الدلايم كانوا يبحثون عن فرصة لانتشال أنفسهم من البؤرة التجارية التي أقامها الاسبان في الداخلة، ولكن رغم ذلك كانوا منقسمين: فئة وافقت على السلم وفئة تابعت «القرصنة»... المهمة صعبة لكن تحقيقها احتاج لكل ثروة ماء العينين الفكرية والشخصية والدينية. السلطان عبد العزيز، من ناحيته، لم يكن بحاجة على إقناع طالما أن المبادرة لا تكشف سياستها.

فهي طلب من الخليفة إلى سلطانه لبناء مدينة-زاوية، وسوق تجاري-ممر، يعني فيما يعينه تقوية نفوذ مراكش إلى ما وراء وادي نون وصولا إلى أدرار. أما المضمون السياسي للطلب فسوف يحتاج لعدة سنوات بعد استكمال بناء المدينة، ويأخذ شكلا مترددا سوف ينتهي بدوره بقطيعة سياسية. اتفاق محلي وشرعية مراكشية أعقبها تنفيذ الحلم. المهندسون يتجهون من فاس وتطوان وطنجة لوضع تصاميم المدينة الجديدة، مسافة الـ 250 كلم التي تفصل ميناء الطرفايا عن مدينة السمارة كانت طريق عبور قوافل آلاف البغال والجمال حاملة مواد البناء التي تبرع بها السلطان. أربع سنوات، من 1898 إلى 1902، وتقوم مدينة السمارة في قلب الساقية الحمراء، قرية متواضعة من 16 منزلا وجامع، تفصل بينها طرق صغيرة، منعطفاتها الواسعة «تجارية» وساحتها أسواق سوف تنافس لاحقا أسواق تندوف وتمبوكتو.

بدأت السمارة كمدينة (زاوية-سوق تجاري) قبل أن تتحول إلى عاصمة للنضال السياسي: دار الشيخ ماء العينين كانت مدرسة لطلاب العلوم القرآنية، واللغة الفصحى كانت لغة العلم الصحراوي، والإقامة مجانية للمريدين القادمين من وادي درعا شمالا وأدرار جنوبا. وهو، لحظة مماته، ترك في زاويته تراثا ملفتا للنظر بغناه وبإهمال الأسلاف له (بتعددية هوياتهم)، 450 مخطوطة و413 كتابا في الدين والفقه والأخلاق والسياسة احتوتها مكتبة ذلك الشيخ المتواضع. (34)

غير أن الزاوية التي بدأت بالدين سوف تنتهي بالسياسية، كما هي حال معظم الزوايا المغربية. ولحظة الانتقال هي لحظة الصراع مع الآخر: الغرب المسيحي.

كان قائد المقاومة المحلية مؤسس زاوية وخليفة للسلطان عبد العزيز، يمثل السكان أمامه وينقل إليهم أوامره. العلاقة الدقيقة التي كانت تربط «الخليفة» بـ«السلطان» لم تخرج عن دائرة «الانتماء الوطني» حتى في لحظة انهيارها التام.

وكونها كذلك، فإنها شهدت تطورا دراماتيكيا طبعته عوامل متعددة أهمها اندفاع الشيخ-الخليفة، وتردد السلطان وهجوم الاستعمار. والتاريخ الذي بدأ يتبرعم مع قيام المدينة (السمارة) وصل إلى نقطة انطلاقه المحورية عام 1904. ففي هذا العام عقد الشيخ محادثات مطولة مع السلطان موضوعها الوحيد دار حول كيفية التعاون لإيقاف العدوان الذي بدأ يتوسع انطلاقا من جنوب الصحراء. انتهت المفاوضات بعودة ظافرة إلى السمارة: فقد رجع مدعوما بشرعية مخزنية واضحة ومعززا بإمكانات حربية، لا ينقصها سوى تقوية الوضع السياسي المحلي، وذلك بتشكيل تحالف قبلي شعاره الأساسي طرد المسيحيين من الصحراء، وتحصين المواجهة الوطنية بإجماع سياسي. كان اتجاه المخزن يتوافق مع التفاف قبلي حول ماء العينين، طالما أن مشروعه لا يزال داخل دائرة المخزن، ولم يخفف السلطان ذلك، ففي رسالة وجهها إلى إحدى قبائل المور، مؤرخة في أول عام 1905، يعرض السلطان مضمون محادثاه مع الشيخ ماء العينين، ويلمح إلى شرعية قيادته (أي قيادة ماء العينين) ويركز على ضرورة اتفاق القبائل. فهو يقول أن الشيخ نقل إليه تخوف السكان من محاولات الاسم الأجنبية المستهدفة غزو بلادكم» وان القبائل متفقة على محاربة الأجانب ولا ينقصها إلا إذن خاص وزعيم مطاع وأسلحة حديثة. «... وقد وجدنا أن نحذركم من هؤلاء الذين عندهم مشاريع سيئة في بلادكم، وان اتفاقكم بين القبائل للدفاع عنه، هي براهين من حكومتنا الشريفية التي تعترفون بها منذ زمن طويل، وحجة تدعم مطالبكم وتثبت صدق مودتكم تجاهنا. بهذا الاعتراف تدافعون عن دينكم وتبقون دائما على مكانتكم المحفوظة».

لم يتأخر الشيخ بقطف ثمار الوئام مع المخزن، ولم ينتظر اتساع التدخل الأوروبي، فسارع في إخراج مخططه إلى النور: إجماع جبهوي-قبلي في مدينة السمارة لوضع اللمسات الأخيرة لمقاومة الاحتلال. الرسائل التي كان أولاد الشيخ ينقلونها إلى زعماء القبائل الصحراوية، تضمنت الجوانب الهامة لفكره السياسي. ففي إحدى الرسائل التي سلمها ابنه البكر الشيخ حساني إلى سيديا بابا في بوتلميت بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1905 جاء ما يلي: «هدف هذه الرسالة هو إعلامك بأن بعض المسلحين من أمثال ولد عايدة، أمير أدرار، وقبيلة مشدوف، أيدا وأيش تاجانت، وجهوا إلى الشيخ ماء العينين شكاوى ضد المسيحيين وطلبوا منه التدخل لدى السلطان. وقد ابلغ السلطان المسيحيين، بعد أن أطلعه الشيخ على الأمر، بأن تراب-البيدان كانت له، وأنه لا يجب أن يتملكوها. اليوم، أرسل السلطان بعثة بقيادة ابن عمه، مرفقة بميثاقه وسكرتيره وذلك لتقبل طاعة المسلمين ونجدة الذين يرغبون بالقوات والعتاد. إذا لم يترك المسيحيون هذا البلد، ستعلن الجهاد. الذين سيدافعون عن قضية الإسلام سيصبحون محميين، والذين سيتحالفون مع المسيحيين سوف يعتبرون كأعداء...» (36).

في أواخر خريف عام 1905، التقى في السمارة كل القبائل، وبحضور بعثة رسمية قدمت من فاس إلى الصحراء. الجميع التقوا وتحالفوا: قبائل التكنة (ازرقيون، آية الحسن، ازوافيل، آية يوشي وياقوت)، قبائل الداخلة ووادي الذهب (أولاد الدلايم، العروسيون، أولاد تيدرارين، الرقيبات، أولاد بوسباع، آية يعقوب، أهل الحج، الغور، أولاد لاب، سكارنا)، قبائل الجنوب من ادرار تمار (أولاد أمّوني، أولاد أكثر، أولاد شيلان، الطرشان، ايديشلي، سماسيد)، قبائل شمانة (الترارزة، أولب، أولاد بيري، أهل بارك الله، تاغّات، ايدا بولحسن)، قبائل تاتاجانت (ايدا وايش، ايدا والحج...) في هذا الاجتماع عولجت مشكلة التمثيل الشرعي: القيادة المحلية للشيخ ماء العينين، والبيعة للسلطان، خطبة موفد السلطان كانت انعكاسا لشرعية زعامته وما ورد فيها انعكاس انتمائه: «يجب أن تدفعوا لخليفة السلطان الزكاة الشرعية... سوف أعطي لكل عامل ظهير تعيينه. من بين العمال الواردة أسماؤهم، أذكر بشكل خاص وعلى سبيل المثال: سيدي عايدة، زعيم ادرار، سيدي أحمد بن ديد، زعيم الترارزة، أحمد بن سيدي علي، زعيم البراكنة، سيدي عثمان بن بكر، زعيم ايدا وأيش...» (37).

انتهى اللقاء بإقرار سياسة مواجهة اجتماعية يقودها كل زعيم من موقعه، ويتم التنسيق من خلال الشيخ ماء العينين، ومن خلاله بالسلطان، أما مركز القيادة فقد تحدّد بشكل نهائي: السمارة، الزاوية التي أصبحت مدينة، والمدينة التي تحولت إلى مركزة قيادة العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال.

كانت أواخر عام 1905 تعني بداية تحويل الاتفاق السري الفرنسي-الاسباني إلى ممارسة احتلالية على أرض الواقع. فرنسا دخلت إلى موريتانيا فاحتلت بعض المناطق القريبة من السنغال، واسبانيا عزّزت وجودها في مدينة الداخلة وبدأت تحضر لعملية عبور نحو الشمال والدخل. ترافق ذلك مع إخراج انكلترا من حلقة التنافس الأوروبي حول المغرب، ولم يبق إلاّ الألمان الذين سوف يبرزون على السطح في مؤتمر الجزيرة الخضراء.

لكن قبل هذا المؤتمر كان الشيخ ماء العينين قد أرسل مبعوثيه إلى مناطق الصحراء التي وقعت تحت النفوذ الغربي ليحثوا السكان على الثورة، وتبدأ المجموعات عملياتها المسلحة (اغتيال كوبولوني في 12 أيار/مايو 1905 على يد المقاتلين الصحراويين الذين كانوا بقيادة أمير أدرار ولد عايدة).

وأرسل المخزن مولاي إدريس إلى الجنوب الذي احتلته فرنسا ليشرف على تطور الوضع ويقود المواجهة في موريتانيا طيلة العام 1906.

كان التنسيق بين المركز-السمارة والفروع. نقاط المواجهة يتم من خلال اتصالات بشرية يقوم بها أفراد سريعو الجري يقطعون المسافة من السمارة إلى أدرار ركضا، فينقلون رسائل الشيخ ماء العينين للزعماء المحليين. أما التنسيق مع المخزن فإنه يبدا من موغادور باتجاه السمارة، ومنها إلى زمور وتيريس وأدرار، والعكس بالعكس.

عام 1906 كان عمليا نقطة تحول في الوضع العام، وبداية انهيار التحالف القائم بين السمارة وفاس. ففي مؤتمر الجزيرة الخضراء كان ممثل المغرب حاضرا، يستمع إلى مقررات التقسيم والاحتلال، بينما سكان الصحراء يقاتلون ويتابعون بقلق رافضين أن يتقرر مصيرهم على يد الأوروبيين وبحضور ممثل السلطان. انتهى المؤتمر ونفذت الذخيرة من مقاتلي الجنوب مما وضع الصحراويين في مأزق حاد ومعادلة معقدة: الاستمرار في مواجهة منفردة في وقت تتجه فيه رياح المحزن نحو المساومة وتشتد الحاجة إلى السلاح والذخيرة، التي مصدرها المخزن.

الحل الوحيد كان اصطحاب أهم الزعماء والمستشارون إلى فاس لمقابلة السلطان عبد العزيز وبحث جميع الأمور، من المساعدات العسكرية إلى تدهور الوضع السياسي في الجنوب والشمال. المهمة كانت شاقة واستلزمت من الشيخ إقامة سنة (طيلة عام 1907) في شمال المغرب، وكل ذلك لكي لا يعود بأيد فارغة إلى مدينته. العودة، التي أعطتها المساعدة المادية أملا وتفاؤلا، حملت معها أجواء الشمال المنهارة أمام الزحف الفرنسي. المدن الكبرى تسقط في أيدي قوات الاحتلال والسلطان يسير نحو هزيمة سريعة الخطوات، سوف تعمل في حال تحققها إلى إحكام الحصار على الصحراء وبالتالي تطويق الانتصارات التي من الممكن إحرازها في الجنوب.

لمواجهة تطورات من هذا النوع، اتّبع الشيخ تكتيك الهجوم الوقائي. التصعيد العسكري الشامل والمتواصل في الصحراء لإضعاف قوة الاستعمار في الداخل وإحداث تغيير في ميزان القوى العام لصالح المغرب. وهكذا كان. ففي عام 1908 خاضت قبائل الصحراء معارك باسلة وأثبتت سياسة ماء العينين عن جدارة وإصرار، خاصة لحظة تحديد الأهداف: مهاجمة مراكز الأوربيين وقوافل المؤونة، قطع خطوط الاتصالات الهاتفية... عزّز الشيخ قواته باتجاهين كانا يبدوان له خطيرين، خاصة موقع أكجوت، الذي كان تركيزه يمثل المرحلة الأولى من التقدم الفرنسي نحو الشمال، والقوات المتمركزة في تاجانت بقيادة الكابتن مانغان. ولد عايدة، أمير أدرار، هو الذي كان يقود العمليات المسلحة ضد اكجوت. ففي المعركة الأولى قتل الكابتن ربو (16 آذار/مارس 1908).

في 17 نيسان/ابريل، قتلت قوات المور مساعدي ضابط وعشرين جنديا بالقرب من آبار دامان. وفي 22 أيار/مايو، هاجمت قوات ولد عايدة بعنف قوة فرنسية على بعد 15 كلم من اكجوت. وفي 10 أيلول تمكنت القوات الصحراوية من السيطرة على كل المنطقة تاركة الفرنسيين ينسحبون إلى السنغال. في الجهات الشمالية من الصحراء، كان أولاد الشيخ ماء العينين يقودون العمليات المسلحة مع مقاتلين من الرقيبات وأولاد الدلايم، ويلاحقون القوات الفرنسية إلى وسط وغرب الصحراء: يهاجمون ويدمرون المواقع العسكرية، يعاقبون بشدة القبائل التي وقّعت اتفاقيات مع العدو، يفاجئون الكابتن مانغان وقوته في منطقة الموينان ويبيدونهم. أعقب ذلك مقتل 12 جنديا فرنسيا قرب آبار تالمنست، وهرب باقي القوة. وبينما كانت علامات التشاؤم تظهر على وجوه قيادة الأركان الفرنسية في سان لويس، كانت قوات الشيخ ماء العينين قد حررت معظم الصحراء الجنوبية ووحّدت حولها معظم القبائل، وحوّلت مدينة السمارة الصغيرة إلى عاصمة الانتصار السياسي. (38).

الارتباط المصيري الذي يربط الصحراء بالمخزن، أو الجنوب بالشمال، عاد ليثبت غلبته من جديد، فالصحراء المتحررة بقيادة الشيخ ماء العينين كانت مهددة وطموحة في آن الخطر واحد. مهددة، لأن بقية البلاد تعيش حركة تراجع والمدن تسقط الواحدة بعد الأخرى بيد القوات الفرنسية (وجدة، الدار البيضاء)، مما يعني أن زحفا فرنسيا قادما من الشمال لا يمكنه أن ينتج سوى خطرا. ففي أضعف الاحتمالات يجري تطويق الصحراء وقطع الإمدادات عنها كخطوة أولى. انتصار في الجنوب وهزيمة في الشمال يعنيان خللا كبيرا في إستراتيجية ماء العينين، فالتقوقع جنوبا يعنيان الإجهاض البطيء وانتظار الخطر القادم من الشمال. وطموحة، لأن استكمال الانتصار قد بات موضع بحت، وتدهور الوضع في المخزن وضع مصير البلاد كلها موضع بحت. كان الشيخ ماء العينين ينظر بقلق نحو فاس وراقب خطوات التراجع التي يقوم بها السلطان، من سكوت على مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء إلى صمت مطبق حول احتلال المدن وتطويق مدن أخرى وعدم استنكار للعنف الذي يرافق الاحتلال الفرنسي، وكل ذلك مترافق مع قطع الاتصالات بالشعب، لا لمساعدته ولا لحثه على التصدي وعدم التراجع. كان الشيخ يرى المغرب يسقط في يد «المسيحيين» بينما السلطان لا حول له ولا قوة، يحضّر نفسه لتوقيع معاهدة ما، وخاصة بعد أن وصلت قدرة الفرنسيين إلى حد تغيير السلاطين (عبد الحفيظ يستلم الحكم بعد تنحية أخيه عبد العزيز). الطموح لا يعني مشروع هيمنة وبسط النفوذ، فهو تحديدا رغبة قوية لاستكمال عملية التحرير وطرد الغرب وعزل السلاطين العلويين. وفي المغرب يتواكب دائما هدف محاربة الغرب بضرورة استلام السلطة، وتحرير الصحراء عملية ينبغي أن تصل إلى نهايتها المنطقية. فالأشراف العلويون الغيلاليون الذين قدموا من جنوب المغرب الصحراوي واتجهوا شمالا في القرن السابع عشر، كانوا يحملون مشروعا كاملا: تحرير البلاد من النفوذ البرتغالي المتزايد وتنحية الأشراف السعديين الذين ارتموا في أحضانه. لم تكن قوتهم المحلية واستقلالهم الفعلي عن نفوذ المخزن إلاّ الخطوة الأولى.

والظاهرة التي تكررت سابقا مع المرابطين والموحدين تتكرر في مطلع القرن العشرين ولكن بشروط أخرى. لقد كان المشروع قائما والحلم واحدا لكن ميزان القوى كان مختلفا.

قبل أن يبدأ الشيخ بالاتجاه شمالا كان الفرنسيون قد بدأوا الاتجاه جنوبا في حركة هجوم مضاد استطاعوا بواسطته دفع الصحراويين نحو الداخل والسيطرة على ترايزه وادرار (موريتانيا) عام 1909 بعد مواجهة بطولية وتصد عنيد من قبل المقاتلين الذين كانوا بقيادة ولد عايدة. وفي الوقت الذي كان فيه الجنرال غورو يحكم قبضته على جنوب الصحراء ويتقدم نحو الداخل ليصل عام 1910 إلى حدود كديا وسبكه ايجيل، كانت القوات الفرنسية المتمركزة في الجزائر تتقدم باتجاه الغرب من ناحية الصورية محتلة بودنيب وواضعة الساقية الحمراء (السمارة) داخل أكثر المعادلات الحربية تعقيدا: من الشمال تتقدم القوات الفرنسية نحو مراكش، من الجنوب تتعزز القوات الفرنسية بوحدات قادمة من السنغال وتقطع الاتصال والمعونات القادمة من الشيخ إلى ادرار، ومن الشرق يقيم الفرنسيون جسرا بريا ونقطة اتصال تمتد جنوب وهران إلى مراكش ومن مشارف تندوف إلى نهر السنغال. ومن ناحية الغرب كانت البواخر الاسبانية تنتظر الفرصة السانحة.

وسط هذه المعادلة، كانت قوات الشيخ ماء العينين تحكم السيطرة على الساقية الحمراء ووادي الذهب، ولكن كل شيء قابل للانهيار. لا إمدادات ولا قدرة على التنسيق مع المخزن أو مع ادرار ورغم كل ذلك، كان الشيخ قد اتخذ قراره النهائي: عدم الرضوخ لميزان القوى وللحصار الفرنسي وتحويل الانتصار الموضعي-الصحراء كله باتجاه الشمال وربط الصحراء بتخوم الأطلسي وتجميع القوى والقبائل في ما وراء وادي النون ومناطق السوس والزحف إلى فاس لتحرير البلاد من فرنسا وعزل السلطان العلوي.

قبل بدء الزحف نحو الشمال كان الشيخ يحاول للمرة الأخيرة إقناع السلطان عبد الحفيظ بضرورة القتال وعدم التراجع. ورغم قناعته التامة بوجود تعارض حاد وقاطع بين سياسته المتصدية وسياسة السلطان المساومة، فإن الشيخ ظلّ منتبها إلى أهمية عدم قطع الرابط مع السلطان الشرعي قبل إحراز انتصار في المخزن، لما في ذلك من أهمية، ولو رمزية، للاستقلال الوطني.

التعارض بين الشيخ والسلطان كشفته الأحداث، وكشفته أيضا رسالة من احد أبناء الشيخ ماء العينين أحمد الهيبة زعيم الحركة المقبل، إلى محمد ولد خليل، مؤرخة في 12 كانوا الأول عام 1909، والتي يتحدث فيها عن نتائج زيارته لفاس ومضمون المحادثات مع السلطان.

يقول الهيبة في رسالته:

«سأبقى وفيا لوحدتنا القديمة ولصداقتنا الكبيرة. ولقد وصلنا لتونا من عند السلطان، وتركناه في ذروة الانتصار والقوة لأنه اعتقل الـ«روغي» وقتله وخنق نار تمرده. ولم يعد هناك أية صعوبات بفضل الله.

في كل هذه المناطق يسود الهدوء التام. من القاعدة (بين درعا والساقية الحمراء) إلى فاس، لا ترى إلاّ السلام. إنه اتفاق بالإجماع بين المسلمين... طلب منا السلطان التخلي عن مقاومتنا والقدوم إلى تزنيت لنكون على مقربة منه، وقد عبّر لنا مرارا عن هذه الرغبة... لقد أعطانا السلطان الأمر بإيقاف الحرب ضد الفرنسيين في الوقت الحاضر، وذلك لينظر ويعالج معهم المشاكل الملحة، وأيضا لكي يتمكن من مقابلة شيخنا ماء العينين.

الوضع جيد عند قبائل التكنة، في الوقت الحاضر... وختاما، اعلموا جيدا أننا في أي مكان نلتقي سنكون جاهزين دائما لتقديم العون لأصدقائنا ومعاقبة أعدائنا أينما وجدوا...» (39).

لقاء الشيخ مع السلطان انتهى بإعلان القطيعة بين خطين سياسيين متعارضين، أعقبه اتخاذ الموقف التاريخي: مغادرة السمارة، عاصمة الانتصار الصحراوي، والتوجه نحو الشمال. وعند وصوله إلى تيزنيت (في أيار/مايو 1910) انضمت إليه معظم القبائل وانضمت تحت قيادته لمحاربة الفرنسيين: الرقيبات وأولاد الدلايم وأولاد بن أيبا والتكنة وبربر الأطلس التفوا حول الشيخ وشكلوا قوة عسكرية وسياسية ضد فرنسا وخارج نفوذ سلطان فاس. غير ان ميزان القوى كان يميل لصالح الفرنسيين ومعركة تادلا ستكون الحاسمة.

طيلة شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو من عام 1910 والصحراويون يواجهون قوات الجنرال موانييه في اكبر وأطول معركة واجهت الغرب لحظة دخوله. المعلومات النادرة عن هذه المعركة لا تسمح بتقديم تفاصيل واقية. الإهمال الرسمي المغربي مقصود في هذه المسألة لأنها تكشف ضعف المخزن، والإهمال الصحراوي مقصود أيضا لأنه يفتح ثغرة كبيرة في المشروع السياسي الاستقلالي. ولا يبقى إلا القول بأن ميزان القوى لم يكن يسمح أبدا بانتصار قوى الذات، فالآخر كان مدججا حتى الأسنان بأحدث الأسلحة وأقواها. وتنتهي معركة تادلا بهزيمة لقوات الشيخ ماء العينين الذي يعود إلى تزنيت حاملا بقايا حلم كاد أن يتحقق. وفي تشرين الأول/أكتوبر من عام 1910 يموت ماء العينين حرا ويترك لولده أحمد الهيبة مهمة تحقيق الحلم (40).

هل كان الانسحاب إلى تزنيت خطوة تكتيكية لمراجعة حسابات الجولة الأولى، أم أنها كانت بالفعل هزيمة للاتجاه التحريري؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، وإن كانت التطورات اللاحقة تظهر إصرار على استمرارية الاتجاه نفسه. ولا يمكننا ونحن أمام ندرة المعلومات إلاّ الوقوف أمام واقعتين لا يدخلها شك:

1- إن الشيخ ماء العينين مثّل مرحلة تاريخية هامة في تطور الصحراء الغربية السياسي. فقد أكد الارتباط المصيري بين أطراف المغرب والمخزن وفضح في نفس الوقت سياسة المخزن تجاه الأطراف. لقد كان اتجاها يستحضر، في كل لحظة من لحظات نموه، تراث الموحدين والمرابطين والفاطميين والأدارسة... إن تصنيفه الراهن من قبل أطراف الصراع يعمل تشويها للتراث وطمسا لأهم جوانبه الايجابية: وحدوي رافض للخضوع، لا تقيده البيعة إلاّ بمدى التزام السلطان ووفائه لمضمونها. إن استقلالية الشيخ عن السلطان أنتجت سلطانا آخر، ولم تنتج حدودا، وعلى قاعدة هذه المفارقة يكمن في رأينا جوهر الانتماء الوطني وأساسه القائم على مواجهة الغرب والتخلي عن البيعة والتبعية للسلطان عندما تصبح ضلعا في إستراتيجية الغرب نفسه.

2-إن المخزن، مهما كانت هوية السلالة المتربعة في بلاطه، لا يمكنه أن ينزوي بعيدا عن عمقه الاستراتيجي الصحراوي. ومهما كانت سياسته، مساومة أو مقاتلة، فإنه لا يسمح بتعددية النفوذ السياسي. فالمشاركة في بناء مدينة السمارة قد يكون لها حسابات خاصة في المخزن وحسابات خاصة أيضا في السمارة نفسها، والحسابات المتناقضة تتجمع في وحدة تحتوي بدورها التناقضات وتعمل على تغييرها وفق الاتجاه الغالب: السلطان يستعمل نفوذه المادي والشرعي لإيقاف التيار الصحراوي-الشعبي المواجه للغرب، والشيخ يستعمل نفوذه السياسي والعسكري والمعنوي لتطويق تردد المخزن وانعكاسات تأثيره الانهزامي، ليس فقط على انتصار «السمارة» بل أيضا على المواجهة الوطنية العامة.

حقيقتان يجري تجاوزهما بارتجال مدروس: التناقض داخل الوحدة. في المغرب يتحدثون عن الوحدة ويخفون التناقض، وعند البوليزاريو يتحدثون عن التناقض ويخفون الوحدة. الرد يصدم، والنقد يهدف إلى إيقاف التراث على قدميه. ليس المهم كيف نعرض التاريخ بل أيضا كيف نحترمه.

لم ينته اتجاه الشيخ ماء العينين مع انتهاء مؤسسه، فالزعيم الجديد سوف يتابع نفس المشروع رغم صعوبات واستحالة الحسم السياسي: الشيخ أحمد الهيبة ماء العينين يستلم قيادة الحركة ويتابع طريقه على مراكش. عام 1912 كانت سنة الانتصار المؤقت: الشيخ الجديد يقطع جبال الأطلس الكبير ويقف على مداخل مراكش محاصرا ثم لا يلبث أن يدخلها منتصرا ويعلن نفسه سلطانا على عموم المغرب الأقصى معتبرا معاهدة الحماية خيانة والسلطان عبد الحفيظ غير شرعي. وفي لحظة إعلانه ذلك يتحدث بوصفه اتجاها جديدا يترافق فيه خط المواجهة مع الغرب مع خط الإصلاح الداخلي: سيادة العدالة، تنحية القيادات التقليدية والمخزن وطرد المسيحيين (41). لم يكتف الهيبة بالاستيلاء على مراكش بل أن شرعيته الجديدة استلزمت منه تحرير كل المغرب. وهذا ما يفسر نقل مركز الحركة إلى بن غرير وانضمامها إلى قبائل الشاوية في معركة طاحنة مع الفرنسيين، انتهت بانكفاء الحركة نحو الجنوب ومحاصرتها.

