قديم 09-24-2013, 08:43 PM   #16
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 33
المشاركات: 17,075
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 25
د/روليان غالي will become famous soon enough
الفصل الرابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي/علي الشامي




الفصل الرابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

اسبانيا: الاستعمار الطويل الأمد
الاحد 5 كانون الأول (ديسمبر) 2010

علي الشامي


اضغط هنا لتكبير الصوره

الصحراء بين الجمهوريين والملكيين [ صفحة 1 ]
ثروة الصحراء وثروة المحيط [ صفحة 1 ]

من سقوط الأندلس إلى القرن التاسع عشر

عندما انهارت إمبراطورية الموحدين عام 1269م اعترى المغرب العربي قلق عام وجد تبريراته بظهور خطرين: الأول تدهور قوة الغرب العربي الداخلية وازدياد حالة التفكك ونشوء الإمارات، والثاني انعكاس الضعف الداخلي على وضعية الأندلس، ووضع المغرب العربي في مواجهة إمبراطورية مسيحية تتسم بالنمو والوحدة. ظهر الضعف الداخلي بسرعة من خلال تعددية مراكز السلطة (بنو مرين في المغرب الأقصى، بنو زيان في الجزائر، بنو الأحمر في الأندلس) وأخذ شكل علاقات متناقضة ومعقدة وتحالفات متغيرة كانت تدفع زيان لمحاربة المرينيين أحيانا، وتدفع بني الأحمر للتحالف مع ملوك قشتالة ضد السلطان المريني تارة، ومعه ضد القشتاليين تارة أخرى.

في محاولة لجمع شتات الإرث الموحدي وتحصين «الإسلام» من الأخطار المتأتية من وراء جبل طارق، سارع المرينيون للتقدم نحو شبه الجزيرة الايبرية وفي رأسهم تقوية النفوذ الإسلامي المواجه لطنجة وإبعاد الخطر المسيحي. تقدمت الجيوش المرينية ووصلت إلى شريس (1275) واشبيليا (1276) وقرطبة (1277) والجزيرة الخضراء (1280) وتوقفت عند طليلطة عام 1283. تمّ إبعاد الخطر المسيحي على قاعدة تحالف بني مرين وبني الأحمر، وعودة نفس الخطر تمّ على قاعدة تحالف بني الأحمر وملوك قشتالة، في الوقت الذي كان فيه المرينيون، ولمدة سبعين عاما، يخوضون حروبا متواصلة مع بني زيان في شرق المملكة. ومنذ تلك الفترة والتنافس على جبل طارق يدخل دوامة الهزيمة والانتصار: عام 1295 يحتله الاسبان وعام 1310 يسترجعه أبو الحسن المريني «بعد أن انفق عليه الأموال وصرف إليه النجد والحشود واهتم ببنائه وتحصينه وانفق عليه أحمال المال في بنائه، وحصنه وسوره وبنى أبراجه وجامعه ودوره ومحاربيه، وجعل له سورا يحيط به من جميع الجهات...» (1)

وسط هذه المعادلة، كانت بوادر إستراتجية غربية قد بدأت تتكون على قاعدة التدخل في الجانب الجنوبي من الأبيض المتوسط والأطلسي، ومحاصرة الخطر الإسلامي المنتشر في تخوم شبه الجزيرة الأيبيرية منذ وصول طارق بن زياد إليها. قامت الإستراتيجية الفتية على قاعدة تحرك متواصل الخطوات: توحيد شبه الجزيرة الأيبيرية (البرتغال واسبانيا)، عزل بني الأحمر في الأندلس وطرد المسلمين من مواقعهم داخل اسبانيا، التقدم واحتلال المناطق الساحلية لافريقيا الشمالية المواجهة لشبه الجزيرة.

تمت الخطوة الأولى بإشراف الكنيسة الكاثوليكية، وبدأت بوحدة الممالك الصغيرة في استورياس وأراغون وقشتالة وانتهت باتفاقية 1494 في طورديسياس التي مهدت لقيام سياسة مشتركة لتقسيم افريقيا عام 1509، والتي أخذت شكلها الكامل بقيام وحدة شبه الجزيرة الأيبيرية تحت عرش فيليب الثاني ملك اسبانيا عام 1580. الأمر الذي أنتج اسبانيا موحدة وقوية في وجه مغرب مفتّت، انهارت قواه بشكلٍ متسارع بعد فشل مشروع أبي الحسن المريني الوحدوي.

الخطوة الثانية تأثرت بالخطوة الأولى (تضييق النفوذ العربي إلى حدود غرانطة) واعتمدت عليها للدخول في تناقضات بني مرين وبني الأحمر، حيث كانت قوات الكاثوليك تتقدم باتجاه الشواطئ المغربية معتمدة على حياد بني الأحمر: محاولات احتلال سسلا عام 1260، والعرائش عام 1270 ووادي مرتيل 1400، والاحتلال الفعلي لجبل طارق والجزيرة الخضراء بعد احتلال طريف عام 1233 واقتحام سبتة عام 1304. أما بنو الأحمر أنفسهم فقد كانوا يتبعون سياسة تحالفات غير ثابتة، تختلف فيها هوية الحليف حسب الوضع وليس المبدأ، مما أدخلهم في مأزق حاد انتهى بالقضاء عليهم وطردهم نهائيا. التحالف مع بني مرين ضد ملوك قشتالة كان يعني تقوية نفوذ المرينيين في الأندلس (غرناطة، مالقة، الجزيرة الرندة)، التحالف مع القشتاليين كان يعني البقاء داخل شبه الجزيرة بدون حليف إسلامي. إضافة إلى ذلك كانوا يدخلون في تناقضات القشتاليين أنفسهم بمغامرات كانت غالبا غالية الثمن (دعم سانشو ضد أبيه في الصراع حول السلطة، هزيمة سانشو أصابت بني الأحمر...). أما المغرب المريني الذي كان الطرف الوحيد القادر على دعم الوجود العربي في الأندلس، فقد عاش هو الآخر حالة انحسار. لقد أنهكته الحروب الدائمة مع بني زيان وتقلبات سياسة بني الأحمر «فتوقف عن التدخل في الأندلس مدة طويلة منذ تنازل يوسف المريني لابن الأحمر عن الرندة في (692 هـ. 1295 م)». (2) ومنذ تلك الفترة وبنو الأحمر يتلقون ضربات متواصلة من ملوك الكاثوليك...

الخطوة الثالثة دخلت حيز التنفيذ اثر قيام الوحدة البرتغالية-الاسبانية، إذ أن إستراتيجية احتلال الشواطئ المغربية شكلت مادة الدفاع الأساسية عن هذه الوحدة المسيحية المواجهة لإسلام دائم الاستنفار، يتذكره بمرارة ملوك شبه الجزيرة منذ رحلة يوسف بن تاشفين الحربية إلى انتصار يعقوب بن عبد الحق. في مطلع القرن الخامس عشر بدأت هذه الإستراتيجية تأخذ صيغة الاحتلال المباشر، ومنذ ذلك القرن والاستعمار الاسباني-البرتغالي (الذي أصبح في عهد فيليب الثاني اسبانيا) يرسخ وجوده في تخوم المغرب الأقصى الشمالية والجنوبية ويتقدم نحو الشرق (الجزائر وتونس وليبيا) بخطى حثيثة ليخوض معارك متواصلة مع الأتراك كانت أطولها معارك السيطرة على وهران... «وبنوع من التنسيق اتجه البرتغاليون إلى سبتة (1415) والقصر الصغير (1458) وأصيلا وطنجة (1471) ثم أنفا، وبعض سواحل سوس، وفي 1502 نزلوا بالجديدة، وفي 1412 آسفي وفي 1515 المهدية... واتجه الاسبانيون شرقا إلى مليلية (1497) وباديس (1508) ووهران (1509) ثم سلمت لهم في 1560 حجرة النكور، وبعد ذلك بزمن طويل تم لهم النزول في ارخبيل الجعفريات المقفر، وكل هذه المواقع باستثناء الثغور الجزائرية والتونسية ما زالت بيد الاسبانيين حتى اليوم» (3).

في نفس الفترة، بدأت عمليات التدخل الاسباني في الصحراء الغربية. ففي عام 1405، قام الاسبان بأول غزو ونهب لقافلة قبيلة التكنة وذلك في عملية بحثهم عن الذهب والعبيد. قاد الغزو الأول نورماندي من لانزاروت يدعى جان دي بتنكور، والذي يطلق عليه مؤرخو اسبانيا لقب ملك الكناري... وفي أواسط القرن الخامس عشر بدأت اسبانيا تقترب من وادي النون ووادي درعا والساقية الحمراء، وتؤسس مقرا حضريا (عبارة عن مرفأ وقرية) في سيدي ايفني (سانتا كروز دي ماربيكينا). تحول هذا المقر إلى قاعدة لانطلاق العصابات المسلحة نحو داخل الأراضي المغربية للتمكن من مهاجمة القوافل الصحراوية ومخيمات الرحل وللحصول على العبيد الذين يجري إرسالهم بعد اعتقالهم إلى جزر الكناري للعمل في مصانع السكر... ومنذ ذلك الوقت والتدخل الاسباني الحثيث يتواصل ويتسع، كان يعرقل تقدمه باستمرار مقاومة عنيدة من القبائل الصحراوية (4). إذن، منذ سقوط إمبراطورية ابن تومرت والسياسة المغربية لاسبانيا تقوم على أساس التقدم والاحتلال. فشل محاولات القرنين الثالث عشر والرابع عشر كان حالة استثنائية في معادلة غير متكافئة بين مغرب يعيش حالة انحطاط وغرب كاثوليكي يتجه نحو وحدته وتعاظم قوته. إستراتيجية القرن الخامس عشر كانت انعكاسا لسياسة التوسع التي أخذت صيغة احتلال ثابت (وهو ما سيطلق عليه بعد الثورة الصناعية مصطلح الاستعمار) رسم منذ ذلك العهد الخطوط العريضة لإستراتيجية غربية قائمة على العنف والتوسع والاحتلال.

غير أن معطيات التقدم الوسيطي (من العصر الوسيط) اختلفت مع معطيات التدخل الاستعماري في القرن التاسع عشر وإن حافظت أشكال السياسة ومظاهرها على نفس السمات. فالاحتلال الاسباني لمدينة سبتة الذي تم بالحيلة (5) أخذ شكل زحف عسكري واضح إلى تطوان والناضور والحسيمة والداخلة والساقية الحمراء والطرفايا منذ القرن التاسع عشر. وبالتالي، فإذا اختلفت الطريقة والمسببات فإن النتيجة ظلت واحدة: الاستعمار. لذلك، ومن 1415 إلى 1975، فإن إستراتيجية اسبانيا الاستعمارية الطويلة الأمد تعلن أنها الأكثر ثباتا. نقطة ضعفها الوحيدة كامنة في كون من رزحوا تحت الاحتلال انتهوا بوطنية مغايرة لوطنية الانكليز الذين أصبحوا استراليين أو الاسبان الذين اصحبوا برازيلين أو أمريكيين...

وأكثر من ذلك، فإن هذا الاستعمار لا يزال لغاية الآن طويل الأمد، فالمناطق التي احتلتها في شمال المغرب لا تزال تحت السيطرة، ويمكن أن تظل كذلك فترة طويلة لا يوقف عمرها سوى قرار مغربي يتعارض مع منطق الاستعمار «الصديق» ليفتح ملف التحرير، الذي يشكل بعد بعدم تمامه نقطة الضعف القاتلة في إستراتيجية التوحيد الوطني لسلطان المغرب الحالي.

أما الصحراء الغربية فإنها تدخل في سياق إشكالية أخرى، مستقلة نسبيا ولكنها جزء أساسي في تاريخ هذا الاستعمار الطويل الأمد، الذي سيبدأ تاريخه المعاصر بالظهور في أواسط القرن التاسع عشر، حيث ستتحول اسبانيا إلى محور أساسي وفاعل في بنية المسألة المغربية عامة وقضية الصحراء الغربية بشكل خاص.

خمسة قرون تفصل بين محطات هذا الاستعمار. اسبانيا القرن التاسع عشر قد تكون استمرارا لاسبانيا ايزابيل، شرط أن تتوضح الفوارق على المستوى التاريخي وعلى مستوى الحالات العينية. يمكن الفرق الجوهري الأول في كون الإستراتيجية الوسيطية قائمة على منطق الدفاع وإخراج المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، وبالتالي فإن نقط الاحتلال يغلب عليها طابع الوقاية. ذلك أن عمليات الاحتلال التي استمرت قرونا طويلة (من القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر) لم تكن هادئة إطلاقا، وفي كل مرة كان الإجهاض يواجه حملة اسبانية كانت النتيجة تقدما مغربيا إلى ما وراء جبل طارق، بمعنى آخر، أنها سياسة إضعاف الآخر لإنهاء خطره. في القرن التاسع عشر تحولت هذه السياسة لتصبح إضعاف الآخر لإلحاقه أي إخضاعه وتذويبه في حضارة أخرى. قد تكون عملية ثأر من إلحاق قديم، ولكنها لن تكون أبدا دفاعية. الفرق الجوهري الثاني يكمن في كون اسبانيا القرن التاسع عشر داخلة في مشروع استعماري، واجهته الإيديولوجية حضارة ومدينة وعمقه الفعلي السيطرة على الأسواق في مرحلة تنفيس الغرب لأزمته الاقتصادية. قد لا يتناقض التكتيك ولكن الأهداف مختلفة.

مغرب قوي أنهك اسبانيا ضعيفة في القرون الوسطى، واسبانيا قوية أنهكت مغربا ضعيفا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. والسنوات الطويلة الفاصلة بين معادلتي القوة شكلت تجربة مليئة بالدروس، يتداخل فيها صراع الحضارات، وأزمة المغرب العربي الداخلية، ونمو أوروبا الصناعية... وبسبب ذلك، كانت هذه السنوات متوترة لا تحكمها حالات ثابتة وإن ضبطها سياق تاريخي قائم على تقدم حثيث من أوروبا نحو الجنوب المواجه لفرنسا واسبانيا وايطاليا. ليس في وسعنا إدخال هذه المسألة في مجال دراستنا هذه، إذ أنها، رغم أهميتها، تدخل في إطار آخر يجعل من قضية الصحراء عملا ثانويا بالقياس إليها، فهي جزء أساسي من تاريخ العلاقات السياسة بين الشرق والغرب، وليست مجرد إطار لسياسة اسبانية في المغرب العربي.

ولكننا رغم ذلك نقر بوجود سياسة مغربية لاسبانيا، لا تقلل من أهميتها قرون الانقطاع. فالمغرب كان تاريخيا الهم الأول لاسبانيا، سواء المغرب الأقصى لوحده بما يمثله من حدود ساحلية، أم المغرب العربي بما يمثله من منطقة نفوذ وصراع دولي وسوق تفتح الشهية، أو أخيرا الوطن العربي وافريقيا بما يمثلانه من مجال حيوي غني بالموارد وأساسي لتحصين التوازن-الصراع العالمي.

وفق هذا السياق يغدو من الصعب التميز بين سياسة اسبانيا المغربية وسياستها الصحراوية، فالإستراتيجية واحدة والتمايزات الجغرافية لاحقة ومتأخرة، وتخضع لاعتبارات عديدة أهمها المصالح الاقتصادية والجغرافية-السياسية لاسبانيا في المغرب العربي وخاصة سواحل المتوسط والأطلسي والممرات الداخلية للتجارة الافريقية. تبعا لذلك فإن سياسة الحفاظ على المواقع الاسبانية في المغرب شمالا وجنوبا، قديما وحديثا، تدخل في صلب هذه الإستراتيجية. أما التكتيك فإنه يحتمل تعددية في الأشكال، وفواصل في «الجغرافيا»، وتحدد قوانين موازين القوى الأوروبية، أولا، والمصالح الاسبانية ثانيا، والصراع مع المغرب الأقصى ثالثا، والأوضاع الداخلية في اسبانيا رابعا... أي أن التكتيك يتعدد بينما الإستراتيجية واحدة، يتكيف مع العوامل الطارئة ويحولها في خدمة المشروع الاستراتيجي: النهب والسيطرة. فالصحراء الغربية (التي لا تزال خارطات الغرب تسميها الصحراء الاسبانية) اعتراها ذهول سياسي من سرعة تغيير هويتها الوطنية من قبل اسبانيا، فهي مرة مغربية، ومرة اسبانية، أحيانا موريتانية وأحيانا أخرى صحراوية... تتبدل «الهوية» حسب المرحلة، وبالتالي فإن ضبطها لكشفها وتفصيلها وتأريخها يستلزم مراجعة للمراحل التي جرت خلالها منح الهوية المذكورة.

قبل عرض هذه المراحل، نرى من الضروري تقديم ثلاث ملاحظات تذكيرية:

1- بدأ الاهتمام الاسباني بالمغرب يأخذ منحى جديا، وعلى شكل استعمار، منذ أواخر القرن الماضي وخاصة بعد هزيمة اسبانيا في أمريكا الجنوبية التي كانت ولسنوات طويلة وجهة سير المستوطنين الاسبان. فهزيمة اسبانيا في كوريا عام 1898 أنتجت أزمة داخلية أسفرت بدورها عن نمو اتجاه سياسي يطالب باستعمار افريقيا بهدف التعويض عن الخسارة الكوبية. أدى ذلك إلى تقوية المحاولات الأولى لسنوات القرن التاسع عشر وتطويرها وتكثيفها بشكل أصبحت فيه هذه المحاولات نفسها السياسة اليومية لاسبانيا. 2-

2- ارتبط الاهتمام تحديدا بعاملين أساسين: عامل الأمن الاستراتيجي لاسبانيا من ناحتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، حيث أن أية قوة أوروبية بحرية متواجدة في المغرب قادرة على تهديد اسبانيا والسيطرة على أطرافها الجنوبية خلال ساعات.

وعامل المصالح الاقتصادية وخاصة طرق المواصلات التجارية وثروات الأطلسي البحرية (وهذا ما يفسر أهمية احتلال سبتة ومليلية في الشمال والتقدم نحو ايفني والداخلة في الجنوب منذ خمسة قرون) التي أخذت شكل نهب الثروات السمكية غير المستغلة من قبل سكان سواحل الأطلسي الجنوبية خاصة (الصحراء).

3- اصطدمت اسبانيا في سياستها المغربية بفرنسا التي كانت تتمتع بنفوذ قوي في افريقيا، والتي كان من الصعب على اسبانيا حسم معركتها نهائيا معها، وخاصة في ظروف تواجد منافسين آخرين كألمانيا وبريطانيا، هذه الوضعية دفعت اسبانيا وفرنسا أيضا الانتهاج سياسة مشتركة قائمة على المساواة والتقسيم في المغرب، مما انتج توقيع على أربع معاهدات الهدف منها تقسيم المغرب والحيلولة دون قدوم شركاء أوروبيين آخرين إلى مدخل افريقيا الغربي. وعلى هذا الأساس تم التوقيع على معاهدة 27 حزيران/يونيو 1900 ومعاهدة 1902 ومعاهدة 3 تشرين الأول/أكتوبر 1904، والمشاركة في مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906، وأخيرا معاهدة 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1912 (6).

تعددية المعاهدات كانت تعني تلطيفا لحركة التنافس الاسباني-الفرنسي ومراجعة دائمة لنقاط التقسيم (الحصص الجغرافية) التي تمليها التطورات وموازين القوى.

فالمعاهدات كانت تعكس طبيعة الخلافات وتحول دون انفجارها النهائي. أهم نقطة أبرزتها هذه المعاهدات هي اعتراف الدولتين بالمغرب الواحد من المتوسط على سبتة إلى الأطلسي المحاذي لنهر السنغال، وخاصة اسبانيا، ذات التواجد التاريخي، والتي قال مندوبها في مؤتمر الجزيرة الخضراء، «إننا عندما نتخذ وحدة تراب السلطة المغربية كأساس لمناقشاتنا نعترف صراحة بأنه رغم الاختلافات الجغرافية والعرقية والروابط الإدارية فإن مختلف أجزاء السلطنة المغربية تؤلف وحدة تجعلها مترابطة الواحدة مع الأخرى» (7).

هذا الاعتراف كان تكتيكا من قبل الطرفين اللذين اعتمدا على وحدة المغرب للحدّ من نفوذ بعضهما البعض. أما استراتيجيا فقد كانا يعملان على تقسيم المغرب وتجزئته للحيلولة دون قيام دولة قوية مستقلة ومترامية الأطراف تتعارض سياستها مع مصالحها وتفرض نفوذها على أبواب افريقيا ومداخل فرنسا واسبانيا البحرية.

هذه السياسة جرى عرضها تفصيليا في الفصل الأول، ولذلك فإننا سنتجاوز تلك المرحلة أي مرحلة ما قبل الحماية لغاية 1934 (سنة إسكات حركة الاحتجاج الشعبي السياسي والمسلح ضد الاحتلال والتقسيم في الشمال والجنوب على حدّ سواء)، وسوف نقسم المراحل الباقية إلى ثلاث: مرحلة 1934-1956، مرحلة 1957-1970 ومرحلة 1971-1976.


الصحراء بين الجمهوريين والملكيين


اهتمام اسبانيا المتزايد بمستعمراتها الافريقية، وبشكل خاص المغربية، ترافق مع أحداث داخلية بدأت عام 1909 مع أحداث برشلونة ووصلت إلى ذروتها في بداية الثلاثينات (8). ظلت الانتفاضة الشعبية، التي انطلقت من الصحراء عام 1905 ومن الريف عام 1919، تقاوم بعناد وتصميم محاولات التدخل الفرنسي-الاسباني المشترك، إلا أنها كانت قد انحنت تدريجيا مع انطفاء حركة الصحراء عام 1917 وثورة الريف عام 1925 وسارت باتجاه تراجعي كان يمهد لسيطرة استعمارية هادئة نسبيا. غير أن بوابة الثلاثينات شهدت تطورا داخليا في اسبانيا تمثل بانتصار الاشتراكيين في انتخابات عام 1931 وإعلان الجمهورية لأول مرة في مملكة الكاثوليك. تكمن أهمية هذا التطور في قيام تجانس فرنسي-اسباني تمثل على المستوى الإيديولوجي-السياسي (الحكم الجمهوري) وانطباعات المستعمرات بقرب استقلالها- لأن التيار الاشتراكي يؤدلج الحريات، فإنه على صعيد الواقع كان هناك تناقض بين ما يقوله الرسميون «اشتراكيا» وما ينفذه العسكريون ورجال الأعمال «استعماريا».

بدأ الاشتراكيون عهدهم بفتح علاقات جديدة مع المغرب تحت شعار التخلي عن المستعمرات، يقابله ضرورة وقوف المغرب إلى جانب الجمهوريين في حالة نشوب حرب أهلية في اسبانيا، غير أن أهداف الفعل الاستعماري كانت لا تتناقض مع مصالح الحكم الجمهوري (فالجمهورية والاشتراكية في فرنسا استمرتا على نفس السياسة الاستعمارية)، بل العكس، فالتخلي عن مواقع النفوذ سوف ينذر بمضاعفات داخلية، أولها تفاقم الأزمة الاقتصادية التي ستتمحور حول التراكم وعودة المعمرين وفقدان الأسواق ووضع اسبانيا في مواجهة غير متكافئة مع منافسين أوروبيين. لذلك، فإن الصراع «الاشتراكي» مع الدول الكبرى على مناطق النفوذ، وكون الوجود الاسباني العسكري والبشري والديني المحاذي للمغرب معاديا للجمهورية، يضاف إلى ذلك العامل الداخلي الذي انفجر مع انقلاب الجنرال فرانكو عام 1936 وبداية الحرب الأهلية الاسبانية (حيث اتبع قادة الملكية أسلوب إشراك المغاربة في الحرب ضد النظام الجمهوري والاشتراكيين) كلها عوامل لا تشجع أبدا على تطبيق ما يقوله الإيديولوجيون الاشتراكيون.

عرفت هذه الفترة ثلاثة مواقف. 1- موقف إيديولوجي دعائي عبر عن نفسه مرة في مقررات المؤتمر الثالث عشر للحزب الاشتراكي الاسباني الحاكم الذي انعقد في تشرين الأول/أكتوبر عام 1932 والذي طالب بالتخلي عن المغرب وتسلميه لجمعية الأمم. ومرة ثانية عندما أعلن الزعيم الاشتراكي ايندالاثيو برييطو موقفا من الاستعمار إذ قال في خطاب له:

«يا مواطني العالم من فرنسيين وانكليز وأمريكيين من الولايات المتحدة إن لكم أساطيل وقوات مسلحة كبيرة تحافظون بها على مواقعكم فيما وراء البحار، وإنكم بذلك تثقلون كاهل دافعي الضرائب بنفقات تسحق الجماهير، أما اسبانيا فلا تريد أن تسيطر، وليست لها أحلام امبريالية وقد وضعتموها بدون شك في الساحل الشمالي لافريقيا كحارسة على الفريسة المغربية مخافة أنة تهب للانقضاض عليكم، لكننا لا نريد هذه السيطرة على المغرب، ان اسبانيا تستطيع أن تقول للعالم يا جمعة الأمم تكلفي أنت بنفسك بالحماية، فهي قد كلفتنا انهارا من الدماء وآلافا من الموتى وإفقار لبلادنا....» (9).