لكن الانكفاء لم يلغ الخطر الذي تمظهر بشكل إلغاء للحماية الفرنسية. واستمرار المقاومة في الشمال والجنوب كان قد وضع إستراتيجية فرنسا الافريقية أمام خيارات صعبة. لقد استلزمت هذه الإستراتيجية ضبطا لحدود سيطرتها، وبالتالي فإن ربط الوحدات الجغرافية ببعضها بات أمرا ملحا. انفجار الصحراء المستمر كان يعني عمليا تهديد الخطوطى الجغرافية-السياسية التي تربط شمال افريقيا بافريقيا الغربية الفرنسية وافريقيا الاستوائية، والتي تطلبت من فرنسا أكثر من ثمانين عاما بدءا من لحظة احتلالها للأجزاء الشرقية من الصحراء عام 1852 إلى مرحلة ما بعد خمود الصحراويين عام 1934.

ان التسلل الفرنسي إلى الجنوب، الذي بدأ مع كابولاني وانتهى باحتلال ادرار عام 1909 على يد غورو، كان يدفع القبائل للتجمع شمالا –في الصحراء الغربية- وبالتالي إدخال اسبانيا في المواجهة. القوات الاسبانية، المعزولة نسبيا في المدن الساحلية (وخاصة في العيون، الداخلة، ورأس جوبي) باتت ملزمة بتطويق حصتها وضمان سيطرتها ونفوذها عليها، وذلك قبل أن يتوسع سلطان مراكش المؤقت. لذلك، وبينما القوات الفرنسية تتقدم من ناحيتي الشمال والجنوب لتصفية جيوب المقاومة التي يقودها الهيبة، بدأت اسبانيا سياسة تدخل تكتيكي ونسج علاقات ثنائية مع القبائل، ساعد على قيامها، أساس، استمرار الاستنزاف في ميزان قوى سلبي. غير أن استمرار توجه العنف الصحراوي نحو الفرنسيين مع تحييد عام للاسبانيين، يضاف إليهما الخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الفرنسية، كان قد وضع فرنسا أمام خيار واحد: التقدم نحو العمق الصحرواي وتدمير المركز-السمارة، وحدهما كفيلين بحصر الشيخ الهيبة عن حدود درعا العمليات المسلحة في الجنوب. «وفي يوم 5 شباط/فبراير 1913 انطلق طابور عسكري مؤلف من 400 بندقية، يقوده المقدم موراي، في اتجاه الصحراء. وكانت مهمته تتمثل في القضاء على ما أصبح، في إطار المنطقة، مركز مقاومة الاحتلال الفرنسي. بعد القيام بغارة امتدت مئات الكيلومترات عبر الصحراء الغربية، وكان آنذاك إقليما تجهله الجيوش الفرنسية، وصل الطابور حتى السمارة، الخالية من سكانها، وحطم قسما منها. وفي يوم 9 آذار/مارس، يوم عودة الطابور، جرت بينه وبين المقاومين الصحراويين أهم المعارك التي عاشتها إذ ذاك افريقيا الغربية الفرنسية. «انتصر» الطابور الذي يقوده عسكريون فرنسيون والحق بالصحراويين خسائر فادحة تقدر بألف قتيل» (42) بالمقابل، ولتطويق حالة التفتت التي أعقبت المعركة وتكتيل الاسبان، كان على الشيخ أن يعيد تلاحم القبائل (الرقيبات، التكنة، أولاد الدلايم...) على قاعدة استمرار الحركة، لكن الأمور كانت قد بدأت تسير في وجهة أخرى، مختلفة تماما عن رغبات الشيخ. فقد تعاقبت الهزائم: معركة بوعثمان كانت الضربة القاضية لمشروع الزحف نحو الداخل (43)، وتدمير مدينة السمارة كان استئصالا لمشروع تحرير الصحراء الغربية. ورغم ذلك لم يلق الشيخ بكل أسلحته، فالرقيبات وأولاد الدلايم وأولاد ايبا خاضوا معارك مستمرة داخل الصحراء ضد القوات الاسبانية والفرنسية، وقاموا بغزوات ضد مراكز التجمع وقوافل المؤونة وفي 18 أيلول/سبتمبر من نفس العام خاضوا معركة قاسية بالقرب من بوتيليس، وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر، بالقرب من اوت فوت، قاموا بمعركة مماثلة على بعد 150 كلم غربي اولاتا. وضمن هذا السياق، تندرج مجموعة كبيرة من المعارك التي خاضها الصحراويون منفردين ضد القوات الفرنسية: دمان، لبيرت، شريريك، تريفيا، الحفرة، توجونين، ام اغوابا... احتلال تيزنيت والراس الأبيض عام 1916 والكويرة 1920 والتنسيق العسكري الاسباني-الفرنسي واسترداد مراكش، كل هذه العوامل كانت تعاكس المشروع، أضيف إليها وفاة الهيبة نفسه في 23 أيار/مايو 1919 فاتحا الطريق لمحاولة ولكنها الأخيرة في النصف الأول من القرن العشرين: الشيخ محمد الأخضف بن ماء العينين، شقيق احمد الهيبة.

المحاولة الثالثة كانت تستهدف توجيه ضربات متفرقة والتقاط النفس، ولم يكن بمقدورها أن تستعيد تحالف السمارة الأول. فالفرنسيون، بتقسيم للمنطقة، كانوا يحولون دون إعادة تشكيل الجبهة القبلية، كما استطاعوا عمليا استيعاب التناقضات المحلية لمصلحتهم ودفع القبائل في عمليات وغزوات متبادلة: سبعون رجلا من قبيلة يوفري، وبإشراف فرنسي، ينطلقون من ادرار بالقرب من ملحات ليهاجموا تجمع الرقيبات، و150 رجلا من رقيبات الساحل يخوضون معركة ضارية لمدة ثلاثة أيام في تارافيلات (1925) ضد مخيم اطات... ومنذ ذلك الحين والعداوة نشتد بين قبائل ادرار (الترارزة) حلفاء، الرقيبات الرافضين للاستسلام أمام الزحف الاسباني.

كان الشيخ محمد الأخضف يحاول تجاوز هذه الخلافات والانقسامات على قاعدة توحيدها ضد المحتل المسيحي. لقد سعى إلى تجديد الدور السياسي-الديني لمدينة السمارة والانطلاق منها في عمليات ضد الاسبان والفرنسيين، مستفيدا إلى أقصى درجة من ثقافته الواسعة ومكانته الدينية. وقد استطاع الشيخ الأخضف تجميع قوة صحراوية مقدارها 1400 مقاتل، هاجم بواسطتها مركز فرنسي للتفتيش بالقرب من ديريت وجاسيبي. انتهت المعركة بتعادل وتراجع الطرفين. وفي حين كان الفرنسيون قادرين على إمداد قواتهم، كان وضع الشيخ في حالة ميؤوس منها. فالضعف الشعبي وصمت المخزن وتحالف الغرب اجتمعت كلها ضد حركة ولدت قبل أوانها بنصف قرن. وينتهي الدور القتالي للأخضف مع حلول عام 1935 ليصبح منذ ذلك الوقت ممثلا للخليفة المغربي في تطوان وصلة الوصل الشرعية بين الصحراء والسلطان محمد الخامس.

أما قوات الاحتلال، فإنها تمكنت بعد جهد كبير من بسط نفوذها في كل الصحراء الغربية وموريتانيا. منذ الإعلان الأول للشيخ ماء العينين إلى آخر محاولة للشيخ محمد الأخضف، والغرب الاسباني والفرنسي يتقدم في صحراء مليئة بالألغام. معركة أم التونسي عام 1932 كانت نقطة الفصل ولحظة الحسم بين قوتين، واحدة مصممة ومتحالفة على الموت من أجل حريتها وواحدة استنفرت كل «حضارة» الغرب لاستعمار الصحراء. إن الطابع العام الصدامي الذي ميز الدخول الاستعماري إلى الصحراء، وأظهر أهمية الترابط المتين بين الصحراء ومدن المخزن وموريتانيا، الذي ساعد، بانحلاله، التغلغل الأوروبي في المناطق المذكورة كلها من طنجة إلى الزويرات. الجنوب الصحراوي (موريتانيا) تحت النفوذ الفرنسي التابع لقيادة السنغال (سان لويس) أما الشمال فقد قسمته اسبانيا إلى ثلاث مناطق:

«طرفاية، منطقة حماية تحت إدارة جهوية مراقبة، وتابعة لإدارة تطوان، وهي تمتد من امكريوا جنوبا إلى وادي درعا شمالا، وألحقت بها ايفني.

منطقة الساقية الحمراء مستعمرة تحت إدارة مندوب الحاكم العام وتمتد من امكريوا شمالا إلى رأس بوجدور جنوبا والمحبس شرقا.

منطقة وادي الذهب تحت إدارة الحاكم العام، وهي تمتد من بوجدور إلى الكويرة». (33). غير أن «عملية التخوم» هي التي وضعت اللمسات الأخيرة وأخمدت لسنوات «نار» الصحراء. بينما كان الاسبان يتقدمون لاحتلال ايفني وتعزيز قواتهم في «ساريو»، كان الفرنسيون، بقيادة ثلاثة جنرالات، يتقدمون باتجاه الصحراء الغربية من السواحل المغربية وجنوب وهران، ومن ادرار وجنوب-شرق الصحراء ليتمركزوا في تندوف وبير موغرين. كان ذلك عام 1943، وهو العام الذي عرفت فيه إستراتيجية الغرب الصحراوية بعض الراحة... البحر وفرنسا واسبانيا، والصحراء في الوسط تنتظر شروقا ما.

الصحراويون وجيش التحرير الوطني

أدخلت معاهدة الحماية المغرب الأقصى في تعارضات جغرافية وسياسية سوف تطبع التطور السياسي المغربي لسنوات طويلة. فالمخزن الذي شرّع سلطانه للدخول الفرنسي كان يلحظ انكماشا نحو الوسط وتراجعا عاما طال الحياة السياسية برمتها. ففي السنوات القليلة التي أعقبت التوقيع على معاهدة فاس (30 آذار/مارس 1912) استطاعت القوات الفرنسية إحكام سيطرتها على عموم المغرب الأقصى باستثناء الجنوب، من مراكش إلى نهر السنغال ومنطقة الريف بكاملها. بمعنى آخر، بينما كان المخزن «يتنعم» بهدوء مشبوه، كانت الأطراف تخوض حربا ضارية ضد «الرومي»: ثورة الريف قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي وهدد بواسطتها أهم المناطق الإستراتيجية على البحر الأبيض المتوسط طيلة سنوات ما بعد الحماية (1919-1925)، وثورة ماء العينين وأولاده هددت الإستراتيجية الفرنسية في أدق مناطقها واعقدها (الأطلسي والطريق البري إلى افريقيا الفرنسية) وأحدثت شرخا كبيرا (بالمعنى السياسي) في حدود السيطرة وفي مشروع التقسيم الاستعماري. عن طريق تحييد المخزن وتفتيت الجبهات تمكن الغرب من إخماد تمرد «الذات». وقد احتاج المغرب الأقصى سنوات عشرين ليعيد تلاحمه ووحدته على قاعدة نضالية وحول هدف التحرير والاستقلال. إلا أن انحناء المخزن وإحباط ثورتي الريف والجنوب قد أعقبتها مفارقات هامة لا تزال نتائجها سارية المفعول، وتجاوزها، بتبسيطها، ينتج خللا منهجيا.

فالريف «الاسباني» ابتعد، بالعنف والإكراه، عن الشمال «الفرنسي». وحدود اتفاقية 1912 أسفرت عن نمو مغاير في منطقتين يجمعهما تاريخ مشترك. لقد ارتسمت حدود جغرافية واجتماعية كادت أن تتحول إلى «وطنية بربرية» بعد إعلان المشروع التقسيمي (الظهير البربري في 1930) لولا متانة هذه المشاركة في «التاريخ».

أحبطت عروبة فاس وإسلامية الريف البربري مشروع التقسيم، وعلى أساس مواجهة واحدة، عربية-بربرية (أي مغربية) بدأت الحدود تزول تدريجيا، والوحدة السياسية تتعمق وتصل إلى ذروتها مع مطلع الخمسينات في معركة الاستقلال.

أما الجنوب –بعد احتلال مراكش وتقسيم الصحراويين بين حدود فرنسية شمال وادي درعا وحدود اسبانية في جنوبها، وأيضا حدود فرنسية في أقصى الجنوب والشرق (موريتانيا)- فقد عايش هو الآخر تطورا مغايرا لتطور المخزن والريف. كما أن منطقة النفوذ الفرنسي (موريتانيا) والاسباني (الصحراء الغربية) شهدتا بدورهما تطورا مغايرا سيؤثر مستقبلا على العلاقات السياسية بين صحراويي الجنوب وصحراويي الشمال. صحيح تماما أن إيقاف حركة انتقال الرجل باتجاه الشمال أو باتجاه ادرار قد أسفر عن حصر جغرافي، إلا انه من المغالطة القول بأن الحصر الجغرافي، استطاع قطع العلاقات التاريخية التي تربط الصحراويين بالشمال (المغرب) والجنوب (موريتانيا).

رغم كافة المحولات التي بذلها الضباط الفرنسيون والاسبان لحسم مظاهر الارتباط هذه، فإن السكان المحليين (الرحل منهم والذين تمركزوا في المدن) حافظوا على علاقة ما، ضعيفة، لكنها هامة: «... من ثم تفرغ كل من المسيرين ومن الضباط للإشراف على السكان عن كثب. وسيتنازعونهم بواسطة الامتيازات الجبائية، مع المعلوم أن الضريبة المدفوعة بقيت إشارة الانتماء إلى إقليم معين. لم يستجب الرحل لهذا المنطق المضبوط بحدود، فهم إما يسخرون بهذه الحدود أو يعتمدونها لخدمة مصلحتهم. وبقي لبعض منهم مرتبطين إداريا بالإقليم الموريتاني التابع لغرب افريقيا الفرنسية، وبالمحمية المغربية، وهم: فرق من أولاد الدلايم، وأهل بارك الله، والرقيبات وتكنة. ومن المعروف أن تلك الأقاليم التي لم تعرف تخوفا ولا حدودا حسب المنطق التقليدي، تعرضت إلى مصائر مختلفة من جراء تصرفات وردود فعل الاستعمار. وليس في إمكاننا أن نثيرها هنا إلا باختصار: تدعيم الوحدة الإقليمية والسلطة «الزمنية» والسلطة «الروحية» لسلطان المغرب، تكون برجوازية تجارية وبيروقراطية قومية، ثم تكون بروليتاريا حضرية، خلق كيان إداري، ثم سياسي موريتاني تابع لغرب افريقيا الفرنسية، وموجه نحوها، وقد كان مرفوقا بانبعاث بطيء لفئة قائدة تكونت انطلاقا من الرؤساء... لا نجد شيئا من ذلك في الصحراء الاسبانية سوى أن اسبانيا، التي كانت مضطرة لتعبئة كل إمكانياتها في خدمة قضاياها الداخلية، جندت بعض المجاهدين خلال الحرب الأهلية...»(45).

إذن في الوقت الذي كان يتوحد فيه شمال المغرب على قاعدة مواجهة أخطار الظهير البربري، كانت الصحراء الغربية تعيش وسط تناقض سياسي" روابط مع موريتانيا، استمرارية الحضور السياسي-الإيديولوجي لسلطان المخزن، حرب مع فرانكو ضد الجمهوريين، انكفاء اقتصادي، وإدخال قسري في الرأسمال التجاري الاسباني، خاصة في المدن الساحلية، إفقار وهجرة وتعاطٍ متدهور مع أسواق غولمين وادرار...

غير أن الدوافع التي أقنعت ولد عايدة الموريتاني بقبول زعامة العينين، والتي أوصلت أحمد الهيبة إلى مراكش، سوف تعود لتظهر مجددا، وتدخل الجميع في إطار سياسي واحد ضد الغرب: جيش التحرير الوطني (46).

سنوات الهدوء أعادت لسلطة المخزن قدرات سيطرة كانت قد فقدتها طيلة العشرين سنة التي أعقبت معاهدة الحماية. عملت في نفس الوقت على تخفيف التعاطي السياسي بين مناطق المغرب الأقصى، باستثناء التعاطي الإيديولوجي (البيعة) والسياسي (الانتماء). في حالات المواجهة احتكرت الأطراف «الحدث التاريخي» وحالات الهدوء منحت المخزن فرصة التحضير لحدث تاريخي آخر سوف يعود، بعد اندلاع النيران، ليصبح احتكار الأطراف.

إذ أنه في فترة الانتظار، ومراقبة نتائج الحرب العالمية الثانية، تتوزع وتتغاير ردود الفعل: مثقفو المخزن وبرجوازيوه الناشئون يتطلعون إلى وعود غرب ما بعد الدمار العالمي الثاني، متأملين استقلالا «ديمقراطيا» وصحراويو الجنوب يرسلون وفودا إلى الملك مطالبين بعدم الانتظار وبضرورة استئناف الحرب ضد المسيحيين، وذلك في عمليات ضغط متواصلة. ضغط من الصحراء وإصرار على الحرية وازدياد الوعي والحماس الوطنيين في مدن المخزن أوصلا المخزن إلى مفترق طرق: أما التعاون بين الجميع لتحقيق الاستقلال، أو أن الصمت يولد سلطانا جديدا. اختار المخزن الخيار الأول وانحاز، فكشف حليف الأمس الفرنسي عن وجهه الرسمي ونفى الملك محمد الخامس إلى مدغشقر عام 1953.

كان نفي الملك يغني إعطاء الشرعية لقوات الحماية وبالتالي تحويل المغرب إلى مستعمرة كالجزائر. وكان يعني أيضا تذويب الشخصية الوطنية، وإحباط يقظتها بعنف طال مباشرة رمز شرعيتها في فترة كان الملك فيها نقطة الجذب ومحور اهتمامات الجميع، فقط لأنه آخر ما تبقى من مميزات «سياسية». الشرعية التي تفصل، ولو بخط واه، بين الآخر والذات، وتحدد ولو دينيا، استقلالية متينة في العمق هامشية في الظاهر، سوف تتحول إلى مطلب شعبي: عودة الملك من المنفى وتحقيق الاستقلال الوطني. هذان المطلبان يتكرران طيلة السنوات الأولى للخمسينات من لحظة نفي الملك إلى لحظة عودته مرورا ببدء العمليات المسلحة وقيام جيش التحرير الوطني.

طيلة المرحلة الممتدة من 1952 إلى 1956، عاش المغرب الأقصى حالة تعبئة سياسية بشعارات موحدة، زاد في تدعيمها التنسيق المتبادل والتعاون بين الملك وقادة جيش التحرير وحزب الاستقلال. كما عملت العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال على إعطاء هذه الشعارات حيزا فعليا: فهي انعكاس للتعاون السياسي والمادي لجميع الأطراف وتأثيره على ميزان القوى، وهي أيضا فتح طريق آخر للاستقلال، يتمنى المستعمر بقاءه موصدا (حرب التحرير).

ترافق التعاون الداخلي مع تكتيك عسكري أساسه تحييد الاستعمار الأقل خطرا (اسبانيا)، وتوجيه كل الضربات نحو الاستعمار الأكثر قوة والأكبر خطرا، أي فرنسا. والفائدة مزدوجة. من ناحية تتحرك قوات التحرير في ميزان قوى استعماري يسمح بالفصل المؤقت بين أطرافه، ومن ناحية ثانية تساعد على خلق المناخ والإمكانات الضرورية لمواجهة حتمية مع طرفي الاستعمار. وفق هذا التكتيك تمكّن جيش التحرير من المرور عبر الساقية الحمراء، ووادي الذهب إلى موريتانيا ليشنّ من هناك عملياته الحربية ضد القوات الفرنسية. بالمقابل كان التساهل الاسباني وصمت المسؤولين يساعد على تأمين ونقل الإمكانات المادية، الطبية والحربية، وبناء قواعد ثابتة لقوات التحرير في الصحراء، إضافة إلى أهمية التنسيق العسكري بين جيش التحرير المغربي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية انطلاقا من مدريد، عاصمة اجتماع القيادات المحلية.

عمليات عسكرية في مدن المخزن وموريتانيا، اندلاع حرب التحرير الجزائرية، صعود نجم جمال عبد الناصر في المشرق المغربي، وفاق داخلي بين المخزن والأطراف، تكتيك التراجع عن الجزء والاحتفاظ بالأجزاء، كلها عوامل تضافرت وفي فترة زمنية واحدة مجبرة فرنسا على التراجع. وهكذا كان: عودة الملك محمد الخامس من مدغشقر، التوقيع على اتفاقية الاستقلال على جزء من المغرب الأقصى محصور بالمناطق الفرنسية في الشمال فقط.

كان ثمن الاستقلال، تكتيكيا، إيقاف الحرب التحريرية وتطويق خطورتها كقاعدة وطنية تتجاوز حدود المغرب، وكان، استراتيجيا، إعادة النظر في السياسة المتبعة في القارة الإفريقية ورسم إستراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الداخلية الناشئة ووضعية استعمار ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بديهي أن تستقر النتيجة الأولية لهذه الخطوة الاستقلالية إلى تأجيج التناقضات الداخلية، وعلى كافة المستويات. فمن ناحية أولى، كان الملك محمد الخامس يسعى إلى إيقاف الحرب والبحث عن تحرير بواسطة الدبلوماسية. وهو على ما يبدو ثمن الاستقلال الأول. وهذا يعني بداية الخلافات السياسية بين القصر من جهة وقيادة جيش التحرير وسكان الصحراء وموريتانيا من جهة أخرى. ومن ناحية ثانية، وهي ناتجة عن الأولى، اختلاف قيادات جيش التحرير وانقسامها على بعضها: فئة تتعاطف مع سياسة الملك وتطالب بإستراتيجية سلمية مع الاستعمار، وفئة تطالب باستمرار القتال لانتزاع المناطق المستعمرة في الجنوب وتوحيدها مع الشمال. الخلاف القائم بين نضال سياسي ونضال مسلح لم يطل إطلاقا الأهداف السياسية النهائية:

تحرير كامل التراب الوطني ووحدة المغرب الأقصى.

«ان جيش التحرير لن يتخلى عن السلاح حتى تحقيق الوحدة الترابية والاستقلال المطلق للمغرب، وحتى يتم القضاء على كل خطر يهدّد هذا الاستقلال وهذه الوحدة»، بهذه العبارات كان سعيد عثمان، أحد قادة جيش التحرير، يحاول إبراز الخط القتالي في مواجهة الخط المسالم الذي عبّر عنه علال الفاسي مستبدلا كلمة القتال بالنضال:

«إذا كان المغرب مستقلا فإنه ليس موحدا بالكامل. ان المغاربة سيتابعون النضال حتى تصبح طنجة والصحراء الواقعة تحت النفوذ الاسباني والفرنسي من تندوف حتى كولمب بشار وتوات وكنادزا وموريتانيا محررة وموحدة. يجب استكمال استقلال المغرب. استقلالنا لن يصبح كاملا إلاّ مع الصحراء، وكل الأراضي الأخرى التي جاء ممثلوها إلى الرباط مطالبين بالوحدة. يجب النضال من أجل الوحدة الكاملة- يجب استرجاع المناطق الواقعة تحت السيطرة الاسبانية والفرنسية....» (47).

وجهتا نظر متفقتان على المبدأ ومختلفتان على التكتيك ستواجهان في نفس الوقت اتجاها ثالثا كان يسعى لإدخال جميع التناقضات إلى القصر الملكي واحتوائها، وذلك لكي تصبح الشرعية الملكية هي وحدها صاحبة القرار السياسي. دون أن يعني ذلك ان مواجهة مباشرة ستبدأ بين هذه الأطراف. بل بالعكس، مواجهة مستترة يغلب عليها التعاون حينا والتواطؤ حينا آخر، ويتحكم في سيرورة أحداثها عامل فرض السيطرة السياسية للمخزن وعدم السماح بولادة «أحمد الهيبة» جديد.

وسط هذه التناقضات واصل الطرف المتصلب في جيش التحرير عملياته المسلحة، وصار يعرف منذ ذلك الوقت باسم جيش تحرير الجنوب: قيادته شمالية ومعظم مقاتليه جنوبيين، أما ساحة العمليات الرئيسية فقد انحصرت بادئ الأمر في موريتانيا، أي بمواجهة القوات الفرنسية.

في الساقية الحمراء ووادي الذهب كانت الأمور تتطور بخط منعرج، تارة يشهد انقطاعا عن المخزن وطورا إعادة اللحمة. الانقطاع نتاج سلام واللحمة بداية حرب. أما الاتفاقيات التي عقدها الاسبان مع بعض زعماء القبائل (ومنهم والد الجماني الحالي) في أعوام 1932-1934 فقد تميزت بطابع المرونة: الاسبان يتعاطون التجارة فقط ويعملون على إنهاء حالة الفوضى ولا يتدخلون في شؤون الصحراويين، بالمقابل على الصحراويين التزام الهدوء والسكينة احتذاء بإخوانهم تحت الحماية الفرنسية. ومنذ تلك الفترة والعلاقات مع المخزن، وخاصة الملك، تتجه نحو انقطاع دام أكثر من عشر سنين (لغاية 1946).

العلاقات الوحيدة التي استمرت طيلة هذه الفترة كانت حركة انتقال الطلاب إلى المدارس في تطوان، شمال المغرب، وذلك عن طريق البحر بسبب الحدود المانعة بريّا، بين فرنسا واسبانيا.

الاتجاه الاستقلالي، الذي عمّ مدن المخزن في أواخر الأربعينات، تسرّب ببطء إلى الصحراء الغربية، ولكنه لقي تجاوبا: التبرع بالإبل والأغنام لحزب الاستقلال، فتح فروع الحزب في العيون والكويرة والداخلة، القيام بنشاط توعية ومحو الأمية وجمع التبرعات وخلق الروح الوطنية في نفوس السكان، وخاصة بعد نفي الملك محمد الخامس، حيث رفض السكان دفع الضرائب.

عودة الملك من المنفى، واستقلال الشمال، وضع النهوض الوطني الصحراوي أمام معضلة جديدة شبيهة بسابقتها (معاهدة الحماية)، غير أن القرار بمواصلة الحرب كان على ما يبدو قد اتخذ غير عابئ بتناقضات حزب الاستقلال وبخلافات قيادة جيش التحرير وبموقف الملك المسالم مؤتمر أم الشكاك كان البداية: إعلان تجمع عام في أم الشكاك (بين العيون والسمارة) في آذار/مارس 1956، رفعت فيه الرايات الوطنية على كل خيمة ونحرت فيه الجمال. الجانب السياسي من المؤتمر كان الأكثر أهمية، فقد تحدّدت بوضوح مسألة الموقف الواجب اتخاذه لمواجهة مرحلة ما بعد استقلال الشمال.

دعا إلى عقد هذا المؤتمر الشيخ محمد الأغضف ابن الشيخ ماء العينين وحضره معظم قبائل الصحراء، حوالي خمسة آلاف شخص من قبائل الرقيبات القواسم والساحل، ازرقيون، أولاد الدلايم، آية الحسن، أهل العينين، العروسيون، أولاد تيدرارين، فيلالا، توبالت، الفويكات، لميار، المناصر وياقوت. اتخذ المؤتمر أربعين قرارا أهمها:

1-يجب أن يرفرف العلم المغربي فوق الصحراء الغربية كلها.

2-يجب أن لا تدفع الضرائب للسلطات الاستعمارية إلاّ بأمر من السلطان.

3-يجب محاربة السياسية الاستعمارية التي تستهدف تقسيم المغرب.

4-تصميم الصحراويين على النضال ضد الاسبان إذا حالوا دون تحقيق الاستقلال.

5-إرسال بعثة إلى الرباط للاعتراف بالملك محمد الخامس، بوصفه السلطة الوحيدة المعترف بها من قبل سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب... (48).

سبق المؤتمر بقليل (شهر سباط/فبراير) دخول طلائع جيش التحرير إلى الصحراء الغربية قادمة من غوليمين وتزنيت وأغادير: تكتيك تحييد اسبانيا ظل قائما وفلول جيش التحرير تنفّذ عملياتها الأولى في تغلّ بالقرب من الزويرات وتخوض معركة استمرت يومين انتهت بمقتل 300 فرنسي من أصل 400 وسقوط 20 مقاتلا وجرح 16 من أصل 100 مقاتل كان نصفهم يحمل السلاح (الرشاشات، الثلاثية، التسعية) والنصف الآخر تسلّح أثناء المعركة.

الانتصار الأول حوّل مقررات المؤتمر المذكور إلى برنامج سياسي لحرب التحرير الصحراوية وعجّل ببعث الروح في المقاومة المحلية التي خمدت نارها منذ 1935.

وبالفعل، فلم تمض أسابيع قليلة إلاّ والمشاركة الجنوبية تتجدّد، ففي حزيران 1956، يتحرك مائة رجل من قبيلة الرقيبات ويهاجمون الموقع الفرنسي في أم الهشار على مسافة 1935 كيلومتر غرب تندوف، معلنين دخول القبائل في المواجهة.

بإمكانات متواضعة، ركائزها الجمل والعنصر البشري والإسلام، بدأت معركة التحرير تتصاعد في مواجهة قوى متفوقة بالعتاد والسلاح والجنود، نقطة ضعفها الوحيدة والقاتلة هي أنها تقاتل في صحراء. من طان طان إلى نهر السنغال، تضيع الجبال النادرة والواحات الصغيرة والوديان الجافة في بحر من الرمال. القادر على إصابة الهدف وتحمّل التجوال عطشا وحرّا والمباغتة ليلا في منطقة لا تعرف الشوارع والطرق الثابتة، يستطيع وحده تغيير معادلات الصراع وموازين القوى.

السكان يتحركون في دائرة متواضعة: يقدمون عددا من الجمال والأغنام شهريا لاستهلاك اللحم، ويصنعون ويتبرعون بالقِرَب لسد حاجات عطش المقاتلين ووضع الجمال ووسائل النقل الأخرى بتصرف جيش التحرير. في المجال السياسي والعسكري الدائرة تتسع.

ففي مدينة ايفني يبني السكان المخابئ للفدائيين، ويقومون بنشاط مكثف لتهريب الأسلحة على متن مراكب الصيد والجمال إلى الداخل (الأمر الذي يدفع الاسبانيين إلى قتل الحمير والخيول والجمال ونقل آلاف السكان من ايفني إلى الداخلة في أقصى الحدود الاسبانية للصحراء.) وفي مدن ايفني والطان طان والعيون وآيت باعمران، كان الصحراويون يقيمون القواعد العسكرية السرية وينشئون المكاتب السياسية لحزب الاستقلال وجيش التحرير، كما كانوا يشاركون في إقامة المؤتمرات والندوات ويشكلون وفودا شعبية لتمارس الضغط على الملك محمد الخامس وتدفعه إلى دعم جيش التحرير بالإمكانات اللازمة. أما الاتصال ونقل المعلومات بين الوحدات المنتشرة فكانت مهمة «الأولاد» الذين يتجولون «ببراءة» حاملين الأنباء السارة حينا والمؤلمة حينا آخر.

ينطبق التواضع أيضا على التنظيم العسكري وتكتيك الحزب. فالتراب قبلي تتوزع فيه الدرجات حسب شجاعة الفرد وتفوقه الذهني وخبرته القتالية.

قائد الرحى يعتبر الرتبة الأولى في الميدان، فهو يقود 500 مقاتل (الرحى عبارة عن كتيبة مؤلفة من 500 عنصر تقريبا)، يتم تعيينه بالاتفاق بين المقاتلين، يليه نائب الرحى الذي يعينه القائد. ثم تتفرع المهام بادئة من «قائد الميّة» (أي قائد لمائة رجل) وقايد الثلاثين ورئيس الطليعة (مجموعة من 12 رجلا) وأخيرا نائب الطليعة. من أصل الـ 500 مقال يتفرغ عشرون لمهمات الاستقصاء والرصد وجمع المعلومات في المناطق الهادئة (من الطرفايا إلى رأس بوجدور) وذلك لتحديد خطوط سير المجموعات.

(في الفترات اللاحقة سيستعمل هؤلاء أجهزة اللاسلكي التي غنموها من الاسبان لإرشاد نفس المجموعات إلى القواعد العسكرية التي تكون قد تحدّدت بواسطة الرصد).

أما القيادات المحلية فقد تنوعت وشارك فيها أبناء جميع القبائل جنبا إلى جنب مع الكوادر الأساسية القادمة من الشمال. من قياديي الصحراء استطعنا معرفة البعض: بن حمّو، ادريس بو بكر، الهاشمي، صالح الجزائري، سي الملاّلي، سي بن عاشر، الشريف الدليمي (الذي سيصبح عاملا على إقليم بوجدور بعد دخول المغرب)، محمد ولد زيّو (الذي سيصبح وزيرا للعدل بعد إعلان الجمهورية الصحراوية)، على بويا ولد ميّارة، خرّ محمد، الحبيب حبّوها (الذي سيصبح عاملا على السمارة بعد دخول المغرب)...

يبدأ الرصد نهرا والحرب ليلا: بدوي يركب الجمل بدون سلاح، ويراقب ويرصد ويعيّن مكان تواجد القوة، ويرجع. في الليل تتقدم القوة الصحراوية، نصفها مسلح والنصف الآخر يغتنم (لأن الإصابات الأولى كانت دائما قاتلة، خاصة وان المقاتلين محترفو صيد الحيوانات البرية السريعة الجري) فتخوض معركتها وتعود أدراجها لتختبئ نهارا في الجبال والوديان. الجبال نادرة يقف على رأس كل منها مقاتل حاملا راية لإعطاء الإشارة عند مرور أي قوة أجنبية.

وأهم الجبال استعملت في الحرب كانت في موريتانيا (الغيلات، تغل...) في الصحراء الغربية (الصماميط الواقع قرب بيرموغرين باتجاه العيون، الفكاح بالقرب من الصماميط، ارزومالت بالقرب من الغلته والمحبس، الرقيوة قرب بيرموغرين)- أما الوديان فكانت تستعمل للتدريب وخاصة وادي تافودارت، الذي يبعد 55 كلم عن مدينة العيون باتجاه الشرق وتحيط به الأشجار ويمتاز بوفرة المياه وبوقوعه في وسط الساقية الحمراء...

على مستوى القيادة كانت حالات القلق السياسية قد أرخت كل أثقالها على المشروع الجديد. فقد عملت التناقضات السياسية المذكورة على وضع حواجز بين الشمال والجنوب وعلى إيقاف المدّ الداخلي المؤيد لاستمرار الحرب، مما كان يعني حصرا للحرب في دائرة معينة (الجنوب) وتحويل الشمال المحاذي للجنوب مقرا للقيادة والإشراف واستقبال المهاجرين والهاربين، وموقعا خلفيا. أما الشمال «الآخر» فقد عاش حالة تردد، وقف متفرجا: المواطنون ينظرون إلى النتيجة بوصفها تحديدا لاتجاهات ما بعد الاستقلال، والرسميون يعتبرونها مشروعا يسقط شرعيتهم، ويهدّد بولادة قيادة جديدة مرتكزة على استقلال من نوع آخر.

وسط هذا الحق من التناقضات، كان على جيش التحرير في الجنوب إتباع سياسة مرنة، تساعده من ناحية على تحقيق انتصارات قد تغيّر مواقف «الشمال الرسمي»، ومن ناحية ثانية، تبعده عن خطر مواجهة متعددة الأطراف: القصر وقيادات حزب الاستقلال المتعاطفة معه في الشمال، اسبانيا في الصحراء الغربية، وفرنسا في موريتانيا. وهذا ما يفسر تكتيك جيش التحرير السياسي والعسكري في المرحلة الأولى (مرحلة 1956). فقد استمر نهج تحرير موريتانيا من الاحتلال الفرنسي وتأجيل الصدام مع اسبانيا، وذلك قد يكون إما لاعتبار فرنسا العدو الأقوى والأكثر خطورة، وإما لاعتبار تكتيكي، أي محاصرة اسبانيا من الشمال والجنوب. كما استمرت العلاقات الحذرة مع القصر الملكي وذلك إما لتحييده والتخفيف من نتائج التناقضات معه وإما لإقناعه بضرورة استمرار الدعم وتغيير الموقف المتفرج.

ترافق ذلك مع تكتيك العمل السري في مدن الشمال المجاورة للصحراء، وذلك ضمن خط البدء بتنفيذ عمليات الاغتيال السياسي للعملاء والمندسين في صفوف الجيش، وتحديدا في مدينتي ايفني وآيت باعمران، اللتين، لأهميتهما الإستراتيجية، كانتا مركز اهتمام القصر الملكي ومجال الرصد لقوات التحرير من قبل عملاء فرنسا واسبانيا. يضاف إلى كل ذلك أن تحييد اسبانيا ساعد على إنجاح عمليات العبور المسلحة من خلال الصحراء الغربية إلى موريتانيا، كما أفاد جيش التحرير في تجنيد وتدريب وتعبئة السكان في الطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب، فتح المراكز السياسية والعسكرية في معظم المدن وإشراك الصحراوين في العمليات الحربية وفي تحضير المخابئ السرية وإرشاد المقاتلين...

في مطلع شهر تشرين الأول من عام 1956 بدأ الهجوم الشامل على القوات الفرنسية المتواجدة في موريتانيا. انتهت المواجهات الأولى بانتصارات عسكرية هامة تمثلت سياسيا باتساع نفوذ جيش التحرير وبإسقاط مشروع الحكومة الموريتانية الذي أعلنته فرنسا.

انتشار جيش التحرير في طول الصحراء وعرضها، والانتصارات التي تحققت ميدانيا ضد القوات الفرنسية، بدأت تتثير مخاوف القيادة الاسبانية معتبرة ما يجري خطوة أولى لتحويل القتال إلى الداخل. دون أي تردّد، ومستفيدة من علاقاتها الطيبة مع الشمال، بدأت اسبانيا مراجعة حساباتها: اتفاق دفاعي اسباني-فرنسي عام 1957، تطويق جيش التحرير والالتفاف عليه في سياسية تضييق شامل، اعتقال المقاتلين ومصادرة شحنات التموين، محاولات استمالة زعماء القبائل بالإغراء والتهديد... كل ذلك كان يعني أن ساعة المواجهة الحاسمة باتت وشيكة، ولا مجال لأي تأجيل آخر.

في كانون الثاني 1957 حرّرت قوات جيش التحرير السمارة، بير انزارن اوسير، ووصلت إلى ادرار موريتانيا. في نفس الوقت تحركت المجموعات المتمركزة في آيت باعمران وطوّقت مدينة ايفني، أهم موقع اسباني. قبائل التكنة والرقيبات وأولاد الدلايم يجوبون الصحراء على جمالهم ويخوضون معارك ضارية في الساقية الحمراء وغلتا زمور والداخلة ورأس بوجدور.

قبل أن تلتقط القوات الاسبانية أنفاسها من دهشة المتغيرات العسكرية، كان جيش التحرير قد حقّق ثلاثة أمور هامة:

1-تحصين مواقع جيش التحرير في الطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب، وتطويق القوات الاسبانية المتواجدة في مدينة العيون، وذلك من خلال السيطرة شبه التامة على السمارة وتافودارت.

2-تعبئة جميع القبائل تحت شعارات تحرير الأرض وتوحيدها وطرد المحتل المسيحي. وقد لعبت قبيلة أولا الدلايم دورا هاما في هذا المجال إذ جندت كل رجالها وجمعت كل ما تملك من بنادق الصيد والذخيرة والتحقت في صفوف المقاومة. نفس الشيء قامت به الرقيبات وبعض قبائل التكنة.

3-تأمين اتصالات مباشرة مع الجنود المغاربة العاملين في صفوف القوات الاسبانية، ودفعهم للالتحاق بقوات جيش التحرير الوطني بكامل أسلحتهم وخبراتهم العسكرية والقتالية.

كل مرة كان يصرخ فيها الدليل قائلا «معاكم يا قوم العدو»، كان المقاتلون يسجلون معركة تاريخية: في الدشيرة، بين قوات تافودارت والعيون على الضفة الشمالية لوادي الساقية الحمراء المليئة بالمخابئ والمغارات، ومن السادسة صباحا إلى السادسة مساء، كان الصحراويون يخوضون أول وأهم معركة ضد اسبانيا. (49) في العرقوب، الواقعة قرب الداخلة وسط التلال القريبة من البحر وعلى مسافة 90 كلم برا و15 كلم بحرا عن أهم موقع اسباني بحري (الداخلة)، واجه 40 مقاتل صحراوي 400 جندي اسباني في معركة انتهت بموت 20 صحراوي و120 جندي اسباني. أما الرقيوة فكانت معركة ضد الفرنسيين على الجبل الكبير المطل على الوادي الذي يربط بيرموغرين بالرقيوة، بدأت معركة طاحنة بين 200 مقاتل من جيش التحرير و700 جندي فرنسي قدموا من بيرموغرين، لحق بهم 600 آخرون من تندوف بعد 3 أيام من بدء المعركة. النتيجة: 50 شهيدا من جيش التحرير، 500 جندي من قوات بيرموغرين و450 من تندوف قتلوا، وتراجعت فرنسا إلى الشرق لتعيد تقييم تدخلها العسكري.

وتوالت المعارك التي يذكرها بحماس صحراويو ما بعد اتفاقية مدريد: معركة السمارة، الصدرة (جنبو الساقية الحمراء ما بين العيون والدورة)، الدراع (بين العيون والميناء)، بوجدور، الروضة (سيدي احمد العروسي)، وداي الصفا (بين السمارة والرقيوة، وقد شارك فيها طيرا فرنسا واسبانيا والحلفاء بـ 25 طائرة)، الحقونية، الغريبي (بين الدورة والطان طان)، الطوارف، اشياف، لكلات...

وهكذا.. لم يطل شهر شباط/فبراير 1958 حتى كانت قوات جيش التحرير قد حررت الطان طان والسمارة وأحكمت سيطرتها على الطرق المؤيدة إلى رأس بوجدور وحاصرت مدينة الداخلة. بالمقابل، كانت القوات الاسبانية تعاني هزيمة سياسية وعسكرية فادحة.

فالجنود المغاربة انسحبوا بأعداد كبيرة وبشكل جماعي من الجيش الاسباني وانضموا لقوات جيش التحرير، والهزائم العسكرية والخسائر البشرية أسفرت عن تفكيك تماسك القوات الاسبانية وانهيار معنوياتها، مما اضطرها إلى التراجع نحو الشمال والانكفاء داخل مدينة ايفني بانتظار ما سيتقرر في اجتماعات قيادات الأركان الفرنسية والاسبانية.

في مطلع عام 1958 كان الوجود الاستعماري في شمال افريقيا قد دخل في أعقد أزمة: فشل حرب السويس وبادر اتجاه ناصري نحو بلاد الشام، تصاعد العمليات الحربية ضد القوات الفرنسية في الجزائر، سيطرة جيش التحرير على الصحراء الغربية وإفشال مشروع التقسيم الجديد (موريتانيا، الصحراء الغربية، المغرب، الجزائر)، سقوط الحكومة الفرنسية الأولى في نواكشوط، وتهديد المصالح الفرنسية في افريقيا الغربية... الحلول كانت بدورها قليلة وصعبة: إما التراجع والقبول بقيام مغرب كبير تتعاطف قيادته مع الغرب ولكن رياحه يمكن أن تطال المستعمرات المجاورة، وإما تطويق الانتصارات العسكرية والتحاقها بحل سياسي يحول دون تجديد الانفجار. وفق هذا السياق يغدو التحييد بين استعمار صديق (اسبانيا) واستعمار قوي (فرنسا) لعبا سياسيا ثماره مرّة. إذ منذ أواسط 1957 والقيادات المشتركة الاسبانية-الفرنسية تعدّ الخطط لمواجهة التطورات: اجتماعات متكررة وشبه دائمة في داكار، الداخلة، لاس بالماس بين قائد القوات الاسبانية الجنرال غورمز زامولوا وقائد القوات الفرنسية الجنرال بورغوند. انتهت الاجتماعات بقرار هجوم مشترك والسيطرة على الوضع وتصفية جيش التحير. أطلق على العملية اسم «المكنسة» وبدأت في النصف الثاني من شهر شباط/فبراير 1958.

تسعة آلاف جندي اسباني وخمسة آلاف جندي فرنسي مزوّدين بكامل أسلحتهم الخفيفة والثقيلة، و630 آلية وأكثر من 70 طائرة، يقودهم الجنرال بورغوند، بدأوا حرب التصفية: بين 10 و19 شباط/فبراير كانت هذه القوات تهاجم الساقية الحمراء وتحطم التواجد المسلح والبشري والحيواني في آن واحد، دافعة السكان والمقاتلين نحو الشمال. وبين 20-24 من نفس الشهر، كانت نفس القوات تتفرغ لوادي الذهب وتحاصر القبائل وترغمهم إما على الموت وإما على الدعم (قبائل الرقيبات انحازت ووقفت إلى جانب اسبانيا). ومنذ تلك الفترة لغاية أواسط آذار/مارس كانت معركة صامتة تدور في ذلك القسم من افريقيا الشمالية: قصف البيوت والمراعي والمواطنين، وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الفرنسية تنطلق بحرية من بيرموغرين إلى الداخل، وتتقدم القوات من تافودارت، الروضة، الرقيوة ووادي الصفا، كان جيش التحرير ينسحب إلى الشمال. ورغم ذلك كانت الخسائر فادحة: 600 مقاتل، أكثر من 600 جمل في حملة الطيران وأكثر من مائة مدني...

استتبع هذه العملية تحويل جيش التحرير إلى قوة مفاوضة سوف تستعمل كورقة ضغط باتجاه مساومة مربحة للاحتلال الاسباني. فاسبانيا كانت تعلم تماما أن الانتصار الحالي قد لا يدوم في منطقة يصعب فيها إطالة عمر الانتصار، وعليه، فإن التوصل إلى وفاق سياسي يكون مدخلا مناسبا لتطويق هذه «الصعوبة». خيوط المفاوضات امتدت من جيش التحرير إلى القبائل وصولا على الملك محمد الخامس.

حاولت اسبانيا حصر المفاوضات مع جيش التحرير بموضوع المعتقلين لدى الجانبين، إصرار قيادة جيش التحرير على تسييس المفاوضات أنتج اقتراحا اسبانيا بالتخلي عن الساقية الحمراء ووادي الذهب والطرفايا مقابل الضم النهائي لمناطق الاحتلال الاسباني في الشمال المغربي.

وافق جيش التحرير على إيقاف القتال في الشمال كتنازل، متعهدا باعتماد سياسية المفاوضات لتقرير مصير تلك المناطق. فشل المحاولة الأولى استتبع عملية تطويق القبائل، منها من ركن للسكينة وعاد ليعيش «بدون سياسة»، ومنها من تعاون مباشرة مع الاسبان في الصحراء الغربية ومع فرنسا في موريتانيا، والباقي ظل يتعاطف مع السلطان المغربي. وبالتالي فإن مفوضات مثمرة لا يمكن أن تتم إلا مع طرف سياسي، صديق للغرب ومسالم، ويمتاز بشرعية سياسية دولية. المفاوضات مع الملك محمد الخامس انتهت وفق إرادة الغرب: السكوت عن ايفني والصحراء الغربية وسبتة ومليلية مقابل التخلي عن الطرفايا.

على الجانب الآخر، كانت فرنسا قد انهت مشروع تقسيم جديد للمنطقة: دولة مستقلة في موريتانيا، دولة مستقلة في الصحراء الغربية والشرقية عاصمتها تندوف، تشرف عليها المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية، والمغرب. تشابك المصالح، وموافقة الملك على العرض الاسباني، يضاف إليهما رفض قوات التحرير الجزائرية والمغربية للمقترحات الفرنسية، أسفرت مجتمعة عن نجاح المشروع الفرنسي في موريتانيا وإعلان الساقية الحمراء ووادي الذهب الإقليم الـ 51 التابع لإمبراطورية فرانكو. أما الصحراويون فقد ادخلوا في معادلة جديدة أكثر صعوبة تاركين «الشماليين» يقيّمون حساباتهم وتناقضاتهم التي حولوا تجاوزها مرة أخيرة في مؤتمر صحراوي جديد، لكن كل شيء كان قد بدأ يأخذ مسارا صحراويا:

المؤتمر الأخير ذكر «الانتماء» ووحّد الاتجاه.

انعقد مؤتمر «بوخشيبية» في منطقة تقع بين إقليم الطرفايا وإقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب، على مدار يومي 11 و12 آذار/مارس عام 1958. وقد شارك في هذا المؤتمر معظم قبائل الصحراء الغربية والجنوبية: ازرقيون، آية الحسن، ياقوت، أولاد تيدرارين، الرقيبات، أهل الشيخ ماء العينين وأولاد الدلايم من الساقية الحمراء ووادي الذهب، تشمشة، أولاد غيلات، تجكانت، الرقيبات، الترارزة والبراكنة من موريتانيا، كما شارك فيه بعض قيادات ومقاتلي جيش التحرير، ومثّل السلطان محمد الخامس ولده وولي العهد آنذاك الحسن الثاني.

عكست مقررات المؤتمر ميزان القوى بين شرعية مؤيدة للملك وإصرار على رفض الأمر الواقع ومتابعة الحرب ضد الوجود الفرنسي والاسباني. الناحية الأولى برزت من خلال المقطع التالي:

«إن تأييد الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك في قرية المحاميد بتاريخ 26 شباط/فبراير 1958 الذي وعد فيه حفظه الله بمواصلة كفاحه المعهود لاسترجاع امتدادات المغرب الطبيعية والتاريخية والبشرية. ويرى ممثلو قبائل الصحراء المغربية أن ذلك الخطاب المولوي كان فاتحة لعهد جديد في تاريخ نضال الصحراء المغربية من أجل عودتها إلى حظيرة الوطن العزيز. لقد أزال جلالة الملك بخطابه التاريخي القيّم كل التباس في موضوع هذه النواحي المغربية الصميمية، ولم يبق هناك شك في أن المغرب المستقل سيسعى في استخلاص المغرب المستعبد من ربقة الاستعمارين الفرنسي والاسباني...».

الناحية الثانية عبّرت عنها المطالب التالية:

1-التنديد بالأعمال الوحشية الفرنسية-الاسبانية، وتحميل الاستعمار مسؤولية إهدار الأرواح والأرزاق.

2-رفض الاعتراف بالمشروع الفرنسي في موريتانيا، ورفض الحكومة الموريتانية التي شكلها المندوب الفرنسي، والمطالبة بإبقاء موريتانيا ضمن المغرب.

3- التمسك بوحدة التراب الوطني والدعوة لمواصلة الجهاد والكفاح المسلح لتحرير الأراضي المحتلة وتوحيد البلاد.

4-الدعوة لتشكيل جبهة وطنية لتحري الصحراء وموريتانيا.

كان مؤتمر بوخشيبية يعني عمليا نهاية الدور السياسي لجيش التحرير في قيادة سكان الصحراء. أما ميزان القوى الفعلي فقد كان يميل بقوة ضد مقررات هذا المؤتمر، مما يعني أن خيار الصحراء الوحيد كان الشروع بمسيرة سياسية وعسكرية مستقلة عن الملك وعن جيش التحرير في آن واحد. ورغم إعلان بعض القبائل، وبمبادرة ذاتية عن قيام «جبهة موريتانيا والصحراء المحتلة» في شهر آذار/مارس 1959، وإرسال وفود إلى القصر الملكي لطلب المساعدة المالية والعسكرية لمواصلة حرب التحرير وتنفيذ مقررات المؤتمر الأخير، فإن المشروع كان محكوما عليه بالموت قبل الولادة: القصر لا ينسى أجزاءه المحتلة ولكن طريق استرجاعها لا تنسجم مع الرغبات الدفينة (القتالية) لقبائل الصحراء، وجيش التحرير يدخل مرحلة انقسامه العسكري (أي بداية المواجهة بين وبينه القصر) والسياسي (انشقاقات حزب الاستقلال) ترافق كل ذلك بانطواء الشمال على نفسه باحثا عن قضية أخرى. الإصلاح الداخلي، في مواجهة مخزن حيّد نفسه إراديا، وغرب استقرت له الأمور في الصحراء الغربية وموريتانيا. لم يكن في مقدور القبائل سوى الانتظار بحرارة والتطلع الدائم نحو «شمال» لا يربطه بالجنوب سوى وقوف على أطلال وحدة تكاد تكون منسية، من الصعب استذكارها لحظة انكباب المخزن على هموم الاستقلال الناقص...

الانتظار كان مريرا، قطعه مشروع الحزب المسلم، وعزّز قطيعته ولادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. وقبلهما حدث أمران: استقلال الجزائر، واكتشاف الفوسفات، وما سيعقبهما سوف يعمل على إيقاظ المخزن...



هوامش الفصل الثاني


(1) أحمد بابا مسكي: جبهة البوليزاريو، روح الشعب. منشورات روتبور، باريس 1978، ص 12-13، نفس الملاحظة تنطبق على المساحة. يحدد المؤلف المساحة كما يلي: «لغاية 1958، كانت مساحة الصحراء الغربية، ضمن الحدود الاستعمارية المحدودة في أعوام 1900، 1904، و1912 بين فرنسا واسبانيا، تبلغ تقريبا 310 آلاف كلم2. بعد تخلي اسبانيا عن منطقة طرفايا الصحراوية، أصبحت المساحة تعد تقريبا 284 ألف كلم2» ص 12.

(2) عبده عبد الغني: الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية. منشورات ماسبيرو، باريس، 1975، صفحة 63

(3) أنفاس، العدد المزدوج 7 و8، كانون الأول 1971.

(4) غوديو اتيلو: ملف الصحراء الغربية المنشورات الجديدة لاتين، باريس، 1978، صفحة 184. أمّا م.كورنفين في كتباه «تاريخ افريقيا المعاصر» فيقول (صفحة 358) ان عدد الصحراويين «يتراوح حسب المصادر بين 75 ألفا وخمسمائة ألف شخص».

(5) في مقابلاتنا مع بعض زعماء هؤلاء القبائل، وجدنا أن بعض الأرقام غير صحيحة تماما. إما لأن الزعيم يريد تضخيم عدد أفراد قبيلته وإما لأن بعض جوانب الإحصاء المذكور غير دقيقة.

(6) لهجة سكان الصحراء معروفة باسم «اللهجة الحسانية» وهي أقرب اللهجات المحلية إلى اللغة العربية الفصحى، كما أنها اللهجة الغالبة والشائعة في المنطقة.