2- وموفق سياسي-استعماري عبّر عن نفسه من خلال استمرار مخطط التدخل في الشمال والجنوب وملاحقة الثوار، وخاصة في الصحراء، الذين كبدوا اسبانيا خسائر كبيرة ذكرها الزعيم الاشتراكي في خطابه والتي وصلت إلى درجة دفعت الجمهوريين إلى طرح موضوع تبديل مناطق النفوذ مع اشتراكيي فرنسا في ذلك العهد، بحيث تحصل اسبانيا على مدينة طنجة مقابل تنازلها عن وادي الذهب (صحيفة الـ سول Elsol) الاسبانية ذكرت تفاصيل الاقتراح في عددها الصادر في 2 آب/أغسطس 1933) كما عبّر عن نفسه أيضا من خلال تكثيف حركة الاستيطان وتعزيز وضع المستعمرين. فالعهد الجمهوري شهد «بداية الاستيلاء على الأراضي الفلاحية وإسكان المعمرين الاسبان في المنطقة بكثافة» (10) وبناء مدينة العيون التي تحولت إلى مركز قيادي للمنطقة وأهم تجمع حضري منذ 1937.

3- وأخيرا موقف دبلوماسي مناور قام على أساس الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية وعلى أساس توكيل أمرها لجمعية الأمم وليس للسلطان المغربي. وطابع المناورة متأتٍ من عملية التوكيل نفسها، فالجمعية الدولية كانت في تلك الفترة أشبه بقاعة اجتماعات يجري بداخلها تشريع التقسيم الاستعماري الثالث، وبالتالي فإن «الوكالة» المطلوبة تهدف مباشرة عدم السماح لأصحاب الأرض الشرعيين بالسيادة والاستقلال.

ولكن أهمية الموقف ترتبط بتناقضات السياسة الاسبانية نفسها، ليس من ناحية تكتيك التخلي «الإيديولوجي» عن المستعمرات ولا من ناحية «الحماية الدولية» بل تحديدا، من ناحية القول بمغربية الصحراء، الذي سوف تناقضه السياسة الاسبانية نفسها في ظروف أخرى.

لم يكن الإقرار بمغربية الصحراء جديدا، فقد نصت عليها الاتفاقيات الفرنسية الاسبانية ومؤتمر الجزيرة الخضراء، ولكنه في عهد الجمهوريين اخذ طابعا رسميا إذ نشرت الحكومة الاشتراكية مذكرة حول الصحراء، جاء في بندها الخامس ان «الهيئات الحكومية القائمة في الصحراء ومنطقة ايفني تابعة بشكل مباشر إلى الهيئات الحكومية في تطوان وخليفة السلطان المغربي» (11) وتعرض لها الزعيم الاشتراكي في خطابه الشهير.

إذن لم يغير الطابع الجمهوري للسلطة من طبيعة الإستراتيجية الاستعمارية لاسبانيا، والتي ستظل على حالها رغم انقلاب فرانكو والحرب الأهلية (1936-1939) التي شارك فيها المغاربة بجانب الملكيين متأملين من ذلك الحصول على الاستقلال في حالة انهزام الجمهوريين، خاصة وان الجنرال فرانكو كان يردد، منذ بداية الحرب الأهلية:

«سيقتطف المغاربة معنا حينما نتمكن من النصر أينع الزهور» (12).

كان الملكيون يراهنون كثيرا على الدعم المغربي والإسلامي بشكل عام للخروج منتصرين من اعنف حرب أهلية عاشتها اسبانيا. قامت المراهنة على أساس تجانس إيديولوجي، فالعالم الإسلامي الرافض لسياسة العلمنة كان يتعامل بحذر مع الاشتراكيين الذين لم يتعاطوا بدورهم مع هذا العالم بصيغة مقبولة.

لذلك عمد فرانكو للدخول من هذه الثغرة وتقوية جبهته الداخلية بحلفاء خارجيين، وأهم هؤلاء المغاربة ومن ورائهم العالمان العربي والإسلامي. ففي آب/أغسطس عام 1938 ووسط لهيب الحرب الأهلية بعث الجنرال فرانكو، من مقر الحكومة الانقلابية في بورغش، قبل الاستيلاء على مدريد رسالة إلى رئيس جمعية الشبان المسلمين في القاهرة عبد الحميد سعيد ابرز فيها التقاء الروحانية الإسلامية العتيقة مع الثقافة الاسبانية الأصيلة، وأكد أن حماية اسبانيا لجزء من المغرب «لا تشبه تلك السياسة التي تخبئ تحت قناع حريري» وهاجم بشدة «مادية المذهب اليهودي الفاسدة» وتناولت الرسالة بوجه خاص الوضع في منطقة الحماية الاسبانية، إذ جاء فيها حرفيا:

«فاسبانيا التي أحست من أعماقها بقضايا هذا الشعب لا تلازم عدم المبالاة أمام مطالبه الشرعية لأنها تضيف الآن إلى أجيال الثقافة المشتركة والى روابط الدم والتقارب روابط جديدة لا يمكن تفكيكها، وهي روابط الدم المسفوك معا في الدفاع عن العقيدة والروحانية (يقصد مشاركة الجنود المغربة الذين أرسلوا للقتال إلى جانبه في الحرب الأهلية)»، وتأمل اسبانية أن تحقق رغبات الشعب المغربي النبيلة دون أن تخالجها مطامع سافلة ولا استغلال دنيء لأن هذا يخالف روح شعبنا وميزات تاريخينا، فمنذ فجر حركتنا الوطنية المجيدة، لم تبرح باذلين كل جهودنا في إعداد الطرق الممكنة ليسير الشعب الشقيق إلى الأمام في سبيل النجاح والنهوض ويستعد لنيل رغباته الشريفة الرفيعة...» (13).

لقد كان القناع بالفعل «حريريا»، والوعد الاسباني «المؤمن» تحول إلى مخطط إحكام السيطرة على المناطق المغربية الواقعة تحت النفوذ الاسباني، وذلك ضمن سياسة الإلحاق التدريجي بالتراب الاسباني، أي تصفية مغربيتها وهويتها الوطنية. وقد بدأت هذه السياسة تكشف عن مضمونها لحظة احتدام التناقض مع الحكم الجمهوري في فرنسا الذي يدعم جمهوريي اسبانيا إذ أن الانسحاب الاسباني في المغرب كان يعني التخلي عن فريسة مربحة وتسليمها بدون عناء للخصم الفرنسي وبالتالي تحويل المغرب إلى دولة مواجهة معادية لاسبانيا، ليس فقط في كونها تحت السيطرة الفرنسية بل أيضا لان الفرنسيين سيتركون فيها أثرا «جمهوريا».

تكمن المناورة كلها في هذه المعادلة وتدعمها حجة أخرى تقوم على أساس رفض اسباني لحكم جمهوري في المغرب، وهو ما سيردده فرانكو غالبا بقوله «اننا لا نقبل للمغرب ما لا نريده لأنفسنا».

أنهت سنوات الثلاثين بسيطرة تامة على الصحراء الغربية، تعاملت على تسهيلها نتائج الحرب الأهلية وتغيرات النظام السياسي وعلاقاته مع فرنسا وتراجع المعارضة الشعبية الصحراوية أمام الاحتلال الاسباني، وخاصة بعد إخماد الحرب التي بدأها ماء العينين وأولاده منذ بداية القرن.

الملكيون الذين ادخلوا الصحراويين في جبتهم تحولوا بعد فوزهم إلى عداء سافر ليضعوا الصحراء الغربية وامتداداتها الشمالية تحت سيطرتهم السياسية والعسكرية والإدارية (14). سياسة ما بعد الحرب الأهلية تجاوزت دبلوماسية القول بمغربية الصحراء، كما تخطت ونسفت مضمون معاهدة 27 تشرين الثاني 1912 التي نصت في بندها الأول على استمرار «النواحي التي تشملها منطقة النفوذ الاسباني المبينة في البند الثاني خاضعة للسلطة المدنية والدينية للسلطان طبقا للشروط المنصوص عليها في هذا الاتفاق...».

على حساب السلطة التشريعية للملك محمد الخامس، عمدت حكومة ما بعد الحرب الأهلية إلى صياغة تنظيم إداري للصحراء بدأ تنفيذه عام 1940 والذي قسم منطقة النفوذ الجنوبية على الشكل التالي:

1- ايفني تحت إدارة مندوب للحاكم العام.

2- طرفايا منطقة حماية تحت إدارة هيئة جمهورية تابعة لإدارة تطوان.

3- الساقية الحمراء تحت إدارة مندوب الحاكم العام واعتبرت «منطقة احتلال حر».

4- وادي الذهب تحت إدارة مندوب للحاكم العام... (15).

شهدت سنوات الأربعينات هدوء وتعزيزا لوضعية الاحتلال الاسباني في الصحراء إلا انها تميّزت بأحداث تاريخية هامة أرغمت اسبانيا على تعديل سياستها وتكتيكها عدة مرات. ففي هذه الفترة كانت السياسة الاسبانية تتعامل مع «مغربية» الصحراء بوصفها مسألة بديهية، مدعية ان وجودها فيها مؤقت وبهدف الحماية، أما فعليا، فقد عرفت استمرارا لنفس الإستراتيجية وتنفيذا لمزيد من السيطرة على مناطق النفوذ الجنوبية ومتابعة تجريدها من مظاهرها الثقافية كاستتباع للتجريد الإداري. إلا أن هذه السياسة لم يحكمها جمود ولم تعرف ثابتا على المستوى العام وعلى مستوى العلاقات السياسية التي تأثرت بسبب عدة عوامل طارئة أهمها:

1- نشوب الحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها كل من فرنسا واسبانيا ولكن في خندقين متعادلين مما أسفر عن قيام تناقضات حادة بين منطقتي النفوذ الاسباني والفرنسي في المغرب.

أما المغرب نفسه فقد شهد فترة هدوء وترقب بانتظارها ما ستؤول إليه هذه الحرب، خاصة وان المغاربة الذين طالبوا بالاستقلال منذ 1944 كانوا مرغمين على انتظار نهاية الحرب وتطبيق وعود الحلفاء القائلة بإعطاء البلاد المستعمرة استقلالها السياسي.

2- التقارب المغربي-الاسباني الذي أعقب الحرب مباشرة والذي تجلى بوضوح منذ بداية الخمسينات آخذا شكل علاقات جيّدة بين حزب الاستقلال والحكومة الاسبانية.

أما ميدانيا، فقد عكس هذا التقارب نفسه على الصراع المغربي-الفرنسي إذ تحوّلت منطقة النفوذ الاسباني في الشمال إلى موقع خلفي لفدائيي جيش التحرير، ومصدر الحملات الإعلامية المغربية المعادية لفرنسا والمطالبة بالاستقلال. وكلما ازداد الصراع الفرنسي-المغربي حدة (بسبب سيطرة فرنسا على المدن الكبرى)، ازداد معه التقارب المغربي الاسباني الذي استمد قوته أساسا من التناقضات الفرنسية-الاسبانية الناتجة عن الحرب العلمية الثانية، والعداء الملكي لفرنسا لموقفها الأخير من الحرب الأهلية الاسبانية. وقد شهدت بالفعل سنوات الخمسينات الأولى تدهورا مستمرا في العلاقات الرسمية بين إدارة الحماية الفرنسية في الرباط وإدارة الحماية الاسبانية في تطوان.

زاد في تعميق هذه الخلافات وتقوية التقارب المغربي-الاسباني، السياسة الفرنسية في المغرب المعتمدة على نتائج الحرب العالمية، واضعة اسبانيا في المرتبة الثانية من اهتماماتها غير مكترثة بوجودها في منطقة الحماية الثانية، مما دفع اسبانيا إلى فتح معركة نفوذ في منطقتها. فكان تبعا لذلك تقوية التقارب المغربي-الاسباني، وبدء تجربة القوة بين فرنسا واسبانيا في عهد بالينيو عام 1953.

استفاد الطرف المغربي من هذه الخلافات واستعملها في تحقيق انتصارات جيش التحرير طيلة أعوام 1953-1955 التي انتهت بتراجع فرنسي وعودة الملك محمد الخامس من المنفى وتنازل فرنسا عن منطقة حمايتها للمغرب. أعقب هذه النتيجة إعادة نظر فرنسية بالوضع الاستعماري العام الذي استلزم عودة العلاقات مع اسبانيا إلى مجاريها مخافة أن يفقد الطرفان ما تبقى لهما من مناطق نفوذ، وخاصة في الجنوب وأقصى الجنوب الشرقي.

وسط هذه التطورات كان التكتيك السياسي الاسباني مرنا إلى أقصى الحدود ومشروطا بكون السياسة المغربية الاستقلالية لا تهدد النفوذ الاسباني ويكون الصراع المغربي-الفرنسي، السياسي والمسلح لا يطال الإستراتيجية الاسبانية بشيء. المرونة رافقها تعزيز السيطرة والاستفادة من التطورات ايجابيا. ووفق هذا السياق تندرج مجموعة من الأحداث التي يمكن من خلالها فهم سياسة اسبانيا الصحراوية من بداية الحرب الثانية إلى لحظة إعلان استقلال المغرب.

من ناحية أولى، عمدت الحكومة الاسبانية إلى تقسيم المنطقة الجنوبية إلى مناطق جديدة حسب تنظيم إداري آخر بدأ العمل به منذ بداية الخمسينات. وضع التنظيم الجديد المنطقة كلها تحت إدارة الحاكم العام للصحراء وقسمها إلى نقاط يصعب تحديدها بدقة على الأقل جغرافيا:

منطقة الطرفايا أصبحت تعرف باسم المنطقة الشمالية، الساقية الحمراء باسم المنطقة الوسطى ووادي الذهب باسم المنطقة الجنوبية.

وذلك أيضا ضمن مشروع استئصال نفوذ خليفة تطوان الإدارية، الذي وصل إلى ذروته عام 1954، ووسط احتدام حرب التحرير ضد فرنسا، حيث أعلنت الحكومة الاسبانية، مستفيدة من الظرف الموضوعي الملائم، عن ضم إقليم ايفني واعتباره إقليميا اسبانيا. وذلك وفق ما ورد في مرسوم الحكومة الصادر بتاريخ 20 نيسان/أبريل عام 1954.

من ناحية ثانية، حاولت اسبانيا الاستفادة من ضعف فرنسا في الشمال، فاعتبرت، اثر نفي فرنسا للملك محمد الخامس، ان النظام السائد في الرباط أصبح غير شرعي وبالتالي يغدو منطقيا فصل منطقة النفوذ الاسباني في الشمال نهائيا عن المغرب. وبالفعل، فقد أعلنت الحكومة الاسبانية انفصال منطقة نفوذها عن باقي المملكة بتاريخ 21 كانون الثاني عام 1954، ورافقته بمعركة حامية ضد حزب الإصلاح الوطني المغربي الذي كان ناشطا في البوادي والريف ومنعت تحركاته بالقوة، بحيث تُضعف حركة المطالبة بالاستقلال على غرار ما كان في منطقة النفوذ الفرنسي.

باءت هذه المحاولة بالفشل لأسباب عديدة منها رفض الأهالي ومفاوضات حزب الاستقلال مع اسبانيا. أنهت هذه المحاولة دون حصول الانفصال وبدون تصفية حزب الإصلاح الذي خفف نشاطه المعادي لاسبانيا في البوادي بعد توسط الخليفة السلطاني. بالمقابل حولت اسبانيا مشروعها نحو الجنوب وهذا ما ذكرناه آنفا.

من ناحية ثالثة، عمدت اسبانيا إلى تقوية وجودها السياسي والعسكري في مواجهة المد التحرري، حيث أبرمت مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية لإقامة قواعد عسكرية أمريكية فوق التراب الاسباني وذلك في شهر أيلول/سبتمبر 1954 بهدف تقوية الجهاز الدفاعي الغربي في حوض البحر الأبيض المتوسط ضمن حلقة متكاملة تمتد من المنطقة العربية شرقا إلى المنطقة الشمالية للأبيض المتوسط، وضمن هذه الإستراتيجية الدفاعية، كان ينبغي إبقاء السيطرة الاسبانية على سواحل الأطلسي الجنوبية وذلك للتخفيف من ضغط حرب التحرير المندلعة في شمال افريقيا ولحماية القواعد العسكرية الاسبانية-الأمريكية في جزر الكناري وحوض المتوسط.

من ناحية رابعة وأخيرة، أدى إعلان استقلال المغرب عن فرنسا في منطقة نفوذها، إلى إرغام اسبانيا على عقد اتفاق مع المغرب المستقل. في هذا الاتفاق كانت اسبانيا مرغمة على إعادة النظر في قراراتها السابقة المتعلقة بأسبنة الصحراء وعلى الاعتراف بالشرعية المغربية عليها وبأن وجودها في الصحراء مؤقت وللحماية فقط، وأنها سوف تعمل عن طريق المفاوضات على إنهائه في اقرب وقت ممكن.

عبر هذا الاتفاق عن نفسه بتوقيع معاهدة 7 نيسان/ابريل 1956 التي نصت على ما يلي: «ان الحكومة الاسبانية وصاحب الجلالة محمد الخامس سلطان المغرب رغبة منهما في الاتفاق على تعامل ودّي بشكل خاص، مبني على المعاملة بالمثل، وتقوية علاقاتهما الودية العريقة، وتمتين السلم في المنطقة التي يوجد فيها بلداهما، قد اتفقا على إعلان التصريح التالي:

1- ان الحكومة الاسبانية وصاحب الجلالة محمد الخامس سلطان المغرب، اعتبارا لكون النظام الذي أقيم في المغرب سنة 1912 لم يعد يلائم الواقع الراهن، يصرحان بأن المعاهدة الموقعة في مدريد في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1912 لم تعد صالحة لتنظيم العلاقات الاسبانية-المغربية.

2-ونتيجة لذلك، فان الحكومة الاسبانية تعترف باستقلال المغرب، الذي أعلنه جلالة محمد الخامس، وتعترف بسيادته الكاملة مع كل ما يلازمها من اختصاصات بما فيها دبلوماسية خاصة وجيش خاص، وتجدّد الإعراب عن عزمها على احترام الوحدة الترابية للإمبراطورية التي تضمنها الأعراف الدولية وتلتزم بأن تتخذ التدابير الضرورية لجعلها أمرا واقعيا.

3- تلتزم الحكومة الاسبانية أيضا بأن تقدم لجلالة السلطان المعونة والمساعدة التي يمكن أن تعتبر باتفاق بين الجانبين ضرورية وخاصة في ميدان العلاقة الخارجية والدفاع. وتهدف المفاوضات التي بدأت بمدريد بين الحكومة الاسبانية وصاحب الجلالة محمد الخامس سلطان المغرب، إلى الوصول إلى اتفاقات جديدة بين الدولتين الكاملتي السيادة والمتساويتين بغرض تحديد تعاونهما الحر في المجالات ذات النفع المشترك، وهذه الاتفاقات ستضمن على الخصوص بروح ودية بشكل خاص كما ذكر آنفا، حريات وحقوق الاسبانيين المستقرين في المغرب والمغاربة المستقرين في اسبانية، على المستوى الشخصي، والثقافي والاجتماعي، على أساس المعاملة بالمثل وفي إطار احترام سيادة الدولتين.

4- وفي انتظار أن تدخل الاتفاقيات المذكورة آنفا في حيز التنفيذ، اتفقت الحكومة الاسبانية وجلالة السلطان على أن العلاقات بين اسبانيا والمغرب ستبنى على مقتضيات البروتوكول الملحق بهذا التصريح.»

أما البرتوكول فقد تضمن النقاط الست التالية:

«السلطة التشريعية يمارسها بكاملها جلالة السلطان، وسيحاط ممثل اسبانيا علما في الرباط، بمشاريع الظهائر والمراسيم التي تخص المصالح الاسبانية وعليه أن يصوغ الملاحظات التي يمكن أن تظهر له.

2- السلطات التي كانت تمارسها حتى الآن السلطات الاسبانية في المغرب، تنتقل إلى الحكومة المغربية طبقا للشكليات التي سيتم إقرارها باتفاق مشترك، وستحفظ الضمانات التي يتمتع بها الموظفون بالمغرب.

3- تقدم الحكومة الاسبانية معونتها للحكومة المغربية لتنظيم جيشها، ويبقى النظام الحالي للجيش الاسباني معمولا به خلال الفترة الانتقالية.

4- تبقى الوضعية الحالية للبسيطة (العملة الاسبانية) بدون تغيير إلى أن يتم إبرام اتفاق جديد في هذا المجال.

5- بمجرد إعلان هذا التصريح تلغى التأشيرة أو أي شكليات إدارية كان يعمل بها حتى الآن لتنقل الأشخاص من منطقة إلى أخرى.

6- تستمر الحكومة الاسبانية في تحمل الحماية في الخارج، لمصالح المغربة المستقرين في الخارج، من أبناء المنطقة التي شملتها اتفاقية 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1912 إلى أن تتولى الحكومة المغربية تلك الحماية» (16).


الجدل المغربي-الاسباني وسياسة الإلحاق


أعقب الاستقلال اتجاه عام لاستكمال تحرير ما تبقى من مناطق تحت السيطرة الفرنسية والاسبانية، إذ أن جيش التحرير الذي تعامل مع الحكومة الوطنية قرر عدم إيقاف القتال حتى تحرير كامل التراب الوطني، الأمر الذي فتح أول ثغرة في الموقف المغربي.

أما اسبانيا، التي استفادت من صيغة الحماية التي أعطتها إياها معاهدة الاستقلال فقد اعتبرت نفسها خارج إطار حرب التحرير الدائرة ضد فرنسا في موريتانيا. لذلك سمحت، لغاية مطلع 1958، لقوات جيش التحرير بالمرور في الصحراء لتوجيه ضرباتها ضد القوات الفرنسية في أقصى الجنوب، وذلك وفق ما نص عليه البروتوكول المذكور والذي يلغي تأشيرات المرور من الصحراء إلى خارج منطقة الحماية أو من شمال المغرب إلى الصحراء.

بديهي أن يبعد هذا الوفاق خطر التحرير عن الصحراء ويبقي الإستراتيجية الصحراوية لاسبانيا بمعزل عن الأحداث المحيطة بمنطقة نفوذها. بيد أن هذه البداهة التغت فور بسط سيطرة جيش التحرير في عموم المنطقة الجنوبية-الشرقية، مما عجل بإنهاء الوفاق الاسباني-المغربي وإحياء التحالف الفرنسي-الاسباني، الذي عبر عن نفسه بالهجوم المشترك في شباط 1958، والذي أسفر عن تكبيد جيش التحرير خسائر فادحة، وتدمير المنازل وقتل الحيوانات بوحشية. وفيما بعدـ أثبتت طبيعة هذا الهجوم أن غايته تكثيف الهجرة إلى خارج الصحراء، والتقليل من الوجود البشري غير الاسباني بغية استكمال مخطط الاسبنة المنوي تطبيقه في الصحراء.

وقد وصلت هذه السياسة إلى أخطر مراحلها عندما أعلنت اسبانيا في العاشر من كانون الثاني/يناير 1958 عن ضم الصحراء واعتبارها إقليما اسبانيا، مما أثار ردة فعل مغربية لم تنته إلا بمساومة مع الملك محمد الخامس، الذي استرجع إقليم الطرفايا في نيسان 1958 مقابل تأجيل البحث حول باقي المنطقة إلى أجل غير مسمى.

انتهت سنوات الخمسينات بثلاث حقائق: الأول وهي استمرار سياسة اسبانيا الرامية لإبقاء سيطرتها على الصحراء المغربية متذرعة بحجج طارئة ولكن مقرّة بحقوق المغرب عليها. الثانية استمرار المطالبة المغربية المباشرة من اسبانيا للالتزام بما ورد في تصريح 1956 والبروتكول الملحق به. الثالثة وقد كانت تكريسا للاتجاه السلمي-الدبلوماسي على حساب الاسترداد بالقوة لما بقي تحت السيطرة الاسبانية، الأمر الذي كان يعني حصر المطالبة بالقصر الملكي وبنفس الوقت إضعافها وبالتالي وضع اسبانيا في ميزان قوى يميل باستمرار لمصلحتها، على الأقل طيلة الستينات.