(7) وقد تم ذلك: احتلال اوادان عام 1665، ادرار عام 1678، ترارزة عام 1672، تافانت وتيشيت عام 1680.

(8) منذ ذلك الحين والمنازعات بين القبائل تأخذ في الاتساع، وكل قبيلة تبحث عن دعم خارجي (السلطان أو التجار). ولم تهدأ هذه المنازعات إلا نسبيا وبفضل نفوذ الشيخ ماء العينين (مصالحة 25 تشرين أول/أكتوبر 1906).

(9) ذكر غوديو اتيليو، المرجع السابق، نص المعاهدتين، الفرنسية ص 61 والاسبانية ص 63.

(10) اعتمدنا في هذه السطور المعلومات التي حصلنا عليها من المقابلات المباشرة ومن وثائق وزارة الخارجية المغربية المقدمة إلى الأمم المتحدة بتاريخ 15 حزيران/يونيو 1977، ومناقشات جلسات محكمة العدل الدولية. كما اعتمدنا، بالنسبة للتوزيع الجغرافي وعدد السكان، على ما ذكره غوديو اتيليو، المرجع السابق، ص ص 45-64.

(11) يقول فرانسيس شاسي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة نانسي، أنه «كان يجب أن تمر حوالي مائة وخمسين سنة حتى نسمع من جديد عن علاقات سياسية واضحة تربط بين المغرب الأقصى والصحراء، أي بين أهل بيروك، رؤساء فئة من أصل موسى من تكنة، وبين سلطان المغرب. وابتداء من عام 1840، أصبحت الطريق التجارية الغربية عبر الصحراء، لمدة، مزدهرة بسبب غزو الجزائر (وهي طريقة تقضي على الطرق الأخرى) وكذلك غزو القصور-أسواق تندوف (التي أسسها حينذاك تاجاقند) ثم كوليمين التي يراقبها أهل بيروك. وذلك من شأنه أن يخدم مصلحة هؤلاء الأخيرين ومصلحة الأوروبيين المتمثلة في التبادل المباشر، وبدون المرور بالطريق الطويلة لموقادور ولا تحمل الرسوم الشرفية، ولا يخدم مصلحة السلاطين». ورد في فصل بعنوان «معطيات تاريخية واجتماعية حول تكون الشعب الصحراوي»، في «الصحراء الغربية شعب وحقوق»، ص 180.

(12) غوديو اتليو يعرض تفاصيل هامة عن نفوذ ومشاريع بيروك التجارية. المرجع السابق، ص 49-51.

(13) ذكرها هذا التوزيع الجغرافي غوديو اتيليو، المرجع السابق، ص ص 41-42.

(14) البروفسور شاسي، الذي أعياه البحث التاريخي عن ذات صحراوية (سياسيا) والذي يبدو أنه واسع الاطلاع حول تاريخ المغرب العربي وتاريخ القبائل الصحراوية، لم يستطع أن يوجز بحثه الميداني إلا بخلاصة علمية تتعارض مع عاطفته السياسية ولكنها تحترم، رغم ذلك ورغم انحيازها الطفيف، النتيجة العلمية للبحث. فهو يقول «ان تلك الهياكل الموجودة بين القبائل، وكذلك التطابق اللغوي والثقافي، كانت تميز كل القبائل الرحل التي تجوب المنطقة التي تحدثنا في البداية عن جغرافيتها واقتصادها باقتضاب، والتي تتجاوز قليلا (شمالا، وشرقا، وجنوب شرق) الأراضي الحالية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ولموريتانيا، وهي خصائص تميزهم عن التجمعات الاجتماعية المجاورة، سواء كانت عربية أو بربرية، مستقرة أم متنقلة. فبإمكاننا إذن أن نقول أنهم شعب أو مجموعة شعب، شريطة أن نوضح بأننا نعني من ذلك وحدة «اجتماعية-ثقافية»، ولا وحدة عضوية فيزيائية، ولا جنسا، ولا أمة بالمعنى العصري للكلمة. فبالنسبة للنقطة الأولى، من الواضح أنه يوجد في الواقع الملموس تنوع واختلاط بين أجناس (وأغلبهم بلا شك بربر وسود) كما توجد في نفس الوقت مطالبة قوية (على الأقل رمزيا عن طريق الأنساب) بالانتماء للعرب. وحول النقطة الثانية فإنه من الوضوح بحيث لم توجد لا وحدة سياسية على المستوى الإجمالي لهذا الشعب، ولا تطلع جماعي إلى اكتساب وحدة ما، وذلك راجع إلى ظروف عهد ما قبل الرأسمالية والاستعمار، لحياة البادية». المرجع المذكور، ص ص 12-13.

(15) المرجع السابق، ص 12.

(16) العلك هو ما تفرزه نبتة شوكية تدعى الطلح، التي تؤدي ضغط الحرارة عليها إلى إخراج العلك من أسفلها.

(17) المرجع السابق، ص 12.

(18) هذه الوضعية عكست نفسها على اختصاصات القبيلة المهنية. فالرقيبات الساحل مثلا امتلكوا آلاف الجمال، والبويهات (إحدى فروع الرقيبات) احتفظوا بالزراعة. أما الرقيبات الساحل فقد غنموا ثروة كبيرة من جراء الكسب. وازرقيون تخصصوا باقتناء الظأن والإبل والتجارة والثقافة ويملكون حاليا 80% من متاجر العيون. أولاد تيدرارين اهتموا بالكسب، أولاد الدلايم بالكسب والصيد البري والتجارة، وخاصة مدينة الداخلة، أما العروسيون فقد اشتهروا بالكسب، إضافة إلى الكسب والصيد البري بالرماية والفروسية والشعر...

(19) عبد الله العروي، المرجع المذكور، ص 66.

(20) المرجع السابق، ص ص. 72-73.

(21) المرجع السابق، ص 129.

(22) وجود السلطة المغربية إيديولوجي-سياسي وقومي في عموم المغرب الحالي ولكنه على مستوى العلاقات الداخلية. ان القبائل المقيمة حاليا في مناطق السوس، والتي يتم الوصول إليها بواسطة وسائل النقل الأولية، لا يربطها بالسلطة المركزية سوى حضور موظف وشرطي، يوم الجمعة إلى السوق، يحملون الأختام وأوراق المعاملات الوطنية. يختمون، يصدقون على ورقة طلاق أو وفاة أو زواج ويذهبون. القانون بيد شيخ القبيلة الذي يصل إلى حد معالجة الخلافات المعقدة دون اللجوء إلى السلطة المركزية.

(23) الصحراء الغربية شعب وحقوق، إعداد الملتقى الدراسي بماسي الذي انعقد بتاريخ 1، 2 نسيان/ابريل 1978 وأصدرته دار نشر لارماتان الفرنسية بإشراف الرابطة الفرنسية لحقوق وتحرير الشعوب، ص 13.

حول تطورات القرن العاشر وتأثيرها على صنهاجة الجنوب المغربي، راجع عبد الله العروي، المرجع السابق، ص ص. 160-161.

(24) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 14.

(25) عبد الله العروي، المرجع السابق، ص 160. ويعلق العروي على الهامش قائلا: «الذين يعتقدون مثل أ. ف. غوتيه بمدلول موضوعي لكلمتي صنهاجة وزناتة يفترضون حدوث اجتياح زناتي قادم من منطقة طرابلس قسم الكتلة الصنهاجية إلى فرعين، لاذ أحدهما بجبال القبائل، هم المستقرون، ولاذ الآخر بالصحراء واخلد إلى البداوة».

(26) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 17.

(27) حول سياسة العلويين، راجع العروي، ص ص. 272-287.

(28) شارل اندريه جوليان: افريقيا الشمالية تسير، القوميات الإسلامية والسيادة الفرنسية، ص ص 127-128.

(29) عبد الله العروي المرجع المذكور، ص 162.

(30) يبدو أن غوديو اتيليو اهتم بموضوع ماء العينين أكثر من وزارة الإعلام، وأكثر من مثقفي الحركة الوطنية المغربية بدءا من حزب الاستقلال وانتهاء بمنفيي باريس. لذلك اضطررنا إلى الرجوع إلى صفحاته القليلة، ولكن الغنية، لنلتمس بعضا من تاريخ عظيم. فقط لكي لا نقتل التراث عن وعي.

(31) من أصل 383 صفحة لم يتحدث بابا مسكي في كتابه المذكور آنفا عن تاريخ الشيخ ماء العينين الديني والسياسي إلا في أربع صفحات فقط.

(32) فرنسيس شاسي، المرجع المذكور، ص 21.

(33) من رسالة وجهها السلطان إلى رعاياه الصحراويين بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 1887.

(34) ذكر غوديو اتيليو أهم مؤلفاته في كتابه المذكور، ص ص. 90-95. كما تمكنا من الاطلاع على بعض المخطوطات الأصلية التي عرضها علينا أحد أحفاد الشيخ ماء العينين أثناء زيارتنا لمدينة العيون في كانون الثاني/نوفمبر 1979.

(35) ذكر اتيليو بعض ما جاء في هذه الرسالة، ص 75، وذلك نقلا عن بول مارتي.

(36) وردت في كتاب «الماضي المغربي لموريتانيا» لاوديت دي بويغدور نقلا عن أرشيف دائرة تاجانت. ذكرها غوديو اتيليو، المرجع السابق، صفحة 75.

(37) المرجع السابق، ص 77.

(38) حول الأحداث والتواريخ، المرجع السابق، ص 79 وما بعدها.

(39) نقلا عن اتيليو، المرجع السابق، ص ص 62-63.

(40) حول تاريخ الشيخ ماء العينين، راجع اتيليو ص ص 65-82، بابا مسكي، ص ص 95-98، عبد الغني، ص ص 24-27...

(41) حول سياسة أحمد الهيبة، راجع اتيليو، ص ص 82-83، عبد الغنى ص ص 27-29.

(42) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 71. عامل السمارة الحبيب حبوها روى لنا أن القبائل أخلت المدينة عند دخول الفرنسيين إليها. وبعد 40 يوما على احتلال المدينة ونهبها وسرقة محتويات مكتبة الشيخ ماء العينين، استطاعت القبائل بعد أن أعادت تجميع صفوفها من تحرير المدينة من القوات الفرنسية واغتنام أسلحتهم. وقد استبسلت قبائل الرقيبات في هذه المعركة خاصة وأن 95% منهم من سكان السمارة.

(43) وقعت معركة بوعثمان بتاريخ 18 آب/أغسطس 1932 على بعد عدة كيلومترات عن نواكشوط. حول هذه المعركة، راجع بابا مسكي، نفس المرجع، ص 101.

(44) عبده عبد الغني، الرمج)ع المذكور ص 29.

(45) الصحراء الغربية شعب وحقوق، ص 24.

(46) تجربة ابن الأمير ولد عايدة (الموريتاني) أثبتت مرة أخرى أهمية المواجهة الواحدة لمستعمرين مختلفي الهوية الجغرافية: سيد احمد ولد عاديه، أمير ادرار، انتقل من ادرار إلى السجن في سان لويس، ومن الإقامة الجبرية انتقل الساقية الحمراء، ومن هناك تابع مسيرة والده ومسيرة الشيخ ماء العينين. فقد انعقد حوله تحالف قبلي الذي بدأ عمليات مسلحة بقيادته. أما هو فقد استشهد وهو يقوم بحماية تسلل إحدى المجموعات. حول هذا الموضوع، راجع باب مسكي، ص ص. 102-105.

(47) حول التصريح الأول، اتيليو، ص 158، التصريح الثاني، ص 156.

(48) حول هذا المؤتمر، اعتمدنا على المقابلات الميدانية بشكل أساسي، وقد ذكر اتيليو المؤتمر ص ص 87-88، وعبد الغني ص ص 38-39، أما بابا مسكي فلم يتحدث عنه أبدا.

(49) أحد الذين شاركوا في المعركة والمقيم حاليا في مدينة العيون، قال لنا أن عدد مقاتلي جيش التحرير كان خمسين فقط، منهم 25 يحملون السلاح، فقدوا 13 مقالتا أثناء المعركة. أما الاسبان فكانوا 1200 لم ينج منهم إلا مائة جندي بينما حصل الصحراويون على 1100 بندقية. أما عبده عبد الغني فيقول، ص 39: ان الاسبان خسروا حوالي عشرة آلاف قتيل في معركة الدشيرة.





0 أهداف سيلتك 2-1 برشلونة [07/11/2012]
0 الاحـــــتــرام
0 12 ألف مسلح تونسي في سوريا يريدون العودة
0 ولـدت لـكًـي أصـبـح مـاـكًـاًَ
0 حسناوات بلجيكا "يدنسن" مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء
0 منزل ملؤه العصرية والإبتكار
0 نتائج قرعة الدور الفاصل لكأس العالم 2014 افريقيا بالفيديو
0 أبو قتادة يدير التيار الجهادي الأردني من سجنه
0 正统派信仰大纲عقيدة أهل السنة والجماعة-صيني
0 طلبين للاعفاء
0 كوريا الشمالية تدعم الجزائر زكارة في الجنوبية
0 ديكورات مسابح منزلية شتاء وصيف
0 منتديات برق في محرك البحث نهاية شهر 10/ 2013
0 نيمار : ميسي الأفضل فـ ي العالم ، واللعب إلى جانبه حلم بالنسبة لي !
0 ترتيب القطع الحربية من حيث الحجم مع الصور

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-24-2013 الساعة 09:25 PM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 08:14 PM   #15
::نائبة المدير العام::
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 29
المشاركات: 17,098
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 10
د/روليان غالي will become famous soon enough
الفصل الثالث من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي/علي الشامي





الفصل الثالث من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

البوليزاريو: الشعب الصحراوي أو جمهورية المنفى


الاحد 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

علي الشامي


اضغط هنا لتكبير الصوره


الحزب المسلم وهزيمة المحاولة الأولى [ صفحة 1 ]

البوليزاريو: الشعب الصحراوي أو جمهورية المنفى


في أسباب الانكفاء الداخلي المعاصر

في تتابع «الحدث» اليومي لقضية الصحراء الغربية، يبرز التاريخ كتراث متعدد «الأصول» قابل دائما للاستعمال كاستهلاك سياسي، فالتداول الإعلامي-التحريضي، باختلاف هوية محترفيه، ارتكز على هذا التراث بوصفه «أصلا» لما هو حاصل. غير أن الارتكاز اعتراه خلل ناتج عنى قياس إرادي للأصل غير عابئ بضرورة مطابقته «العلمية»، وليس التعبوية، للوضع الناشئ. وضع عام 1958 حدا للخلل واشترط تداولا أكثر صحة ودقّة في صياغة واستيعاب الحدث اليومي. فمنذ ذلك العام والمسألة تتوضح جغرافيا وسياسيا، وتتراكم فيها مجموعة من العوامل المستجدة التي ستكون لاحقا أساس الإشكالات الراهنة، والتي يمكن اعتبارها نواة محاولات صحراوية وسط تناقضات محلية أشد فاعلية وتأثيرا.

العوامل كثيرة ومختلفة، يفهمها كل طرف وفق خلفياته، غير أنها موضوعيا ثابتة:

1- اسبانيا الضعيفة افريقيا وأوروبيا، وجدت نفسها في نهاية عام 1957 في مأزق حاد وانحسار في أهم مستعمراتها. مصالحها التاريخية في المغرب لا تسمح لها بتدهور دراماتيكي، ومواجهة القضايا العالقة بعنف سوف تؤدي إلى طرح الوجود الاسباني بومته. القوات الاسبانية محاصرة في العيون والداخلة وايفني بينما القوات الفرنسية استطاعت تعزيز قواتها في تندوف وإحكام سيطرتها على موريتانيا وضبط علاقتها مع الملك الخامس ايجابيا.

التقت حاجة فرنسا الإستراتيجية، القائمة على منع انتشار العدوى السياسية إلى باقي افريقيا انطلاقا من الجزائر والصحراء الغربية، مع حاجة اسبانيا التكتيكية لفك الحصار عنها وإعادة ضبط الأمور بشكل لا يهدد مجمل المصالح الاسبانية سواء في الساقية الحمراء ووادي الذهب أو في باقي الجنوب والشمال. فجاءت عملية المكنسة (شباط/فبراير 1958) مدخلا عسكريا لحل سياسي: الانسحاب من إقليم الطرفايا المحتل وعدوة السلطة المغربية إليه بعد التوقيع على اتفاقية سنترا (Cintra) بتاريخ أول نيسان/ابريل 1958، وذلك مقابل سكوت مغربي رسمي عن الإقليمين الباقين في الجنوب وعن مناطق الشمال، مع ترك باب المفاوضات حولهما مفتوحا.

سبق ذلك إعلان الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعة اسبانية بإدارة حاكم عام تابع لرئاسة الحكومة في مدريد وحاكم عسكري تابع لقيادة جزر الكناري العسكرية، وذلك وفق المرسوم الصادر في 10 كانون الثاني/يناير 1958. استتبع ذلك تحديد دقيق للحدود من ناحية الشمال بين منطقة النفوذ المغربي جنوب إقليم الطرفايا ومنطقة النفوذ الاسباني جنوب وادي درعا، ومن ناحية الجنوب بين منطقة النفوذ الاسباني شمال رأس كانسادور في أقصى جنوب تيريس الغربية ومنطقة النفوذ الفرنسي الواقعة جنوب هذه المنطقة، أي موريتانيا الحالية، التي عملت فرنسا على منحها نوعا من الحكم الذاتي بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1958 كمقدمة لتحويلها إلى دولة مستقلة وتشكيل أول حكومة موريتانية (1960).

إلى هذه الفترة تحديدا يرجع تعيين الإطار الجغرافي للصحراء الغربية المتنازع عليها حاليا. وعام 1958 هو ، بنتائجه وتطوراته السياسية، أساس الحدود القائمة والتي لم تكن محددة ولا للحظة من اللحظات في كل التاريخ القديم، على الأقل من المنطقة الممتدة جنوبي أغادير وصولا إلى اكبر المدن الموريتانية وتندوف. فالتراث «الجغرافي» سيصبح ثانويا ما قبل 1958، وأساسيا «علميا» من بعده، وذلك بفضل حاجة اسبانيا، الضعيفة، للحفاظ على حصتها المتواضعة من الإرث الاستعماري.

2- يدخل رسم الحدود المذكور في صلب المشروع الفرنسي ويلتقي مع رسم حدود من نوعه آخر: تحويل القسم الجنوبي من الصحراء إلى دولة مستقلة وتعيين حدودها المحاذية لمنطقة النفوذ الاسباني وذلك بعد فشل مشروع خلق جمهورية صحراوية بسبب رفض الشيوخ «على أساس تأكيد الانتماء للمغرب» (1).

فبقيت المناطق الشرقية (تندوف) بدون حدود بينما ابتعد خطر الامتزاج الموريتاني-الصحراوي عن المشروع الفرنسي. أسفر كل ذلك عن اطمئنان فرنسي وقيام دولة جديدة، وعن ارتياح اسباني وإعلان مقاطعة جديدة، سيطالب بعض سكانها فيما بعد بأن يصبحوا دولة..

ولا يقف الاطمئنان الفرنسي عن التعيين الجغرافي لمنطقة النفوذ الاسباني، ولا يكتفي بإعلان جمهورية موريتانيا، بل يتعدى ذلك ليدخل في إستراتيجية فرنسية أكثر شمولية تبدأ بتطويق هزيمتها في المشرق (حرب السويس) وإطفاء نار التحرير الجزائرية التي، في حالة استمرارها، ستتحول إلى نموذج يُحتذى به في عموم القارة الافريقية. إذ ان «قتل» السياسة في الصحراء يعني قتلا للسياسية في الجزائر، وبالتالي فان مساعدة اسبانيا في هذا المجال تلبي حاجة موضوعية لفرنسا بشكل خاص: إبعاد خطر الثورات المحلية في افريقيا الغربية، تنفيذ مشروع «ميفيرما» الذي يشمل موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد، توطيد علاقتها مع الملك المغربي لإضعاف تعطفه مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية توطيد العلاقات مع تونس لتطويق الباب المشرقي للثورة الجزائرية.

3- المغرب، الذي يراقب عملية تقطيع أطرافه، يتحرك في ميزان قوى جعله الانسجام الفرنسي-الاسباني وعملية المكنسة يميل بقوة معاكسا رغبات السلطان القومية. إذا أضفنا إلى هذه الوضعية الدونية غلبة الدفاع عن مصالح السلطة القائمة على ضرورة استكمال عملية التحرير الكامل، يصبح السلطان أمام معضلة مصيرية: الاحتفاظ باستقلال ناقص أم الاستمرار في حرب طويلة الأمد. اختيار الحل الأول لم يلغ أهداف الحل الثاني ولكنه اشترط تصفية قواه الفعلية (جيش التحرير) وإلحاقها بمشروع القصر، كما استتبع سلسلة تنازلات إرادية (اتفاقية سنترا) وقسرية (السكوت عن قيام موريتانيا). لأن فرنسا واسبانيا أقوى، ولأن لكل منهما مصالحها الخاصة في المغرب، فإن الملك محمد الخامس، والقوى السياسية المتحالفة معه، وجد نفسه في حالة ضعف: «لأسباب سياسية لم يكن باستطاعته الاعتماد على فرنسا ضد اسبانيا، ولأسباب اقتصادية لم يكن باستطاعته التحالف مع هذه ضد تلك ولاعتبارات تاريخية وعاطفية لم يكن بإمكانه التخلي عن موريتانيا لاسترجاع تندوف، ولا التخلي عن سبتة ومليلية للحصول على وادي الذهب»(2).

أنتج تشابك المصالح معادلة سياسية ستكون نتائجها، صحراويا، سلبية: إلغاء العلاقة الشرعية التي كانت تربط المغرب بالصحراء عن طريق خليفة تطوان، ضرب بقايا العلاقة السياسية التي كانت تربط سكان الصحراء بالملك أو بحزب الاستقلال وجيش التحرير. أي نسف الصفة الشرعية والروابط السياسية، واستتباعا إدخال الصحراء في إطار آخر غير «مغربي»، لا يغير من هويته اللاحقة إلا إلغاء شروط إنتاجه نفسها، العلاقة الوحيدة الباقية كانت «عائلية»، ووحدها الزيارات «الاجتماعية» كان مسموحا بها. أما موسم الطان طان الذي كان فرصة لتبادل السلع ورؤية الصحراويين لبعضهم (الذين ظلوا مغاربة والذين أصبحوا رسميا اسبان) فقد اخذ يتدهور مع ازدهار الحركة التجارية في مدن الصحراء نفسها (العيون، السمارة، الداخلة...).

4- أسفرت العوامل الثلاثة عن خصوصية تاريخية: تكوين سياسي داخل منطقة النفوذ الاسباني قائم داخل حدود مسيّجة وعزلة قسرية عن الشمال والجنوب مع إلحاق تدريجي بسلطة مدريد. ترافق كل ذلك بعلاقات واهية مع المغرب، دلالتها هامة لكن فاعليتها معدومة طيلة الستينات. بهذا المعنى تظهر الخصوصية التاريخية التي أصبحت فيما بعد خصوصية سياسية، وكأنها نتاج تضافر هذه العوامل مجتمعة وليس بوصفها استمرار لتاريخ لم يشهد انقطاعا (الأطراف المتنازعة حاليا لا تنفي هذا الانقطاع فالخصوصية متفق عليها بوصفها نتاج الفعل الاستعماري القائم على عزل المناطق عن بعضها وعلى كافة المستويات). ان محاولات إسناد هذه الخصوصية بثوابت تاريخية سابقة على عام 1958 تبدو لنا فارغة من أي جهد إقناعي موضوعيا وعلميا. الخصوصية، هي نتاج انقطاع حدودي-جغرافي وسياسي-وطني. عملت على تدعيمها المواجهة الأخيرة واستئصال الوجود السياسي العسكري لجيش التحرير من الصحراء الغربية ودحره نحو الشمال. وبالتالي فإن بدايات استقلال سياسي كتمظهر لهذه الخصوصية يستمد تبريراته من مجموعة العوامل التي آلت إليها وضعية الصحراء منذ 1958، بتحديد صارم.

شكل مؤتمر بوخشيبية علامة فارقة: بداية المسيرة عن المغرب وموريتانيا، وانفراد في مواجهة المحتل، مع الاحتفاظ بعلاقة «إيديولوجية» بالمغرب قوامها وتبريرها الإصرار على عدم إعطاء أية صيغة شرعية للاحتلال الاسباني. داخل المنطقة التي ارتسمت حدودها وبشكل واضح منذ عام 1958، بدأت الخصوصية الصحراوية تنمو على قاعدة العلاقة الثنائية (اسبانيا-الصحراء) وتنمو معها سمات سياسية جديدة: عام 1960 جرى تشكيل مجلس الأربعين أو آية الأربعين، كهيئة تمثيلية للسكان، تضم زعماء القبائل وتتمتع بسلطة ونفوذ على مجموع السكان وتناقش أمورهم مع سلطات الاحتلال، في 19 نيسان/ابريل 1961 تصدر الحكومة الاسبانية وثيقة تعتبر الصحراء جزءا من اسبانيا (الساقية الحمراء ووادي الذهب مقاطعتان اسبانيتان والعيون عاصمة للصحراء).

ورغم خنق جبهة موريتانيا والصحراء في المهد، وسيادة الهدوء العام الذي دعّم المشروع الاسباني، فإن النمو البطيء لهذه الخصوصية انتقل إلى وتيرة أكثر حركة ودينامكية في محاولة تسريع الإلحاق السياسي، وذلك بسبب عدة عوامل خارجية تتجاوز إرادة السكان ورغبات الإدارة الاسبانية من أهمها: إصدار الكتاب الأبيض من قبل الحكومة المغربية بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1960 الذي يعلن مطالبة المغرب بالساقية الحمراء ووادي الذهب وايفني وموريتانيا، إصرار الملك محمد الخامس على إجراء مفاوضات مع اسبانيا حول هذا الموضوع، صدور قرار الأمم المتحدة المتعلق بتصفية الاستعمار (قرار رقم 1514 بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر 1960) وتأثيراته على مشاريع القوى الاستعمارية التي اتبعت اثر هذا القرار سياسة التحول إلى استعمار جديد وإلى تحويل المستعمرات إلى دول تابعة وملحقة بها، استقلال الجزائر عام 1962 وآثاره الايجابية على مجمل المستعمرات مما كان يعجل بتغير السياسات المحلية بشكل يسمح بتطويق انعكاسات الانتصار الجزائري، ليس فقط على المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة، بل أيضا على الدول التي أنتجها التقسيم الاستعماري وظل يرعاها بعد قيامها (المغرب، موريتانيا، تونس...)

كان يخفف من حدة العامل الأول انشغال المغرب بأوضاعه الداخلية (بناء الدولة الحديثة). وينضبط العامل الثاني داخل ميزان قوى عالمي يميل لمصلحة الغرب ولا يشكل فيه تيار باندونغ (عدم الانحياز) إلا نسبة ضئيلة وضعيفة. أما العامل الثالث فقد كان الأهم والأكثر تأثيرا على المدى الاستراتيجي، رغم أن انكفاء نحو الداخل لبناء دولة ما بعد الاستعمار الطويل كان يضعف انتشار المد الثوري. لذلك لم تتأثر وضعية السكان في الصحراء الغربية بشكل فاعل ومباشر، وإنما تأثرت وضعية الإدارة الاسبانية التي كانت ترى في هذه الأحداث، رغم غياب خطرها المباشر، مؤشرات وبوادر ذات تأثير بطيء ولكنه خطير على المدى الطويل، مما كان يستدعي بداية علاقات سياسية من نمط جديد: الإلحاق عن طريق الوسيط المحلي. بمعنى آخر، أن تعطي اسبانيا لنفسها شرعية استمرار احتلاها من خلال «المحتلين» أنفسهم وذلك كتكتيك ناجح لمواجهة انعكاسات العوامل الخارجية المذكورة على الوضع السياسي للصحراء.

ترافق هذا التطور مع مسألة ذات أهمية قصوى في تحديد اتجاهات الإدارة الاسبانية وهي اكتشاف الفوسفات في أيار/مايو 1963، الأمر الذي زاد فوائد استمرار السيطرة، كما أسس لتدخل أوروبي غربي وأمريكي في الصحراء الغربية. والفوسفات ليس مجرد اكتشاف بل حاجة ضرورية اقتصاديا، أي «سياسيا» أيضا، وبالتالي فإن الثروات الطبيعية القديمة والحديثة بدأت مع بداية الستينات تلعب دورا محوريا وحاسما في إستراتيجية اسبانيا الصحراوية.

أبرزت سنوات الستينات الأولى ثلاثة أمور:

أولا، بداية صراع صامت مغربي-اسباني حول الصحراء يدور في أروقة الأمم المتحدة حينا وفي عواصم البلدين حينا آخر.

ثانيا، بداية سياسة محلية قوامها تركيز قوة ذاتية طيعة في يد الحاكم العسكري وتستخدم كتغطية لاستمرار السيطرة.

ثالثا، جمود النضال السياسي الصحراوي وذلك كنتيجة مباشرة لتصفية جيش التحرير ولقطع العلاقات مع القوى السياسية المغربية ولغياب الطليعة المحلية القادرة على قيادة مواجهة داخلية وثنائية بدون تدخل من الحدود.

بمعنى آخر استتب الوضع الداخلي لاسبانيا، والسياسية المغربية المناوئة لم تشكل إلا إزعاجا دبلوماسيا. وبناء عليه، فإن مدريد سوف ترسم معالم تطور سياسي يرتكز على علاقات ودية مع زعماء القبائل مع إعطائهم صلاحيات تمثيلية للسكان مدعومة بقوات الاحتلال. اخذ هذا التطور شكله الأول في تأسيس الجماعة الصحراوية عام 1967، وهي نوع من السلطة المنبثقة عن القبائل والمنفصلة عنها نسبيا، وخاصة كإطار لتقرير المواقف: إعلان مواقف السكان المحليين، تمثيلهم في العلاقات مع الإدارة الاسبانية، الإشراف على المسائل الداخلية وضبط العلاقات القبلية...

فالجماعة هيئة أكثر اتساعا من آية الأربعين: إضافة لزعماء جميع القبائل الصحراوية المتواجدة داخل منطقة النفوذ الاسباني (باستثناء ايفني)، تضم الجماعة مخاتير المدن الكبرى (العيون، الداخلة) وزعماء البطون والفروع الكبرى لكل قبيلة بحيث يصل عدد أعضاء الجماعة إلى 102 يضاف إليهم الكاتب العام وهو اسباني. تعود أهمية هذا التوسع الأفقي إلى ضرورة إشراك جميع القبائل والبطون والعائلات في تأمين التغطية اللازمة لاستمرارية الاحتلال، أي تقديم إطار يستوعب الجميع ولا يسمح لأي كان بالحديث من خارجه...

التأسيس الاسباني قائم على القهر، أما التراتب الداخلي فقائم على الديمقراطية. ينتخب السكان بحرية تامة ممثليهم في الجماعة التي تنتخب بدورها الرئيس ونائب الرئيس. وجميع المنتخبين ملزمين بإعلان الوفاء لاسبانيا طيلة مدة تمثيلهم، والقسم الذي يلي الانتخاب يخطه قلم الحاكم الاسباني.

«أقسم أمام الله القادر واعد بتصميم من أمثلهم بالسهر على الفائدة المشتركة المادية والروحية للصحراء.

أتخلى علنا عن مصالحي الشخصية لأجل الخير المشترك. اعد بالوفاء لاسبانيا في إتمام واجباتي واحترام القوانين التي تنظم حياة جماعتنا...» أما قانون «الجماعة» نفسه فلم يكن نتاج جهود الزعماء أنفسهم، لقد كان صياغة اسبانية من أوله إلى آخره. وذلك أن نصّ المرسوم رقم 1024-1967 المتعلق بإنشاء الجماعة تضمن عدة بنود أهم ما ورد فيها: أن يكون السكرتير العام للجماعة من أصل أوروبي (المادة 165)، تمثيل القبائل أو الفروع يتم بواسطة الشيوخ أو الزعماء المنتخبين وتعيينهم يخضع لموافقة الحاكم العام (المادة 168)، وظيفة الجماعة محصورة بمناقشة غير تقريرية لأمور الميزانية، العلاقات العامة، والتعليم، الزراعة والرعي، الكهرباء، المياه، وبشكل عام كل ما يتعلق بالنمو الاجتماعي والاقتصادي (المادة 174)... لا يعطي أي بند من بنود الدستور صلاحيات سياسية للجماعة، فالسياسية ممنوعة ومحظورة إلا بأوامر الحاكم العام. تنتخب الجماعة مرة كل أربع سنوات وتعقد اجتماعاتها مرتين في السنة (نيسان/أبريل وتشرين الثاني/نوفمبر) وبناء على طلب الحاكم العام تنعقد جلسة طارئة في الوقت الذي يراه مناسبا. إذا رجعنا بعض فقرات خطبة التدشين التي ألقاها رئيس الجماعة أصيلة ولد عبيدة بحضور الحاكم العام للصحراء فرناندو دي سانتياغو اي ديازدي ماندفيل، يمكننا إدراك البعد السياسي لقيامها: «تمنينا إيصال إلى الكوديلو والحكومة التعبير عن تفاني الشعب الصحراوي وأمنيتنا بالبقاء مرتبطين مع اسبانيا الأم في داخل هذه الوحدة وذلك إلى اليوم الذي نعتبر اننا، بإرادتنا، وصلنا إلى الهدف المرغوب، لأننا حاليا سعداء جدا بمتابعة القافلة الاسبانية-الصحراوية والتي نرغب متابعتها أيضا ولوقت طويل...» (3).

ما بين سنوات 1967-1971 كانت تحضيرات استخراج واستغلال الفوسفات قد دخلت مرحلتها الأخيرة، وبالتالي فإن تطويق المطالب الخارجية (المغربية والموريتانية) وإجهاض التحركات الداخلية (أحداث الزملة خاصة) استلزمت تطوير دور الجماعة وإدخال بعض أعضائها في البرلمان الاسباني (الكورتيس). هذا الإدخال سوف يعني لاحقا (أسبنة) الصحراء أي تصفية شخصيتها المستقلة. ففي انتخابات الجماعة التي جرت 1971 انتخب خطري ولد سعيد ولد الجماني رئيسا وباب ولد احمد بابا نائبا للرئيس، كما انتخب ستة نواب لعضوية الكورتيس: اصيلة ولد عبيدة وخطري ولد سعيد الجماني وجولي ولد النن من قبيلة الرقيبات، احمد ولد إبراهيم ولد البشير من قبيلة ازرقيين، والسويلم ولد احمد الابراهيم وباب ولد حسنّا من قبيلة أولاد الدلايم. وقد استمرت عضوية هؤلاء النواب الستة لغاية عام 1975 حيث التحقوا بالمغرب ومنهم أصبح عضوا في البرلمان المغربي (4).

إذا وضعنا جانبا رغبات بعض أعضاء الجماعة المعارضة للسياسية الاسبانية، فإن صيغة أخرى من التحرك الصحراوي ترافقت مع بدء ممارسة الجماعة لدورها. فالمشروع المذكور يستهدف فيما يستهدفه تطويق أية معارضة صحراوية خارج الإطار الذي يستمد شرعيته من الحاكم العام. وبالتالي فإن الحل الصحراوي البديل سوف يكون مناقضا للشرعية المشوهة ومحاولة للخروج عن القافلة الاسبانية. رغم فشل المحاولة، فإن مراجعتها ضرورية بسبب تأثيرها اللاحق على ولادة البوليزاريو: محاولة صحراوي قادم من المغرب، البصيري، أو ما يمكن تسميته بتجربة حزب المسلم...


الحزب المسلم وهزيمة المحاولة الأولى


ولد محمد سيد إبراهيم البصير (البصيري) عام 1944. تلقى علومه الابتدائية والثانوية في الرباط وسافر بعدها إلى سوريا ومصر للتخصص في ميدان الصحافة. رجع إلى المغرب مشبعا بتجربتي البعث والناصرية، حاملا رغبة قوية في تحرير الصحراء وحلما دفينا بوحدة عربية. بدأت محاولته بتجربة صحفية متواضعة حيث أسس مجلة الشموع (الشهاب) عام 1967 وأخذ يعرض أفكاره السياسية بحذر. كانت قناعته قائمة حول طريق التحرير: الكفاح المسلح وليس الدبلوماسية، وحول استحالة الانتصار الصحراوي بدون تشكيل جبهة وطنية مغربية. غير أن تجربة الرباط كانت مريرة، دفعته سلبياتها إلى اختيار الحل الصحراوي المنفرد. فالمغرب الرسمي أسس عام 1967 جبهة تحرير الصحراء بواسطة بعض الموظفين المغاربة الصحراويين برئاسة حمدي ولد السالك وذلك في سياق الحملة الدبلوماسية التي بدأتها الحكومة المغربية داخل الأمم المتحدة. وقد وجد البصيري في هذه الجبهة مشروعا يتناقض مع طموحاته وقناعته، فهي من ناحية تضم أشخاصا لا يثق بهم، ومن ناحية ثانية، تسلك طريقا سلميا يتعارض مع منطق التحرير الذي كرّسته تجربة جيش التحرير. لهذه الأسباب بدأ إعلان موقفه المعارض في مجلته، الأمر الذي ساق إليه سلسلة متواصلة من المضايقات والملاحقات من قبل أجهزة الشرطة. أما المغرب غير الرسمي، فإنه رغم موقفه مع البصيري مبدئيا، كان غير مستعد لبدء مرحلة تحرير من الاستعمار في وقت غلبت فيه الاهتمامات الداخلية القضية الوطنية. ولم تؤد المناقشات التي أجراها البصيري مع حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى صياغة برنامج عمل مشترك، وبالتالي دفعت البصيري نحو الصحراء متشائما وناقما.

دخل الصحراء خلسة في كانون الأول عام 1967 وظل مختبئا طيلة الفترة التي استلزمتها وساطة أقربائه للحصول على إقامة دائمة. وطيلة هذه الفترة كانت تتبلور أفكاره وتزداد وضوحا: المغرب الذي عاش فيه طفلا مهاجرا وعاد ليلتقيه صحافيا متحمسا كان يبتعد عنه أكثر فأكثر. فالمرارة كانت مضاعفة: مهاجر في وطنه، ووطني يدفعه همه اليومي المتطلع دائما إلى الصحراء للانزواء على هامش المخزن. دائرة الرباط الرسمية والحزبية كانت تتسع لكل شيء إلا لصوته المنادي بالحرية. هذا المغرب كان بالنسبة إليه وطنا يصلح لكل شيء ما عدا تحرير الصحراء. ولما كانت هذه الأخيرة حلمه وأمله، فإنه سيتخلى عن المغرب ليبحث عن حل آخر صحراوي أو موريتاني. ردة الفعل تحولت إلى موقف سياسي مغاير، نواة اتجاه إقليمي خجول وغير واضح التفاصيل.

الصحراء وحدها حنونة وصغيرة رغم اتساعها، ولكنه وجدها أيضا تتألم. عززت سياسة القهر والاعتداء على الأعراض والتجهيل والتهجير واستئصال الشخصية الوطنية وتغريب الأهالي قناعاته، وأصبح السكوت عنده خيانة والنضال الصامت والمدروس بات أمرا ملحا، وبالتالي يجب العمل وتأسيس حركة صحراوية مستقلة عن الجماعة ومناهضة للوجود الاسباني.

بدأ البصري نشاطه الدعائي في جامع مدينة السمارة، وأخذ يتحول فيما بعد إلى الاتصالات السرية المباشرة بأقربائه وأصدقائه المخلصين، والذين شكلوا بتضامنهم نواة الحزب:

اجتماعات سرية لمناقشة الوضع السياسي، تشكيل صندوق مالي قائم على تبرعات الأعضاء (يدفع العضو في البداية 2000 ريال اسباني ثم يدفع بانتظام 5% من أجرته)، الانفتاح على كل الفئات الشعبية من عمال وجنود وأصحاب المهن الحرة... الخطوط العريضة لهذا الحزب (الذي يعرف باسم حركة تحرير الصحراء ويطلق عليه الاسبان اسم المنظمة الإسلامية) غير واضحة ولا يمكن الركون للمعلومات الضئيلة التي تعرض بعضا من هذه الخطوط. وبسبب غياب أي معلومات أخرى، تبدو الخطوط كبرنامج سياسي للحركة قائم على ثلاثة أهداف:

1- تحرير الصحراء من الوجود الاسباني.

2- الانضمام إلى المملكة المغربية مع الاحتفاظ بحقوق السكان كاملة.

3- طريق التحرير هي الحرب المسلحة المعتمدة على جيش وطني من السكان.

انتهت المحاولة قبل ولادتها، وتضافرت عليها ثلاثة عوامل: العنف الاستعماري، الحماس الوطني، والقناعة بإمكانية دحر الاستعمار بواسطة قوة محلية متمركزة داخل حدود ما بعد 1958. قبل أحداث الزملة بعدة أسابيع، بعث البصيري برسائل للجزائر والمغرب وموريتانيا مؤرخة في 5 أيار/مايو 1970 يطالب فيها بما يلي:

1- إرسال الأسلحة والمساعدات المادية من أجل حرب تحرير .

2- تدريب الوطنيين الصحراويين على السلاح.

3- اطلاع العالم على وضع هذا الشعب المضطهد والجرائم الاستعمارية الموجهة ضده، وذلك بهدف كسر جدار الصمت المحيط بهذه المستعمرة المجهولة.

4- إرغام اسبانيا على احترام حقوق الشعوب وتطبيق مبدأ تقرير المصير.

5- إعطاء الطلاب الصحراويين منحا للدراسة.

6- الاعتراف بالحركة بوصفها الممثل الشرعي للشعب الصحراوي (5).

قبل أن تنتهي السلطات المجاورة من قراءتها لهذه الرسائل، كانت الأمور تتطور داخل الصحراء بشكل سلبي، ومحاولة توسيع إطار المواجهة كان محكوما عليها بالفشل سلفا، وخاصة إذا كان المقصود بهذه الخطوة حكومات تبحث عن حل دبلوماسي.

وبالفعل في 17 حزيران/يونيو 1970 قررت اسبانيا إجراء تجمع للبرهنة على الوحدة الصحراوية-الاسبانية. لكن ذلك اليوم شهد انقساما في الرأي: ارتأت الجماعة وزعماء القبائل التوجه إلى مقر التجمع قرب مركز الحاكم وسط العاصمة (العيون) وفضل تيار الشباب الاجتماع في حي الزملة الواقع على تلة تشرف على العيون والذي يسكن فيه الصحراويون (لا يحق لهم السكن في المدينة).

كانت المبادرة عفوية وغير مدروسة غاب عنها البصيري نفسه وإن كان من الداعين لها، فقد تحول تجمع الزملة إلى لقاء شعبي حافل، تطل السياسة منه من باب التمييز عن الاسبان والذين ارتموا في أحضانهم. بينما كان جمهور الزملة يطالب بالحكم الذاتي الداخلي المباشر وباتفاق بين حركة التحرير والحكومة الاسبانية وتحديد موعد لانسحاب القوات الاسبانية من الصحراء ومنع استغلال الثروات الطبيعية بدون موافقة الوطنيين، كان الحاكم العسكري يعطي مهلة لإلغاء التجمع أقصاها الساعة الرابعة بعد الظهر (6).

أدى الإصرار على الموقف مع طابعه العفوي إلى قرار سياسي بلغة اسبانية: إطلاق النار على التجمع، قتل 37 شخصا وجرح 38 آخرين، اعتقالات بالمئات، إعلان حالة الطوارئ في مدينة العيون، استنفار عام في صفوف قوات الاحتلال، وإغلاق الحدود ومنع دخول الصحافيين الأجانب... انتهت المواجهة بمجزرة وامتلأت سجون الداخلة، بير نزارن، غلتا، اوسيرد، تغاريتي وجزر الكناري بالمناضلين الصحراوين وبزعماء بعض القبائل. أما البصيري، الذي كان غائبا عن المواجهة المباشرة والذي كان بإمكانه الفرار إلى موريتانيا، فقد فضل أن ينتهي شهيدا. لقد اعتقد أن المستعمر سيبقيه سجينا وان فراره سيترك آثارا سلبية على مسيرة التحرر. أنهاه المستعمر تعذيبا وشهادته سوف تخلف أثرا هاما: أحداث العيون في مطلع 1971 التي انتهت بسقوط عشرات القتلى والجرحى، معركة أولاد الدلايم مع القوات الاسبانية في الداخلة في آذار/مارس 1971 انتهت أيضا بـ 30 قتيلا. في 17 أيار/مايو 1972 أسفر الاشتباك الذي وقع بين مجموعة من حركة الصحراء وقوات الاحتلال عن وقوع عدة قتلى في صفوف الجنود الاسبان، بعدها بأيام قليلة (26 أيار/مايو) تحول موسم الطان طان السنوي إلى مظاهرة معادية لاسبانيا... منذ أحداث الزملة والأمور تسير باتجاه مبادرة صحراوية مستقلة. فقد أسفرت المواجهة غير المتكافئة عن نهوض وحماس وطنيين وصلابة تجاوزت حالات التردد التي فرضها القمع. لكن من أين تأتي المبادرة؟ من الداخل وقد تمت تصفية الطليعة أم من الخارج والمطلوب وجود طليعة بديلة؟

ترافقت السبعينات الأولى وأحداثها السلبية مع صمت فعلي واحتجاجات رسمية من قبل الحكومة المغربية وأحزاب الحركة الوطنية. حتى أن المشروع الذي بدأ منذ عام 1969 وظهر إلى الوجود عام 1972 تحت اسم (الحركة الثورية للرجال الزرق Morehob برئاسة ادوارد وموها، كان عملي ا مشروعا رسميا وخارج المواجهة المباشرة في الصحراء. بمعنى آخر، ساعدت الأحداث وردود الفعل الرسمية عليها على اختمار فكرة الاعتماد على الذات والتجمع في إطار صحراوي لبدء عملية التحرير بواسطة السلاح. ولكن هل نجحت الفكرة أم أنها انتهت بتحالف أوسع من الإطار البحت صحراوي؟ المسألة تحتاج إلى دراسة مفصّلة، خاصة وان نتائجها لا تزال سارية المفعول.

كانت البداية من خارج الصحراء والنهاية لا تزال خارجها (باستثناء العمليات العسكرية) لكن الخط السياسي صحراوي. كيف ولماذا؟

ولادة البوليزاريو وسياسة التأسيس

اختمرت فكرة الحل المسلح بمبادرة صحراوية بعد أن دفعت الأحداث المحيطة وجهة سير التحرك الصحراوي نحو عزلة «إقليمية» سوف تشكل مستقبلا الأساس الفعلي لتحول الصحراويين إلى شعب خاص. أي ان الأساس التاريخي لاستقلال الصحراويين كشعب يستمد جذوره من لامبالاة الأنظمة المجاورة، بأحزابها وشعوبها، تجاه تحرير الصحراء الغربية، على الأقل وفق الطريقة التي يراها شباب الصحراء مناسبة: الكفاح المسلح. بهذا المعنى يبدأ الحل الصحراوي يعرف إرهاصات أولى على قاعدة ردة فعل مزدوجة: ردة فعل على اللامبالاة من أنظمة المغرب العربي، وبشكل خاص المغرب، وردة فعل على الوسائل الدبلوماسية لتحرير الصحراء المتفق عليها بين هذه الأنظمة والاتجاه «الرسمي» الممثل للصحراويين أي الجماعة.

دفعت ردة الفعل الأولى البصيري عن مشروعه «المغربي» لتحرير الصحراء، والتحق بالساقية الحمراء ليبدأ نضالا مستقلا، وأنتجت ردة الفعل الثانية تناقضا بين اتجاه «ثوري» عفوي مثله البصيري واتجاه «مسالم» مثلته الجماعة، وأنتهت محاولات البصيري لإقناع خطري ولد الجماني بضرورة مواجهة الاسبان بالسلاح إلى وضعية سلبية دفعت تيار الشباب إلى مواجهة غير متكافئة مع القوات المحتلة انتهت بدورها بتصفية التيار في أحداث الزملة (حزيران/يونيو 1970).

عمليا، أيقظت هذه التجربة المتواضعة الحسّ الوطني لدى الصحراويين، وانتشلت الصحراء من حالة الركود التي عاشتها منذ تصفية جيش التحرير المغربي في الجنوب في أواخر الخمسينات.

كما ساعدت على تبلور فكرة تنظيم مواجهة جديدة تستوعب سلبيات وايجابيات حزب المسلم وتتجاوزها في نفس الوقت، وخاصة في أوساط الشباب الصحراوي المقيم في الخارج.

أدت هذه التجربة أيضا إلى تحركات متفاوتة الحجم وعلى عدة مستويات. ففي الصحراء، تعددت المجموعات الصغيرة المنعزلة عن بعضها والمجتمعة حول قاسم مشترك تجلى في ممارسة بعض العمليات العسكرية ضد القوات الاسبانية.

وفي موريتانيا، كانت تتشكل مجموعة من المناضلين، المقيمين في موريتانيا منذ سنوات والذين هربوا إليها بعد أحداث الزملة، مدعومة بحزب النهضة بحزب النهضة الموريتاني، والتي سوف تعرف باسم مجموعة الزويرات، والتي ستشكل فيما بعد أول قاعدة لآمنة لانطلاقة البوليزاريو. أما في المغرب، فقد كانت المحاولة أكثر جدية حاولت من خلال نشاط «مجموعة الرباط» أن تقدم طريقا مغربيا إلى الصحراء والتي يمكن وضعها في إطار متعارض مع «مجموعات الزويرات» وخاصة فيما يتعلق بالهوية الوطنية لحرب التحرير. ففي الوقت الذي كان فيه «صحراويو» موريتانيا يستلهمون تكون الشعب الموريتاني ويبدون إعجابهم بالتشكيل التاريخي للكيان وأحزابه المعارضة خاصة، ولكن الإقليمية تحديدا، فلا يترددون بالبحث عن تكون خاص وهوية خاصة تجد نموذجها في موريتانيا، ولا يجدون في سلبيات «الشعب الصحراوي» خطرا على مستقبل المنطقة الوحدوي، كان صحراويو المغرب أكثر استيعابا لخطورة «الانفصال» بالمعنى الخرافي-القومي، والأحزاب المعارضة المغربية، رغم تهميشها لموضوع الصحراء، لم تدع دورا خارجيا مساعدا، كحزب النهضة الموريتاني مثلا، ولم تر مجموعة الرباط في موقف المغاربة إلا تناقضا داخل هوية وطنية واحدة، مما لجم المجاهرة، باستقلالية الصحراء بمعنى «الشعب» وساعد على بدء مسيرة صحراوية مستقلة بمعنى «التحرير».

لذلك، فإن اتفاق مجموعة الرباط مع مجموعة الزويرات على برنامج سياسي يعود بالدرجة الأولى إلى فشل مجموعة الرباط في تحركها «المغربي» لتحرير الصحراء عن طريق الكفاح المسلح بقيادة جبهة وطنية عريضة. كما ساهمت عدة عوامل في التقاء المجموعتين على أرضية الاستقلال:

1- عكست نتائج مجزرة الزملة وتجربة حزب المسلم نفسها على عدد من الصحراويين المقيمين في المغرب وخاصة وسط الطلاب الذين يعقدون لقاءات، كان يدير دفتها بشكل فاعل الوالي مصطفى ولد السيّد، الطالب في كلية الآداب في الرباط الذي بدأت تتشكل حوله مجموعة الرباط أو ما يمكن تسميته بالنواة المثقفة لجبهة البوليزاريو. بدأت المجموعة عملها السياسي في خط من المبادرات متعددة الاتجاهات لعب الوالي في تحديدها دورا رئيسيا، كما بدأ نجمه يبرز انطلاقا منها.

ففي اتجاه أول، سارت مبادرة الوالي نحو الصحراء لتتعرف على الوضع عن كثب فكانت الزيارات المتكررة للوالي وبعض رفاقه إلى مدينة طان طان في جنوب المغرب بحثا عن معلومات دقيقة يحصلون عليها من الصحراويين الذين يأمّون الشمال بحثا عن بعض حاجاتهم أو للقاء أفراد من قبائلهم وعائلاتهم المقيمة في المغرب وفي نفس الوقت لتأسيس نواة موضعية تستكمل عملية تحصيل المعلومات وتربط المقيمين في الداخل بنواة «التنظيم» في الخارج.

قفي اتجاه ثان سارت مبادرة الوالي نحو الخارج بحثا عن كوادر صحراوية مهاجرة في أوروبا (في فرنسا وهولندا خاصة) فكانت رحلة صيف 1971 والمناقشات الحارة مع المهاجرين في أوروبا الغربية ومحاولات خلق نواة للثورة وتأمين بعض الإمكانات المادية لانطلاقتها.

وفي اتجاه ثالث، دفعت ضآلة نتائج الاتجاهين المذكورين مبادرة الوالي نحو الدول العربية المجاورة (ليبيا، الجزائر، موريتانيا) وذلك بحثا عن الدعم السياسي لمشروع التحرير. لم تسفر جولات الوالي في عواصم هذه الدول عام 1972 عن نتائج ملموسة، باستثناء وعد ليبي جدي يدرس الموضوع.

2- دفعت نتائج مناقشات الوالي مع الأحزاب الوطنية في المغرب مجموعة الرباط نحو قناعات جديدة، قوامها أن الاعتماد على مبادرة «مغربية» لن يؤدي إلا إلى مزيد من التأجيل وإلى وضع القضية أكثر فأكثر في حسابات الأنظمة. ففي محيط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان الوالي عضوا فاعلا فيه، كانت الاهتمامات بعيدة جدا عن آلام «الصحراويين» وعن المسألة الوطنية بشكل خاص. ففي مواجهة الوالي، الذي كان قد استوعب تماما أزمة النظام ومخاطر المشروع الصحراوي، فنادى بضرورة إعطاء الأولوية لحل مشكلات الوطن الأساسية والمتمثلة بتحرير الصحراء الغربية وباقي الأراضي المغربية المحتلة في الشمال وذلك ضمن قناعة بأن هذه الطريق سوف تكون مدخلا لقيام وحدة شعبية مناهضة للاستعمار ودفع النظام إلى مأزق لا يمكن الخروج منه إلا بانكشاف موقعه المنحاز للغرب أو بتبني شعارات الشعب التحررية، كان «ثوريو» الاتحاد الوطني يرون المسائل بشكل معاكس. ففي سلم أولوياتهم تأتي ضرورة تطويق التيارات «التحريفية» لأحزاب اليسار وتعميق أزمة النظام انطلاقا من الجامعة. وبينما كان الوالي ينادي بتحرير الصحراء أولا كان قياديو الاتحاد (الماركسيون-اللينينيون آنذاك) ينادون بتحرير «الجامعة» مما دفع للبحث عن حلفاء خارج الإطار الطلابي.