على قاعدة هذه الحقائق، حاول الملك محمد الخامس استعادة الصحراء الغربية وايفني ومناطق الشمال عن طريق الدبلوماسية، ابتداء من عام 1960.

ولما كانت المطالبة المغربية شاملة لكل المناطق فقد اعتمدت اسبانيا على سياسة التخلي عن منطقة والاحتفاظ بمنطقة، قابلها قبول مغربي باسترجاع منطقة وتأجيل البحث عن أخرى...

التكتيك الاسباني بدأ باقتراح للتخلي عن مدينة ايفني مقابل السكوت عن الساقية الحمراء ووادي الذهب بالدرجة الأولى، وقد عبر عن نفسه برسالة وجهها الجنرال فرانكو إلى الملك محمد الخامس بتاريخ 6 تشرين الأول/أكتوبر 1960. وقد نصت هذه الرسالة على ما يلي:

«قصر الباردو في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1960

إلى صاحب الجلالة الملك محمد الخامس

صاحب الجلالة:

تسلمت كتابكم فنظرت فيه شخصيا بعين التحليل يدفعني إليه استعدادي الدائم للبحث عن الحلول المناسبة التي يكون من شأنها أن تقرب بين شعبينا وترضي غرائبكم بقدر الإمكان.

فلقد تجلى حسن نيتنا وقام عليه البرهان خلال هذه الأعوام بالمعونة المقدمة لقضية جلالتكم قبل الاستقلال وبالتسليم العاجل للأقاليم وبالتخفيض التدريجي لقواتنا التي نزل مجموع أفرادها من 60000 إلى 3000 جندي يوجدون مستقرين الآن على مقربة من قواعدنا التي كانت تحتلها فيما سبق إعلان الحماية. غير أن حسن نيتنا وإرادتنا في التقارب سيكون ضعيف القيمة إذا ظلت دعايات الأحزاب تبذر العواطف الجامحة وتدعو إلى مطامح توسعية تخرج بها عن الحقيقة القائمة وتجعلها تتناقض مع المصالح المشروعة لجيرانكم.

لقد استدعيت مساعدي وقمنا باختيار المرحلة التي توجد عليها المفاوضات الآن، واني أجد من الطبيعي أن يكون مندوبو الإدارة الاسبانية ونوابها طموحين إلى تنفيذ الالتزامات المتعهد بها في الاتفاقيات المبرمة لدى التصريح بالاستقلال وأن تكون الأوقاف والمعاهدات التي قد تبرم في المستقبل ذات مفعولية بالنسبة إلى الجانبين. أما فيما يرجع إلى قضية ايفني التي أشرت إليها جلالتكم فإنها تشتمل على مظهرين مختلفين. فأما احدهما فهو المظهر العام الذي يتضمن وضعية ذلك الإقليم في مدلولها القانوني الناتج عن المعاهدات التي ابرمها أجدادكم. أما المظهر الآخر فهو الناتج عن القلاقل التي أعقبت المناداة بالاستقلال والناتجة عن هجوم ما يسمى بجيش التحرير في الوقت الذي تقوم فيه القوات الاسبانية بالجلاء عن التراب المغربي وقيام فصائل من القوات الملكية باحتلال مواقع داخل ايفني تنتمي شرعا وقانونا لقطاع السيطرة الاسبانية. واني أرى هذا الاهتمام المتجدد كما أرى المطامح والأسس التي عرضتموها عليّ لتعزيز مطالبكم في هذا الإقليم. غير أنني أود من جانبي أن تدركوا أن هذه الوضعية القانونية لم نحدثها نحن في هذا العصر الحديث وإنما هي وضعية ناتجة عن حق سابق تواترت عليه أوفاق دولية عديدة بين بلدينا فجاءت مصدقة له، وقد ورثته اسبانيا عن الأجيال السابقة فلما جرت محاولة انتزاعه منها بالعنف اخضرت من جديد في نفوس الاسبانيين عوامل حقهم.

إن هذه الحقائق التاريخية قد ازدادت قوة وتماسكا بمرور السنوات، غير أن حياة الاشتراك الحديثة بين أمتين جارتين قد تخطتا كما يحدث لنا مع البرتغال وكما يجب أن يحدث لنا مع المغرب أيضا. ومع ذلك فان رغبتي في البحث عن حل ممكن لهذه المشكلة الشاقة العويصة –ويكون من شأنه ترضية أمانيكم- قد جعلتني أفكر في إمكان إيجاد تعويضات ترابية في أماكن أخرى يكون من شأنها رغم قلة الاتساع والأهمية أن تبرز أمام الشعب الاسباني هذا التعديل الترابي العام مع العلم بأنه سيكون تضحية صغيرة بالقياس إلى المغرب.

وإنما لا أتمكن من العثور على طريق غير الطريق الذي اعرض عليكم والذي يجب أن يعرض على مجلس «الكورتيس» للتصديق عليه. وإنا واثق من جهة أخرى بأن التطور الذي تفرضه الحياة الحديثة بالاشتراك بين الأمم المتجاورة سيجعلنا نتغلب على هذه المشاعر القومية لنعيش في تعاون وانسجام كما فعلنا ذلك عدة مرات في التاريخ.

واغتنم هذه الفرصة لأجدد لجلالتكم عبارات التقدير والعطف اللذين نحس بهما ويشعر بهما شعبنا نحو شخصكم ونحو الشعب المغربي النبيل.

فرانسيسكو فرانكو»

وقد ردّ الملك محمد الخامس على هذه الرسالة بموقف مضاد تجاوز فيه اقتراح التعويض الترابي «رغم قلة الاتساع» مميزا بين قضيتي الجلاء والمناطق التي لا تزال تحت السيطرة الاسبانية، مطالبا بإنهاء الأولى فورا وفتح ملف الأخرى بدون أي تحديد أو عرض بتعويض. وقد جاء هذا الموقف في رسالة جوابية مؤرخة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1960، والتي جاء فيها «وحيث أن مسألة وجود قوات أجنبية فوق ترابنا لا يمكن إرجاء البت فيها أكثر مما مضى لتنافي وجود تلك القوات مع سيادتنا واستقلالنا نرجو من فخامتكم أن تخبرونا في اقرب وقت بالتدابير التي اتخذتموها لسحب القوات الاسبانية سحبا عاجلا غير مقيد بشرط عن مملكتنا.

واننا نسترعي نظركم إلى العواقب الوخيمة التي ستمس لا محالة بعلاقات بلدينا إذا استمرت الحكومة الاسبانية تماطل في تحقيق الجلاء، الذي هو حق من حقوقنا لا جدال فيها، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال محل مساومة أو مهاودة، أو أن يكون متوقفا على حل القضايا الأخرى التي لا تزال قائمة بيننا. أما قضية المناطق المغربية التي لا تزال تحت السيطرة الاسبانية فإننا عازمون على فتح ملفها، راغبون في إجراء مخابرات معكم بشأنها، حتى يحقق حقنتا، وتعود إلى مملكتنا الأطراف التي فصلت عنها بغير حق....»

أسفرت الرسالة المغربية عن إثارة ردة فعل اسبانية تميزت بتغيير لهجتها ومناورتها. ففي حين نصت الرسالة الأولى على تعويض ترابي، عمدت الرسالة الثانية إلى إبراز دور اسبانيا في تأمين اعتراف القبائل البعيدة عن المخزن بمغربيتها. وبفتح ملف مجمل القضايا العالقة الأخرى بين الحكومتين. فقد جاء في رد الجنرال فرانكو حرفيا ما يلي:

قصر الباردو -7 يناير/كانون الثاني سنة 1961

من الجنرال الأعظم رفانسيسكو فرانكو باها موندى رئيس الدولة الاسبانية إلى صاحب الجلالة محمد الخامس ملك المغرب

صاحب الجلالة:


تلقيت كتابكم المؤرخ بثالث عشر كانون الأول/ديسمبر والذي أعربتم فيه عن كبير خيبتكم بسبب التأخير الحاصل في إنهاء جلاء قواتنا التام. ولقد أعربت لكم في رسائلي السابقة عن أن نيتنا هي الجلاء وان رغبتنا الدائمة هي الوصول مع الغرب إلى اتفاقيات تضمن استمرار علاقات السلم وحسن الجوار التي قامت بيننا خلال نصف القرن المنصرم والذي أخضعت اسبانيا خلاله قبائل هامة للاعتراف بسلطتكم الملكية حيث كانت تلك السلطة مجهولة منذ قرون. 182

وأرى من الضروري فيما يتعلق بجلاء القوات أن أذكركم بان البروتكول الذي نص على المناداة بالاستقلال قد نص أيضا على صيانة مصالح أخرى هامة مثل استيطان رعايا الجانبين وتصفية الجانب المالي، إلا أنها ظلت غير نافذة لحد تاريخ اليوم. ورغما عن هذا التأخير في تطبيق كل ما كان يهم اسبانيا فإنها ظلت تبرهن على حسن نيتها فقررت دون أن تحتاج إلى أي تحفيز إجلاء قواتها كلها على التقريب إلى حدود تقع في مؤخرة المواقع التي كانت تحتلها قبل الحماية ولم تحتفظ إلا بقوات معدودة جدا ضمن المعسكرات الأساسية القريبة من مدينتنا. وعلينا في هذا الموضوع أن نعتبر أنه كانت توجد حالة سابقة من الضمانات في الاحواز المجاورة للمدينتين قبل إعلان الحماية سنة 1912 والتي اعترف بها في اتفاقيات لم يمسها نظام الحماية. لذلك كان من المفيد بعد زوال هذا النظام أن تصبح تلك الحالة مطابقة لحقائق الوضعية الراهنة بواسطة التفاوض، وفي انتظار تصفية هذه القضية وفي دائرة مواصلة الجلاء سيتم في شهر فبراير سحب قواتنا التي تحمي مطار التويمة بجوار مدينة الناخور أما في ما يتعلق بما عبرتم عنه «بأن الجلاء مسألة قائمة بذاتها ولا مبرر لربطها بقضايا أخرى مختلفة عنها» فاسمحوا لي أن أعرض عليكم رأيي مع احترامي لرأيكم. فإذا كان الجلاء أهم القضايا بالنسبة إلى جلالتكم فإن مجموع القضايا الأخرى هو الذي يهم دولتي، لأنه يمكن التوفيق بين مطلب الاعتراف بحق أحد الطرفين في الوقت الذي يحاول وضع حق الطرف الآخر في محل النزاع.

ولقد ذكرتكم في كتابي الأخير بأن القوات الملكية لا زالت داخل إقليم ايفني مساحة تقع بين المنطقة التي تحميها قواتنا والحدود الخارجية لذلك الإقليم وإن ذلك الاحتلال جاء نتيجة للاعتداء الذي تكبدناه والذي يتطلب حلا طبيعيا عادلا.

وإذا كانت اسبانيا قد برّت بالتزامها فيما يتعلق بالحدود التي اعترفت بها عقد 1912 للتراب المغربي فمن العدل أن يقوم المغرب من جانبه بتطبيق ما نص عليه ذلك العقد وما سبقه من العقود التي تعترف بالحدود والحقوق الاسبانية.

وما كان في مستطاعي أن أخفي عليكم أنه يشغل بالي كما يشغل بال جلالتكم كل ما يمكن أن يمسّ العلاقات بين قطرينا بسبب إبراز هذه الخلافات التي تغذيها حملات الصحافة والإذاعة المغربيتين ودعايتهما التي تحدث جوا من الخصومة والعداوة السلالية ومطالب ليس في وسع اسبانيا أن تقبلها.

ذلك انه يمكن الوصول بواسطة المفاوضات والترضيات المتبادلة إلى حلول قد تكون مرضية للطرفين، ولكن على أن يتوفر دائما مبدأ المساومة والتبادل وهو ما ستجدوننا أبدا مستعدين له.

إن عزمنا الأكيد على تمتين روابط الصداقة وحسن الجوار بين شعبينا إحساس حاضر في نفسنا دائما. وأنا واثق بأنه إذا كان الشعب المغربي يقابل هذا الإحساس بمثله فإننا سنستطيع الوصول إلى اتفاقيات تحفظ صداقتنا التقليدية وتضمن التفاهم والتعاون بين أمتينا.

فرانسيسكو فرانكو»

أما القضايا التي حاول الجنرال فرانكو اعتبارها مجال مساومة فيمكن حصرها بأهمها: الاتفاق التجاري واتفاق الاداءات، مسألة السكك الحديدية، دين اسبانيا على المغرب، تصفية القروض والاعتمادات، العتاد الذي زودت به السلطات الاسبانية الجيش المغربي، تسوية وضعية بعض الصادرات المغربية (الفوسفات والقطن)، الصيد البحري، الاتفاق الجوي، مناجم الريف، تعديل نظام بنك المغرب، التهريب من سبته ومليلية، المساهمة الاسبانية في البنك الوطني للتنمية الاقتصادية.

يتحدث محمد العربي المساري عن هذه القضية وحلولها قائلا بأن «الاتفاق التجاري واتفاق الاداءات وقع في مدريد في 7-7-1957 لكنه لم يدخل حيز التطبيق إلا بعد التوحيد النقدي للمغرب أي في 17-2-1958، وقد طبق بدون انتظام ودائما على حساب المغرب وطالبت اسبانيا بإلحاح بعقد اجتماع للجنة المختلطة الاسبانية المغربية للنظر في الصعوبات الناجمة عن عجز اسبانيا الملموس في أداء ثمن البضائع المغربية.

مسألة السكك الحديدية: امتنعت اسبانيا عن الاعتراف بملكية المغرب لسكة حديد الشمال وخاصة خط سبتة-تطوان، واعترفت السلطات الاسبانية بأن العتاد القار والمتحرك الذي تملكه يمكن أن تتقاسمه الدولة المغربية بنسبة 58% والدولة الاسبانية 15% الباقية.

الديون: قدرتها اسبانيا بـ 1.524.270.222.63 بسيطة

العتاد العسكري: قدرته السلطات العسكرية بمفردها بـ 160 مليون بسيطة، طالب المغرب بعقد لجنة ثنائية لإعطاء التقدير الواقعي لذلك العتاد.

الصيد البحري:طالبت اسبانيا بتجنيب سفن صيدها ملاحقة حراس المياه المغربية.

الاتفاق الجوي: رفضت اسبانيا رفع حصة الخطوط الجوية إلى المستوى الذي يفرضه التعامل بالمثل المنصوص عليه في الاتفاق الجوي....» (17).

هذه القضايا كانت تعطي لاسبانيا مبررات تأجيل البحث حول الصحراء الغربية والمناطق المحتلة في الشمال (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية والنكور وباديس) والتي تدعمت بازدياد الحاجة لتحصين مواقع الغرب بعد خسارة مصر والجزائر (وليبيا لاحقا) مما كان يعني تقوية الأمن الدفاعي الاستراتيجي لاسبانيا واحتفاظها بموقع عسكري على المداخل الغربية لأفريقيا وبالتالي الحيلولة دون إيصال الصراع السياسي مع المغرب إلى درجة تدفعه اسبانيا إلى الخروج من الصحراء الغربية. إلا أن الفوسفات شكل الحدث الأكثر أهمية مع تلك الفترة والذي حدّد، لسنوات، السياسة الاسبانية في الصحراء الغربية. ففي بداية عام 1964 بدأت قضية الصحراء تدخل مرحلة جديدة لعب فيها اكتشاف الفوسفات في الساقية الحمراء دورا جوهريا.

فالدراسات الاسبانية التي نشرت تلك السنة قدرت احتياط الفوسفات في منطقة بوقراع حوالي ملياري طن، وقد تأسست تبعا لذلك شركة فوسبوقراع برأسمال قدره 90 مليون دولار تساهم فيه عدة شركات أوروبية غربية وأمريكية شمالية.

كما بلغت مصاريف التنقيب والبحث والإعداد التقني حوالي 600 مليون دولار، مما كان يعني بوضوح أن اسبانيا لن تنسحب من الصحراء قبل أن تحقق، وعلى الأقل، ضعف ما أنفقته من تكاليف.

وبذلك تُدخل قضية الصحراء موقف اسبانيا في إشكالية أخرى هي الثروات الطبيعية للساقية الحمراء ووادي الذهب والتي ساهمت إلى حد كبير في توجيه الأحداث التاريخية المرتبطة بهذه القضية.

وللثروات الطبيعية تفصيل خاص.


ثروة الصحراء وثروة المحيط


قبل أن يحط الاسبان رجالهم في الصحراء الغربية كانت سفنهم تغزو مياهها الإقليمية لاصطياد ثروتها السمكية.

فالعلاقات الاسبانية-المغربية، الهادئة أحيانا والمتوترة أحيانا أخرى، تمحورت حول موضوع الصيد البحري منذ قرون، فالسمك كان يبدو وكأنه الثروة شبه الوحيدة، الطبيعة والتي لا تنضب.

إلا أن اكتشاف الفوسفات نقل الأهمية الجغرافية إلى درجة سياسية تفسر التغير الطارئ في إستراتيجية اسبانيا الصحراوية.

الفوسفات أزاح السمك واشترك معه في تحديد مصير المنطقة.

بين أعوام 1950-1953، بدأت اسبانيا عمليات التنقيب عن الفوسفات وأسست لذلك شركة «لادارو» التي تغيّر اسمها ليصبح فنمينسا خلال أعوام 1954-1957. آلت أعمال هذه الشركة إلى فشل نسبي زاد في تقليل أهمية الصحراء بالنسبة لاسبانيا، وتضاعف الفشل مع تزايد هجمات جيش التحرير خلال عامي 1956-1957. لم تنسف تطورات أواخر الخمسينات الجهود العلمية التي استمرت بناء لأوامر الجنرال فرانكو وتواصلت إلى أواخر عام 1962 حيث الأبحاث الأولى باكتشاف كميات هائلة من الفوسفات في الساقية الحمراء.

ففي عالم تشكل الزراعة همه اليومي يصبح الفوسفات إنتاجا استراتيجيا، فهو «يستعمل في صناعة أحد أصناف الأسمدة وعددها ثلاثة –غير أنه لا يمكن أن يعوض أحدهما الآخر بشكل دائم.

وفضلا عن ذلك، لا يمكن للفلاحة الرأسمالية الاستغناء عن الأسمدة لأن ذلك ينتج عنه انخفاض في المردود يقدر بالثلث، وحتى بالنصف بالنسبة لبعض المنتجات....» (18).

بسبب من أهميته هذه، أدى الفوسفات إلى تحديد معالم سياسة اسبانية جديدة في الصحراء قائمة على نهب متواصل لثروته المعدنية وعلى فتنح أبواب الصحراء على مصراعيها لكل المساهمين الغربيين في عمليات النهب والتنقيب والبحث العلمي والإعداد التقني...

أخذت هذه السياسة في إحدى مراحلها شك ضم نهائي للصحراء إلى اسبانيا، وفي مرحلة أخرى شكّل خلق دولة ملحقة وتابعة لها. أما التغير الديمغرافي العسكري والمدني فهو أحد أشكال التعبير عن أهميته الدور الذي لعبه الفوسفات والثروات المعدنية والبحرية الأخرى في رسم مستقبل الصحراء.

على بعد 100 كيلومتر من الساحل، ونحو الشرق من مدينة العيون، وعلى امتداد خط يبلغ طوله 76 كيلومتر وعرضه الأقصى 15 كيلومترا، وداخل مساحة تبلغ 250 كيلومتر مربعا، توجد مناجم فوسفات بوقراع والمصانع والشركات التابعة لها.

حسب النتائج والتقارير التي نشرها المعهد الصناعي الوطني الاسباني للأبحاث الجيولوجية فان مساحة وجود الفوسفات في الصحراء الغربية تزيد عن 1200 كيلومتر مربع، واحتياطها يبلغ 10 مليارات طن.

تتوزع هذه الكمية في عدة مناطق يمتاز فيها موقع بوقراعه بنسبة عالية إذ يبلغ احتياطه ملياري طن، بينما تتقاسم القيمة الباقية مناجم الفوسفات الواقعة في ايزيك، لعابا جيلا، ايمسلكوين واوطات بير نزران.

التقييم الأول لجودة الفوسفات كان سلبيا ودفع الاسبان على تعديل ابحاثهم عام 1956. وفي 1961 جرى تقييم ثان تبين معه أن نوعية المواد الفوسفاتية جيدة جدا (من 60 إلى 80%). «كما بذل الجهد لاكتشاف مصادر الطاقة على عين المكان حتى يتسنى استخلاصها بتكلفة منخفضة». (19).

ولكي تبدأ عملية الاستثمار انشأ المعهد المذكور أعلاه شركة عمومية –آنمينرا- لبده استخراج فوسفات منجم بوقراع. كما أنشئت لهذه الغاية شركة خاصة «شركة فوسبوقراع» عام 1964 أعقب ذلك وبشكل فوري بناء مرفأ العيون الذي يبعد 25 كيلوترا عن المدينة ويعتبر من أطول المرافئ في العالم إذ يبلغ طوله ثلاثة كيلو مترات، والذي كلف بناؤه ما يزيد الثلاثين مليون دولار، والقادر على استقبال سفن تبلغ حمولتها 100 ألف طن. وقد تكلفت شركة «لونيون تامبوريل» ذات الرأسمال الفرنسي-الألماني المشترك بكافة ما يقارب الألفي طن.

وقد نجحت اسبانيا في إشراك عدد من الدول الأوروبية الغربية في هذا المشروع بحيث ساهمت عدة شركات في استكمال البناء الفني بالمواد والرساميل. شركة فوسبوقراع نفسها تتألف من: كريدي ليونه، بنك روتشيلد، بنك باريس، بنك دوباي با.

ساعدت هذه المساهمة على تكثيف وتيرة الإنتاج وزيادته التي بدأت عام 1972 بـ 700 ألف طن لتصل عام 1975 إلى معدل يزيد عن أربعة ملايين طن.

أما عملية نقل الفوسفات المستخرج من المنجم في بوقراع إلى مرفأ العيون لكي تجري تنقيته وبالتالي تصديره، فقد تكلفت بها شركة كروب الألمانية الغربية.

أقامت الشركة المذكورة خط الحلقات الأوتوماتيكية الحاملة للفوسفات التي تنقل الكمية المستخرجة مسافة 98 كيلومترا على سجاد متحرك، حيث نقل ألفي طن في الساعة وبسرعة 16 كيلومترا.

تقوم هذه الحلقات بنقل الفوسفات إلى مصانع التكييف بالقرب من المرفأ حيث تجري عملية فصل التراب عن الفوسفات والتي تنتهي غالبا بعزل كمية ترابية تتراوح نسبتها من 15 إلى 20% من أصل الكمية المستخرجة وهي نسبة تمتاز عن نسبة الفوسفات المستخرج في شمال الغرب بسبب كون التربة حمراء سريعة الذوبان مع الماء.

أما الحلقات نفسها فقد كلفت حوالي 33 مليون دولار، وتقوم بنقل «ما يزيد عن 15 مليون طن في العام الواحد (20).

عام 1969 استلمت شركة Klockner-Humholdt Deutz من كولونيا وشركة Centunion من مدريد مشاريع الصيانة، وشركة جنرال الكتريك مسؤولية التجهيزات الالكترونية بالتعاون مع شركة Astilleras الاسبانية، أما أعمال المرفأ فقد استلمتها الشركات التالية:

Hersent de Paris; Strabagbaud’ Allemagne Federale; De Long Co, de New York; Cubientas Y Tejados de Madrid (21(

وقد بلغ السعر الذي تطلبه هذه الشركات في فترة الاحتلال الاسباني 58 دولار للطن الواحد و42 دولارا للطن الممزوج مع اسيد الفوسفوريك، و35 دولارا إذا كان ممزوجا مع الامونياك.

اضافة إلى الفوسفات، أدت عمليات البحث الاسبانية إلى اكتشاف كميات مهمة من الحديد في منطقة «آزميلة اغراشة» في وسط وادي الذهب، حيث يقدر احتياط هذه الامنطقة بـ 70 مليون طن من النوع الجيد الذي يحتوي على اكسيد السيلسيوم بنسبة 13.6% مما يساعد على استعماله في الأفران العالية مباشرة.

كما جرى تحديد اسبانيا لمناطق أخرى يوجد فيها الحديد، وخاصة في الجنوب الشرقي من وادي الذهب بالقرب من تيريس (وعلى الارجح أن تكون هذه المنطقة امتدادا جيولوجيا تحت الارض لمناجم حديد الزويرات في موريتانيا) وكذلك في جنوب مدينة السمارة في الساقية الحمراء.

أما النفط، فقد تعمّدت اسبانيا التكتم الشديد حول وجوده في الصحراء الغربية رغم أن عددا كبيرا من الوثائق يتحدث عن اكتشاف آبار هامة للنفط. ففي عام 1960 أجرى الاسبان عمليات واسعة للنقيب عن النفط شملت مساحة 160 ألف كيلزمتر مربع تمتد من خط شمالي الحدود الجزائرية غلة نقطة تبعد 100 كليو متر عن الحدود الموريتانية، حيث أسفرت الأبحاث عن نتائج ايجابية شجعت أكثر من عشرين شركة نفطية على التهافت للمساهمة (اسو، تاكساكو، موبيل اوبل، فولف، اويل. فيليبس، غولف، سبسا، كوناكو، ابنزا، اسبنسا الخ).

وقد أعطت إحدى الشركات الأمريكية التي قامت بالتنقيب في مساحة تبلغ 100 ألف كلم مربع إشارات عن وجود كميات هامة من النفط في منطقة «انيش» على بعد 150 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من مدينة العيون، وعلى بعد 22 كيلومترا من الشاطئ. أما شركة «س.س.ج.» فقد اكتشفت كميات هائلة من النفط في منطقة «اوديات ماركبة»- حسب ما ذكره أتيليو.

يبقى أن شركة «اسو» هي التي قامت بأبحاث كثيرة ومضنية عملت على إخفاء نتيجتها.

ففي نهاية عام 1968 ذكر نائب رئيس شركة «اسو» في بلاغ رسمي أثناء زيارته للمغرب بان نتائج التنقيب كانت ايجابية، وفي شهر آب عام 1969 ذكرت إحدى المجلات النفطية في أحد مقالاتها «ان اكتشافات شركة «اسو» في طرفاية تعد أهم الاكتشافات الافريقية في تلك السنة».

أما لماذا لم يعلن صراحة عن نتائج هذه الأبحاث بالأرقام ولماذا «لم يقع استغلال ذلك الاكتشاف، فلان مصير المنطقة ما يزال غامضا»(22).

وأخيرا، فان العالم الاسباني «مانويل آليا مد يناس» قد قدّم للحكومة الاسبانية تقريا عن أبحاثه الميدانية في إقليم الصحراء أكّد فيه على وجود كميات كبيرة من النحاس في جيل انيال واهل-اينا في جبل تالمدان، إضافة إلى وجود كميات من البوتاس في منطقة سبخاس، ومنجم للفحم في منطقة تبعد حوالي 20 كيلومترا شرقي رأس بوجدور، هذا الأورانيوم وتوابعه.

هذه الثروة المعدنية، رغم حداثتها، لم تقلل من أهمية الثروات البحرية، وخاصة صيد السمك والحوت، التي تحكمت لقرون طويلة في سياسة اسبانيا والبرتغال الافريقية وبعلاقاتهما مع السلطان المغربي. فمنذ القرن الخامس عشر والسفن الاسبانية تنهب عمق المياه الأطلسية انطلاقا من جزر الكناري.

إذ أنه على امتداد الألف ومائتي كيلو متر من ساحل الصحراء تحتوي مياه المحيط على كميات وافرة من السمك جعل من الساقية الحمراء ووادي الذهب أغنى مناطق السمك في المحيط الأطلسي.

هذه الميزة كانت احد الدوافع الأساسية للتقدم الاسباني نحو ايفني والطرفايا والداخلة ورأس بوجدور منذ أواسط القرن الماضي. حيث تحولت المدينتان المشهورتان الداخلة ورأس بوجودر إلى أهم مناطق صيد السمك وتصدريه بواسطة شركات اسبانية أهمها:

Compania Colonial de Atrica في مدينة الداخلة، وشركة Entitad Marcoteguie في الكويرة، اللتان تملكان وحدهما حوالي 911 وحدة بحرية لصيد السمك.

أما الاستثمار فقد كان يتم باتفاق بين عدد كبير من الدول الأوروبية إضافة على اليابان، حيث تقوم أساطيل هذه الدول باصطياد كميات هائلة من الأسماك التي يجري نقلها وتصديرها فيما بعد إلى الأسواق على أساس أنها اسبانية أو هولندية أو فرنسية... وحسب الإحصاء الذي نشرته اسبانيا عام 1969 فإن كمية السمك المصطادة في المياه الإقليمية للساقية الحمراء ووادي الذهب بلغت ما يزيد عن 1281500 طن أما مساحة الصيد فإنها تبلغ حوالي 150 ألف كيلو متر مربع بعمق يزيد على 500 متر، تحتوي على حوالي 120 صنفا تحصل على معظمها السفن الاسبانية الدائمة الانتشار في مياه الأطلسي الحارة (500 وحدة بحرية في الصحراء الغربية و3000 في جزر الكناري).

أما الإنتاج السنوي فقد بلغ حسب بعض التقديرات 10 أطنان للكيلومتر المربع الواحد (23) وذكر اتيليو بعض الأرقام حسب الدول ووفق الجدول التالي: (24).

سفن الكناري: 250 ألف طن.

سفن اسبانيا: 200 ألف طن.

سفن اليابان: 300 ألف طن.

سفن الاتحاد السوفياتي: 200 ألف طن.

سفن كوريا: 50 ألف طن.

سفن ايطاليا: 45 ألف طن.

سفن البرتغال: 22 ألف طن.

سفن بولونيا: 19 ألف طن.

سفن جنوب افريقيا: 100 ألف طن.

سفن كوريا: 8 آلاف طن.

سفن مصر: 2500 طن.

سفن برمودا: 10 آلاف طن.

سفن هولندية وغيرها: 75 ألف طن.

إذن، بدأت ثروات الصحراء تشارك في صناعة القارات السياسية، كما بدأت القضية تشهد تطورا ملحوظا ومغايرا منذ 1964 حيث شرع المغرب ينقل مطالبته بالصحراء الغربية ايفني إلى الأمم المتحدة التي باشرت بإصدار قراراتها انطلاقا من هذا العام مطالبة اسبانيا بتصفية استعمارها من الصحراء الغربية وداعية إلى حق تقرير المصير لسكان المنطقة المحتلة (25)، الأمر الذي أرغم اسبانيا على تغيير سياستها من منطق الأسبنة والضم النهائي إلى منطق تقرير المصير، ولكن بشكل يضمن مصالحها التي بدأت تزداد في أواخر الستينات. ولذلك فان السياسة الاسبانية ستبدأ منذ 1964 بسلوك خط تقرير المصير كما تحدده هي كما ستحول دون تنفيذه سنوات عديدة لكي يتسنى لها تحضير الوضع الداخلي الملائم لتقرير مصير مناسب لإستراتيجيتها.

نقل الموضوع إلى الأمم المتحدة وضع اسبانيا في معادلة حرجة صفتها الوحيدة فيها أنها الطرف الاستعماري الأجنبي، وبالتالي فإن انسحابها مسألة بديهية وغير خاضعة للنقاش. أما الجوانب الأخرى وخاصة المنطقة التي سيجري الانسحاب منها فانها موضع بحث: لمن تؤول المنطقة، للمغرب أم لموريتانيا أم لسكانها؟ لتطويق الإحراج، استفادت الدبلوماسية الاسبانية من تناقضات الأطراف المحلية بهدف تأخير إجراء الاستفتاء، متذرعة بوجود أكثر من طرف معني بقضية الصحراء. وبهذا الصدد، تأتي زيارة فرناندو دي كاستيا، وزير خارجية اسبانيا، لموريتانيا في الأسبوع الأول من آذار/مارس 1966 حيث تباحث مع المسؤولين الموريتانيين في مصير الصحراء الغربية بحجة أن الصحراء موريتانية كما تنادي بذلك موريتانيا على لسان مندوبها في الأمم المتحدة آنذاك أحمد بابا مسكي.

لم يكن اللعب على التناقضات المحلية كافيا لإنجاح المماطلة، فسارعت اسبانيا لتحضير سكان الصحراء واستعمالهم كورقة ضغط على المطالبة المغربية-الموريتانية من ناحية وعلى إلحاح الأمم المتحدة من ناحية ثانية، مستخرجة من ذلك نظرية «اسبانية» لتقرير المصير. ففي 12 آذار/مارس 1966 عملت اسبانيا على جمع تواقيع من 800 زعيم صحراوي يمثلون 6947 خيمة تنص على مطالبة السكان بالاتحاد مع اسبانيا. وقد عمد الحاكم العسكري إلى استعمال الترغيب والتهديد للحصول على التواقيع، كما استعمل أسلوب الخدعة حيث قال للشيوخ أن مضمون العريضة يتعلق بتعيين بعض المشايخ في الإدارات، كما جرى التصديق عليها من قبل القاضيين محمد القلاوي وسيد إبراهيم ولد الليلي. (26) بالاستناد على هذه العريضة تقدمت اسبانيا بمناورة مفادها أن الخلاف محصور بين اسبانيا وسكان الصحراء، وبالتالي فإنها على استعداد لقبول «إجراء استفتاء بقصد تولي الصحراويين شؤونهم بأنفسهم»، كما صرح بذلك مندوبها في الأمم المتحدة يوم 8 أيلول/سبتمبر 1966. وفي تشرين الأول من نفس العام قُدمت هذه التواقيع على أساس أنها تمثل 19% من السكان الذين يطالبون بالانضمام إلى اسبانيا، ألحقته في تشرين الثاني/نوفمبر بلجنة صحراوية مؤلفة من ستة أشخاص أوفدتها إلى الأمم المتحدة لتأكيد وجهة نظرها. وفي كانون الذين يطالبون بالانضمام على اسبانيا، ألحقته في تشرين الثاني/نوفمبر 1967 أوفدت لجنة أخرى إلى اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة لتعبّر عن رغبة السكان في الوحدة مع اسبانيا. في نفس السنة، خصصت اسبانيا ميزانية تقدر بـ 250 مليون بسيطة لتنفيذ المشاريع الاسبانية في الصحراء كما زادت في إرسال الخبراء والتقنيين بشكل ملحوظ.

بالمقابل، سارعت حكومات المنطقة، وخاصة المغرب وموريتانيا، على تطويق التحرك الاسباني، حيث أرسلت كل منها وفدا صحراويا بصفة تمثيلية مما اضعف الحجج الاسبانية وأدى إلى تغيير في التكتيك السابق إذ قال مندوب اسبانيا في مداولات اللجنة الخاصة عام 1966، متراجعا عن موقفه الأول ومعتبرا أن تقرير المصير والاستفتاء صعب التحقيق «لأنه ينطوي على صعوبات نظرا لمسافة الإقليم ووضعه الجغرافي (27)». ترافق التعديل الديبلوماسي مع سياسة تهجير وتغيير البنية البشرية للصحراء بزرعها بالمعمرين الاسبان، إضافة إلى خلق قوة سياسية للتمثيل المحلي. وصلت سياسة التهجير واستبدال العنصر العربي بالعنصر الاسباني إلى ذروتها في مطلع السبعينات حيث جرى بالفعل إخلال عام بالتوازن الديمغرافي، إذ أصبح عدد الاسبان موازيا تماما لعدد العرب، هذا إذا استثنيا القوات المسلحة والشرطة الاسبانية. وقد ذكر اتيليو في كتابه «ملف الصحراء الغربية» (صفحة 188) ان عدد الاسبان بلغ 15 ألف مدني و50 ألف عسكري وعبده عبد الغني ذكر في كتابه «الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية» (صفحة 55) ان عدد الاسبان بلغ 56 ألفا من العسكريين، ارتفع في الفترة التي سبقت الانسحاب إلى 70 ألفا. أما المدنيون فإن عددهم بلغ حوالي 30 ألف كحد أدنى و40 ألفا كحد أقصى. أحمد بابا مسكي من جهته ذكر أن عدد الاسبان الإجمالي بلغ 100 ألف (صفحة 13)، وحسب ما ورد في خطاب سكرتير حزب الوحدة ولد الرشيد أمام هيئة الأمم المتحدة، فإن عدد الاسبان بلغ 109800 نسمة، بينهم 50 ألف عسكري، والباقون أشباه عسكر، حسب تعبير ولد الرشيد.

أما محمد العربي المساري فإنه يقدم تفصيلا أكثر حول تطور الهجرة الاسبانية إلى الصحراء وزيادة التهجير الصحراوي إلى الخارج. ففي عام 1958 «كان عدد سكان الساقية الحمراء يبلغ حوالي 50 ألف نسمة، ولكن مع الزمن أخذ العدد يتضاءل بفعل سياسة الطرد المدبرة من جانب الاسبان أو لفرار السكان الأبرياء من الاضطهاد والتقتيل خاصة بعد العمليات العسكرية التي تمت منذ فبراير 1958، تارة بتعاون بين اسبانيا وفرنسا وأحيانا بتفرد من لدن اسبانيا، وهاجر الكثيرون إلى المغرب واستقر بهم المقام في طانطان وباقي إقليم الطرفايا.

وفي أواسط الستينات كانت المصادر الاسبانية تقدر عدد السكان بحوالي 15 ألف نسمة، غلا أن بلاغا للمكتب الديبلوماسي بوزارة الخارجية نشر في مدريد بتاريخ 12 كانون الثاني/يناير 1973 قد قال أن عدد السكان هو 60000 نسمة. وبتاريخ 25/11/1972 قال مندوب اسباني في لجنة الوصاية للأمم المتحدة بنيويورك «ان إحصاء اجري مؤخرا في الصحراء يبيّن أن عدد سكانها 59972 نسمة معظمهم من القبائل الرحل». وفي التصريح الذي أدلى به الكولونيل ادواردو بلانكو المدير العام لإنعاش الصحراء يوم 13/9/1973، ذكر ان عدد سكان الصحراء يبلغ 70 ألف نسمة.

وبتاريخ 18/4/1972 كانت الجريدة المغربية «مغرب انفورماسيون» تنقل الأرقام التالية عن تطور السكان:

في 1959 كان يسكن العيون 3838 اسبانيا، و1429 مغربيا، أي كان عدد سكان عاصمة الإقليم 5267 نسمة.

وفي فيلاسيسنيروس (الداخلة) كان عدد الاسبان في نفس السنة 4881 نسمة وعدد المغاربة 6483 نسمة.

وفيما بين 1955 و1966 ارتفع عدد المواليد الاسبان من 14 إلى 25 وليدا، وفي 1970 كان عدد المواليد الاسبان 1000.

وهذا نتيجة هجرة العنصر الأوروبي إلى المنطقة بعد اكتشاف الفوسفات سنة 1964. وتشير إحصائيات سنة 1970 إلى أن عدد سكان العيون كان 4200 نسمة فيهم أغلبية للاسبان. وتجاوز عدد سكان الداخلة 20000 نسمة.

يضاف إلى هؤلاء 100000 عسكري اسباني موزعين في الإقليم، يضاف إليهم جنود اللفيف الأجنبي...» (28).

تدعم كل ذلك بسياسة إلغاء للشخصية العربية في الصحراء وفي كافة المجالات الثقافية والصحية والاقتصادية. فقد منعت سلطات الاحتلال وصول أية صحيفة عربية أو أجنبية إلى الصحراء. وفي عام 1957 كان التعليم الابتدائي يضم 185 طالبا اسبانيا و38 طالبا عربيا، أما المدارس فقد انحصرت بأربع في العيون والداخلة، كما كان ممنوعا على الصحراويين بلوغ الصفوف الثانوية. وفي عام 1960 ارتفع عدد المدارس إلى ست وأقيمت ثانوية في العيون وذلك لأسباب زيادة عدد أبناء المستوطنين الاسبان، كما منع وصول الصحراويين إلى الجامعة، باستثناء واحد فقط سمح له بالتخصص في اسبانيا وفي مجال الرياضة تحديدا.

الناحية الصحية تمظهرت بشكل خاص بسوء التغذية الذي كان يؤدي إلى وفاة 6 من أصل 10 مولودين جدد، بينما معدل الأعمار لم يتجاوز الأربعين. أما الجنود الاسبان فقد اعتادوا على أعراض الفتيات بشكل ندر معه أن تجد فتاة تجاوز عمرها العشر سنوات غير معتدى عليها، مما خلق أزمة متأتية من سيادة المفاهيم القبلية-العربية للزواج... (29).

الناحية الاقتصادية أخذت شكل إلحاق تام بالمشاريع الاسبانية لما بعد الفوسفات. فقد عمدت السلطات المحلية إلى ضرب وسائل العيش الصحراوية على حساب إدخال نمط إنتاجها وبضائعها مما أنتج حالة عامة من التدهور المعيشي أسفر بدوره عن زيادة الفقر والبطالة، حاول الصحراويون تجاوزها بالهجرة أو بالعمل في مناجم بوقراع. ورغم هذه المحاولة فإن الهجرة كانت مطالبا اسبانيا والعمل في المناجم كان غير متكافئ: فقد كان عدد العمال العرب شبه الثابت في المناجم يقدر بحوالي ثلاثة آلاف عامل، يجري استبدالهم بشكل دوري ويتراوح أجرهم بين 3 و4 آلاف بسيطة، مقابل 25 ألف للاسباني، بدل 12 ساعة عمل يوميا و72 ساعة أسبوعية، بينما العمال الاسبان لا يعملون إلا نصف هذه المدة، يضاف إلى ذلك التسريح الكيفي الذي يطال العمال العرب وإلزامية العمل الليلي...

أما القوة السياسية المحلية فقد أخذت صيغة الجماعة التي صدر مرسوم اسباني بشأنها في 11 أيار 1967، وجرى انتخابها في آب من نفس العام والتي تحدّد دورها التمثيلي السياسي وفق المشيئة الاسبانية، كما سبق وذكرنا في الفصل السابق..

استتبع قيام «الجمعية العامة للصحراء» تبدل في لهجة الديبلوماسية الاسبانية التي أعلنت على لسان مندوبها في الأمم المتحدة خايمي دي بينييس: «وفيما يتعلق بالصحراء، أريد أن أؤكد مرة أخرى أن احترام إرادة سكانها تمثل القاعدة الأساسية للسياسة الاسبانية في الصحراء، وهذا مطابق لما أوصت به الجمعية العامة، ولهذا أريد إعادة تأكيد أن مبدأ تقرير المصير الذاتي للسكان الأصليين يجب أن يطبق في إقليم الصحراء...»(30).

بيد أن قرارات الأمم المتحدة اللاحقة كانت تلزم اسبانيا بضرورة البحث عن تسوية ما، وخاصة مع المغرب.

فالقرار الصادر بتاريخ 19-12-1967 (قرار رقم 2354) فصل بين قضيتي ايفني والصحراء الغربية، والقرار رقم 2428 الصادر بتاريخ 18-12-1968 طالب بإجراء استفتاء حول تقرير المصير بعد التشاور مع المغرب وموريتانيا وكل الأطراف المهتمة. مما كان يعني أن مساومة ما مع المغرب قد تكون تجاوزا لإشكالات التصفية الكاملة للاستعمار.

وبالفعل، فالمحادثات السرية التي أجراها زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي مع مينسوس غراندس، نائب رئيس الوزراء ورئيس الأركان الاسباني والصديق الشخصي للجنرال فرانكو، عام 1966 أسفرت عن موافقة اسبانية على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل استمرار الامتيازات التجارية والبحرية والفوسفاتية لاسبانيا.

ألا أنها لم تدخل حيز التطبيق لعدة أسباب، أهمها نجاح اسبانيا في تأمين تغطية صحراوية لسياستها ومعرفتها المسبقة بإمكانية إجراء مساومة ما مع المغرب، سوف تجد (أي المساومة) شرعيتها في القرارات المذكورة أعلاه.

لذلك باشرت اسبانيا محادثات مساومة مع المغرب انتهت بالانسحاب من ايفني وإعادتها إلى المغرب بتاريخ 4 كانون الثاني/يناير 1969 (31)، مقابل سكوت المغرب عن الساقية الحمراء ووادي الذهب.

فور التوصل إلى هذه الاتفاقية وتخفيف التحرك الديبلوماسي المناوئ لاسبانيا، عمدت هذه الأخيرة على تجديد سياسة الاسبنة معتبرة ان رغبة السكان تلتقي مع مطلب الوحدة مع اسبانيا فتنتهي بذلك مرحلة الستينات بإحياء مشروع الضم القديم والذي عبّر عن نفسه على لسان لوبيث برافو، وزير الخارجية الاسباني، الذي صرح بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر 1969 في مقابلة مع الصحيفة الاسبانية «أ.ب.س» قائلا: «فليس في الصحراء سوى متخاطبين شرعيين اثنين هما الصحراوين والاسبانيون، وهدفنا هو انجاز تطويرهم تطويرا صحيحا، لا يلحق الضرر بأحد ولهذا فإن ربط أقطار مجاورة بهذا التطور السياسي يعني تبني مطامع توسعية أو تشجيع تجزئة البلاد، وكلا الأمرين يتناقض مع مبادئ تقرير المصير للشعب والوحدة الترابية، مع الإبقاء على الحدود القائمة، وفقا لما تقضي النظرية التي أقامتها بحزم هيئة الأمم المتحدة، وكذا منظمة الوحدة الافريقية... لم نعد نشك اليوم في مشاعر الصحراويين تجاه اسبانيا، ذلك أنهم عبروا عنها بغير التباس في 1966 ثم ذلك وحتى كتابة هذه السطور.

لكنني أعود لأكرر أن المحور الوحيد الذي لا تغير فيه بالنسبة لسياستنا هو احترام إرادة السكان الصحراويين، ولنتذكر أن القرار رقم 1514 للجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي ان يقع إنهاء حالة الاستعمار بإحدى الطرق الآتية:

إنشاء دولة ذات سيادة، الاشتراك الحر مع دولة أخرى، أو الاندماج في دولة مستقلة. وسيستشار السكان الصحراويون من خلال القنوات الدستورية وسيعبّرون بحرية عن إرادتهم، ويمكنك ان تتصور أنه إذا ما اختار الصحراوين أي شكل من أشكال الارتباط باسبانيا فاننا سنعرف كيف نحترم هذه الرغبة....» (32).


النظرية الاسبانية حول تقرير المصير


شهدت بداية السبعينات ظاهرتين أساسيتين:

الأولى، استمرار السياسة الاسبانية في مخطط الضم من خلال تقرير مصير وفق حساباتها ورغبتها، تجلى في عمليات تحضيره الداخلية التي تسير على قم وساق مترافقة مع بدء الإنتاج في مناجم الفوسفات.

الثانية، انتقال الخلاف المحلي إلى وفاق مرحلي بين دول المغرب العربي، أخذ صيغته الأولى بتوقيع معاهدة التضامن وحسن الجوار بين المغرب وموريتانيا إثر لقاء الدار البيضاء في 8 حزيران/يونيو 1970، وبالوفاق المغربي-الجزائري في لقاء تلمسان 1970، وأخيرا قمة نواذيبو التي ضمت الرؤساء الثلاثة في 14 أيلول/سبتمبر من نفس العام والتي انتهت بإعلان موقف موحّد ضدّ اسبانيا «مرحليا»، مما اضعف منطق الأطراف المعينة ودفع اسبانيا إلى تعزيز مواقعها، فبدأت منذ 1970 تحركا متعدد الوجوه.

من ناحية أولى، سارعت اسبانيا إلى تقوية تحالفاتها الدولية ذات المنفعة المتبادلة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي عقدت معها اتفاق-معاهدة عسكرية وسياسية، تقيل بموجبها اسبانيا تمديد وجود القواعد الأمريكية فوق التراب الاسباني، مقابل قيام الولايات المتحدة بتثبيت ودعم الوجود الاسباني في الصحراء «بقواعدها العسكرية في المنطقة، وبنفوذها السياسي لدى بعض الأطراف المنازعة لاسبانيا، وبنفوذها الديبلوماسي على الصعيد الدولي...»

من ناحية ثانية بدأت مرحلة اعداد داخلي لخلق سياسة صحراوية متناسبة مع هدفها النهائي.

فقامت في حزيران/يونيو 1970 بتطويق المد الوطني الصحراوي من خلال القمع الوحشي الذي مارسته قوات الاحتلال في أحداث الزملة، خالقة بذلك حالة من الإرهاب والتهديد سوف تعمل لاحقة على الاستفادة منها.