كانت المحطة الأولى نقاشا حاميا بين الوالي وعلال الفاسي دار حول تقدير كل منهما للموقف. ففي حين كان الوالي يرى الوقت مناسبا للتحرك السياسي والمسلح لمواجهة مشروع فرانكو (إقامة دولة صحراوية)، كان علال الفاسي يرى أن تحركا من هذا النوع لا يعطي النتائج المطلوبة، وبالتالي انتظار نتيجة المساعي «الرسمية» التي ستحمل عاجلا أم آجلا بشرى عودة الصحراء إلى حظيرة الوطن. في حوار الوالي وعلال الفاسي كان الوطن واحدا بينما الهموم مختلفة: من يأكل الضربات ليس كمن يعدها، فاصطحب الوالي همه وألمه وخرج «صحراويا» تاركا علال الفاسي في حالة انتظاره وترقبه.

حاول، في محطته الثانية إقناع قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فعقد اجتماعا حاسما مع عبد الرحيم بوعبيد، ولكن بدون نتيجة أيضا. فخرج الوالي من عند «الاتحاديين» كما خرج من عند الاستقلاليين والماركسيين فارغ اليدين، وحيدا في مسيرته وقراره. وقبل أن يفقد كل آماله كان الاتحاد المغربي للشغل قد استجاب لرغباته وساعد على تنظيم عدة مهرجانات شعبية ابتداء من شهر آذار/مارس 1972 في مراكش ووجدة وتطوان ومكناس والدار البيضاء. كما وجد اهتماما لدى بعض كوادر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فسارع إلى كتابة وجهة نظر متكاملة، أخذت صيغة مذكرة سياسية يمكن اعتبارها مخاض التجربة السياسية الشخصية والنظرية للوالي المؤسس الفعلي للبوليزاريو.

جسدت هذه المذكرة قناعات الوالي وانتماءه الوطني وجهده المتواصل لاستيعاب وضعية القضية التي آمن بها صادقا حتى العظم.

\ ففي هذه المذكرة، التي قدمها الوالي للاتحاديين في كانون الثاني/يناير عام 1973، يحدد مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب الهوية الوطنية للصحراء الغربية وبنيتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والبشرية والصحية الخ... كما يستعرض تجربة حزب المسلم ومواقف أنظمة المغرب العربي ومخاطر السياسة الاسبانية مقدما بذلك أهم وثيقة «صحراوية» عن الصحراء شكلت المصدر الرئيسي لكافة المنشورات والمطبوعات التي أصدرتها المنظمات الوطنية في المغرب منذ مطلع 1975، وذلك لاحتوائها على أكبر قدر من المعلومات التي لم تجاهد أي من هذه المنظمات في البحث عنها قبل ذلك العام.

ونظرا لتعارض ما جاء في هذه المذكرة مع بعض تحاليل القيادة المستقبلية للبوليزاريو (7) التي لا تخفي استياءها من نشر هذه المذكرة –ولولا كتابتها بخط يد الولي نفسه لكانت نفت صحة وجودها- فإننا سوف نعرض لأهم نقاطها التي تفصل بدقة متناهية بين خط «مغربي» دُفع قسرا لأن يكون «صحراويا» وخط «صحراوي» رغب إراديا في أن يكون «مغربيا».

حددت المذكرة الهوية الوطنية للصحراء الغربية استنادا إلى عدة حقائق تاريخية، سعى الوالي إلى تقديمها بوصفها مسلمات علمية (8).

أولا، يعتبر الوالي أن الصحراء الغربية كانت تاريخيا مرتبطة عضويا بالمغرب الأقصى وأنها تشكل عمليا جزءا منه. فهو يقول حرفيا «ان تعاقب الدول والتنازع على السلطات وتناحر القبائل أدت إلى زيادة الهجرة لهذه المنطقة المحايدة الآمنة واللجوء إليها من كل مغلوب. بل وفي كثير من الأحيان الاعتصام بها من طرف الثائرين الذين يحضرون للانقضاض على أعدائهم ونتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب فقد كانت المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا في غالب الأحيان بالسلطة القائمة في المغرب. وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة، وخصوصا في حالات الحروب، فكانت كثير منها تجند سكان المنطقة لنصرتها ويمكن القول أن المنطقة كانت إقليما مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى».

ثانيا، يربط الوالي بين الهجرات المتبادلة فيتحدث عن بنية اجتماعية واحدة خاضعة لنظام قبلي مشترك تطل منه الصحراء يوصفها جزءا من بنية مغربية هاجرت إلى الصحراء «بشريا».. بهذا الصدد يستنتج الوالي قائلا أنه «لما كان النظام القبلي هو النظام السائد في شمال افريقيا عموما، وفي المغرب على الخصوص منذ القديم والى عهد غير بعيد، فقد انتقل هذا النظام إلى الصحراء عن طريق سكانها الذين جاءوا من الشمال، وقد غذته طبيعة الصحراء القاسية وألحت على التشبث به، وهكذا كانت المنطقة تحتوي على عدة قبائل متميزة عن بعضها، وان كان هذا التميز لم يكن حتما نتيجة وضعية اقتصادية معينة. كما أنه لم يفرض دائما تخصصا قبليا من ناحية الوضعية الإنتاجية...» ويدعم موقفه معتبرا أن العلاقات السائدة بين القبائل كانت موحدة في إطار مركزي صحراوي. وكل قبيلة تخضع لشيخ اجتمعت حوله كلمة أكابره، وان صيغة السلطة الواحدة كانت تشريعية ومحصورة بخلاف القبائل فيما بينها وليست هيئة تمثيلية بالمعنى الموازي لتمثيلية السلطان المغربي: «وقد كونت القبائل فيما بينها مجلسا لحل النزاعات المستعصية فيما بينها عرف بسام «آية أربعين» وكان هذا المجلس يشكل سلطة تشريعية عليا، ويرجع التنفيذ إلى أفراد كل قبيلة التي من عادتها الخضوع الطوعي لشيخها...»

ثانيا، اثبت الوالي في مذكرته الترابط التاريخي المصيري بين الصحراء الغربية والمغرب من خلال اعتباره أن الصحراء كانت نقطة إستراتيجية في صراع القوى الاستعمارية المتنافسة على المغرب، حيث تدخلت ألمانيا التي أسفرت مزاحمتها للدول الاستعمارية السابقة لها عن حدوث الأزمة المغربية سنة 1899، فحاولت ألمانيا السيطرة على المغرب بواسطة سيطرتها على الصحراء مهما كان الثمن ولو بالشراء». بالمقابل واجه سكان الصحراء التنافس الاستعماري بـ«تنسيق العمليات بينهم وبين الحركة في المغرب أي الطرف الذي تسيطر عليه فرنسا». بحيث يعتبر الوالي أن الارتباط التاريخي إنما يقوم على قاعدة وحدة نضالية مشتركة لم يتخللها مشاعر متبادلة بالانتماء الإقليمي. ففي مواجهة إستراتيجية فرنسية-اسبانية مشتركة ظل سكان هذه المنطقة يحاربون في كل المناطق الثلاث ومرتبطين بنضالات إخوانهم في المغرب. ولما ظهرت الحركة التحررية ارفدوها تحت شعار الجهاد في سبيل الله أو على الأقل تأثروا بتأثيرها. وقد استقطب جيش التحرير في المغرب عددا هائلا من المناضلين المنتمين إلى المنطقة، والذين قاموا بعمليات بطولية كادت تحطم الاستعمار في المنطقة لولا القضاء على جيش التحرير. وهكذا طلبت الحكومة المغربية في السنوات الأولى من الاستقلال من جيش التحرير الصحراوي الانخراط في الجيش النظامي، ولكن المقاومين الصحراويين في جيش التحرير رفضوا لأنه في نظرهم لا يزال باب الجهاد لم يقفل لان العدو لا زال يحتل أراضيهم، وهكذا على كل حال جيش التحرير ودخل عدد قليل منه في الجيش النظامي ورجع الآخر وهو الأكثر إلى الأرض المستعمرة...»

وأكثر من ذلك يرى الوالي في حرب التحرير مواجهة وحدوية ضد الاستعمار لا يعتريها نزعات صحراوية إقليمية ولم يقدمها سكان الصحراء بوصفها نمطا وطنيا على غرار الجزائر والمغرب، فينخرطون في الحرب وعيونهم تبحث عن حرية تضمن لهم وحدتهم التاريخية. لذلك يؤكد الوالي «أن جماهيرنا ساهمت بصورة فعالة في جيش التحرير المغربي، وحتى استقل المغرب، وحلّ جيش التحرير ودمج في الجيش النظامي. ثم شارك السكان بصورة أقل في جبهة تحرير الجزائر، الشيء الذي أجهض حركة النضال في داخل المنطقة المعنية، ولم ينلها ما نال المناطق المجاورة. وعلى كل حال بقيت في عزلة دون أي بعد سياسي واضح... مع العلم أن الامبريالية كانت تخطط لها كمنطقة المستقبل الاقتصادية والإستراتيجية الحساسة.

ولعل السبب في ذلك، أي في عدم طرحها كقضية خاصة في وقت حروب التحرير المغربي –الكبير- هو عدم اكتساب الحركات آنذاك صبغة إقليمية. ثم ان شعارها العالمي آنذاك «الجهاد في سبيل الله» لا يترك مجالا للتجزئة...

رابعا، يتحدث الوالي عن الصحراء بوصفها منطقة لا يتعرف فيها الرحل على حدود جغرافية-سياسية، فتتجاوز جغرافيا الساقية الحمراء ووادي وتلتقي سياسيا مع نضال كافة القبائل المقيمة في الصحراء الكبرى كلها ضد الغزوات الاستعمارية: «ومن سمات السكان أيضا أنهم يجوبون الصحراء، لا المستعمرة فقط، بل الكبرى كلها تقريبا بحثا عن المرعى لدوابهم، وكثيرا ما كان الماء والمرعى سببا في الخلافات بين القبائل غير أن هذه القبائل كانت تتحد وتتكاثف باسم الجهاد لطرد الغزاة المستعمرين، وقد ظهر ذلك في كثير من النضالات التي خاضها سواء ضد فرنسا في الشرق والشمال، أو ضد اسبانيا في الجنوب والغرب».

خامسا، يتناقض موقف الوالي مع تاريخ أحمد بابا مسكي لسياسة حزب المسلم. فبينما يعتبر بابا مسكي البصيري مناضلا صحراويا استقلاليا، يراه الوالي مغربيا دفعته الظروف إلى خوض نضال صحراوي وحدوي رغم عفوية الحركة. وبهذا المعنى يعرض الوالي تاريخ حزب المسلم وكيفية نشأته وعملية تمويله الذاتي وبنيته القاعدية، مقيّما تجربته قائلا: «... وبقي الحزب يكتسح الساحة الوطنية على جميع المستويات، وداخل سائر الفئات الاجتماعية الصحراوية من جنود وعمال وعاطلين وبدو....

وكانت مبادئ الحزب: التحرير بالسلاح –الارتباط بالمغرب. ولم يستطع الحصول على الأسلحة رغم محاولاته مع بعض الجيران. كما أن طريقة تكوينه والمبادئ التي انطلق منها، ولأساليب كوت بها الجماهير لم تستطع تلافي العجز ولا تجاوزه انطلاقا من الإمكانيات الذاتية، واكبر خطأ ارتكبه هو جمع الجماهير تحت لواء مبادئ غامضة وبدون أساليب لتطبيقها...»

سادسا، يرجع الوالي في تحليله لموقف أنظمة المغرب إلى قناعتين الأولى، مفادها أن هذه الدول تتعامل مع الصحراء من منظار حساباتها الخاصة، وليست أبدا قضية «شعب» يبحث عن حريته واستقلاله.

فيتحدث عن لقاءات القمة المغربية –الجزائرية-الموريتانية، وخاصة مؤتمر قمة نواذيبو «الذي أشيع أنه يهدف إلى تقسيم المنطقة، وتشكيل جبهة ثلاثية موحدة على هذا الأساس ضد الاحتلال الاسباني. وكانت خطة التقسيم التي أشيعت عن المؤتمر تعطي الساقية الحمراء، وهي منطقة الفوسفات، للمغرب لكي يطمئن على مستقبل اقتصاده باعتباره يعتمد على الفوسفات، ثم إعطاء وادي الذهب لموريتانيا، لأنه منطقة للجديد (كويرة، اغرشة) وإعطاء ممر للجزائر للتنفس على المحيط الأطلسي...».

والثانية مفادها سعي حكومات الأنظمة المذكورة إلى عقد اتفاقيات ثنائية مع اسبانيا لتحسين وضع كل منها في التنافس المذكور.

فجرى نتيجة ذلك توقيع اتفاقيات مغربية-اسبانية حول عدة قضايا منها «المساعدة التقنية والمساهمة في التصاميم الخماسية ثم المحافظة على أمن البحر المتوسط، ثم اتفاقية تسليم المجرمين!...

ثم أخيرا اتفاقية نتجت عنها شركة للصيد مشتركة، كحل لمشاكل شركات صيد السردين المغربية...» والتوقيع على اتفاقيات جزائرية-اسبانية حيث «اسبانيا الفاشية تحاول إبرام اتفاقيات اقتصادية مع الجزائر. وفعلا توصلت إلى ذلك ابتداء من سنة 1966 نظريا. والتي ابتدئ في تطبيقها ابتداء من سنة 1969 وكانت هذه الاتفاقيات تدور في جلّها حول تسويق الغاز إلى اسبانيا واتفاقية أنابيب الغاز الطبيعي لتسويقه إلى أوروبا وأمريكا، ثم شراء البترول الجزائري. كذلك كانت اسبانيا اللعينة أيضا تبرم اتفاقيات مع موريتانيا انتهت سنة 1970 بتكوين أسطول بحري للصيد المشترك مموّل بأموال اسبانية زيادة على المساعدات المادية، خصوصا في مجال تكوين البوليس الموريتاني» ولذلك فإن «دول المحور تتخذ من وضعية الصحراء أساسا لكل المشاكل الثانوية».

بديهي أن يؤدي كل ذلك إلى قيام معادلة «الأطراف المعنية» وبداية طرح موضوع تقرير المصير. وبهذا الخصوص، يحلل الوالي أنظمة المغرب تحت شعار تقرير المصير معتبرا أن الإشكال ليس ناجما عن هوية الذين سيقررون مصيرهم، وإنما في شكلية هذا التقرير نفسه وفي خلفيات الداعين إلى تطبيقه. لهذا يعتبر الوالي أن علاقات الأنظمة المذكورة فيما بينها وتطورات علاقتها مع اسبانيا بلورت «فكرة تقرير المصير كطريق وحيد لتحرير الصحراء من براثن الاستعمار وأطماع الامبريالية ولكنها في محتوى ساذج أيضا. ونتيجة لتنبؤ موريتانيا بنتائج تقرير المصير والتي تريدها في صالح التبعية، كانت تسير في منطق هذا الاتجاه وكانت الجزائر لا تمانع كثيرا في هذه الفكرة» ومن اعتراضه على هذين الموقفين ينتقل الوالي إلى موقف المغرب فينحاز إليه من الناحية الإستراتيجية ويختلف معه من الناحية التكتيكية: «كما أرسل المغرب (إلى الأمم المتحدة) بعض الصحراويين في وفد يسمى بجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وطالب بتقرير المصير. وانضم رئيس الوفد الموريتاني إلى الجبهة لأن خطها في نظره صحيح. وهكذا استطاع تشويه مفهوم تقرير المصير أن يعطي لاسبانيا إمكانية الدخول كمنافس في نفس الطريق. وعلى كل حال، بعد رجوع الجبهة إلى المغرب، لم تقم بأي دور مناهض للاستعمار في المجال العملي، أي في مجال تسليح الجماهير الشعبية، ووضعها في الإطار الكفيل بتمكينها من تقرير مصيرها تقريرا حقيقيا...»

ودون أن يذكر ولا لمرة واحدة صفة «الشعب» بالمعنى الوطني، ودون أن يحدد أن أهداف قناعته تدور حول الاستقلال بالمعنى السياسي-الجغرافي عن اسبانيا والمغرب وموريتانيا والجزائر، ينهي الوالي وجهة نظره بموقف هام قوامه أهمية عدم المراهنة على قدرة «صحراوية» في الاستقلال، حيث يرد على مشروع اسبانيا المنادي بقيام دولة مستقلة في الصحراء الغربية قائلا:

«كما أن الشعار الاستعماري المغالط المستنزف لطاقتنا وهو توجيهنا إلى صديقنا بعد أن فرض علينا انه عدونا. وذلك كي يستدرج هو منا وهو عدونا الأساسي والأصلي والرئيسي الأبدي، شعار أن يحمينا من الدول المجاورة. فإنه كما قلنا شعار استعماري ليس إلا. أما في أصل الحقيقة فإن الشعوب المجاورة لنا هي شعوب عربية افريقية إسلامية أصيلة، ومصيرنا هو مصيرها وهي صديق دائم لنا، بل أنها جزء منا، وهذه حقيقة خالدة خلود السماء فوق الأرض فنحن عرب وأفارقة ومسلمون فضروري أن نرتبط بالعرب والمسلمين والأفارقة وإلا ضعنا، كما أن الذي يحرر نفسه لن يستطيع أحد استعماره...» ثم يختم مذكرته بمطالب عامة لا يطل منها المشروع الصحراوي الاستقلالي إلا من خلال تغييب الطرف الرسمي-المركزي: «ويشاع أن اسبانيا ستقيم استفتاء لتقرير المصير في السنة القادمة، وإننا لنطلب من الرأي العام العربي والافريقي والإنساني أن يقف ضد تزوير إرادة الصحراويين والتي لا يمكن سد الباب أمام تزويدها إلا:

1-بالاعتراف بتشكيلة شعبية لتسيير المنطقة خلال مدة الاستفتاء.

2- إنشاء حرس أهلي يكون خاضعا للقيادة الشعبية.

3- خروج الإدارة الاسبانية والعساكر الاسبانية الفاشية من المنطقة.

4- الاعتراف بعضوية الصحراويين داخل اللجنة الأممية التي ستتشرف من المنطقة.

إن أهمية مذكرة الوالي هذه لا تقف عند حدود مضمونها بل ترد مباشرة على إشكاليات الوعي الصحراوي لنفسه في فترة كانت القضية برمتها قد دخلت منعطفا تاريخيا وضع الصحراويين أمام مفترق طرق خيارته محدودة. ففي مواجهة البداية الفعلية لتطبيق المشروع الاسباني وعدم اتفاق حكومات المغرب العربي على موقف واضح من قضية الصحراء، عدا تحويلها الإرادي إلى قضية تخدم قضايا أخرى، ولامبالاة الأحزاب الوطنية المغربية تجاه عملية التحرير، وعدم بروز بوادر دعم جدية من الأنظمة «الصديقة»... كان على مجموعة الرباط، وعلى الوالي تحديدا أن يختار موقعا حاسما يتجاوز بواسطته سلبيات المحولات الأولى. لذلك، فإن التناقض الظاهر بين مضامين المذكرة إنما يعكس ردة الفعل الصحراوية من جهة ووعي الوالي لقضيته من جهة ثانية. وإذا كان العرض المذكور يخالجه انحياز لشعور «مغربي» عند الوالي فذلك ليس نتاج رغبة خاصة في تسييس الوالي، إنما تحديدا في محاولة لوضع «الكلام السياسي» في سياقه التاريخي ووسط الشروط التي أنتجته. لم يتحدث الوالي عن الشعب الصحراوي، ولم يرتكز على كونه مغربيا، وفي هذا الغموض محاولة لتجاوز ردة الفعل مع اكبر قدر ممكن من الصحة التاريخية، إلا أنه كان يجسد ميلا تكتيكيا أساسه الاعتماد على الذات واستراتيجيا البقاء ضمن التاريخ الوطني الذي سعى الوالي لتحديده في مذكرته.

قد تنقلب أطراف المعادلة لاحقا فيتحول التكتيك إلى إستراتيجية وهو ما حصل فعلا، لكن ذلك لا يشوّه علمية الموقف السابق لحالة التحول ولا يقبل بأن تحدد المواقف السابقة بناء على ما آلت إليه الأشياء في فترة لاحقة. وهذا تحديدا ما يتعارض مع كل التاريخ الذي كتبه أحمد بابا مسكي عن تجربة حزب المسلم والفترة الأولى من نضال الوالي، وخاصة مرحلة تأسيس الجبهة. ففي حين ينظّر بابا مسكي معتبرا البصيري والوالي مناضلين صحراويين استراتيجيا ومغربيين تكتيكيا، تكشف مذكرة الوالي، أنه والبصيري ينتميان إلى مشروع مغربي وحدوي استراتيجيا، أرغمتهما الظروف على سلوك سياسي «صحراوي» تكتيكيا.

إن الانتقال بين حدّي التعارض المذكور يتأتى أساسا من تحول ردة الفعل إلى وجهة نظر (دون الادعاء بأن هذا التحول كان سهلا ومزاجيا، وإنما عاش حالة مخاض (أكثر من تألم فيها الوالي نفسه) كانت تدفع الأمور بقوة نحو بلورة اتفاق صحراوي بحت سوف ينتهي بدوره إلى قيام «الشعب الصحراوي» الذي كانت مجموعة الزويرات تعكس إشعاعاته الأولى.

ضاعفت عمليات القمع التي شهدها المغرب في بداية عام 1973 من استحالة مباشرة حرب «صحر اوية» انطلاقا من المغرب، كما عززت نتائج اتصالات الوالي وجهة نظر صحراوي موريتانيا الذين كانوا يتمتعون بحرية نفسية تفوق حرية المقيمين في مدن المغرب وفي مخيمات تندوف الجزائرية. وبالتالي فالاتجاه نحو موريتانيا بات الحل الوحيد أمام الوالي ورفاقه الخمسة، وإمكانية الاتفاق مع مجموعة الزويرات كانت في تلك الفترة الإمكانية الوحيدة التي يمكن بواسطتها مباشرة بداية سياسية.

لم تتأخر مجموعة الزويرات عن جذب الوالي، فقامت باتصالات مع مسؤولين موريتانيين للحصول على إذن بدخول مجموعة الرباط، التي وصلت إلى الزويرات في الفصل الأول من ذلك العام وبدأت المحاولات الأولى لصياغة برنامج سياسي. لم يكن بإمكان النواة الأولى للتنظيم أن تخرج بوجهة نظر متكاملة تحدد طبيعة المهام المطروحة لارتباطها بضرورة تأمين الشروط المادية لها (أسلحة، أموال، إعلام) وبالتالي فإن الخروج بممارسة كان على الأقل بالنسبة للوالي، المخرج الوحيد من مأزق «النظرية» ففي وسط تناقضات يحملها الوالي ومحمد الأمين والغالي وعليبيبة بن سيدي يوسف، (9) القادمون من المغرب، واحمد بابا مسكي وإبراهيم الحكيم القادمان من موريتانيا، ومحمد ولد السالك القادم من فرنسا (10)، كان من الصعب على المؤتمر التأسيسي الأول أن ينتهي إلى نقاط محددة وواضحة، فيصدر بيان تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية ووادي الذهب بعمومية «عربية، إسلامية، افريقية» مؤمنة بالكفاح المسلح وحرب التحرير المعتمدة على الجماهير المسحوقة... وذلك في 10 أيار/مايو 1973 يعقبه فورا العمليات الحربية في 20 أيار/مايو وبقيادة الوالي نفسه، ليعكس قناعته بأن في الممارسة وحدها تكمن القدرة على إنضاج القناعات الإستراتيجية وتحويل آراء الأطراف المجاورة إلى دعم متسارع وفعّال.

ما يهمنا الإشارة إليه هو الطبيعة «الانفعالية» لولادة الجبهة، التي عكست نفسها على عمومية المشروع السياسي وعلى ارتجالية العمل المسلح الذي بدأ بقيادة الوالي نفسه في عملية «الخنقة» التي كادت أن تحبط المشروع نفسه، حيث اعتقل جنود الاحتلال الوالي قبل أن ينفذ عمليته الأولى ولم ينقذه سوى صدفة رؤيته وسط قافلة الاعتقال من قبل رفاقه القلائل وصدفة غياب القيادة الاسبانية عن الموقع المعزز بجنود صحراويين وقعوا كلهم في الأسر ثم أطلق سراحهم لأسباب تكتيكية.

ففي مخاطر هذه البداية، التي يسميها بابا مسكي بـ«الملحمة» كان المناضلون الصحراوين يخوضون مغامرة سوف تتضافر عوامل عديدة على عدم إجهاضها، منها دخول الجبهة في تحالفات جهوية (ليبيا والجزائر خاصة) وإخلاص الصحراويين أنفسهم لقضيتهم. بيد أن نمو البداية وتعاظمها كانا يشترطان في الوضعية الخاصة بالصحراء نفسها (بشريا واقتصاديا وجغرافيا) انخراطا في إستراتيجية سياسية من احد مظاهرها فقدان القرار «الصحراوي» لاستقلاليته. وسواء كان هذا الفقدان قسريا أم إراديا، فأن وضعية موازين القوى المحيطة بصراع «الصحراء» لم تكن تسمح إطلاقا بإنتاج «ثورة» خارج قفص «الأطراف المعنية»، وتحول القدرة الذاتية «الصحراوية» دون تأمين قاعدة «محررة» ثابتة وآمنة لحرب التحرير دون اللجوء إلى حماية حليف مادي (ليبيا) وحليف جغرافي (موريتانيا أولا ومن بعدها الجزائر) حيث تنتقل من الزويرات بعد انتهاء شهر العسل الصحراوي-الموريتاني لتستقر في تيندوف بعد انفجار الوئام المغربي-الجزائري.

إننا نؤكد بشدة، من خلال كل ما توفّر لدينا من معلومات، أن نمو الوعي السياسي الوطني الصحراوي وارتكازه على مشروع «قومي» يعرض نفسه تكتيكيا بتشكيل دولة مستقلة للشعب الصحراوي واستراتيجيا بالانخراط في مشروع الوحدة العربية، إنما يخرج من معادلات الوضع المعقد وليس من التاريخ الصحراوي نفسه. ففي وسط الصراعات المذكورة اختارت الجبهة الشعبية وجهة نظرها وبدأت عملية بحث «علمية» عن تاريخ للشعب الصحراوي تعتبر الجبهة نفسها استمرارا له. وفي ذلك ما يفسر عدم اعتبار المغرب صحراويا ضمن تكتيك الرد على اعتبار الصحراء مغربية، وما يفسر التحديد القاطع جغرافيا للصحراء الغربية بشكل يفصلها عن امتداداتها الشرقية والجنوبية والشمالية، بحيث تنسلخ الجغرافيا عن الثقافة والمجتمع لتشيّد حاضرا جديدا لم يستطع حتى الآن مفكرو الشعب الصحراوي تقديم أساس علمي لماضيه التاريخي.