وفي خريف 1970 تجدد عزمها على تحضير مؤتمر يهدف إلى تقرير مصير السكان، أعقبته في 31 كانون الثاني/يناير 1971 بإجراء انتخابات صحراوية لاختيار المجلس الجماعي الذي تحدثت عنه الصحف الاسبانية في الأسبوع الثاني من شهر شباط/فبراير قائلة: انه بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 1971 جرت انتخابات في الصحراء لاختيار أعضاء المجلس الجماعي المؤلف من 40 ممثلا. وقالت صحافة مدريد ان انتخاب الممثلين مرّ في «جو عادي» وان نسبة المشاركة كانت 100 في المائة. وان الصحراويين قد أكدوا «بمشاركتهم» تعلقهم بالوطن الأب أي اسبانيا الذي سيساهم «في تطوير الإقليم لكي يتاح للصحراويين في الوقت المناسب ومتى أرادوا ذلك، ان يقرروا مصيرهم بأنفسهم» كما جرى في نفس العام انتخاب ستة أعضاء من هذا المجلس ليكونوا نوابا في مجلس النواب الاسباني «الكورتيس» وذلك في إطار صيغة اسبانية للتمثيل السياسي الصحراوي (33).

ترافق كل ذلك مع إعدادي إداري متناسب مع المشروع العام القائم على استمرار فرض السيطرة الاسبانية على المرافق العامة داخل الصحراء، فأصدرت الحكومة الاسبانية بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر 1972 تنظيما قضائيا جديدا ملحقا مباشرة برئيس الدولة الاسبانية وهدفه معالجة قضية «الانفجار الديمغرافي في الصحراء الاسبانية وخاصة الزيادة الملحوظة التي طرأت على سكان بعض المناطق الحضرية».

نصّ هذا التنظيم على دمج محاكم الإقليم برئاسة قاضي الإقليم الذي يعالج القضايا المتعلقة بالإدارة مباشرة مع الحاكم العام. «أما مزاولة القضاء العادي فيسند إلى القضاة والمحاكم التالية:

قضاة الصلح، القضاة الحضريون والقرويون، محكمة الإقليم، والمحكمة الجهوية في لاس بالماس (بجزر الخالدات) والمحكمة الإقليمية بلاس بالماس والمجلس الأعلى.

وتبت المحاكم الحضرية والقروية في القضايا التي لا يكون فيها احد الطرفين أو كلاهما من مواليد البلد، وعندما تكون كل الأطراف المتنازعة من مواليد البلاد تعرض القضية على هذه المحاكم.

وجعلت سمارة والكويرة مقرا لمحاكم الصلح، والداخلة مقرا للمحكمة القروية، أما مدينة العيون ففيها مقر المحكمة البلدية.

وتتبع محاكم إقليم الصحراء إداريا رئاسة الحكومة الاسبانية واليها أيضا ترجع تسمية القضاة..

وبتاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر من نفس العام (1972) أصدرت اسبانيا مشروعا آخر باسم «الإدارة العامة لإنعاش الصحراء» يشمل المصالح التالية:

الديوان التقني، الموظفون والشؤون العامة، السياسة الداخلية، الإعلام، الصيد البحري، مصلحة المناجم والصناعة، العلاقات الثقافية، المصلحة المركزية للاتصالات، الأرشيف والمكتبات والوثائق عن افريقيا.

وتتبع ميزانية هذه الإدارة مباشرة للإدارة العامة للمصالح المالية في مدريد. (34)

سار ذلك جنبا إلى جنب مع مواجهات متواصلة ضد التحركات الشعبية المعارضة وخاصة في مدينتي الداخلة والعيون، والتي انتهت بسقوط قتلى وجرحى من الجانب الاسباني في الداخلة ومن الجانبين في العيون...

من ناحية ثالثة، حاولت اسبانيا النفاذ من خلال ثغرات الدائر بصمت بين دول المغرب العربي وذلك كمحاولة لتطويق اتفاق هذه الدول وتحركها المضاد للمشروع الاسباني (مشروع الضم).

عبرت هذه المحاولة عن نفسها في المحادثات الجزائرية-الاسبانية التي تمت يومي 10 و11 شباط/فبراير 1972 أثناء زيارة وزير خارجية اسبانيا لوبيث برافو للجزائر ويومي 27 و28 حزيران 1972 عندما زار بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر، اسبانيا.

تناولت المحادثات الجزائرية الاسبانية بشكل خاص العلاقات الثنائية وأسفرت عن «إبرام اتفاق طويل المدى يقضي بأن تشتري اسبانيا من الجزائر ابتداء من عام 1974 ما يقدر بـ232 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كما ابرم اتفاق يقضي بتشكيل شركة مختلفة لتسويق جزء من الغاز الجزائري».(35)

أما سياسيا فقد أبرزت المحادثات تقاربا لمصلحة اسبانيا، اعتماده الأساسي على عدم وضوح اتفاق دول المغرب العربي حول طبيعة تقرير المصير تنفيذه في الصحراء الغربية.

لم تستثن الديبلوماسية الاسبانية الجزائر، بل بالعكس، فقد واظبت، وفي نفس الفترة على محادثتها الرسمية مع المغرب، وذلك ضمن تكتيك العمل والتنسيق مع جميع الأطراف في وقت واحد وكل على حدة، للحيلولة دون اتفاق هذه الأطراف عليها.

إلا أن محادثات عام 1972 لم تعظ نتائج ملموسة، وبقي كل على موقعه:

اسبانيا تدعي حرصها على تقرير المصير، والمغرب توافق عليه علنا وتسعى ضمنا لاسترجاع الصحراء.

أما البيانات الرسمية فقد اكتفت بالحديث عن تبادل وجهات النظر...

بتاريخ 7 تموز/يوليو، أعلن وزير الإسكان الاسباني، أثناء زيارته للصحراء بعد أحداث الزملة الدامية، وبهدف تطويقها وتهدئة السكان «ان اسبانيا مصمّمة العزم على الدفاع عن حقوق السكان المحليين... وإذا كان الشعب الصحراوي يرغب في الإبقاء على الروابط بينه وبين اسبانيا فان الإدارة الاسبانية لن تتخلى عنه، وانها تعرف جيدا ان الشعب الصحراوي له نصيبه الشرعي في أية ثروة معدنية تكتشف في الإقليم... وأن الصحراء ملك الشعب الصحراوي... وهو وحده القادر على تقرير مصيره...»(36)

سياسة عامي 1971 و1972 حضرت الأجواء لتحويل هذا الإعلان إلى مشروع سياسي قائم على تمهيد الأجواء لخلق كيان صحراوي مستقل شكليا ومرتبط باسبانيا عمليا.

أعلنت اسبانيا عن هذا المشروع في 27 شباط/فبراير 1973 بشكل رسمي من خلال مذكرة قام بتسليمها للحكومات المعنية سفراؤها المعتمدون لدى هذه الحكومات.

وجاء في المذكرة أنها نالت موافقة «الجمعية العامة للصحراء» بتاريخ 10 شباط/فبراير 1973، وإنها (أي الجماعة) موافقة على الإعلان الاسباني المؤرخ في 20 شباط/فبراير 1973 والرامي لتحديد الفترة الانتقالية في الساقية الحمراء ووادي الذهب بعشرين سنة، يتم خلالها تهيئة الأوضاع للحكم الذاتي.

نظرا لتعارض مضامين هذه المذكرة مع الرغبات المغربية، رفضت وزارة الخارجية المغربية استلامها بينما وافقت على ذلك الجزائر وموريتانيا. وقد نشرت الصحف الجزائرية ما ورد في المذكرة كما يلي:

«1- تأكيد حق الشعوب الصحراوي في تقرير المصير.

2- التصريح بأن للشعب الصحراوي وحده الحق في التعبير بكل استقلال عن مستقبله.

3- العلاقات بين الشعب الصحراوي والشعب الاسباني مبنية على الإخاء بين الشعبين والصداقة والعدالة والاحترام المتبادل.

4- مطالبة الحكومة الاسبانية بأن تتخذ مسطرة عملية تضمن إمكانية التعبير بكل حرية حول المستقبل.

5- المطالبة بتطوير المؤسسات القانونية القائمة، والمشاركة المتنامية للشعب الصحراوي في إدارته الداخلية.

6- السلطة العليا للشعب الصحراوي تظل مجسمة في رئيس الدولة الاسبانية، وتضمن اسبانيا الوحدة الترابية، وتتولى التمثيل في الخارج.

7- يجب على اسبانيا أن تتولى مسؤولية التمويل والمعونة الفنية الضرورية لتنمية اشمل في جميع مجالات الشعب الصحراوي.

8- تعبّر الجمعية العامة التي تمثل الشعب الصحراوي عن اقتناعها بأنها تقدم بواسطة التصريح الراهن، بدون تدخل أجنبي، وفي إطار الصداقة الأخوية، على مرحلة التقرير الذاتي للمصير قصد تحديد المستقبل عن طريق استفتاء يعبر عن الإرادة الشعبية الصحراوية» (37).

ولكي تأخذ هذه المذكرة دعما وشرعية صحراويين، نشرت وسائل الإعلام الاسبانية نص رسالة موجهة من قبل الجمعية العامة للصحراء إلى الجنرال فرانكو وذلك قبل أسبوع من تسليم المذكرة، أي بتاريخ 20 شباط/فبراير 1973، وقد وردت في كتاب جبهة التحرير الوطني الخاص بالصحراء وتضمنت المطالبة تسهيل عملية تقرير المصير وتحديد المستقبل للشعب الصحراوي... وتطوير المؤسسات الشرعية ومشاركة الشعب الصحراوي في تسيير شؤونه الداخلية» كما تطالب اسبانيا «بتمثيل الشعب الصحراوي دوليا وضمان وحدته الترابية والدفاع عن حدوده...» يضاف إلى ذلك باقي النقاط التي تضمنتها المذكرة الاسبانية التي هي من وحي هذه الرسالة.

أهم ما في رسالة الجماعة الصحراوية هو اعتبارها أن اسبانيا هي الطرف المعني والمسؤول إضافة إلى الشعب الصحراوي، عن تنفيذ كل ما هو مقترح من تقرير مصير أو استفتاء... فالجمعية العامة للصحراء هي «الممثلة لإرادة السكان» وتقرير المصير ينبغي أن يجري بدون أي تدخل خارجي (إشراف الأمم المتحدة، الضمانات الديمقراطية، الجلاء) وبقاء مهمات الدفاع والخارجية بيد اسبانيا...

أعقب ذلك تعمد الجنرال فرانكو استقبال النواب الصحراويين في الكورتيس الاسباني وأعضاء الجماعة الأساسيين، بتاريخ 15 آذار/مارس 1973 للتباحث معهم بشؤون الوضع الانتقالي وبحضور المدير العام لإنعاش الصحراء خونغو ميندوثة.

وبتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 1973 وافق الجنرال على مذكرة الجماعة وبعث إليهم برسالة جوابية كشفت عن خبايا التحرك الديبلوماسي الاسباني. فقد نصت الرسالة الجوابية على ما يلي:

«1- إن الدولة الاسبانية تؤكد بأن الشعب الصحراوي الذي كان وما يزال اشتراكه مع الشعب الاسباني اشتراكا حرا هو السيد الوحيد على مصيره وليس من حق أي كان أن يعارض إرادته بالعنف والدولة الاسبانية تلتزم بالدفاع عن إرادة الشعب الصحراوي وحريته في تقرير مصيره.

2- الدولة الاسبانية تضمن الوحدة الترابية الصحراء.

3- تؤكد الدولة الاسبانية التزامها بالوعد التاريخي بمواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بصورة فعالة مع الاعتراف للشعب الصحراوي بملكية ثرواته الطبيعية وفوائد استغلالها. كما تؤكد عزمها على ترقية ثقافة وشخصية الشعب الصحراوي ونمط معيشته وازدهار دينه.

4- تؤكد الدولة الاسبانية وتضمن رسميا لسكان الصحراء تقرير مصيرهم تقريا حرا ويطبق تقرير المصير عندما يقوم السكان بطلب ذلك طبقا لما هو منصوص عليه في بيان الجمعية العامة للصحراء المؤرخ في 20 شباط/فبراير 1973» (38).

سبق إعلان هذه الرسالة تسليم مذكرة اسبانية للامين العام للأمم المتحدة بتاريخ 20 آب/أغسطس 1973 تعلن فيها حكومة مدريد قرارها المتعلق بتقرير المصير وإجراء الاستفتاء خلال الستة أشهر الأخيرة من عام 1975، كما أعقبها بعدة أيام عقد ندوة صحفية في الأمم المتحدة لوزير خارجية اسبانيا لاوريانو لوبيث رودو بتاريخ 26 أيلول 1973، أعلن فيها أن مذكرة الجمعية العامة للصحراء تشكل «خطوة جديدة في ممارسة سكان الصحراء لحقوقهم في تسيير شؤونهم» وانه جرى التصديق عليها من الجنرال فرانكو وتسليمها للأمم المتحدة...

لكن عام 1974 كان عام اختبار ميزان القوى على كافة الأصعدة والمستويات، والذي كان لزاما على اسبانيا أن ترصد تطوراته بدقة متناهية، إذ ان فشل مشروعها أو نجاحه ارتبط بشكل وثيق بوضعية تاريخية كانت الأكثر تقريرية في تحولات الموقف الاسباني.

ففي هذا العام كانت اسبانيا ملزمة بادراك تأثيرات استعمارها في الصحراء، أو ضمها لها أو خلقها لكيان مستقل فيها، على علاقتها بالعالم العربي، خاصة وان حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 وتعاظم النفوذ الاقتصادي والسياسي للعرب بعد دخول النفط في الصراع السياسي، عملت على تقوية العرب وأرغمت بالتالي الدول الأوروبية على الأخذ بعين الاعتبار هذه المستجدات.

وسط المعادلة العربية-الأوروبية، وقاعدتها المواد الأولية ومحاربة إسرائيل، كان لاسبانيا وضع خاص. فهي لم تتأثر بالخطر النفطي العربي لما بعد حرب تشرين بل العكس، فقد حصلت على هبة نفطية من العراق، عبارة عن شحنتي نفط تقدران بـ35 ألف طن، وذلك تمييزا لموقفها المؤيد للعرب والمناوئ لسياسة إسرائيل التوسعية.

«ولاسبانيا علاقات اقتصادية هامة مع الدول العربية الرئيسية من الناحية السياسية أو البترولية. تستورد اسبانيا ما لا يقل عن 40 في المائة من بترولها الخام من السعودية، وفي الثلاثة الأشهر الأولى من سنة 1973 كانت قد استوردت 47.3 في المائة من البترول الخام من هذا البلد، والمعدل السنوي لحاجيات اسبانيا البترولية يقدر بـ38 مليون طن (48 مليون طن عام 1972)، تأتيها أولا من السعودية ثم الجزائر فإيران، والكويت وكذلك تتزود اسبانيا ببترول الاتحاد السوفياتي».

«وتقوم شركة اسبانو اويل باستثمار آبار بترولية في ليبيا ودبيّ، وبلغ ما أنتجه الشركة المذكورة في البلدين سنة 1972 ما قدر بـ 2236000 طن، أي بزيادة تقدر 14.1 في المائة بالنسبة لسنة 1971، وهذا هو الاستثمار البترولي الكبير الذي لاسبانيا في الخارج، واغلب الإنتاج يأتي من آبارها في دبي (1.7 مليون طن في 1972)، أما في ليبيا فلم يتجاوز الإنتاج 334.7 ألف طن في 1972. ولاسبانيا علاقات تجارية هامة مع دول المنطقة. ففي 1971 كان حجم ما استوردته من السعودية 17.325 مليون بسيطة، وهذا ارتفاع محسوس عما كان عليه الأمر في 1970 (واردات اسبانيا من السعودية بلغت 7000 مليون بسيطة وصادرتها إليها 30 مليون بسيطة)»

إلا أن علاقة اسبانيا بالسعودية نفطية أكثر منها تجارية، فهي اشترت 16 مليون طن من النفط الخام عام 1972 بمبلغ مليار بسيطة. وكذلك مع العراق، «فقد ارتبطت اسبانيا بالعراق في سنة 1973 بعقد يرمي إلى التزود بـ 6 ملايين طن من البترول العراقي الخام في ثلاث سنوات بمعدل مليونين في كل سنة ابتداء من 1973».

«وتبيع اسبانيا ناقلات بترول لكل من العراق وليبيا، وحافلات مصر، وتقوم اسبانوأوويل بالتنقيب عن النفط في الكويت منذ مدة، كما أنها مساهمة في بناء أنبوب لنقل النفط في العراق... وأفضل ما تصدره اسبانيا هي السفن حيث أن في شمال اسبانيا حوضا هاما لبناء السفن ومن بينها ناقلات البترول.

وترتبط اسبانيا مع مصر باتفاقية للتجارة والتعاون الاقتصادي وقعت في 24-10-1970 تقضي برفع الصادرات المصرية إلى اسبانيا إلى مستوى 12 مليون دولار ورفع الصادرات الاسبانية إلى مصر إلى مستوى 9.5 مليون دولار، وكانت اسبانيا مرشحة للمشاركة في مشروع مد أنبوب البترول من السويس إلى الإسكندرية قبل أن تأخذه شركة أمريكية.

وأبرمت مع سوريا في 9 نيسان/ابريل 1973 اتفاقية لإلغاء التعامل بالمقايضة ولكن مستوى التبادل ما زال منخفضا.

وفي الأردن تساهم اسبانيا بقسط في توسيع ميناء العقبة وباعت لتونس عتادا لسكك الحديدية...».

من الملاحظ أن حاجات اسبانيا من العرب تفوق بكثير حاجات العرب من اسبانيا مما جعل هذه الأخيرة أكثر تقربا من الحكومات العربية، وخاصة السعودية والجزائر اللتين تتحكمان بالعلاقة الثنائية على أساس تصديرهما للنفط والغاز إلى اسبانيا. وإذا استثنينا السعودية فان دول المغرب العربي تلعب دورا هاما في تحديد علاقات اسبانيا العربية.

فالمغرب بالنسبة للجنرال فرانكو هو «جسر الصداقة مع العالم العربي» والمغرب بالنسبة لجامعة الدول العربية «ينبغي أن يكون صلة الاتصال بين اسبانيا والعالم العربي». وبناء عليه فان اسبانيا ملزمة بمراعاة الموقف المغربي لعدة أسباب:

أولا، لأن للمغرب علاقات تاريخية مميزة مع اسبانيا، ووجود اسبانيا المستمر في مدن مغربية (أي احتلال) يجعل العلاقة أكثر حساسية لارتباطها بالمصالح الإستراتيجية لاسبانيا على مقربة من جبل طارق وبواجهة المحيط الأطلسي.

ثانيا، لأن المغرب مدعوم من تضامن عربي قوي منذ 1973، خاصة من السعودية التي لا تستطيع اسبانيا إساءة علاقاتها معها لضرورات نفطية.

ثالثا: لأن علاقات اسبانيا الاقتصادية مع المغرب هي الأكثر أهمية، وخاصة لقرب المسافة وسهولة النقل والمواصلات، وقد «بلغت صادرات اسبانيا للمغرب عام 1973 (حسب نشرة المصرف المغربي للتجارة الخارجية بتاريخ 15-7-1974) 233 مليون درهم وبلغت وإرادتها منه 180.8 مليون درهم ثلاثة أرباعها من الفوسفات والرصاص والخضار الجافة والحلفاء...».

تعود أهمية العلاقات الاقتصادية مع الجزائر إلى وفرة الغاز الطبيعي والنفط الخام في الجزائر وهما يلعبان، إضافة إلى سهولة النقل لقرب الجزائر من جبل طارق، دورا رئيسيا في تحديد العلاقات السياسية الاسبانية الجزائرية. يضاف إلى ذلك مساهمة اسبانواويل في التنقيب عن النفط في الجزائر، كما يجري الحديث عن إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز بين الجزائر واسبانيا بمساهمة نسبتها 25% من رأس المال.

أما موريتانيا فإن علاقتها باسبانيا سياسة أكثر منها اقتصادية، خاصة وان صادرات موريتانيا محدودة ووارداتها تأتي بمعظمها من فرنسا «ولا يبرر حجم العلاقات الوثيقة والتعاون السياسي بين مدريد ونواكشوط المستوى المنخفض للتبادل الاقتصادي الذي لم يتجاوز ألف مليون بسيطة في 1972، بل نزلت مشتريات اسبانيا من 793 مليون بسيطة في 1971 إلى 752 مليون بسيطة في 1972 وصدرت اسبانيا إلى موريتانيا 59 مليون بسيطة في 1971 و112 مليون بسيطة في 1972 وسجل عجز على حساب اسبانيا قدر بـ 640 مليون بسيطة». (39)

يضاف إلى العامل الاقتصادي عامل سياسي-إيديولوجي هام وهو علاقة اسبانيا بإسرائيل. فالدولة الاسبانية هي الدولة الأوروبية الغربية الوحيدة التي لا تعترف بإسرائيل طبعا، لأسباب بحت اسبانية لا علاقة مباشرة لها بفلسطين، وان التقت مع العرب في نفس الاتجاه.

والموقف المعادي لليهود متأت أساسا من «اعتقاد الكاثوليك أن اليهود هم الذين قتلوا المسيح» ولأن الاسبانيين «حينما استعادوا سيطرة المسيحية على شبه الجزيرة طردوا كل العناصر الغير كاثوليكية ومنها اليهود الذين تعرضوا لاضطهاد شنيع مثل المورسيكوس على يد محاكم التفتيش، وكانت نتيجة ذلك انتشار السيفرديين في مختلف أنحاء الأبيض المتوسط وخاصة في المغرب، وتم طرد اليهود من اسبانيا بقرار صدر في 31 آذار/مارس سنة 1492 على يد ملكة قشتالة وأراغون ايزابيل وزوجها فرناندو...» (40).

ورغم تبرئة الفاتيكان لليهود من دم المسيح في عهد البابا يوحانا الثالث والعشرين وفسح المجال لبعض الممارسات الطقوسية اليهودية في اسبانيا التي عبرت عن نفسها بتمركز بعض الجاليات اليهودية في مدريد وبرشلونة ومالقة واشبيلية وفالنسيا والقنت وبالمه دي ما يورقة ولاس بالماس وسانتاكروز دي تينيرفي وسبتة المحتلة وتقديم بعض المساعدات الاسبانية لليهود منذ عام 1967 فان الجنرال فرانكو ظل محافظا على كلامه رغم تراجع الملكيين وضغطهم المتواصل للاعتراف بإسرائيل، وهو القائل بأنه «لن يكون هناك اعتراف بإسرائيل ما دمت حيا» ورئيس حكومته كان أول رئيس حكومة غربي يستقبل رسميا رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 1979.

وشهدت هذه المرحلة أيضا نموا لتيار سياسي صحراوي ظهر إلى الوجود في أيار/مايو 1973 (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) وبدأ توجيه ضربات عسكرية لقوات الاحتلال الاسباني مطالبا بإنهاء الوجود الاستعماري وتحرير الصحراء من النفوذ الاسباني. الأمر الذي دفع القيادة الاسبانية لإعادة النظر في سياستها الصحراوية التي انقسمت على تيارين:

واحد يريد الاعتماد على الجمعية العامة للصحراء بوصفها ممثلا وحيدا للسكان من الممكن إعداده لإدارة كيان مستقل ملحق باسبانيا.

وتيار ثان يريد فسح المجال لنمو خط صحراوي ثوري متناقض مع مطالب المغرب وموريتانيا، ويحمل مشروعا استقلاليا مدعوما من الشباب ومن الممكن دعمه، ولو سريا لإدخاله في نفس المشروع الاسباني.

هذا ما يفسر ولادة حزب الاتحاد الوطني الصحراوي في 13 كانون الأول/ديسمبر 1974 المدعوم من اسبانيا والذي يرأسه ولد الرشيد وبعض الشباب الذين تلقوا علومهم في مدريد. كذلك نسج علاقات خاصة وسرية مع جبهة البوليزاريو وخاصة بعد تصاعد الخلاف مع المغرب في صيف 1975، وكل ذلك مع إبقاء صيغة «الجماعة» على قيد الحياة.

وفي هذا العام أيضا دخلت اسبانيا في مرحلة ما بعد فرانكو، وهي مرحلة متأرجحة وقلقة، طالت بتأثيراتها مجمل السياسة الخارجية لاسبانيا.

«فالصراع سيأخذ مسارا حادا بين الفلانجي وباقي أجنحة الديمقراطية المسيحية الليبرالية، وبين قوى النظام الحالي والمعارضة المتعددة المشارب والميول وأعنفها حركة الانفصاليين في إقليم الباسك والمنظمات الفوضوية.

في حظيرة أسرة بوربون الوارثة لعرش اسبانيا هناك تململ يستفاد منه أن الأمير خوان كارلوس الذي هيأه الجنرال فرانكو ليجلس على عرش اسبانيا بعد وفاة الكاوديو –بدلا من أبيه كونت برشلونة- لم يقنع كل أنصار إعادة الملكية بشخصه، ما زال كونت برشلونة يردد في «استوريل» حيث يقيم بالبرتغال أنه سيلعب دوره في الوقت المناسب» (41) يضاف إلى ذلك هموم اسبانيا الاقتصادية وعلاقاتها مع السوق الأوروبية المشتركة وتحالفها مع الإستراتيجية الأمريكية والحلف الأطلسي.

وفي هذا العام أيضا تصاعد نضال شعوب العالم الثالث من اجل الحرية والاستقلال وتعاظم نفوذ دول عدم الانحياز والدول الإسلامية والدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية وشهدت القارة الافريقية ولادة حركات تحرير في كل أرجائها، مما أسفر عن تغيرات سياسية هامة كانت بدايتها حركة 5 نيسان/ابريل البرتغالية، التي أنهت مستعمراتها الافريقية، الأمر الذي دخل اسبانيا في مأزق حرج رافقته ازدياد التأييد العالمي بمؤسساته الديمقراطية ومنظماته الدولية لخط التحرر من الاستعمار والازدهار والتقدم.

وأخيرا، عرف عام 1974 تقاربا بين المغرب وموريتانيا أخذ شكل اتفاق سري ينص على تقسيم الصحراء بينهما (تشرين الأول/أكتوبر 1974)، كانت الجزائر تقبله على مضض وبشكل علني، بينما ظلت تمارس الضغط المستتر على كلا البلدين، دون أن يؤدي ذلك إلى تدهور ملحوظ بالعلاقات الثلاثية مما افقد اسبانيا ورقة الأطراف المعنية، غير تارك لها سوى إمكانية استعمال الورقة الجزائرية، ولكن باحتمال ضئيل نسبيا في ذلك العام.

وضعت هذه التطورات والعلاقات المتشعبة والمتشابكة اسبانيا على مفترق طرق:

إما متابعة مشروعها المستهدف إقامة دولة مستقلة في الصحراء، وإما التوصل إلى تسوية-مساومة (كالعادة) مع المغرب (وموريتانيا).

فإذا اختارت الحل الأول، فإنها سوف تصطدم بمعارضة مغربية قوية مدعومة بتضامن عربي رسمي، مما يؤثر على العلاقات الاسبانية العربية، خاصة على المستوى الاقتصادي كما يضعف نفوذ الملكية الداخلي التي تحضر نفسها لخلافة فرانكو بتمهيدها لنهج ديمقراطي في الداخل وانفتاح في الخارج.

وإذا اختارت الحل الثاني فإنها سوف تعرض علاقتها بالجزائر للاهتزاز، كما أنها من المحتمل أن تخسر نفقاتها الهائلة التي صرفتها على الفوسفات.

يضاف إلى ذلك الانسحاب من موقع كان يؤمن دائما الأمن الاستراتيجي لاسبانيا، ويساعد الولايات المتحدة (من خلالها) على مراقبة المداخل الغربية لافريقيا والعالم العربي.

أمام هذه التطورات، درست الديبلوماسية الاسبانية كافة الاحتمالات والخيارات الممكنة. فقررت مواصلة مشروع إقامة دولة صحراوية مستقلة، فاتحة في نفس الوقت باب المفاوضات مع المغرب والمناورات مع الجزائر.

فإما أن ينجح المشروع وإما تسارع اسبانيا لإنقاذ نفسها بتسوية ما، تضمن لها على الأقل مصلحتها الاقتصادية مع المغرب والعرب والصحراء.

على أساس هذا التكتيك ارتكز التحرك الاسباني خلال العامين التاليين 1975-1976، وهي المرحلة التي أنهت الاحتلال الاسباني للصحراء الغربية، ولكن دون أن تنهي المشكلة السياسية: نزاعات الأطراف المحلية، التي كان التكتيك نفسه يعمل على تحضريها لإدخال المغرب العربي في مأزق معقد، يتجاوز بكثير هموم الفوسفات وأحلام الصحراويين.

ضمن هذا السياق أعلنت وزارة الخارجية الاسبانية موقفا جديدا بتاريخ 13 تموز/يوليو 1974 جاء فيه: «بتاريخ 4، 5، 6 تموز/يوليو الماضي اجتمعت الجمعية العامة للصحراء وأعربت مرة عن إرادتها في مواصلة التطور التدريجي للإقليم نحو تقرير المصير بالشكل الذي يحدده الصحراويون أنفسهم.

وقد أحيطت الجمعية علما بهذه المناسبة، بمشروع النظام الذي أعدته الحكومة الاسبانية لتكريس مبدأ التعاون المتبادل بين اسبانيا والشعب الصحراوي لمواصلة هذا التطور مع الحفاظ على حرية الصحراء ووحدتها الترابية ومع إسناد المسؤولية للصحراويين في إدارة إقليمهم.

ويتضمن النظام المذكور، القواعد التي طرحتها الجمعية العامة الصحراوية في 20 شباط/فبراير 1973، نفس العام ثم وقعها بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر الماضي لدى تجدد تركيب هذه المؤسسة.

وقد أكد رئيس الدولة في مصادقته تلك، التي وضع عليها إمضاءه وصادق عليها مجلس الوزراء، الالتزام التاريخي للدولة الاسبانية بمواصلة التطوير الاقتصادي والاجتماعي للإقليم بأقصى اندفاع مع الاعتراف للشعب الصحراوي بملكية ثرواته الطبيعية وفوائد استثمارها، تأكيدا لكون موافقة الجمعية العامة للصحراء على القواعد المذكورة، وكذلك على تطوير تلك القواعد في شكل بنود يتضمنها النظام الذي يجب أن يصادق عليه بقانون، لا تضع حدا لحق السكان الصحراويين في التقرير الذاتي لمستقبلهم، فما هذه المرحلة الجديدة إلا إعداد ضروري لذلك.

وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جهتها في قرارات متتالية أن الشعب الصحراوي له الحق في تقرير المصير وفي الاستقلال وقد قبلت المملكة المغربية هذا المبدأ حينما صوتت لصالح تلك القرارات.

ومنذ شهر أيار/مايو الماضي شنت في المغرب حملة كثيفة للمطالبة بالصحراء من خلال خطب وتصريحات وبلاغات تتجاهل القرارات المذكورة التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الافريقية ومؤتمر القمة لدول عدم الانحياز، وذلك بشأن مبدأ تقرير المصير.

وقد أخبرت الحكومة الاسبانية بواسطة وزير خارجيتها يومي 2 و3 من الشهر الجاري، سفراء الجزائر وموريتانيا والمغرب في مدريد، بقرب المصادقة على النظام وكذا على الأسس العامة التي يقوم عليها.

ولهذا فإن اسبانيا، خلافا لما يقال في بعض الأوساط في الخارج «لم تشرع الآن في سياسة جديدة بإقليم الصحراء بل انها تواصل طبقا لتاريخها ولالتزامها أمام الأمم المتحدة ضمان مستقبل الإقليم المذكور وهو مستقبل سيحدّد في وقته وسيقتصر في تحديده على الإرادة الحرة للشعب الصحراوي». (42)

جاءت ردة الفعل المغربية على هذا الموقف معارضة ومتصلبة، إذ انه فور صدور هذا البيان أعلن المغرب على لسان الملك الحسن الثاني رفضه لإقامة كيان صحراوي مستقل عن المغرب، معترضا على كل تقرير أو استفتاء يؤدي إلى هذه النتيجة.

ترافق هذا الموقف المغربي بدعم موريتاني وتعاطف فرنسي وصمت جزائري وبدء سياسة الضغوط على اسبانيا من كل الجهات لإرغامها على تعديل موقفها. وفي نفس الوقت طرأ على القضية إشكال قانوني تمثل في نقلها إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي (13-12-1974) بناء على طلب الأمم المتحدة لإعطاء رأي استشاري حول الموضوع، وقفت فيه المغرب وموريتانيا في خندق والجزائر واسبانيا في خندق آخر (وان كان الموقف الجزائري غير معني مباشرة بالنقاشات القانونية).

كان عام 1975 عام الحسم سلبا أو إيجابا: فاليري جيسكار ديستان يزور المغرب في 15 أيار 1975 ويوقع على بعض المساعدات العسكرية الفرنسية للمغرب، وفي 23 من نفس الشهر تطلب الحكومة الاسبانية رسميا من الجمعية العامة الصحراوية تحضير نفسها لاستلام السلطات المحلية، والاتحاد الوطني الصحراوي يعلن تأييده للمغرب بينما موريتانيا تشهد مفاوضات بين رئيسها مختار ولد داده ووفد من جبهة البوليزاريو، والتي صعدت عملياتها في ذلك الشهر واعتقلت 16 اسبانيا بتاريخ 10 أيار/مايو 1975 اثر معركة الغلتة.

وبينما تفتح محكمة العدل الدولية مناقشاتها العلنية حول الصحراء (25-6-1975) والأمم المتحدة ترسل لجنة للتحقيق (8-6-1975)، كانت دول المغرب العربي تسعى لتجاوز خلافتها (زيارة بوتفليقة للمغرب وتصريحه بعدم وجود أية أطماع جزائرية في الصحراء يوم 4 تموز/يوليو 1975، والملك المغربي يعتبر في خطابه الذي ألقاه يوم 20 آب/أغسطس أن الصحراء تشكل قضية حياة أو موت بالنسبة للمغرب، لقاء القمة المغربي-الموريتاني يوم 13-10-1975).

وفي هذا الوقت بالذات كانت اسبانيا تعمل على ثلاث جبهات:

تسعى من ناحية أولى لكسب المعركة القانونية في لاهاي على أساس أن اسبانيا احتلت الصحراء في وقت كانت هذه الأخيرة بدون أية سيادة وطنية (أرض بدون سيد).

وتحاول من ناحية ثانية، إدخال الجزائر في سياسة مناوئة لتحالف المغرب-موريتانيا، وهذا ما حصل عمليا اثر الإعلان عن المسيرة الخضراء من جانب المغرب. ومن ناحية ثالثة، عمدت إلى عقد لقاءات سرية مع البوليزاريو في إحدى الدول من نفس العام (اجتماع كورتينا موري وزير الخارجية مع ممثلين عن البوليزاريو في إحدى العواصم الأوروبية) وذلك لبحث مستقبل الصحراء في حالة الانسحاب الاسباني... كل ذلك يدخل في سياسة «تمكين السكان من تقرير مصيرهم بكل حرية وتسهيل إقامة تعاون مثمر بين بلدان المغرب العربي الأخرى والحفاظ على الاستقرار والسلام في المنطقة... وان الأمر في النهاية يتعلق بضمان حماية هؤلاء السكان ليتمكنوا من ممارسة حقهم في المصير بكل حرية، لذا فمن غير المعقول ان نمنح نتيجة لتقييم خاطئ، للعناصر التي تدخل في اللعبة، التزكية لمطامع طرف ثالث على حساب المصالح الأساسية للسكان الأصليين وهم الذين يحميهم في كل الظروف القانون وحق الشعوب في تقرير المصير...»(43).

تطور الأحداث وتصاعد الموقف المغربي وضعف الحجج الاسبانية أمام محكمة العدل الدولية لجمت التحرك الاسباني. ترافق ذلك مع إعلان المغرب عن المسيرة الخضراء لاستعادة الصحراء (خطاب 16-10-1975) وانحياز قيادة الجمعية العامة للصحراء ونواب الكورتيس الصحراويين إلى جانب المغرب... مما وضع الموقف الاسباني أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما مواجهة المغرب بالقوة، مع تأييد ضمني من الجزائر، وإما عقد تسوية ما مع المغرب، مع تأييد دولي وخاصة أوروبي وأمريكي، ورفض من الجزائر بحدة ومن الاتحاد السوفياتي نسبيا.

أمام هذا الوضع دخلت اسبانيا والمغرب في سياسة الأمر الواقع:

تواجه اسبانيا المغرب بالجزائر، والمغرب يواجه اسبانيا بالمسيرة الخضراء، لتحييدها وفرض الأمر الواقع على الجزائر.

وفق هذا السياق تأتي زيارة ولي العهد الاسباني خوان كارلوس إلى مدينة العيون في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1975 في زيارة «عرض عضلات» على المغرب (حيث قام باستعراض عسكري وألقى كلمة دافع فيها على شرف وعزة الجيش الاسباني) وكان قبل ذلك بيومين قد أجرى محادثات مع وزير خارجية الجزائر في مدريد (محادثات 29 و30 تشرين الأول/أكتوبر) كما مارس ضغطا على الجمعية العامة للصحراء من أجل الانحياز لموقف الجزائر. (44)

وفي نفس الوقت فتحت اسبانيا خط التعاون مع البوليزاريو سامحة لهم بالدخول إلى الصحراء ولانتشار فيها، كما انسحبت قواتها المسلحة من مثلث العيون-السمارة-الداخلة فاتحة بذلك المجال للقوات الجزائرية، وأقامت حاجزا من الصخور حول مدينة العيون، وخاصة على الطريق الوحيد المؤدي إليها من جهة أغادير، وذلك لمواجهة المسيرة الخضراء.

إلا أن المناورة الاسبانية كانت قد كشفت كل أوراقها منذ أواخر الصيف، وهي استعمال التناقضات الجزائرية-المغربية للحصول على مزيد من التنازلات من جانب المغرب وموريتانيا.

وقد تحقق لها ذلك اثر الاجتماعات شبه اليومية التي كان يعقدها وزير خارجية اسبانيا مع نظيره المغربي، ومن خلال الموافقة على الانسحاب من الصحراء الغربية وتسليم إدارتها للمغرب وموريتانيا وذلك بالتوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1975.

نصت هذه الاتفاقية على إقامة إدارة مشتركة اسبانية-مغربية-موريتانية في الصحراء خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي في 28 شباط/فبراير 1976، موعد الانسحاب النهائي للقوات الاسبانية من كل الصحراء، وتسليم السلطات المحلية لكل من المغرب وموريتانيا.

أنم موقف السكان فقد عبرت عنه الجمعية العامة للصحراء بالإيجاب، مع إعلان الأطراف الثلاثة عن احترامهم لهذا الموقف.

أما الثمن الذي حصلت عليه اسبانيا فكان عبارة عن اتفاقيتين منفصلتين وملحقتين بالمعاهدة الثلاثية بقيتا قيد الكتمان ولم تنشرا مع النص الرسمي للمعاهدة.

وقد جاء فيها تحديد العلاقات الاقتصادية، وخاصة التعويضات المغربية لاسبانيا عن نفقاتها في الصحراء وإعطاؤها حصة 35% من أسهم فوسفات بوقراع.

لا يقف الثمن الفعلي لانسحاب اسبانيا عند حدود الفوسفات ومعاهدات الصيد البحري ولا بسيل من شعارات الصداقة وحسن الجوار، انه سياسي بالدرجة الأولى، ويعانق الإستراتيجية الغربية بحرارة متناهية.

الأساس هو التوصل إلى تسوية هي بحد ذاتها فتيل لإشعال حريق آخر: المغرب العربي. اسبانيا، الاختصاصية بشؤون تلك المنطقة، كانت تدرك تماما أن تسوية مع المغرب تعني صراعا مع الجزائر، ولذلك ساومت. وبينما تستطيع هي وحدها التنصل من الاتفاقية بسهولة فان المغرب لا يمكنه ذلك إطلاقا، ففي تراجعه انهيار أسس إيديولوجية-سياسية كاملة.

ضمن هذا السياق لا يعدو التحول اللاحق في الموقف الاسباني نتاج ضغط خارجي بقدر ما يعني توقيتا ما لإعادة نظر مدروسة بعناية.

صحيح أن الجزائر مارست ضغوطا هائلة على اسبانيا فعززت دعمها لانفصاليي الكناري والباسك «آيتا»، وساعدت البوليزاريو على «اصطياد» الصيادين الاسبان في مياه الأطلسي في مياه الأطلسي بتعاون مع معارضي الكناري. وصحيح أيضا أن الجزائر مارست كل نفوذها على الفوري اليسارية والديمقراطية في اسبانيا لنسف اتفاقية مدريد، وقامت بحملة ديبلوماسية هامة ضدها.

لكن ما ليس صحيحا هو ما يجري الآن من تطورات باعتبارها انعكاسا لهذا الضغط. في الواقع، لا تهتم اسبانيا بالمصلحة الجزائرية-المغربية أكثر من اهتمامها بمصلحتها. وعندما وقعت على اتفاقية مدريد برعت بصياغة العبارات، فجاء الاسترجاع المغربي-الموريتاني عملا «إداريا» وذلك أن اسبانيا تنازلت فقط عن إدارة الإقليم، أما مصيره فقد ظل معلقا لإشعار آخر: «حركة جلاء الاستعمار لا تكتمل إلاّ بعد استشارة السكان، وإذا ذاك يمكن تحويل السيادة».

إذن فالسيادة مسألة غير منتهية وفق التحليل الاسباني، وبالتالي فإن فتح علاقات مع السكان، وممثلهم الجديد البوليزاريو، تبدو كمسألة منسجمة تماما مع هذا المنطق:

مشاركة على مستوى عال في المؤتمر الرابع لجبهة البوليزاريو، صرخات الكورتيس مطالبة بإعادة النظر باتفاقية مدريد، التطوع للقيام بوساطة بين الجزائر والمغرب.... رغم كل ذلك، فالموقف الرسمي يعيش حاليا حالة مخاض وتحول.

قد يكون لهذا التحول مسبّبات أخرى:

1- التخوف من تعاظم قوة المغرب وخروجه النسبي من دائرة «الغرب» إذ أن سيطرة دولة ذات تاريخ وبنية قادرة على النمو يجعل اسبانيا تستعيد برعب سنوات عبد الرحمن الثالث.

فالإستراتيجية الحربية في عهد فرانكو «كانت تعتبر الصحراء ظهر جزر الكناري» وقد أكد العسكريون الذين قاموا بتصريح في الكورتيس من 13 إلى 16 آذار/مارس 1978 على انه نمن البديهي أن «يحتمي ساحل بالساحل المواجه».

فوجود حكومة موالية بالقارة كان رئيسا بالنسبة لهذا التكتيك. وقد اعتقد قسم من وزارة ارياس نافارو، بعد تسليم الصحراء، ان هذه الحكومة الحليفة هي المغرب وذلك بفضل التقارب الإيديولوجي. واليوم تتأسف كل الطبقة السياسية والاقتصادية الحاكمة على هذا الخطأ.

فالمغرب، بالنسبة للمحافظين، قد يكون حليفا غير أن طبيعته التوسعية غالبة عليه. فمن الذي يستطيع أن يضمن، من الآن وحتى عشرين سنة، الا يخرج المغرب مخالبه، بعد هذا التضليل الذي يقوم به اليوم (45)؟

2- الرغبة في استمرار ورقة الصحراء لإرغام المغرب على قفل نهائي لقضية المناطق المحتلة في الشمال من قبل اسبانيا.

فالمغرب لحظة شعر بتردد في الموقف الاسباني سارع وزير خارجيته محمد بوستة ليطالب في هيئة الأمم المتحدة بضرورة انسحاب اسبانيا من سبتة وباقي الأراضي المغربية المحتلة.

وبالتالي فإن التلميح بنسف اتفاقية مدريد وهي الإطار القانوني الوحيد للمغرب، ينبغي أن يقابله سكوت دائم عن الاحتلال.

3- تأثيرات الوضع الداخلي الذي يشهد نوعا من الانفتاح منذ وفاة فرانكو، والقوى اليسارية ترى في الجزائر حليفا تقدميا مقابل «صديق» رجعي في المغرب.

الآن الموقف السياسي المعلن لم يكن دائما منسجما: انتصار الاشتراكيين عام 1931 لم يغير من طبيعة الاستعمار، فالهم الوحيد هو مصلحة اسبانيا بالدرجة الأولى، لا فرق إن كانت الحكومة ملكية أم جمهورية، يمينية أم يسارية.

الكونفدرالية الوطنية للشغل الاسبانية التي عقدت مؤتمرها في المنفى في مدينة تولوز الفرنسية في آب/أغسطس 1973 ذكرت في بيانها السياسي الصادر عن هذا المؤتمر أنه «ليست اسبانيا هي التي تستعمر المغرب. لأن الشعب الاسباني لم يطلب منه قط رأيه في المسألة، وبوصفنا اسبانيين جديرين بهذا الوصف، نتعشق الحرية والتقدم نعتبر أن رأينا قد عبر عنه المؤرخ والاجتماعي الكبير خواكين كوسطا حينما قال: يجب علينا أن نحترم المغاربة لأنهم كانوا أساتذتنا، ويجب علينا أن نحبهم لأنهم كانونا إخواننا. ويجب أن أخذهم دائما بعين الاعتبار لأنهم ضحايانا، لهذا نحيي بابتهاج اليوم الذي تتحرر فيه وتعاد إلى المغرب تلك المناطق التي أخضعت بطريقة غير عادية للمطامع الفرنكوية...» (46).

هذا الكلام نفسه سيتغير بعد انتهاء «سياسة المنفى» وبعد بروز التناقضات الجزائرية-المغربية فيصبح مناقضا لما سبق تبينه مبدئيا.

فالقوى السياسية الديمقراطية كلها، نقابات وأحزابا وجمعيات ومنظمات، رفضت اتفاقية مدريد الثلاثية وتطالب اليوم بدولة مستقلة في الصحراء الغربية يحكمها الصحراويون أنفسهم، تماما كما تمنى الجنرال فرانكو قبلهم بسنوات.

عبر الموقف الأخير عن نفسه من خلال تشكيل حركة أصدقاء الصحراء بزعيمها الحالي أنطونيو ماسيب هيدالغو، التي تضم حوالي ثلاثة آلاف عضو (حسب ما ذكره هيدالغو نفسه في تقريره الذي أرسله إلى ملتقى ماسي)، ومن خلال اتفاق عدد كبير من القوى العمالية والسياسية على معارضة اتفاقية مدريد. وأهم وثيقة ممثلة لسياسة وحدة المعارضة هي «الاتفاقية المضادة لاتفاقية مدريد 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1977» والتي وقعت بعد سنتين من الاتفاقية الثلاثية، من قبل 33 منظمة سياسية. وتنفي الوثيقة صلاحية الاتفاقية الموقعة مع موريتانيا والمغرب كما تحيي انتصارات الشعب الصحراوي على الصعيد الدبلوماسي والعسكري والثقافي، وتعترف بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وجاء في خاتمة الوثيقة «ان القوى الموقعة تؤكد على إرادتها في مواصلة تضامنها الفعال مع الشعب الصحراوي حتى يحرز على استقلاله وحريته».

وقد وقع على هذه الوثيقة: التجمعات البرلمانية الديمقراطية (الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني والحزب الشيوعي الاسباني، والحزب الاشتراكي الشعبي، انتلسا من كاتلانيا، واوزكاديكو ايزكارا، P.N.V، الأحزاب والقوى التي لا تستطيع المشاركة في الانتخابات...) ثم كل المؤتمر

VIII-IX, P.C.T O.I.C. Carliste P.T M.C

وكافة المنظمات النقابية، وعدد هام من المثقفين والفنانين والموظفين، ومن العسكريين والدبلوماسيين» (47)

الجدير بالذكر أن هذا الموقف يترافق مع تصعيد النضال الانفصالي في إقليم الباسك وكتالانيا وأن القوى الموقعة أدناه لم تلتق مرة واحدة تأييدا لمطلب الاستقلال والحكم الذاتي للباسكيين.

وأخيرا سواء اختلف اليسار مع سياسة فرانكو عام 1973، وعاد ليلتقي معها بعد وفاته، أم أن الموقف يعبّر عن قناعات بحت مبدئية لدى القوى الديمقراطية فأغلب الظن أن هناك موقفا موحدا يجمعها حاليا مع الحكومة ويدفع هذه الأخيرة تدريجيا نحو إعادة نظر كاملة في سياستها تجاه الصحراء: ليس المهم بالنسبة لاسبانيا قيام تحالف إيديولوجي مع المغرب بل المهم عدم قيام تحالف إيديولوجي بين المغرب والجزائر.

ذلك أن اسبانيا المواجهة للمغرب العربي لا ترضى بسهولة أن ترى على ذلك الشاطئ المقابل قيام وحدة سياسية تذكرها برحلة يوسف بن تاشفين.



هوامش الفصل الرابع...