إذن، بدأت الجبهة ولادتها العسيرة وسط تناقضات كان يلجم انفجارها استعداد مؤسسيها للتضحية بكل شيء، والقبول ولو بوحدة متوترة على حساب برنامج صلب. وبناء عليه، فإن وضوح الأفكار سوف يأتي لاحقا بوصفه نهاية لصراع تكتيكي حول هوية الحليف وهوية العدو، تستند «إيديولوجيته» على نسف تدريجي لاستقلالية القرار، وعلى تعميق القناعة «الإقليمية» الصحراوية، التي فتحت ملف الكيانات في المغرب العربي، والتي يتحمل جميع الأطراف عواقب منحاها السلبي الذي يضع الصحراويين المعاصرين والتقدميين في خط متناقض مع الصحراويين القدماء الوحدويين من المرابطين إلى ماء العينين.

ترافقت البداية أيضا بعملية اختراق اسباني كان يلتقي «استراتيجيا» مع فكرة الاستقلال وقيام دولة صحراوية بغض النظر عن هويتها السياسية (تقدمية أو رجعية). ففي أعقاب أحداث الزملة برزت تناقضات في صفوف القيادة الاسبانية بين وجهة نظر ترى ضرورة الاعتماد على «الجماعة» لتحقيق الاستقلال (وجهة نظر الحكم العسكري) وجهة نظر نظر ترى ضرورة دعم تيار الشباب المعتدل والتقدمي للوصول إلى نفس النتيجة (وجهة نظر قائد المخابرات العسكرية)، عمل عدم الحسم على تنفيذ الخطتين. ففي حين زاد الحاكم العسكري دعمه للجماعة وممثليها في الكورتيس حاول الطرف الآخر جذب الشباب وإغراءهم بالتسهيلات. كانت المحاولة الثانية تساهلا سياسيا وماديا، حيث أطلقت السلطات الاسبانية سراح ثلاثة صحراويين فقط من المجموعة التي اعتقلت اثر أحداث الزملة وعيّنت اثنين منهم في إذاعة العيون (الحريطاني وحسنّا علي أحمد) وسمحت للثالث (علي محمود) بالدراسة والعمل في مدريد. كما دفعت بعض العناصر للانخراط في صفوف الجبهة والعمل في داخلها في إطار التعبئة السياسية ضد الدول المجاورة للصحراء والمتنافسة مع اسبانيا على أساس كونها العدو الرئيسي للشعب الصحراوي. وقد كشفت الجبهة نفسها هذه المحاولات في مؤتمرها حيث أشارت في البيان السياسي قائلة: «فقد استطاع الاستعمار وأعوانه دس بعض الفئات الإقطاعية في صفوف الجبهة الشعبية والتنسيق مع المستعمر وأعوانه لنسف التنظيم من الداخل خصوصا في الجناح العسكري، وكان ذلك في الواقع هزّة وتجربة للتنظيم مما زاد في تمتينه أكثر، وقد ساعدت هذه الظاهرة في تجاوز القبلية وتجلى ذلك في عدم انجراف الجماهير مع الحركة القبلية الموازية وتفشيل محاول الاستعمار لإيقاع الصحراويين في حرب أهلية. وقد كان للعمليات العسكرية التي استشهد فيها أبطالنا دور بارز في رفع مستوى التنظيم وزيادة الثقة الجماهيرية في جناحها العسكري».

باختصار، كان الولادة عسيرة ومليئة بالمخاطر، يجلس كل رأي فيها على لغم قابل للانفجار استطاع الصحراويون نزع فتيله مؤقتا بتصليب وحدتهم النضالية، كما عمل تغيّر وجهة الصراع إلى نزع الفتيل نهائيا، ولكن عمل أيضا على وضوح الخط السياسي للجبهة، وعلى حدود قدرتها في نفس الوقت على تحقيق برنامجها بشكل مستقل. وذلك في إطار الملامح الأولى التي برزت من خلال مقررات المؤتمر الثاني الذي عقدته الجبهة في 25-31 آب/أغسطس 1974.

انعقد المؤتمر الثاني للجبهة في ظروف مصيرية جعلت منه مؤثرا استثنائيا وتأسيسيا. فقد حاول المؤتمر طرح وجهة نظر متكاملة حول تجربة الجبهة وعلاقتها الداخلية وتأثيرها وسط التطورات المحيطة وصياغة برنامج سياسي مرحلي استراتيجي يتضمن عموميات الجبهة الإيديولوجية والوطنية. كما انعكست على أجواء المؤتمر سرعة الأحداث وخاصة إصرار اسبانيا على موقفها (تقرير المصير والاستقلال على المغرب وموريتانيا) وتصعيد المغرب لموقفه بعد خطاب العرش، وبروز الاتفاق السري المغربي-الموريتاني وبداية التحرك الجزائري الناشط لتطويق نتائجه السلبية على موقع الجزائر في توازنات المنطقة. ترافق كل ذلك مع ضعف الدور الخاص للجبهة إعلاميا وعسكريا بشكل لا يساعد على القول بتعاظم قوة الجبهة وتأثيرها الحاسم وسط الظروف المذكورة، دون أن يلغي ذلك ما لوجودها المحدود من تأثير على اتجاهات المشاريع الرسمية باختلاف هوياتها.

يحدّد البيان السياسي الصادر عن المؤتمر مجموعة السلبيات التي انطلقت من رحمها ثورة الجبهة الشعبية، حيث كان «الوضع السياسي آنذاك تعمه المؤتمرات السياسية الاستعمارية والرجعية، هذه المؤتمرات التي كانت تتجلى في محاولة ربط شعبنا بوثيقة 20 شباط/فبراير الاستعمارية أو بالتسابق الرجعي...». وكان الوضع الاقتصادي يدفع بعد «سنوات الجفاف المتتالية»، الأمور نحو تدهور متزايد حوّل المجتمع الصحراوي إلى «مجتمع استهلاكي تسيطر عليه الاحتكارات الامبريالية الجشعة وقد ربطته هذه الوضعية بالاستعمار أكثر، ومساعدة ذلك بحروب تجويع وارتفاع الأسعار ومحاصرة بعض المناطق وإغلاق ميادين الشغل أمام الطبقة العاملة مما زاد جيوش العاطلين».

أما الوضع الاجتماعي «فقد كانت تطبعه النعرات القبلية والطائفية وعدم الثقة والأفكار البالية الغيبية ورسوخ الدعايات الاستعمارية في عقول الجماهير...»

وسط هذه السلبيات، انطلقت الجبهة الشعبية بتنظيم «يعاني من قلة الأطر والتجربة التنظيمية بالنسبة لشعبنا وطليعته وصعوبة ظروف الانطلاقة وانعدام الظروف الذاتية في أوساط الجماهير.. » ولضمان هذه المسيرة كان لا بد من إمكانيات اقتصادية لدى هذه الجماهير، ومادامت هذه الإمكانيات معدومة أصبح من الحتمي التلاحم مع هذه الجماهير وإلا وقعت في أيدي المستعمر، إذ أن ثوار الجبهة كانت حالتهم الاقتصادية منبثقة من واقع جماهيرنا، زيادة على أن الأرضية لا تسمح بكثرة تنقلهم والحصار الإعلامي والاقتصادي المضروبين على المنطقة...»

رغم وضعية الضعف هذه كانت بداية الجبهة محاولة لإعادة الثقة بالنفس «بحيث أن الجماهير أصبحت تؤمن بأن شعبنا عظيم، شعب خلاق» وللخروج بها «وحدة وطنية متراصة كي ترجع ثقتها بنفسها وتحولها إلى الإيمان بالحرب الشعبية الطويلة الأمد وتفضح كل المخططات والمؤامرات الاستعمارية...» وكل ذلك في فترة لا تتجاوز العام الواحد، وفي تحركات محدودة نحو الداخل وصراعات مصيرية حول البرنامج السياسي. ولكن بالرغم من كل ذلك «اعترف الاستعمار نفسه بفاعلية الجبهة الشعبية وحرقها لمراحله، وتحولت الجماهير تحولا نوعيا حتى أصبحت في مستوى إحباط كل المؤامرات سواء المحاكة من طرف الاستعمار أو حليفته الرجعية، كما تصاعد إيمان شعبنا بوطنه الحقيقي وفي نفس الوقت تصدى لكل ما يخدم مصلحة هذا الوطن. وزاد ذلك من الوحدة الفكرية بين الطبقات المسحوقة من مثقفين وجنود وعمال وعاطلين ووحدة الصف بين البدو والحضر فتغير بذلك شعبنا من الشعب الصحراوي الجاهل إلى الشعب العربي بالساقية الحمراء ووادي الذهب الثائر. وتمسكت جماهيرنا أكثر بمبادئ الجبهة الشعبية وأهدافها، والإيمان التام بالوطن دفع شعبنا إلى أنه لا يمكن إلا وحدة الصف في إطار تنظيم جماهيري وطني يحميها فتجسّد ذلك عمليا في الجبهة الشعبية، وهكذا أصبحت الساحة الوطنية تعتبر بابا مفتوحا للنقاش الحر حول قضية مصير شعبنا التاريخية، كما استطاعت من خلال الجبهة الشعبية انتزاع تمثيلها الحقيقي لشعبنا المتطلع إلى سيادته وكرامته المتجسدة فيها...» ويتابع «القلم» الصحراوي كتابة البيان بتفاؤل وثقة عظيمة بالنفس، وكل ذلك دون عناء تقديم كيفية وماهية الممارسات التي استطاعت تحقيق هذه الانجازات والايجابيات خلال هذه الفترة القصيرة.

وبعد أن يتحدث البيان عن «القضاء على الفكر الإقطاعي نسبيا» وظهور «ثقافة شعبية ثورية كالأغاني مثلا» وبروز «مخطط امبريالي لابتلاع ثورة شعبنا من طرف الاستعمار وحلفائه التوسعيين» وخروج الجناح العسكري الديمقراطي الجماهيرية ومن المؤامرة التي كانت تستهدف القضاء عليه «كطليعة صدامية للجبهة الشعبية وذلك في خريف 1973، يعرض البيان آفاقا المرحلة القادمة: انطلاقا من أهمية بلادنا الإستراتيجية بالنسبة للامبريالية وأهميتها الاقتصادية أمام الهجمة الامبريالية الاستعمارية الرجعية، وانطلاقا من ظروفنا التنظيمية ومشاكل التنظيم المتداخلة نرى أن الظروف المؤاتية للتنظيم لتأدية مهامه بصورة واضحة ومحافظة للخط الصحيح والثوري ومعالجة كل القضايا الأساسية:

1-التعميق في التعبئة وإعطاء كل الحقيقة للجماهير.

2-تنظيم الجماهير الواسعة في إطار الجبهة الشعبية والتنظيمات الجماهيرية التابعة لها:

3- تقوية الجناح العسكري وتزويده بالفكر الثوري كي يضمن سير الثورة بشكل بناء كما ضمنها في المرحلة الماضية.

4-أما فيما يتعلق بمؤامرة مشروع الاستقلال الداخلي فإنه:

إيمانا من الجماهير الصحراوية بالحرب الشعبية الطويلة المدى، أصبحت ترى أن الاستقلال الداخلي مؤامرة استعمارية يتبناها المستعمر أبان فشله وقوة الثورة هادفا من وراء ذلك إلى نيل مكسب مخادع جديد وهو استمرار السيطرة على الخيرات الوطنية ولذلك فإننا نرى بأن الاستقلال الداخلي ترفضه الجماهير الشعبية فلا يمكن أمام هذه المؤامرة إلا مواصلة الكفاح إلى غاية الاستقلال التام أي بالاستيلاء على خيرات شعبنا الوطنية وبناء سيادتنا التامة في هذا الوطن.

5- أما فيما يتعلق بمؤامرة الاستفتاء فإننا نرى أن هذه المؤامرة كانت نتيجة فشل الاستقلال الداخلي، نعتبره مرفوض من ناحية الجوهر، انطلاقا من واقع شعبنا الذي قرر مصيره كمكسب دولي بواسطة الكفاح المسلح في حرب شعبية طويلة الأمد ومع ذلك فنرى في الاستفتاء إذا كان هدفه هدف العمل المسلح فلا بدّ من وضع الشروط التالية:

1- لا وجود في النزاع إلا بين طرفين: صاحب الحق الشرعي الشعب العربي بالساقية الحمراء ووادي الذهب من جهة ومن جهة أخرى العدو الاسباني الفاشي.

2- انسحاب القوات الاسبانية بجميع فصائلها وإحلال محلها ثوارا الجبهة الشعبية للمحافظة على الأمن.

3- انسحاب الإدارة الاسبانية من المنطقة وإحلال سلطة وطنية محلها. وما ذلك إلا تجسيدا للمبادئ والأهداف التي وضعتها الجبهة الشعبية.

4- عدم تدخل أي جهة أجنبية.

5- عودة اللاجئين الصحراويين من السكان الأصليين بمراقبة من الجبهة الشعبية.

6- الخروج النهائي للمستوطنين الأجانب.

7- انسحاب القوات الأجنبية المرابطة على الحدود.

8- أن يؤدي الاستفتاء إلى الاستقلال التام.

9- إشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية عليه وضمان نتائجه.

10- توقيف نهب الخيرات الوطنية..

أما برنامج العمل الوطني الذي أقرته الجبهة في «ظروف دولية حاسمة وخطيرة» وفي مواجهة عمليات «تمييع الصراع الحقيقي أي صراع شعبنا والاستعمار وزرع الشوفينية بين شعبنا والشعب المغربي الشقيق». وفي محاولة صحراوية للرد على احتمال «انسحاب مزيف للاستعمار يضمن مصالحه ويثبته أكثر بأرضنا أو إحلال الرجعية محل الاستعمار نتيجة عجز هذا الأخير»، فقد جاء بوصفة «برنامج وطني كامل» على أساسه يجري العمل من اجل «توحيد كل فئات الشعب في جبهة» وذلك من خلال تحقيق مهام مرحلية وافق عليها المؤتمر وهي:

1-العمل على تسييس الجماهير وتنظيمها وتأطيرها في إطار الجبهة الشعبية.

2- التعبئة المستمرة للجماهير لجعلها في مستوى كل التطورات.

3- تقوية ربط الثورة الشعبية في الساقية الحمراء بحلفائها على الصعيد القومي والافريقي والعالمي.

4- تقوية أجهزة الجبهة الشعبية وفي أسرع وقت، على الخصوص الأجهزة الحساسة منها.

5- العمل على توطيد الجبهة الداخلية وجعلها قادرة على مواجهة الاحتمالات.

6- خلق موازنة على الساحة الوطنية.

7- جعل القوى الوطنية والديمقراطية لاسيما في الدول المجاورة أمام مسؤولياتها التاريخية في الدفاع عن الثورة الشعبية في الساقية الحمراء وضمان استمرارها.

ونص الجانب الطويل المدى لهذا البرنامج على الأهداف التالية:

1- تحرير الوطن من كل أشكال الاستعمار وتحقيق استقلال كامل.

2- بناء نظام جمهوري وطني يكون للجماهير المشاركة الفعالة فيه ذا برنامج وحدوي مفتوح.

3- خلق الوحدة الوطنية.

4- ضمان الحريات الأساسية للمواطنين.

5-بناء اقتصاد وطني متكامل:

-تأميم الثروة المعدنية.

-نهج سياسية التصنيع.

-الاهتمام بتطوير الميدان الفلاحي.

-الاهتمام بالثروة الحيوانية.

-ضرورة حماية الثروة البحرية.

6- تعبئة الجماهير وتحرير مبادرتها لتلعب الدور الحساس في البناء الاقتصادي.

7- توزيع الثروات توزيعا عادلا ومحو الفوارق بين المدن والريف.

8-القضاء على كل أشكال الاستغلال.

9- ضمان العيش الكريم لكل أفراد الشعب.

10- توفير السكن لكل أفراد الشعب.

11- العناية بالعائلة والعمل على رفع مستواها في كل المجالات.

12- تحقيق حقوق المرأة السياسية والاجتماعية وفتح المجال أمامها.

13- القضاء على أسباب الانحلال الخلقي والاجتماعي.

14- المحافظة على الحضارة والتراث الديني.

15- نهج سياسة تعميم وإلزامية ومجانية التعليم في كل المراحل بالنسبة لكل فئات الشعب واعتماد ثقافة وطنية قومية وتعريب التعليم في كل المراحل.

16- محاربة الأمراض وبناء المستشفيات ومجانية المستشفيات ومجانية التطبيب.

أما العلاقات الخارجية فقد تضمنت أربع نقاط فقط:

1- التعامل مع الجميع على أساس النقاط الخمس للتعايش السلمي.

2- جزء من الثورة العربية ومن حركة التحرر الوطني الديمقراطي العالمية.

3- يعتبر التعاون مع الثورة الجزائرية في مرحلة انتقالية عنصرا أساسيا لضرب المؤامرات على العالم الثالث.

4- مساندة كل الشعوب المكافحة ضد الاستعمار بشكليه القديم والحديث والامبريالية والتمييز العنصري والصهيونية.

يظهر التناقض البارز في مضامين مقررات المؤتمر الطبيعية المعقدة لنقاشاته الداخلية التي تعكس صراعا حادا بين وجهات النظر «الصحراوية». وتعبّر عن صعوبة الاستمرار بدون حليف محلي قوي قادر على إنقاذ الجبهة من حالة الحصار وعلى دفعها إلى واجهة الأحداث. فالحديث عن رفض سياسة اسبانيا وترديد مشروعها بوصفه مطلبا جماهيريا، أو رفض الاستفتاء (من ناحية الجوهر) والقبول به من ناحية الهدف، أو الإشادة بجماهيرية الجبهة مع تكرار ملاحظ لأزمة علاقتها بالجماهير ولعزلة جناحها العسكري عنها أو الحديث عن تمثيل أحادي للشعب مع التحذير من الممثلين الآخرين الموجودين بالفعل الخ... كل هذه التعارضات وما يرافقها من أهداف، سابقة لأوانها بكثير، تجسّد ميلا نحو الخروج من مأزق البداية العسيرة وأزمة اختراق ميزان القوى الجهوي بشكل ايجابي. وقد تجلى هذا الميل من خلال نقاط محددة. فالمؤتمر كان يبحث عن الحليف الجزائري أكثر من تمسكه بالحليف الليبي وخاصة فيما يتعلق بالتصاق الجزائر السياسي-الجغرافي بالقضية. عبّر هذا الميل عن نفسه أولا بالنظرة التي وجهها المؤتمر «باعتزاز إلى الدور الايجابي الذي تلعبه الجزائر الذي تلعبه الجزائر في قضية شعبنا، شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب» (طبعا مع توجيه شكر للدور الليبي الذي «دفع قضيتنا إلى الأمام» وذلك كتخصيص مميّز عن الجزائر).

وثانيا بتحديد اسم الجزائر في نقاط العلاقات الخارجية بوصفها «قيادة» العالم الثالث والمتصدية للمخططات الامبريالية، وبالتالي فمن الضروري أن تأخذ هذه الجزائر نضال «الشعب الصحراوي» بعين الاعتبار.

كما تعمّد المؤتمر تغييب موريتانيا بشكل ملفت للنظر، ولم ترد «رجعيتها» إطلاقا لا سلبا ولا إيجابا لحظة الحديث عن المغرب مما يربط الملاحظتين ببعضهما بشكل يعكس وجود تيار يميل للاعتماد على موريتانيا التي لم تكن قد قررت بعد طرد مجموعة الزويرات من دائرة اهتماماتها، تيار يسعى للتحالف مع الجزائر المعارضة لسياسة موريتانيا والمغرب في آن واحد.

قد تكون القرارات عاكسة لتسوية ما، غير أن القرار النهائي ورجحان كفة التيارين كان قد ارتهن بسيرورة الأحداث أكثر من ارتهانه بعلمية التحالفات التكتيكية والإستراتيجية. لذلك، فإن مقررات المؤتمر، إذ توضح طبيعة المشروع الصحراوي، ولو بشكل عام ومتناقض، فإنها (أي المقررات) تشكل بالفعل نقلة نوعية في خطوات الجبهة الشعبية وتؤكد ما سبق ذكره حول استحالة التعاطي مع «صحراوية» المشكلة بإستراتيجية مستقلة، كما تبيّن غلبة الاتجاه الاستقلالي بشكل ملحوظ، لا يقلل من أهميته غياب الموقف من تقرير المصير وتحديد الجبهة الشعبية لطبيعته الوحدوية الجبهوية (عدم توجيه نداء للقوى الصحراوية الأخرى من أجل الوحدة الوطنية...) ويزيد في تعميقه وإبرازه تعمّد إهمال القوى المغربية ولو معاتبة أو لفت نظر (11).

التركيز على الجزائر «ايجابيا» وعلى المغرب «سلبا» كان يكشف استيعابا صحراويا لطبيعة التناقضات المحيطة ولنوعية أطرافها الرئيسية، وبذلك تكون الجبهة الشعبية قد حدّدت دائرة حركتها: الجزائر كحليف استراتيجي، المغرب كعدو استراتيجي، موريتانيا كحليف وكعدو تكتيكي في نفس الوقت.

أما العلاقة بليبيا فإنها غير خاضعة لحسابات الدائرة المذكورة وإن كانت تتعامل معها بشكل خاص جدا، يحول دون معارضة البوليزاريو لسياستها من ناحية وتعتريه تناقضات مبدئية لم تتجرأ الجبهة على ذكرها ولو مرة واحدة. مما يؤكد قوة طرف الدعم الخارجي في إستراتيجية ثورة «حالتها الاقتصادية منبثقة من واقع جماهيرها».

أزمة المغرب العربي والمشروع الصحراوي

تجد الملاحظات المذكورة آنفا تبريراتها في الأحداث اللاحقة التي تراكمت منذ أوائل عام 1975 ووصلت إلى ذروتها في خريف ذلك العام. ففي حين كانت الأمور تسير نحو اتفاقية ثلاثية بين اسبانيا والمغرب وموريتانيا، في حين كانت اسبانيا تمارس أقصى أنواع الضغوط والمناورات بخط منفتح على الجزائر الصحراويين لإضعاف موقع المغرب، وفي حين كانت الجزائر تبحث عن شرعية «شعبية» وصحراوية لتطويق المشروع المغربي، والقوى الخارجية (فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة) جادّة في بحثها عن عقدة محلية تتربع وسط الصراع بشكل يغدو معه التوصل إلى حل قريب مستحيلا، كانت آمال التيار الصحراوي الوحدوي تتحول إلى حقائق موضوعية على حساب ما تبقى من رغبات مكبوتة لإيجاد حليف مغربي.

لذلك أسقطت قيادة الجبهة الشعبية كل أوراق الجذب المغربي من حساباتها، شعبيا ورسميا، رغم أنه كان بإمكانها أن تضع المشروع المغربي «الرسمي» في مأزق تاريخي من خلال استيعابها للحل الوحدوي وقدرته الهائلة على تجاوز أزمة القوميات المغربية. لكن السياسة «الثورية» الباحثة عن إستراتيجية «رسمية» ينبغي أن يخرج من رحمها «جمهورية عربية صحراوية ديمقراطية»، كانت تبتعد عمدا عن مخرج الأزمة الفعلي وتدخل «مبتسمة» في أزمة أخرى تتجاوزها وتضعها في وسط معادلة التجزئة بشكل يصعب عليها أن تتحرك خارجها. فسجنت نفسها في دائرة اختيارها «الصحراوي»، وفي مساحة تحركها الجهوي، وفقدت حليفا لا يمكن تعويضه بأي حليف آخر: الشعب المغربي.

وفق هذا السياق وفي مواجهة المغرب «المستعمِر» يصبح كل سلوك مبررا: التنسيق مع اسبانيا والانتشار في الصحراء بمساعدتها، الارتماء كليا في مشروع التطويق الجزائري، القبول بتهجير الصحراويين إلى تندوف، الانخراط في معركة متعددة الأطراف ومتنوعة الأهداف بقوى متواضعة وتنظيم جنيني وإمكانيات معدومة، خسارة الوجود الجماهيري المتبقي لربح الوجود الجماهيري المهاجر الخ.

تزداد دائرة التحرك ضيقا بازدياد أزمة المواجهة مع «التوسع» المغربي وشروط إجهاضه، فتخرج الجبهة بحل تكتيكي فكرت به في ليبيا وأعلنته من الجزائر: الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، الذي كان تبريرها الوحيد أن اسبانيا ستغادر الصحراء وأن المعني بالأمر يجب أن يقرر مصيره فورا. وسواء كانت الجمهورية تحتاج لأرض محررة أو لوجود سياسي داخلي مؤيد وقوي، فإن الجبهة الشعبية وجدت في قرارها إنقاذا وحيدا لا بديل عنه، وذلك بعد أن جرّدت نفسها من كافة الأوراق. هذا إذا افترضنا مع حسن نية أن فقدان الأوراق الأخرى كان خطأ في الحسابات وليس قناعة ويقينا «ثوريين».

وفي أواخر شهر شباط/فبراير 1976 تحوّلت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء إلى إطار رسمي يضم الثورة والجمهورية والحكومة والمجلس الوطني والهيئات الشعبية، وفتحت أمامها أبوبا العمل الدبلوماسي والحرب المسلحة في وقت واحد ومن منطقة واحدة وببنية تنظيمية وطني واحدة. وبدأت مرحلة أخرى من التكتيك والإستراتيجية الصحراويين يشترط نجاحها تحقيق أمرين:

بقاء الإستراتيجية الجزائرية في خط متعارض جذريا مع المغرب في قضية الصحراء، وضمان قدرة النضال الصعب والمعقد لكوادر الجبهة في مرحلة استنزاف طويلة الأمد وباهضة التكاليف. وقبل أن يتحقق هذان الأمران في الواقع، دون أن يعني ذلك استحالة تحقيقها، أعلنت الجبهة الشعبية عن سياستها المتصدية للمغرب.

أعلنت أولا قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بتاريخ 27/2/1976 ببيان نصّ حرفيا على ما يلي:

«إن الشعب العربي الصحراوي وهو يذكر شعوب العالم انها قد أعلنت في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي قرار الجمعية العامة رقم 1514 في دورتها الخامسة عشرة الذي جاء به ما يلي:

«ان شعوب العالم قد عقدت العزم على أن تؤكد من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الشخص الإنساني وقيمته وبتساوي حقوق الرجال والنساء وحقوق الأمم كبيرها وصغيرها وأن تعزز الرقي الاجتماعي وترفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح».

وإدراكا منه للمنازعات المتزايدة الناجمة عن إنكار الحرية على تلك الشعوب أو إقامة العقبات في طريقها مما يشكل تهديدا خطيرا للسلم العالمي.

واقتناعا منه بأن لجميع الشعوب حقا غير قابل للتصرف في الحرية التامة وممارسة سيادتها وفي سلامة وحدة ترابها.

وعملا بوضع حد بسرعة وبدون قيد أو شرط للاستعمار بجميع صوره ومظاهره وذلك لتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعوب المناضلة.

يعلن للعالم اجمع على أساس الإرادة الشعبية الحرة القائمة على دعائم الاختيار الديمقراطية عن قيام دولة حرة مستقلة ذات سيادة وحكم وطني ديمقراطي عربي وحدوي الاتجاه، إسلامي العقيدة تقدمي المنهج تسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

وانسجاما مع عقيدتها واتجاهها ومنهجها تعلن هذه الدولة العربية الافريقية غير المنحازة احتراما للمواثيق والمعاهدات الدولية وتمسكها بميثاق الأمم المتحدة وارتباطها بميثاق جامعة الدول العربية وتقيدها بميثاق منظمة الوحدة الافريقية مؤكدة التزامها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن الشعب العربي في الجمهورية الصحراوية الديمقراطية وقد عقد العزم على حماية استقلاله ووحدة ترابه والسيطرة على موارده وثرواته الطبيعية يجاهد مع كل الشعوب المحبة للسلام للعمل على تدعيم السلم وترسيخ الأمن في العالم أجمع ومناصرته لجميع حركات تحرير الشعوب للتخلص من السيطرة الاستعمارية.