(1) نقلا عن «نفح الطيب» =ذكره محمد العربي المساري في كتابه المغرب-اسبانيا في آخر مواجهة. ص 133

(2) المرجع السابق، ص 136

(3) المرجع السابق، ص 132

(4) يروي ف.د لاشابيل بان مرابطي وادي نون ودرعا والساقية الحمراء أعلنوا الجهاد وشكلوا جيشا مؤلفا من 10000 مقاتل وألفي خيال وهاجموا عام 1524 مراكز التواجد الاسباني وأبادوها عن بكرة أبيها، إلى درجة لم يعد ممكنا معها إيجاد أي اثر.

حول تفاصيل هذه المرحلة التاريخية من المفيد مراجعة:

F.De la chapelle; Esquisse d’une histoire du sahara occidentel, Hesperis,Rabat, 1930

أوغوديو اتيليو المرجع المذكور، ص 97

(5) أي أنه في مثل هذه الأيام منذ 558 سنة كان السبتيون يستفيقون على حادث مباغت. أنزلت في الميناء صناديق مقفلة كان يظن أن بها سلعا، «فإذا الصناديق مملوءة رجالا عددهم أربعة آلاف من الشباب المقاتل فخرجوا على حين غفلة من المسلمين واستولوا على البلد وجاء أهله إلى سلطان فاس مستصرخين، وعليهم المسوح والشعر والوبر والنعال السود رجالا ونساء وولدانا فأنزلهم بملاح المسلمين ثم ردهم إلى الفحص قرب بلادهم لعجزه عن نصرتهم، حتى تفرقوا في البلاد...»

هذا حسب ما ورد في الاستقصاء، المجلد الرابع، صفحة 92، ووفق ما ذكره المساري ص 131.

أما الغرب فيروي تاريخا آخر ذكر نموذجه المساري قائلا (ص 130) «وتميل المصادر الغربية بصفة عامة إلى إبراز التفوق والبراعة اللتين اتسمت بهما عملية الاستيلاء، حتى أن إحدى طبعات ميشلان المعروضة في الأسواق لتعريف السياح بتاريخ مدننا تقول أن «دون جواو الأول قرر أن يحتل سبتة لمجرد إتاحة الفرصة لأبنائه الخمسة لكي يظهروا مواهبهم القتالية».

(6) بدأ ذلك اثر وقوع احتكاك بين أعمال اسبانيا وفرنسا في جنوب المغرب، في فترة كانت فيها متفرغة لتوسيع حركة انتشارها في السنغال واسبانيا متواجدة في نقاط محدودة في الصحراء الغربية. حيث استتبع الحادث مفاوضات انتهت بدورها بتوقيع اتفاقية 27 حزيران/يونيو 1900 التي تعترف فرنسا بموجبها بالسيادة الاسبانية على الصحراء، دون أي تعيين لحدود هذه المنطقة.

أما الاتفاقيات الباقية فقد تحدثنا عنها في الفصل الأول.

(7) ذكرها المساري، المرجع السابق ص 89.

(8) وقعت أحداث برشلونة في صيف 1909 (حزيران/يونيو، تموز/يوليو، آب/أغسطس) وغيرت تحالفات القوى السياسية كلها إثر إرسال رئيس الحكومة «ماورة» قوات لقمع انتفاضة عمال المناجم حيث قتل 6 عمال وجرح 4 آخرين. اثر هذا الحدث شهدت برشلونة في 13 حزيران/يونيو 1909 مظاهرات صاخبة ضد الحكومة زاد أهمية فاعليتها كون برشلونة من أهم المدن الصناعية وتضم تيارات الكاتلانيين الانفصاليين المعارضين للقشتاليين المسيطرين على السلطة في مدريد. وطيلة أشهر الصيف كانت الصراعات مفتوحة بين الانفصاليين والاشتراكيين، ترافقت مع عمليات تخريب قام بها الفوضويون البرودونيون. الفلاحون والعمال والنساء والجنود والكنيسة وكل القوى السياسية كانت وسط تناقضات ذلك الصيف الحار الذي انتهى بسقوط «ماورة» ومجيء «موريط» زعيم المعارضة بدعم من الملك الفونسو الثالث عشر الذي انتهى عرشه إثر فوز الجمهوريين عام 1931.

(9) المرجع السابق، ص 21.

(10) المرجع السابق ص 23

(11) وردت المذكرة في المجلة الرسمية لمنطقة الحماية الاسبانية في المغرب، عدد رقم 24، الصادر في تطوان بتاريخ 31 آب/أغسطس 1934.

(12) نقلا عن المساري، المرجع المذكور، صفحة 23.

(13) ذكرها المساري ص 104. حول النص الكامل لهذه الرسالة من المفيد مراجعة جريدة «الحرية» التي كانت تصدر في تطوان، السنة الثانية، العدد 44 بتاريخ الخميس 16 شباط/فبراير 1939.

(14) في حوار أجريناه مع عجوز صحراوي من آية باعمران شارك في الحرب الأهلية الاسبانية قال لنا: اننا كنا نقاتل ضد الاسبان دون تمييز بين ملكيين وجمهوريين، فالاسبان كانوا أعداءنا ولم نمانع في القتال مع الملكيين ضد الجمهوريين ولا مع هؤلاء ضد أولئك.

(15) المرجع السابق ص 33.

(16) تعمدنا عرض النص الحرفي لهذا التصريح وهذا البروتكول وذلك بسبب من العمومية التي تميزه والتي ستساعد اسبانيا لاحقا على سياسة المماطلة وإطالة عمر الوجود الاسباني إلى أجل غير مسمى.

(17) المرجع السابق ص 38-39.

(18) الصحراء الغربية شعب وحقوق، فصل الثروات الاقتصادية واستثمارها ص 36.

(19) المرجع السابق ص 34. وتقول السيدة اسيدون في نفس الصفحة بأن احتياط المناجم بلغ في البداية 1.7 مليار طن ثم وصل 3.4 مليارات من الأطنان.

(20) أحمد باب مسكي، المرجع المذكور ص 13.

(21) حول المساهمة الأوروبية وجنسية الشركات، راجع غوديو اتيليو، المرجع المذكور ص 331-333.

(22) ابراهام السرفاتي، مقال نشر في مجلة أنفاس عام 1974 وللمقال أهمية إذ ان كاتبه كان يشتغل منذ 1969 مهندسا في وزارة المناجم ومن بعدها في الديوان الشريفي للفوسفات.

من المفيد أيضا مراجعة مقال بول المنشور في جريدة الموند ديبلوماتيك عدد آب/أغسطس 1975 بعنوان الصحراء الغربية تثير أطماع جيرانها حيث يتحدث عن ازدياد رخص التفتيش عن النفط المقدمة إلى الحكومة الاسبانية. راجع أيضا كتاب المساري المذكور ص 49 واتيليو ص 329-335.

(23) الصحراء الغربية، شعب وحقوق ص 30.

(24) غوديواتيليو، المرجع السابق، ص 34 وقد ذكر اتيليو في الصفحات 336-346 معلومات هامة بالتفاصيل والأرقام حول صيد الأسماك والثروات البحرية وعمليات استغلالها.

(25) سوف نستعرض هذه القرارات في الفصل السابع.

(26) وقد روى لنا بعض من وقعوا على هذه العريضة في مدينة العيون حقيقية الخدعة والرشاوي التي دفعها الحاكم العام.

(27) المساري المرجع السابق، ص 73.

(28) المرجع السابق ص 51-52.

(29) وقد حدثنا بعض من قابلناهم في مدينة العيون عن فظاعة الاعتداءات وعن عمق الأزمة وخاصة عند الشباب الراغبين في الزواج بدون التضحية بحقهم في «عذرية» الفتاة.

(30) ذكرها المساري، المرجع السابق ص 72.

(31) حول محادثات علال الفاسي ومينوس غراندس، راجع غوديو اتيليو المرجع ص 201-202.

(32) نقلا عن المساري المرجع ص 76.

(33) حول موقف الصحافة الاسبانية من الانتخابات المذكورة ونسبة المشاركة فيها ونتائجها، المرجع السابق ص 81.

(34) حول هذا الموضوع المرجع السابق، ص ص 53-54.

(35) المرجع السابق ص 95.

(36) ورد في كتاب خاص عن الصحراء أصدرته جبهة التحرير الوطني الجزائرية ص 16.

(37) نقلا عن المساري، المرجع السابق ص 82-83.

(38) وردت في كتاب جبهة التحرير، ص 17.

(39) حول موضوع العلاقات الاقتصادية الاسبانية-العربية، راجع المساري، المرجع السابق ص ص 110-112، حول البيانات التفصيلية بالمواد والأرقام من المفيد الرجوع إلى أعداد مجلة «افريقيا» الاسبانية الصادرة في مدريد وخاصة أعداد كانون الثاني/فبراير كانون الأول/ديسمبر 1973.

(40) المرجع السابق ص 106.

(41) المرجع السابق ص 117.

(42) نقلا عن المساري، ص 84-85.

(43) من تصريح لوزير الخارجية الاسباني ذكره كتاب جبهة التحرير ص 18.

(44) قال لنا أحمد ابراهيم ولد البشير، عضو البرلمان الاسباني سابقا، ان اسبانيا اقترحت على نواب الصحراء الخمسة (السادس جولي ولد النن، كان متغيبا بسبب المرض) تأييد الموقف الجزائري، وانهم رفضوا الاقتراح وطالبوا بالانضمام للمغرب.

بعد هذا الرفض نقل الاسبان البرلمانيين الخمسة إلى مبنى سفارة الجزائر حيث كان ينتظرهم وزير الخارجية بوتفلقية ووزير الداخلية وكولونيل في الجيش الجزائري. وقال ولد البشيران محادثات السفارة انتهت برفض الاقتراحات الجزائرية وبأن اسبانيا مارست عليهم ضغطا شديدا.

(45) الصحراء الغربية شعب وحقوق صفحة 85.

(46) من تقرير هيدا لغو إلى ملتقى ماسي الصحراء الغربية شعب وحقوق ص 87.

والجدير بالملاحظة أن هذه القوى الديمقراطية واليسارية التي تطالب قناعة باستقلال الصحراء عن المغرب، تسكت أيضا وعن قناعة على استعمار اسبانيا لمناطق المغرب الشمالية.





0 كلمات متنوعة باللغة العبرية
0 التطور التكنولوجي بين 1990-2011
0 17 قياديا وقّعوا سحب الثقة من عباسي وجماعته أرادت تطهير السلفيين
0 الطرق التي تجعل الشخص ينام بسرعة
0 العلويون يريدون ضمانا لسلامتهم لكي ينشقوا عن النظام
0 زياد الهمامي:أعطوه الميكروفون فأصبحوا نادمين! قوّوويه
0 زوج يصور زوجته اللبنانية لحظة انتحارها من الطابق الثامن في بيروت
0 لماذا تملك حواء شخصية معقدة ؟
0 ضيف الاسبوع – حوار مفتوح
0 مواضيع اللغة البرتغالية
0 ملابس الفتيات بين الحشمة وإتباع الموضة!
0 الافعال في الاسبانية
0 اتحدى اي عروس ماتبكي لما تسمعها.. اهداء لبسومتي
0 imane29 مبااارك الالفية الاولى
0 منزلٌ يتألق سحراً ويشع أناقةً في وسط العاصمة الإسبانية مدريد

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-24-2013 الساعة 09:23 PM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 09:16 PM   #17
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 33
المشاركات: 17,075
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 25
د/روليان غالي will become famous soon enough
الفصل الخامـس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي/علي الشامي





الفصل الخامـس من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

الأنظمة والصحراء: أزمة القوميات الواعية


الخميس 6 كانون الثاني (يناير) 2011

علي الشامي

صراعات الأنظمة وعقدة التجزئة [ صفحة 1 ]

اضغط هنا لتكبير الصوره


صراعات الأنظمة وعقدة التجزئة


فيما وراء سيل التصريحات الرسمية اليومية المفعمة بكل أنواع الوحدة والمصير المشترك والتعاون والتفاهم والتسويات العادلة وولع الجميع بسلام سحري يتجاوز المشاكل ويتربع فوقها، تبدو الكلمات تعابير وأقنعة. تعابير لأنها مجرد لغة استهلاك محلي، تعبئة وإلحاق بالكلمة، وأقنعة لأنها انعكاس صفاء الظاهر وتغطية عنف الباطن. أين تكمن السياسة الفعلية، الواعية والحاسمة؟ في نقاوة المقال السياسي اليومي (وصورته الجذابة مرآة التصريح الحكومي أو القلم السيال لصحافي موظف) أم في ظلام الباطن المحصن الذي لا يخترقه إلا نور نخبة محترفة للسياسة وطرقها ومختارة بدقة وعناء؟

في العالم العربي، يتعايش الظاهر مع الباطن كتعايش الناس مع الحاكم. للمحكوم الأهداف النبيلة (البعيدة المدى) وللحاكم سر التكتيك ومفتاح الإستراتيجية. وبينهما تتحول، بسهولة متناهية، المشكلات (الوطنية) إلى معادلة-عقدة: معادلة الشعب والحكم وأساسها الوحدة الوطنية ذات الضجيج المتواصل، وعقدة الحل وهي لحظة الفصل بين الشعب والحكم وأساها تحييد الأول واحتراف الثاني... وهكذا تتناقض وباستمرار التصريحات الرسمية المعدة لإشباع الأول والمواقف المضمرة المعاكسة لفن الثاني، أما التناقض (والذي هو غالبا لحظوي مثير للإعجاب) فهو ناتج بقدرة قادر.

بفضل تناقضات التصريحات الرسمية وتبدلها الدائم من جهة، وبفضل عمليات الفصل القسرية (الضرورات التكتيكية) بين الظاهر والباطن من جهة ثانية، ولأن «السر» بعيد المنال متحصن في كهف «أفلاطوني» لا يدخله إلا نور الملوك ورؤساء الجمهوريات وزعماء الأحزاب وأحيانا بعض كبار الضباط ورؤساء تحرير الصحف (الشرعية) من جهة ثالثة، فإن محاولة الاختراق الموضوعية أو الحيادية تغدو مسألة صعبة تحتاج لجهد وعناء قوامهما التنقيب في أخطاء الظاهر والعفوية وفي انتظار متلهف لكرم «مسؤول» يتربع بجرأة حذرة ليمنح «الموضوعي» فتاتا من ذلك الباطن.

تزداد الصعوبة المذكورة تعقيدا كلما اقتربنا من الباطن الفاضح، وكلما تجاوزنا عقبة من عقبات البحث واجهتا أخرى. فالتصريحات الرسمية لحكومات المغرب العربي تبدو أحيانا منسجمة تمام الانسجام، وأحيانا أخرى يشوبها توتر وتردد، وفي لحظات الاحتدام تكشف عن تناقضها الصريح. حالات الانتقال هذه ليست في الحقيقة إلا عجزا عن إبقاء السر ضمن جدران «القصر» (الجمهوري أو الملكي)، فالحاجة التعبوية استلزمت إخراجا أكثر فضحا للباطن. ولكن رغم ذلك تظل المسافة واسعة بين ما يعلنه الحاكم وما ريديه فعليا. الإشكالية، بهذا المعنى، قد تكون عامة وممارسة تقليدية لأساليب الحكم ووسائل تجاوز أزماته، إلا أنها تبدو نسبيا معقدة إذا كانت جزءا من عملية تأريخ. حاولنا، لتجاوزها، الدخول من باب التناقضات نفسها لنتعرف على مدى الفوارق الكامنة بين التصريح المعلن والموقف الحقيقي، وذلك بقصد مواجهة متكافئة تضمن لبحثنا أكبر قدر ممكن من «العلمية» والأمانة التاريخية.

قضية الصحراء الغربية هي تحديدا،وبشكل أساسي، الصورة الأكثر تمثلا لأزمة القوميات «العصرية» في المغرب العربي، والتي تزداد وضوحا كلما أدركنا أن الأطراف المعنية تعمل على تعميقها «بوعي» متقن ومدروس جدا، القوميات التي أسّس لها الاستعمار وتلقفتها بعفوية حركات التحرير الوطني غدت اليوم قويات واعية تجري في ثناياها عمليات رسم حدود نفسية وسياسية وإيديولوجية وجغرافية وذلك «لضرورات وطنية» ثمنها الاستراتيجي وشبه الأكيد (في حالة استمرار هذه العمليات) تصفية كل ما تبقى من وحدة المغرب العربي التاريخية. فالاستعمار يتقن ممارسة استعماره، قبله وبعده، بحيث أنه يخطط في البداية لإضعاف ضحيته، فيفتتها، بمعنى التجزئة. وفي مرحلة متوسطة يعمل على تحويل أشكال التفتيت إلى كيانات متناقضة فيما بينها، متفقة معه (تناقضات الأساسية تكوّن العامل المساعد لقيامها). لحظة انسحابه هي مجال إيصال هذه التناقضات إلى نقطة اللارجوع. فالنمو الداخلي والتركيب السياسي-الجغرافي للوطن الجديد جرى قياسهما بإشراف المستعمر وحنكته بشكل يضمن نموا متواصلا لهذه التناقضات وشحنها بفوارق إضافية (تحالفات) تحول دون تذليلها ودون تحول الوطن الجديد إلى صياغة نهج وحدوي يلغي ذلك الإرث الاستعماري.

تعكس هذه الوضعية التاريخية-المنهجية بدون أي التباس تجربة الاستعمار الغربي في افريقيا الشمالية، واسبانيا (الاستعمار المحتضر) لم تنسحب من الصحراء إلا لحظة يقينها بأن الانسحاب لن يكون مجرد تصفية لاستعمار بل وبشكل أساسي، مادة انفجار عام في منطقة الاستعمار وبين القوى المطالبة بتصفية تحديدا. والمسألة بديهية: موافقة فرنسا على استقلال المغرب أنتجت حدثين، الأول كان الانشقاقات السياسية داخل المغرب نفسه، والثاني، قيام دولة جديدة (موريتانيا) في المغرب العربي. موافقة اسبانيا على استقلال الصحراء (عنها) وتسليمها (إداريا) للمغرب وموريتانيا أسفرت بدورها عن تطورين: انشقاقات وخلافات حادة داخل المغرب نفسه (صحراويين ومغاربة) وانفجار عام للتناقضات في عموم منطقة المغرب العربي، قد ينتهي بقيام دولة إضافية... إذن، تظهر قضية الصحراء ضمن هذا السياق بوصفها أزمة مصير المغرب العربي نفسه وليست مجرد عملية استقلال (عن المغرب). فالأنظمة السياسية القائمة حاليا في المغرب العربي تسعى، من خلال قضية الصحراء، إلى تشريع حدودها القائمة وتثبيتها، أي تكريس واع للتجزئة، مهندسوه وطنيون بثقافة غربية. ولذلك، فإن لحظة تعاطي الأنظمة مع هذه القضية (الصحراوية) هي جوهرها لحظة إبراز لأزمة القوميات الواعية، ومجال تعميقها وترسيخها في عقول الناس وثنايا التاريخ: هذه هي المشكلة، أما الحل فهو في واد آخر.

وجدنا من الضروري، لتجاوز بعض إشكالات التأريخ، عرض الخلافات القائمة بين أنظمة المغرب العربي وخاصة الجزائر والمغرب وموريتانيا، التي تشكل، برأينا، الإطار الحاسم في تعيين المشكلة نفسها. بمعنى آخر، هناك الخلافات الكامنة (الباطن) المحركة باستمرار، والتصريحات والمواقف المعلنة (الظاهر). الجانب الأول حاولنا إتمامه بالعمل الميداني والمقابلات المباشرة، والجانب الثاني أحطنا به من خلال مراجعة شبه تامة لكل ما أصدرته الأطراف المذكورة من مطبوعات، منشورات، بيانات وتصريحات... وذلك دون الادعاء بأننا سوف نقدم عملا كاملا لا يعتريه نقص ولا خلل، خاصة وان معالجة أزمة هذه القوميات تحتاج إلى بحث آخر يتناول مجمل البنية الناشئة لأوطان المغرب العربي ولحكوماته التي تنادي بوحدتها ظاهريا بينما تكيل له الضربات بمطرقة مقوياتها محلية وخارجية وضحيتها التراث، أي الإطار الايجابي للمستقبل...

تشكل قضية الصحراء الغربية نقطة جذب وكشف لمجموعة أخرى من القضايا التي تفوق بأهميتها وتعقيداتها المشكلة المطروحة علانية، كما أن عدم معالجة القضايا الأخرى بشكل حاسم ونهائي سوف يُبقي القضية الصحراوية مشكلة طويلة الأمد، دورها الحقيقي يكمن في لجم التوصل إلى حل أهم هذه القضايا العالقة الأخرى، أو في فرض توازن جهوي ينتهي بقدرة أحد الأطراف على تحقيق شروطه. أهم هذه القضايا اثنتان تتفرع عنهما مشكلات صغيرة متعددة:

1- التاريخ: الهيمنة ونظرية المحاصرة:

انتهت المرحلة الأخيرة من الاستعمار الفرنسي لشمال افريقيا بقيام دول مستقلة عن بعضها البعض في كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا، غير أن النهاية اختلفت باختلاف البلد وبطبيعة العملية التي مهدت لاستقلاله سلما وحربا، وبالتالي فان النمو الداخلي للمستقلين الجدد لن يسير على وتيرة واحدة. وفي ذلك يكمن الإشكال الأول.

خلال السنوات الأخيرة التي سبقت استقلال الجزائر، كانت تنمو تعارضات سياسية-إيديولوجية بين المغرب الملكي والجزائر السائرة نحو جمهورية يقودها حزب خاض أهم حرب تحريرية ضد الاستعمار في افريقيا والوطن العربي. وبالتالي فان خوفا متبادلا كان يلوح في الأفق، عجّل بظهوره عدد من الممارسات الداخلية والخارجية. فالجزائر ترى في المغرب نظاما يملك باستمرار أدوات تهديد مصيري: لأن المغرب هو المغرب التاريخي، مصدر السلطات والإمبراطوريات ونقطة تجمع للتاريخ الإسلامي-العربي في شمال افريقيا، ولأنه أيضا يتمتع ببنية داخلية تجمعها حاجة استعادة وحدة ماضيه ويحتل موقعا جغرافيا مطوقا للجزائر، فان الاصطدام حاصل لا محالة. بالمقابل فان الجزائر، كوحدة سياسية، تسعى لانتشال نفسها من غموض تاريخي وإيجاد هوية قومية تاريخية بدونها تنتهي الثورة إلى مأزق حاد، دواؤه الوحيد الذوبان في وحدة المغرب العربي، إذ أن تجربة بني زيان القليلة لم تسفر عن تكون خصوصية جزائرية بالمعنى السياسي-الوطني. ففي مقابل المرينيين الذين سعوا لاسترجاع إمبراطورية الموحدين، كانت الجزائر الزيانية تدخل في أزمة انهيار الإمبراطورية الموحدية نفسها وتتحول إلى امارة عثمانية ومن بعدها إلى مستعمرة فرنسية. وفق هذا التطور يكون الشعور «الجزائري» بالانتماء إلى قومية جزائرية ضعيف جدا ولا يقارن إطلاقا بشعور «المغربي» الذي استطاع التمتع باستقلالية عن العثمانيين وعن الفرنسيين لسنوات طويلة، كما تصبح عملية تغذية هذا الشعور وتقويته مهمة ملحة ويومية لثورة تريد أن تتحول إلى دولة مستقلة ذات حدود وتاريخ مستقلين.