وفي هذه اللحظات التاريخية التي تعلن فيها قيام هذه الدولة الجديدة تناشد أشقاءها ودول العالم قاطبة الاعتراف بها كما تعرب عن رغبتها في تبادل العلاقات معها، المبنية على أسس من الصداقة والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

إن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تناشد المجتمع الدولي الذي يهدف إلى إقامة الحق والعدل ويسعى لتوطيد دعائم السلام والأمن أن يساهم في بناء وتنمية الدولة الجديدة من أجل كرامة ورفاهية وطموحات الإنسان (12).

صدر في بير الحلو المجلس الوطني المؤقت ممثلا لإرادة الشعب.

27 صفر 1396 هـ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

الموافق 27 شباط/فبراير 1976

وأعلنت في اليوم التالي عن دستور هذه الجمهورية بوثيقة نصت على ما يلي:

«باسم الشعب العربي في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية واستجابة لرغبة هذا الشعب المتمثل في جماهيره المجاهدة منذ سنوات لتحرير أراضيها.

وباسم الإرادة الشعبية التي أعلنت عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لتحقيق العدالة والرفاهية لمجتمع تتكافأ فيه الفرص بين جميع فئاته.

يعلن المجلس الوطني الصحراوي المؤقت بصفته ممثلا لإرادة الشعب هذه الوثيقة الدستورية المؤقتة بكونها ركيزة النظام السياسي الاجتماعي للدولة، ومصدرا لتحديد قواعد الحكم وتنظيم علاقة الدولة بالفرد والمجتمع، على أن يعمل بهذه الوثيقة إلى أن يقرر مؤتمر الشعب العام الذي يلتقي فيه ممثلو المؤتمرات الشعبية في الأراضي المحررة وفي المخيمات، وممثلو الخلايا البشرية في الأراضي المحتلة وممثلو المجاهدين في وحدات الجيش الشعبي الوطني وممثلو النقابات والاتحادات المهنية والمنظمات الشعبية الأخرى والذي سيكون السلطة السياسية العليا التي تقر النظام السياسي العام للمجتمع في شكل دستور دائم

الباب الأول: الدولة مادة (1): الساقية الحمراء ووادي الذهب جمهورية عربية ديمقراطية واشتراكية.

مادة (2): الشعب الصحراوي جزء من الأمة العربية وعضو من الأسرة الافريقية ومنتم للعالم الثالث.

مادة (3): الإسلام دين هذا الشعب واللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية.

مادة (4): العمل على وحدة شعوب المغرب خطوة نحو الوحدة العربية، والدفاع عن الوطن والذود عن الحرية واجب مقدس، وتحقيق الاشتراكية وتطبيق العدالة الاجتماعية هدف من أهداف الدولة.

مادة (5): الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق.

مادة (6): المواطنون جميعا سواء أمام القانون ومتساوون في الحقوق والواجبات.

مادة (7): حرية الرأي مكفولة في حدود القانون ومصلحة الشعب. والتعليم والعلاج والرعاية الاجتماعية حق لجميع المواطنين وستعمل الدولة على تأمينه لهم.

مادة (8): الملكية العامة للشعب، والملكية الخاصة غير المستغلة مصونة لا تنزع إلا وفقا للقانون.

مادة (9): أداء الضرائب والتكاليف العامة واجب ينظمه القانون.

مادة (10): حق اللجوء السياسي مضمون.

مادة (11): العلم الوطني وشعار الدولة يحددها قانون.

الباب الثاني: نظام الحكم مادة (12): مجلس الثورة هو أعلى سلطة تنفيذية في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ويباشر شؤون لسيادة ووضع السياسة العامة للدولة.

مادة (13): يعين مجلس الثورة مجلسا للوزراء من رئيس للوزراء بعد استشارة المجلس الوطني الصحراوي المؤقت.

مادة (14): يقوم مجلس الوزراء بكافة الأمور التنفيذية تحت إشراف مجلس الثورة.

مادة (15): تصدر الميزانية العامة بقانون.

مادة (16): مجلس الثورة يعلن الحرب ويعقد المعاهدات ويصادق عليها، ويعين الممثلين السياسيين، ويعتمد لديه الممثلين السياسيين الأجانب.

مادة (17): الجيش الشعبي الوطني الصحراوي بخدمة الشعب يؤمن الدفاع عن الوطن ووحدته ويشترك في نشاط البلاد الاجتماعي والاقتصادي ويصدر تنظيمه بقانون.

الباب الثالث: السلطة التشريعية

مادة (18): يعتبر المجلس الوطني الصحراوي المؤقت سلطة تشريعية استشارية.

الباب الرابع: السلطة القضائية

مادة (19): ويعتمد مبدأ الفصل القضاء مستقل وتصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب.

مادة (20): لا جريمة ولا عقوبة إلا نص، المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته.

الباب الخامس: أحكام عامة وانتقالية

مادة (21): تنفذ نصوص هذه الوثيقة الدستورية المؤقتة من تاريخ نشرها وتبقى نافذة حتى يصدر مؤتمر الشعب العام، النظام الدائم للمجتمع (13).

المجلس الوطني الصحراوي المؤقت

- صدر في بير الحلو: السبت 28 صفر 1396 هـ الموافق 28 شباط/فبراير 1976 م»

وأعلنت بعد ذلك بأيام عن تشكيل الحكومة الصحراوية:

باسم الشعب الصحراوي وتعبيرا عن إرادته، ارتفع على أرض الساقية الحمراء ووادي الذهب علم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، مؤذنا بقيام دولة افريقية تستمد أصالتها من جذور شعبنا الضاربة في أعماق التاريخ، ومن حضارته التي عمت بذورها أرجاء المغرب العربي، دولة قوتها الأساسية إيمان أبناء شعبنا بحقهم في الحياة الكريمة، وفي الحرية الحقيقية، وسلاحها الأساسي الكفاح والصمود والمثابرة.

وهكذا افتتحت صفحة جديدة يتصدى فيها شعبنا بدمه لاستعمار الأخ والشقيق بعد أن طوى بكفاحه صفحة تخلص فيها من استعمار العدو الغريب. واليوم نعلن للعالم أجمع أن شعبنا قد قرر استكمال وضع الأجهزة الأساسية التي تستجيب لمتطلبات هذه المرحلة من كفاحه المرير، وتحقق ممارسة الحكم الديمقراطي الحقيقي النابع من الشرعية الثورية.

واستجابة لإرادة شعبنا فقد قررت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والموافقة الاجماعية للمجلس الوطني الصحراوي المؤقت تشكيل حكومة تتحمل عبء استمرار الكفاح وترفع راية النضال حتى يتحقق لشعبنا النصر، وينعم بالسلام والأمن، ليلتقي مع إخوته شعوب المغرب العربي وشعوب الأمة العربية والقارة الافريقية كلها على طريق التحرر والوحدة.

وإننا إذ نلتزم بكل المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الافريقية نركز بالذات على كل المواثيق التي تضمن حماية حقوق الإنسان وسلامة التراب الوطني، واحترام الحدود الموروثة كضمان للسلم والأمن. ونحمّل كلاّ من منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية وجامعة الدول العربية مسؤولية القيام بواجبهم تجاه شعب مسالم يتعرض للإبادة الجماعية ويعاني من سياسة الأرض المحروقة.

كما أننا نضع شعوب العالم أمام مسؤولياتها التاريخية لإحباط المخطط الامبريالي الاستعماري الرجعي الذي يتعرض بلدنا لعدوانه.

وفي هذه اللحظات التي تعلن فيها الحكومة على أرض الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وتعلن في نفس الوقت في كل من الجزائر وطرابلس وتاناناريف وكوناكري بجميورا نمد يد الأخوة إلى شعبي المغرب وموريتانيا طالبين منهما أن يتفهما كفاحنا وأن يدركا بأن المستقبل للشعوب طال الوقت أم قصر، ومناشدين كلا منهما العمل على حقن الدماء وإيقاف هذه الحرب التي فرضت على شعبنا من طرف الأنظمة الحاكمة تحقيقا لمصالح أجنبية ومآرب شخصية ومطامع ذاتية.

وفي نفس الوقت فإننا نمد يد الصداقة لكل الشعوب العلم ودوله مطالبين إياها بتأييد كفاحنا العادل ومناصرته قضيتنا الوطنية والاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

كما تؤكد من جديد للعالم أجمع رغبتنا الصادقة في التعاون البناء مع كل الدول على أساس الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية.

لقد عقدنا العزم على الكفاح وجعلنا شعارنا النصر أو الاستشهاد ولن تنعم المنطقة بأي أمن أو استقرار ما لم يتم دحر العدوان وما لم يتمكن شعبنا من تحرير البقية المغتصبة من ترابه الوطني (14).

والله ولي التوفيق

امغالا 4 آذار/مارس 1976

المجلس الوطني الصحراوي المؤقت

الجبهة الشعبية لتحرير الساقية

الحمراء ووادي الذهب.

شهد عام 1976 تحقيقا فعليا للأمرين المذكورين، فتحول من ناحية أولى التنسيق الجزائري-الصحراوي إلى إستراتيجية تحرك شامل ضد التحالف المغربي-الموريتاني دبلوماسيا وإعلاميا وعسكريا، بحيث وضعت القيادة الجزائرية كل إمكانياتها وعلى كافة المستويات لتطويق المغرب وتقديم الصحراويين كشعب وجبهة وجمهورية، وذلك في سياق متواصل داخل المنظمات الدولية وعلى صعيد حركات التحرير، وخاصة الافريقية الأمر الذي أدى إلى اعتراف عدد كبير بالصحراوين كحركة تحرير وعدد قليل من الدول اعترف بالجمهورية المذكورة. عزز أواصر هذه الإستراتيجية قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر في آذار/مارس من نفس العام، وتمتع الجزائر بأوراق ضغط هائلة على الدول الكبرى والدول الأوربية وخاصة فرنسا واسبانيا بشكل كان يدفع هذه الدول إلى حياد نسبي انتهى في المرحلة الأخيرة إلى سلسلة تراجعات عبرت عن نفسها بتبدل في المواقف الرسمية وبتكثيف الدعم الحزبي (الأحزاب الشيوعية خاصة) للشعب الصحراوي.

وتمكنت من ناحية ثانية الجبهة الشعبية من تنظيم قاعدة جماهيرية وبناء مؤسسات داخل المخيمات وفّرت لها مواردها البشرية عملية النزوح التي أعقبت دخول المسيرة الخضراء ووضعت القوى الحليفة (الجزائر وليبيا) إمكانات عسكرية هائلة في خدمة تشكيل القوة الضاربة الصحراوية القادرة على خوض حرب الاستنزاف. ولكن يبقى العامل الحاسم في وسط كل هذه المساهمات هو قدرة قيادة الجبهة نفسها على تعميق الشعور الوطني عند الصحراويين وحثهم على الاستبسال بشكل يساعد على القول أنه في فترة شهور قليلة كانت الجبهة قد أنتجت نواة صلبة من الكوادر السياسية والعسكرية القادرة على العمل التعبوي في المخيمات ومراكز الإعلام، والمؤهلة لعبور الصحراء في مسافات طويلة والصمود بين رمالها الحارة أياما طويلة، والتي تجعل من قدرة الجزائر أو غيرها على «إذابة» المشروع الصحراوي، رغم أنف الصحراويين، مسألة ليست سهلة كما يحاول الرسميون المغاربة إبرازها. ففي سيرورة العلاقة التي حكمت أواصرها توازنات القوى الجهوية ودفعت بقوة جارفة الجبهة الشعبية على أحضان الإستراتيجية الجزائرية كان لا يزال هناك ميل ينزع نحو استقلالية صحراوية، على الأقل في مستوى اتخاذ القرار، والذي يمكن إسناده إلى الوالي، كتيار سياسي من ناحية، وكمغربي أدخلته سلبيات التجربة السابقة إلى وطنه الصحراوي.

على قاعدة هذه العلاقة بدأت حرب الاستنزاف الجزائرية-الصحراوية ضد موريتانيا وبدأت تبرز تناقضات التعاطي مع هذا الاستنزاف طبيعة الخلافات المذكورة، وخاصة فيما يتعلق بحدود الاستنزاف نفسه. وبينما كانت الجزائر تحضّر نفسها لمعركة استنزاف طويلة قد تدوم عشر سنوات وذلك ضمن قناعة القيادة الجزائرية باستحالة نسف الاتفاقية الثلاثية خلال فترة قصيرة، كان الوالي يرى أن حرب الاستنزاف يجب أن تعطي البوليزاريو قاعدة وطنية محررة، يؤدي الحصول عليها إلى عدم تراوح الجهود الصحراوية مكانها. وبذلك تكون المراهنات قد انحصرت تكتيكيا وانحسمت بمعركة موريتانيا لصالح التيار المؤيد للجزائر ولصالح الجزائر نفسها، التي كانت تعرف منذ البدء أن بداية الضغط على المغرب يجب أن تبدأ بسحب موريتانيا من الصراع وفي استشهاد الوالي علامات فارقة تدلّ على التعارضات.

ففي الوقت الذي لم تستطع الخطة المرسومة إخراج موريتانيا من الصحراء، كان الوالي قد وصل إلى قناعه أساسية مفادها أن تغيرا حاسما في الوضع الموريتاني سوف يساعد على تهيئة الأرضية المناسبة لتسوية يكون أحد طرفيها الأساسيين البوليزاريو والطرف الآخر المغرب. الأول يستفيد من سيطرته على موريتانيا والثاني يستفيد من إخراج الجزائر فقام الوالي بقيادة العملية الكبيرة في مطلع أيار/مايو 1976 حالما بإسقاط سلطة مختار ولد داده، فانتهى وانتهى معه حلم الحل السريع... وبهذا المعنى تكون التجربة المزدوجة (إنجاح الخط المستقل وتجاوز زمن الاستنزاف) قد أكدت بوضوح أن قضية الصحراء دخلت بالفعل في زمن غير منظور، ستتطور خلاله الأمور بشكل تدريجي سوف يضع سدودا منيعة تحول دون قدرة أحد الأطراف على التراجع: فلا المغرب بقادر على قبول دولة صحراوية ولا البوليزاريو تركت لنفسها خط الرجوع، فلم يعد ممكنا القبول بموريتانيا وطنا للشعب الصحراوي، ولا بجزء من موريتانيا بدلا عن العمل الكامل، ولا بإمكان الجزائر أن تعقد تسوية مع المغرب بشروطها هي وعلى حساب البوليزاريو. رحل الوالي ودفنت عمليته الخيرة رغبات التسوية المفتوحة.

ومنذ المؤتمر الثالث، مؤتمر الشهيد الوالي مصطفى سيد، الذي انعقد من 26 إلى 30 آب/أغسطس 1976 والأمور تسير باتجاه خط الاستنزاف الطويل الأمد الذي استلزم اتفاقا تاما مع التكتيك الجزائري، وقدرة دائمة الطاقات البشرية والعسكرية، على وضع «الشعب الصحراوي» في حالة استنفار وأمام مهمات الحرب الصحراوية اللامحدودة. عبر الجانب الأول عن نفسه في تخصيص الجزائر وليبيا بعبارات ذات دلالات سياسية هامة، حيث تعتبر الجبهة في بيانها السياسي الصادر عن المؤتمر أن كافة المحاولات الرجعية «تدخل في الإطار الامبريالي العام الذي يستهدف تحويل المنطقة لصالح الامبريالية واستمرار نهب الثروات المعدنية والحيوانية والبحرية... والحفاظ على فوائده في منطقة شمال-غرب افريقيا الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا عن طريق إطفاء الشعلة الثورية في هذه المنطقة، ودفع شعوب المنطقة الأخرى وقواها التقدمية، حلفاء ثورتنا، نحو الخضوع». وفي هذا الإطار تفسّر البوليزاريو السياسة الرجعية المعادية لجزائر وليبيا. وتربط الوضع بشكل ذي حدين: ليبيا –الصحراء-الجزائر من جهة والمغرب-موريتانيا-الامبريالية من جهة ثانية.

وعبر الجانب الثاني عن إصرار صحراوي على تطويق التكتيك المغربي المستهدف إبراز الصراع وكأنه صراع جزائري-مغربي (كما جاء في بيان المؤتمر) فعززت الجبهة نشاطها الخارجي ديبلوماسيا، وقوّت نفوذها الذاتي مُشكّلة قوة قاعدية مسلحة ينبغي عدم إهمال تأثيرها في مجريات الأمور. أما كيف يُحل الإشكال البسيط الفاصل بين تبعية كاملة لإستراتيجية الجزائر وبين الرغبة في تقوية القرار الذاتي، فإن ذلك محكوم بمنطق آخر يبدو أن طبيعة الوضع الراهن لا تسمح بتقديمه بشكل موضوعي ونهائي: فلا البوليزاريو قادرة تماما على الخروج من السياسة الجزائرية، ولا الجزائر راغبة في ضبط المحاولات الصحراوية الباحثة عن تغريد خارج السرب ولو على الأقل مع ليبيا، كما حصل اثر المحادثات السرية الليبية-الصحراوية-الموريتانية (في نسيان/أبريل 1979) التي واجهتها الجزائر بإصرار على عقد اتفاقية المصالحة الصحراوية-الموريتانية في العاصمة الجزائرية وأطلقت عليها قصدا عنوان «اتفاقية الجزائر» وذلك في شهر آب/أغسطس من نفس العام.

وفي حين يزداد انصهار المشروع الصحراوي في أزمة المغرب العربي، فان التطورات التي أعقبت المؤتمر الثالث، بجانبيها المذكورين، وبانتصاراتها الدبلوماسية والعسكرية والتنظيمية لا تشجع على القول بأن القضية اقتربت من باب التسوية وفق رغبة الصحراويين ولا تسمح إطلاقا بإعطاء معادلة جديدة تقوم على اعتبار أن مفتاح الحل بيد الصحراويين وحدهم. ففي عقدة التطور الراهن أصبحت البوليزاريو طرفا مثل بقية الأطراف ولكن بحدود معينة كما يبدو أن شروطا قاسية لا تزال مطلوبة منها لكي تصبح بالفعل الطرف الرئيسي في المعادلة القائمة: إيجاد حليف مغربي، استيعاب شروط وأهداف وحدود الدعم الليبي، وإدراك حدود المعارضة الجزائرية للسياسة المغربية.

ولما كانت الوضعية الصحراوية تسير وفق هذا السياق منذ وفاة الوالي فإن الكلام السياسي يتجانس مع السياق المذكور ويجسده، فلا يقدّم المؤتمر الرابع، مؤتمر الشهيد سيدي ولد حيذوك، الذي انعقد في خريف 1978 مساهمات جديدة تضاف إلى المؤتمر الثالث سوى اعتراف 18 دولة بالجمهورية الصحراوية، وتحقيق انتصارات دبلوماسية على المغرب. أما البيانات والمقررات فقد تكررت حرفيا تقريبا، مما يجعل عملية التوثيق مكررة لكلام يبدو أن مساحته خاصة، لا يربطها بصيرورة الأحداث إلا خيط رفيع. ولا يخرج عن ذلك مضمون المؤتمرات والنشرات والخطب والبيانات والمطبوعات، والتي انهالت بسرعة مفاجئة وبعدة لغات، والتي تكرر نفسها دائما وأحيانا بنفس العبارات والجمل (15).

باختصار، ان مطالعة مقررات المؤتمر الرابع ومقارنتها بما صدر عن الجبهة من مطبوعات إنما يؤكد هذا الواقع الإعلامي ويطرح تساؤلا ثوريا: هل يعجز الصحراويون عن كتابة وثيقة تاريخية مفصلة تربط تاريخهم الحاضر بتاريخهم الماضي فيكتفون بأسطر قليلة تبدأ من بداية القرن؟ أم أنهم يرون في التاريخ الماضي تناقضا مع التاريخ الذي يقومون بصناعته حاضرا؟ يبدو أن الإجابة ليست مهمة. وفي لغة المؤتمر الرابع، تظهر الإضافات عدماً ويغيب التاريخ بشكل مذهل، وتبقى وحدها الجمل الرسمية سيدة الموقف: الوطن الباحث عن تكوّن معاصر يلغي الوعي الوحدوي المكبوت «تاريخيا» ويستبدله بشعار التقدم والوحدة بوصفهما إيديولوجية «القومية الصحراوية» الخارجة من رحم أزمة القوميات المغربية التي تتمركز في وسطها مشكلة الصحراء مجسدة الجرح النازف في خاصرة وحدة المغرب العربي التاريخية.



هوامش الفصل الثالث


(1) أنفاس، العدد المزدوج 7 و8 كانون الأول 1971 باللغة العربية في مقال بعنوان «فلسطين جديدة في أرض الصحراء».

(2) عبد الله العروي: الجزائر والصحراء المغربية منشورات سيرار، الدار البيضاء، 1976، باللغة الفرنسية ص 36.

(3) حول دستور الجماعة ونص الخطبة راجع ايتليو، المرجع المذكور، ص 195-198.

(4) السيد أحمد إبراهيم ولد البشير، رئيس المجلس الإقليمي لمدينة العيون والنائب في البرلمان المغربي، وسابقا نائب في الكورتيس الاسباني، قال لنا أن الأعضاء الستة اختلفوا حول سياستهم داخل الكورتيس. فمنهم من كان يطالب بالمساواة مع الاسبان، بينما طالب آخرون بتحديد دور مشاركتهم في المحافظة على سمعة السكان والدين الإسلامي في الكروتيس. أصحاب التيار الأول كانوا أصيلة ولد عبيدة، السويلم ولد أحمد الابراهيم وجولي ولد النن، وأصحاب التيار الثاني كانوا الثلاثة الباقين: خطري ولد سعيد الجماني وأحمد إبراهيم ولد البشير وبابا ولد حسنا.

(5) حسب ما جاء في كتاب أحمد بابا مسكي، ص 131.

(6) حول هذه المطالبة الصحراوية، راجع اتيليو، ص 222 وجريدة حزب الاستقلال الصادرة في اليوم التالي وكذلك تصريح علال الفاسي بهذه المناسبة. أما أحمد بابا مسكي فإنه يثبت هذه المطالب قائلا أن كلمة استقلال لم تلفظ، وان المطالب تمحورت حول احترام المبدأ المقبول رسميا (مبدأ المساواة والحريات)، والمطالبة بالحكم الذاتي الداخلي واحترام الشخصية الصحراوية التي برأي بابا مسكي تضمنت «التهديد المستقبلي للمشروع الاستقلالي»، ص 124.

(7) وخاصة كتاب أحمد بابا مسكي المذكور، الذي يتحدث عن محاولات الوالي «المغربية» بشكل مزاجي ولا يشير إلى هذه المذكرة لا من قريب ولا من بعيد، كما لا يخفي موريتانيته عندما ينحاز بشكل واضح لمجموعة الزويرات وفي الصفحات 138-148 من كتابه، يمكن قراءة تاريخ بابا مسكي لسياسة الوالي.

(8) نشرت صحيفة «الاختيار الثوري» النص الحرفي لهذه المذكرة على عدة حلقات في الأعداد رقم 19، 20، 21، 22، 23، 24، 25، من الجريدة المذكورة كما يمكن الحصول على النص الأصلي للمذكرة عن طريق مكتب لهذا التنظيم في الجزائر.

(9) يعتبر الأول مؤسس الجبهة وهو من قبيلة الرقيبات ومن مواليد الطان طان، عاش ودرس في المغرب. أما الثاني فهو من قبيلة توبالت درس في المغرب وانتقل منه إلى موريتانيتا وهو حاليا رئيس الجمهورية الصحراوية واشتغل الثالث في الجيش الملكي المغربي برتبة معاون أول وهو من الرقيبات ويشتغل حاليا منصب وزير الدفاع أما الآخر فهو يشتغل منصب وزير الداخلية للحكومة الصحراوية وهو أيضا من قبيلة أزرقيين.

(10) في منتصف الستينات كان احمد بابا مسكي مندوب موريتانيا في الأمم المتحدة وكان من القائلين بموريتانية الصحراء الغربية، وفيما بعد عمل مع البوليزاريو وفي الحكومة وهو من أكثر أعضاء البوليزاريو السابقين تحمسا لقيام دولة الشعب الصحراوي؟ أما حاليا فهو خارج النشاطات السياسية. أما إبراهيم الحكيم فهو «موريتاني» ويشتغل حاليا منصب وزير الخارجية في الحكومة الصحراوية، ومن المتمسكين بخط بابا مسكي الصحراوي. أما محمد ولد السالك (وزير الإعلام الحالي) فهو من قبيلة تيدراين وقد درس في المغرب وفي فرنسا (بمنحة مغربية) وعندما بدأت الحركة تنمو سافر إلى جزر الكناري ومنها دخل إلى موريتانيا.

(11) أخذنا النصوص المذكورة عن الطبعة الخاصة بالمؤتمر الثاني، مؤتمر الشهيد عبد الرحمن عبد الله، الصادرة عن مكتب الجبهة في طرابلس الغرب، بتاريخ 20 أيار/مايو 1976.

(12) نقلا عن مجلة «20 ماي».

(13) نقلا عن «الصحراء الحرة» العدد الصادر بتاريخ 20 آذار/مارس 1976.

(14) نقلا عن مجلة «20 ماي».

(15) وذلك بعد قراءتنا لكافة أعداد جريدة «الصحراء الحرة»، ومجلة «20 ماي»، والوثائق التي قدمتها الجبهة إلى الأمم المتحدة خاصة، ومقررات مؤتمراتها الوطنية وبياناتها التي لا تعدّ ولا تحصى.



0 قطر تجبر المغرب على التعادل السلبي ودياً
0 مرحلة التفكير قبل النوم من أخطر الوسائل السلبية على الإنسان
0 أمثال وحكم وعبارات ومصطلحات من اللغتين الألمانية والعربية "7"
0 مواضيع الكاتب السوداني عمر عيسى محمد في المنتدى العام
0 أمريكا تتجسس علينا
0 حسناوات بلجيكا "يدنسن" مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء
0 سلسلة تعلم الالمانية بالصور
0 قصص واقعية الفشل,خطوات من الفشل,قصص نجاح المشاهير, كيف تتعلم من فشلك , مقطع فيديو
0 اجتماع طارئ لقادة الدول الافريقية
0 رونالدو غير مرتاح في ريال مدريد ويريد المغادرة
0 أياكس يضعف من فرص السيتي في صراع مجموعة الموت وينتعش بأول ثلاث نقاط بدوري الأبطال
0 دروس تعلم اللغة الفارسية (الدرش الثالث عشž
0 حادث احتراق مصنع الاسفنج
0 مورينيو: رونالدو من كوكب آخر وعدم فوزه بالكرة الذهبية
0 حرق مقر النهضة بتونس بعد اغتيال البراهمي

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-24-2013 الساعة 11:52 PM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية أعد لي هويتي/ للكاتبة أنجال صمتي قاهرهم منتدي الروايات - روايات طويلة 33 09-06-2013 09:39 AM
الأدب و الشعر السعودي lovelyhaneen قسم المسابقات الشعريه 7 06-09-2013 07:21 PM
التعريف بالقرآن الكريم ميشو707 المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 3 08-28-2012 11:21 PM
احصائيات القران علي فائق المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 9 12-11-2011 09:49 PM


الساعة الآن 04:12 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.