من جهته، يرى المغرب في الجزائر نفس الخطر المصيري. ففي الجزائر تجربة سياسية شعبية مسلحة، وفيها حزب «تقدمي» دخل في تحالفات عالمية وتحتصن بنهج توسيع قاعدي وإلحاق جماهيري مؤدلج بواسطة مؤسسات ناشطة في ثنايا المجتمع. وفي الجزائر تجربة نمو اقتصادي ملفت للنظر: فالحطام الجزائري الذي خلفته فرنسا وراءها بدأ يتحول إلى بناء نموذجي في افريقيا متخلفة، اعتمد منذ 1965 على التصنيع ضمن دائرة تشهد تخلفا قويا في الصناعات المحلية وتعيش على الواردات. استتبع كل ذلك ازدهارا ملحوظا في الصناعة الثقيلة (صناعة الحديد، المنشآت الميكانيكية، البتروكيماويات) والتحويلية (إلكترونيك، أقمشة، صناعة التعليب) والتنقيبية (نفط، غاز، حديد...) يضاف إليها إدخال صناعة الهايدروكاربونات في التنمية الوطنية، ووضع حوالي 500 مشروع صناعي قيد التنفيذ منذ أوائل السبعينات (صناعة البراغي، الصنابر، الجرارات، الشاحنات الثقيلة، الألبسة، مواد البناء...) يرافق كل ذلك الاستفادة من المواد الأولية في تطويق مظاهر النقص الأخرى سواء في تلبية مصاريف الدولة العامة (الأجهزة والجيش وأدوات السيطرة الداخلية) أم في استيراد المواد الغذائية (عام 1978 خصصت الجزائر 15-20% من عائدات النفط والغاز الطبيعي لاستيراد المواد الغذائية) أم أخيرا في مد جسور مع العالمين الغربي والشرقي بالنفط والغاز، وحركات التحرير في افريقيا والعالم العربي بالسيولة والتدريب... تدعم هذا البناء بانفجار سكاني وهجرة دائمة نحو المدن مركز الصناعة ومؤسسات الدولة. إذ أن الجزائريين، الذين بلغ عددهم عام 1960 حوالي تسعة ملايين شخص أصبحوا عام 1978 حوالي 18.25 مليون شخص (أي بزيادة سنوية مقدارها 3.2% و54% في غضون 18 عاما) يتجمعون حاليا في مناطق الشمال المحاذية للبحر الأبيض المتوسط بمعدل يبلغ 96% على مساحة 16/1 من مجمل المساحة العامة، بحيث تصبح مدن كالجزائر أو قسطنطينة مساحات ضيقة يسكن في كل منها مليونا شخص، بينما تبقى الولايات الجنوبية شبه خالية يتمتع فيها كل شخص بـ 2 كلم كثافة. نفس الشيء ينطبق على نمو حركة التعليم: جزائر عام 1960 شبه أمية، بينما جزائر 1978 تصرف 30% من ميزانيتها السنوية على تعليم ثلاثة ملايين طالب ابتدائي، و750 ألف طالب متوسط، و180 ألف طالب ثانوي و70 ألف جامعي يتعلمون في جامعات الجزائر وقسطنطينة ووهران وعنابة... إذا أضفنا إلى كل ذلك سياسة التأمين الشاملة، وخوف انتقال النموذج الجزائري عبر مغاربة وجدة (الذين يشاهدون على شاشة التلفزيون أخبار نضالات العالم الثالث ومؤتمرات حركات التحرير مع المسؤولين الجزائريين، أو يتطلعون باستغراب إلى الرئيس بومدين في حوار مع الفلاحين يتخلله اعتراضات تارة وابتسامات الرئيس-الأب تارة أخرى، أو حفل تدشين قرية اشتراكية الخ)، ومظاهر الاستقلالية السياسية على المستوى الدولي، بغض النظر عن حدود وأبعاد هذه الاستقلالية، تبدو الجزائر بالفعل مصدر خطر على المغرب الذي يعيش حالة نمو بطيء، وأزمات داخلية متواصلة مع ازدياد نفوذ الشركات الأجنبية، مترافق مع سياسة متحالفة مع الغرب على المستوى العالمي، ومتخوفة في نفس الوقت من امتداد التأثير «الجزائري» السياسي إلى داخل المغرب.

التاريخ القديم للمغرب يخيف الجزائر، والتاريخ الحديث للجزائر يخيف المغرب، والصراع بينهما يدور حول ضرورة استرجاع التاريخ القديم (أي استمرار الهيمنة المغربية) أو فرض التاريخ الحديث (أي قيام هيمنة جزائرية).

ضمن هذا السياق يمكن فهم الإصرار الجزائري على خلق قومية جزائرية مغايرة للقوميات المحيطة بها وبالتالي استيعاب حاجة الجزائر الماسة لحدود تاريخية ثابتة وشرعية ومعترف بها علنا من قبل المغرب بشكل خاص، كما يمكن فهم التكتيك المغربي الرافض لهذا الاعتراف والمتمسك إلى أقصى الحدود بترابه الوطني التاريخي (المغرب الكبير).

هذا الإشكال الأول يتمظهر داخل كل بلد بعمليات تعبئة إيديولوجية مستمرة، ترتكز في الجزائر على تراث تجربة التحرير وشعارات الاستقلالية وعدم الانحياز ومحاربة الامبريالية وتطوير النموذج الاشتراكي والحديث المتواصل عن تاريخ الجزائر العريق، وذلك لتبرير حالة التجزئة وقيام «الأمة» الجزائرية. وفي المغرب، ترتكز هذه العمليات على تراث المغرب القتالي ضد المسيحيين والعثمانيين، وعلى تراتب سياسي يُعيد على الأذهان تراتب الخليفة-المؤمنين ويقدّم المغرب نموذجا لدولة إسلامية عريقة بالحكم والتجارة والزود عن الثغور، وذلك كله في خدمة استعادة المغرب الأقصى، فتموت الوحدة لتنهض «الأمة» المغربية على أنقاضها. يتدعم هذا الإشكال بتعارض طفيف في الواقع بين صلاحيات ملك «ملكي» في المغرب ورئيس «جمهوري» في الجزائر، خاصة وأن السلطة الفعلية بيد فرد واحد في كلا البلدين دون أن يلغي ذلك تناقضات الأحزاب-القصر في المغرب، وتناقضات مراكز القوى في حزب الجزائر الواحد وجيشه العصري...

استتبع الخوف «التاريخي» المتبادل البحث عن هيمنة محلية أساسها التطويق وليس التصفية.

فالمغرب لا يقدر على إلغاء الجزائر، سياسيا طبعا، لأن تاريخ الجزائر الحديث يعطيها من القوة والتفوق أكثر بكثير مما يعطيه نفس التاريخ للمغرب، والجزائر لا تريد إسقاط النظام الملكي في المغرب ولم تعمل إطلاقا لتحقيق ذلك، إذ أن قيام مغرب تقدمي جمهوري سوف ينسف الأسس التي يقوم عليها الكيان الجزائري ويسمح باستعادة الوحدة باستعادة الوحدة القادمة من نواحي الأطلسي.

بالمقابل، فإن مغربا ملكيا ضعيفا يساهم في تقوية نفوذ الجزائر، على الأقل افريقيا، ويزيد في تدعيم هيمنتها.

إذن الخوف المتبادل استتبع تناقضا نموذجيا:

المغرب لا يقدر على تغيير الحكم في الجزائر، والجزائر لا تريد تغيير الحكم في المغرب.

وصلت مشاريع الهيمنة إلى ذروتها في بداية السبعينات:

الجزائر تعتمد على حضورها الدولي والافريقي والعربي وعلى الدور المتعاظم لبومدين في توازنات العالم الثالث لفرض سياستها في شمال افريقيا والانتهاء مرة واحدة والى الأبد من منطق الحقوق التاريخية للمغرب.

والمغرب يعتمد على وحدته الداخلية (بعد اندلاع حرب الصحراء) وتحالفاته الخارجية ليفرض على الجزائر سياسة الأمر الواقع ويدفعها إلى الانكفاء في أزمة تكونها الترابي.

إذن التناقض نادر الشكل ونادر الحل.

فالتطويق أو المحاصرة هو الشكل ونوع من الحل المرحلي، أما التصفيات السياسية للأنظمة بعضها لبعض فإنها عملية مؤجلة إلى إشعار آخر. فلا مغرب «عربي ملكي» قيد الإعداد ولا مغرب «عربي جمهوري» كذلك.

تتجلى نظرية المحاصرة بوضوح على مستوى الصراع حاليا حول الصحراء الغربية.

فالهيمنة التي تسعى إليها الجزائر والمغرب تطال مباشرة ميزان القوى المحلي الذي يقوم على أساس تركيب محور المغرب-الصحراء-موريتانيا أو محور الجزائر-الصحراء-موريتانيا.

وبالتالي فان مقدرة كل طرف على وضع الصحراء وموريتانيا في محوره تلعب دورا حاسما في تعيين طرف المحاصرة الغالب.

وبما أن موريتانيا تتمتع بضعف بنيوي فان انتقالها في سياسية تحالفات دائمة التبدل يجعل منها عاملا مساعدا وليس رئيسا في ميزان القوى الجزائري-المغربي، كما يجعل من الطرف القادر على ربح معركة الصحراء الغربية قادرا على استيعاب موريتانيا.

ولحظة قيام أي من المحورين تعني بدء التوجه نحو حرب دفاعية يباشرها أحد الطرفين (عندما نجح المغرب في تركيب محور المغرب-الصحراء-موريتانيا في أواخر عام 1975 كان الحل الوحيد لدى الجزائر هو الهجوم: دعم البوليزاريو وتنشيط عملياتها المسلحة، والمشاركة في الحرب وخاصة في امغالا شتاء 1976. وعندما نجحت الجزائر في تحييد موريتانيا وتقوية الطرف الصحراوي إعلاميا وعسكريا، أي بإقامة نوع من محور جزائري-صحراوي قوي مدعوم بحياد موريتاني بدأ يظهر إلى العلن منذ رحيل مختار ولد داده في صيف 1978، فان المغرب سوف يلجأ إلى التصعيد والتهديد بالمطاردة، وبالتالي الحرب ضد الجزائر.)

بيد أن الخلافات المذكورة وبروزها والخوف المتبادل والمحاصرة ليست في الحقيقة إلا شكل تجل للقضية الثانية الأكثر حساسية وتعقيدا وقدرة على الحسم، وهي قضية الحدود، التي يتوقف عليها إدراك مفاصل الخلاف الجزائري-المغربي حول الصحراء الغربية.

2- خلاف الحدود أو الدفاع الواعي عن الإرث الاستعماري:

قبل أن تصل القوات الفرنسية إلى ميناء الجزائر في صيف 1830 كانت الامتدادات الترابية للجزائر والمغرب خطا جغرافيا يربط وحدات اجتماعية ببعضها بمتانة سياسية-إيديولوجية تستمد دعائمها من صناعة التاريخ المحلي المشترك.

فالمنطقة الممتدة من وهران على المتوسط وصولا إلى شرق تندوف على مفترق الطريق الصحراوي الذي يوصل شمال افريقيا بالسنغال ومالي والنيجر والمحيط الأطلسي لم تعرف حدودا قاطعة وفاصلة بالمعنى الوطني.

كما أن وجود العثمانيين في الجزائر لم يعين فوارق بين جزائر اليوم ومغرب الأمس، والاختلاط الجغرافي ظل مهيمنا على وهران (منطقة الصراع العثماني-الاسباني) وتلمسان (منطقة الصراع العثماني-المغربي). وصحراء الشرق، التي لم يعرها استراتيجيو السلطة العثمانية اهتمامهم اللازم، بقيت منطقة انتقال حر تلتحق قبائلها بشكل أو بآخر بالسلطان المغربي (البيعة للسلطان، تداول النقد الحسني).

بدأت الفواصل الجغرافية تظهر إلى حيز الوجود مع ضرورات بسط السيطرة الفرنسية على النقاط الإستراتيجية، وأخذت محطات التمركز العسكري الفرنسي تنشئ في مواطن ترحالها حدودا تلحقها بالإشراف الفرنسي المستوطن في الجزائر وذلك ضمن خطة التقدم البطيء نحو الأطلسي والصحراء الجنوبية-الشرقية الهادفة إلى إدخال المغرب الأقصى في منطقة النفوذ الفرنسي ووصل المناطق الشمالية-الشرقية من المغرب العربي بافريقيا الغربية.

في البدء كان المطلوب إيقاف حركة التمرد الجزائرية المتمثلة بالأمير عبد القادر وقاعدة انطلاقها الحدود الشرقية للمغرب الأقصى.

إذ أن تصفية العلاقة السياسية الجزائرية-المغربية (الأمير عبد القادر-السلطان) تمهّد الطريق لتفتيت وحدة المواجهة المحلية وتضرب مباشرة الرفض الجزائري ولاحقا تخضع سلطان فاس.

اثر معركة ايسلي (14 آب/أغسطس 1844) وقعت فرنسا والمغرب على معاهدة ثنائية يمنع بموجبها السلطان المغربي من تقديم المساعدة للجزائريين وتُعين بطريقة مباشرة حدود سيادته.

بالمقابل شكل توقيع السلطان على هذه المعاهدة تنازلا الزحف الفرنسي وبداية الانكفاء نحو الشمال وانتظار الضربات المتتالية للفرنسيين والاسبان. الصلة السياسية انقطعت بينما الحدود بدأت تتعرّف على فواصلها الأولية بنقاط التمركز العسكري.

أعقب هذه المعاهدة اتفاق حول الحدود، ذكرناه بالتفصيل الأول، (معاهدة لالا مغنية في 18 آذار/مارس 1845) يُعتبر من أوائل وأهم الاتفاقيات حول الحدود المغربية-الجزائرية.

فقد نصّ الاتفاق على تحديد دقيق يأخذ بعين الاعتبار، من جهة أولى، مصلحة التقدم الفرنسي ومن جهة ثانية، يعتمد على الحدود العثمانية-المغربية كارتكاز تاريخي مبقيا الصحراء الشرقية (تندوف وجوارها) دون أي تحديد، مع حرية انتقال القبائل والاستيطان الحر بدون موانع لا سياسية ولا إدارية. وقد ترافق هذا التحديد بظاهرتين: مقاومة المغرب الأقصى (المحدودة) وعدم التزام فرنسا بحدود 1844 ومواصلة التقدم الحثيث باتجاه الأطلسي، او كما يقول علال الفاسي: «وقد اعترفت فرنسا بهذه الحدود سنة 1830 عندما قنبلت الشواطئ المغربية وطلبت من جلالة مولاي عبد الرحمن أن يسترد خليفته من تلمسان ويسحب جنوده إلى غربي نهر تافنا، وكان النهر المذكور حدا فاصلا بين المغرب وولاة الأتراك منذ استيلائهم على المغرب الأوسط، ولما برقت لفرنسا بارقة الغلبة سنة 1844 اعتدى قواد جيشها الفاتح على التراب المغربي. فانشؤوا مخافر عسكرية بجامع الغزرات وللاّ مغنية من قبيلة بني واسين، وكان المغرب يعتبر هذه قبيلة مغربية، فاضطر إلى أن يدافع بحد السلاح عن حدوده، وخاض من أجلها معركة ايسلي التي كلفت غاليا، ولما انعقدت معاهدة الصلح بتاريخ 10/9/1844 أكدت مادتها الخامسة الحدود القديمة بين ملوك المغرب وولاة الأتراك. ولكن المعاهدة التي عقدت في السنة التي بعدها بتاريخ 18 آذار/مارس جعلت هذه الحدود تتقهقر إلى الغرب لتبدأ من نهر كيس أمام مرس عجرود فسلب المغرب الشريفي بذلك من أخصب بقاعه وامنع جهاته...» (1)

انتهى القرن التاسع عشر بوضعية هجوم فرنسي نحو الأطلسي والصحراء وازدياد التنافس الأوروبي حول المغرب الأقصى. فقد استطاعت فرنسا طيلة النصف الأخير من القرن الماضي ضبط الوضع الداخلي في الجزائر وإغراقها بالمعمرين والتمركز على مشارف المغرب الأقصى الصحراوية والساحلية تمهيدا لتحصين الوجود الفرنسي ضد محاولات التقدم الألماني في افريقيا ولإضعاف نفوذ السلطان المغربي المتحالف مع انكلترا. كما لعب اكتشاف فرنسا لأهمية الطريق التي تربط الصويرة بـ تواط دورا في تسريع حركة التقدم الفرنسي الذي سرعان ما أخذ صيغة قانونية في بروتوكول 1901 ومعاهدة 1902، حيث زادت فرنسا صلاحيتها وعملت على تمركز القبائل وتسمية نقاط الفصل الجغرافية داخل كل منطقة. فالحاكم العام الفرنسي قرّر «ان الحدود الطبيعية بين المغرب والجزائر تقع على المولويا، إذ كان يجب، بمواجهة الأطماع الألمانية، احتلال بأسرع وقت كل الأرض التي تفصل جنوب وهران عن الأطلسي الكبير». وهو نفسه (أي الحاكم الفرنسي) الذي ساند انتفاضة بوحمرا لعزل باقي المغرب جهة وجدة وجبال بني سناسين واحتلالها بسهولة، ودفع كوبولاني للتقدم نحو موريتانيا ونسج علاقات مع المشايخ خصوم الشيخ ماء العينين، داعما بالمال «كل المسافرين-الجواسيس (فوكو، دوتي، جنتيل، بريف الخ) الذين حضّروا الفتح السياسي والعسكري للمغرب» (2).

ورغم توقيع اتفاق ثالث عام 1910، فان تحديد الحدود بقي محافظا على غموضه، ولم يشمل إلا تحديدا ملتبسا للحدود الشمالية-الغربية والجنوبية-الشرقية أي من فيجويج إلى مسافة 200 كيلو متر باتجاه ايغلي. ومنذ توقيع معاهدة الحماية الفرنسية مع المغرب والقوات الفرنسية تتقدم باتجاه الشمال لإيصال حدودها (الجزائرية) إلى منطقة النفوذ (النظري) لاسبانيا، وباتجاه الجنوب لتطويق امتداد ثورة الشيخ ماء العينين والكنتة بقيادة سي عابدين في جنوب المغرب وموريتانيا. ضمن هذا السياق يأتي احتلال كولمب بشار وتندوف، إذ أنه في نهاية شهر آذار/مارس 1935 كانت المنطقة الشرقية المتنازع عليها الآن قد أصبحت في قبضة الفرنسيين القادمين من الجزائر. اثر ذلك وضع الكولونيل ترنكة Trinquet حدا فاصلا بين منطقتي نفوذه يسمى باسمه (خط ترنكه)، خاصة وأنه كان المسؤول العسكري في كل من الجزائر والمغرب يدير شؤونه من مركزين واحد في كولومب بشار (الجزائر) وواحد في تزنيت (المغرب)، وذلك يهدف تسهيل حركة خط المواصلات القائم بين أغادير وتندوف وبير موغرين وضمان تنظيم المراكز وانتقال القوات الفرنسية الخاضعة للقيادة العسكرية في المغرب والجزائر وافريقيا الغربية... (3)

لغاية بداية الخمسينات كانت قضية الحدود تسير في وجهة محددة تماما: المشروع الفرنسي. أما المغرب الأقصى الذي كان يعتبر التقدم الفرنسي إنما يتم على حساب نفوذه وتقليلا لحدود منطقة الحماية وتوسيعا للمستعمرة الفرنسية (الجزائر) فانه لم يطرح الموضوع إلا بصفته هذه، أي نوعا من الرفض للهيمنة الفرنسية وليس تحديدا جغرافيا فاصلا بين المغرب والجزائر بوصفهما منطقتين منفصلتين تاريخيا. بدأت عملية الحدود بالتحول إلى خلاف جزائري-مغربي لحظة اشتداد حرب التحرير الجزائرية وحصول المغرب على استقلاله السياسي عن فرنسا.

عندما اندلعت حرب التحرير الوطني في مناطق الاحتلال الفرنسي في تونس والجزائر والمغرب كانت فرنسا قد دخلت في مواجهة خطرة ومعقدة. فهي تحارب على ثلاث جبهات نموا نضاليا يتضمن إمكانية قيام وحدة سياسية في المغرب العربي تهدد مباشرة المصالح الإستراتيجية لفرنسا في افريقيا والمشرق العربي، كما تضعف نفوذها على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. فالتنسيق العسكري كان يترافق مع تطوير العلاقات السياسية بين حزب الاستقلال وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب الدستور والتونسي والتي وصلت إلى ذروتها في مؤتمر طنجة الذي تنعقد في نيسان 1958 للبحث في قيام المغرب العربي الواحد، وتحويل مكتب المغرب العربي في القاهرة إلى مركز للنشاطات المشتركة.

بهدف تطويق هذا المد التحرري-الوحدوي عمدت فرنسا إلى مخطط فرق-تسد دعمته بتقديم تنازلات سياسية مترافقة مع تعميق واقع التجزئة وتكثيف الدويلات. فوافقت من ناحية أولى على منح الاستقلال لمنطقتي الحماية في تونس والمغرب، وأقامت الخطوط المكهربة على طول الحدود الجزائرية-التونسية والجزائرية-المغربية لمنع انتشار حرب التحرير الجزائرية وتطويقها وسد منافذها وقواعدها الخلفية عن الداخل، وفي نفس الوقت سعت إلى خلق تناقضات محلية بالتعاون مع حلفاء محليين لإجهاض الثورة الجزائرية ودعم الاتجاهات المعادية للمد التحرري في تونس والمغرب.

فتح استقلال المغرب الثغرة الأولى في العلاقات الجزائرية-المغربية، فالمنطقة الصحراوية التي مركزها تندوف خلقت إشكالا سياسيا: هل هي مغربية وبالتالي ينبغي ضمها لمنطقة الاستقلال أي انسحاب فرنسا منها، أم جزائرية وبالتالي تحريها بالقوة مثل باقي المناطق وما هي ماهية التعاطي مع هذه المنطقة التي تحتفظ بميزة مساعدة لجبهة التحرير التي تربط قواعد الخارج قواعد الداخل عبر ممرات ضيقة؟ حاولت فرنسا تجاوز المشكلة باقتراحين: الأول قيام دولة صحراوية في كل المنطقة الصحراوية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى تندوف، وقد رفضته الحكومة المغربية بحجة أنه تجزئة للوطن المغربي. والثاني، منح «الصحراء الجزائرية جنوب ما يعرف بخط ايجلي –حاسي مسعود- حاسي الرمل حق تقرير المصير» الذي رفضته جبهة التحرير الوطني الجزائرية معتبرة إياه «محاولة لتجزئة الوطن الجزائري» (4).

الأجوبة الجزائرية-المغربية على المحولات الفرنسية أظهرت الخلافات «الجغرافية» ومنذ تلك اللحظة بدأت المفاوضات والصراعات بين قيادة جبهة التحرير والقصر الملكي المدعوم من حزب الاستقلال. المفاوضات كانت فاشلة والصراعات صامتة. محادثات عبد الحميد المهري مع الملك محمد الخامس في مدريد عام 1955 كانت البداية:

الثوار الجزائريون يلاحظون بوادر انحياز مغربي إلى جانب فرنسا اخذ شكله الأولي بإيقاف العمليات المسلحة ضد فرنسا وبالمشاركة في مراقبة الحدود الجزائرية-المغربية خدمة لفرنسا. واستقلاليو المغرب، رغم تعاطفهم مع الجزائريين، كانوا يتخوفون من استمرار الحرب الجزائرية واتساعها بشكل يهدد مكاسب الاستقلال الجزائري ويدفع بالتالي القيادة المغربية للانخراط مجددا في العمليات الحربية ضد فرنسا (كما حصل فعليا في جنوب المغرب بعد إعلان الاستقلال).

رغم الخلاف، استطاع المغاربة والجزائريون إبعاد فرنسا عن الموضوع الذي خلقته هي وأرادته أن يكون كذلك، أي خلافا. فجبهة التحرير تحولت إلى ممثل شرعي للجزائر والملك محمد الخامس رفض بحث موضوع الحدود مع السفير الفرنسي في الرباط الكسندر بارودي عام 1956 مفضّلا التفاوض مع جبهة التحرير، أعقب ذلك انسحاب رسمي عام 1958 من لجنة الحدود الفرنسية-المغربية على اعتبار أن الطرف المعني بذلك هو الحكومة الجزائرية المؤقتة.

وبالفعل بدأت المحادثات الجزائرية المغربية عام 1958 اثر الاشتباكات المستمرة التي وقعت طيلة عامي 1956-1958 بين قوات جبهة التحرير والقوات المغربية، واستمرت ثمانية أيام دون أي نتيجة.

فالوفد الجزائري (عبد الحميد المهري، هواري بوميدن، بن خدة، فرحات عباس...) كان متمسكا بالحدود التي رسمتها فرنسا معتبرا أن حدود الجزائر تصل إلى منطقة الاحتلال الفرنسي بينما تبدأ حدود المغرب من منطقة الحماية. أما الوفد المغربي (الحسن الثاني، علال الفاسي، محمد البصري، المهدي بن بركة، المحجوب بن صديق، أحمد بلا فريج...) فقد كان يرى أن حدود الجزائر تبقى في دائرة نفوذ السيطرة العثمانية، وان احتلال فرنسا للجزائر ومصلحة الأولى بالتقدم نحو المغرب كان يتم على حساب الحدود التاريخية للمغرب الكبير، وبالتالي فان تندوف يجب أن تعود للمغرب فور إنهاء الاحتلال الفرنسي...

أنهت المحادثات إلى فشل حاول الجزائريون تجاوزه باقتراح تأجيل الموضوع إلى ما بعد تحقيق الاستقلال.

وعشية الانتصار حاول الطرفان التوصل إلى حل حالت دون تحقيقه خلافات جوهرية تتجاوز قضية الحدود نفسها. إذ انتهت الجولة الثانية من المحادثات بالتوقيع على بيان رسمي حول الموضوع تتضمن تأجيلا آخر، ونص على وعد بناء المغرب العربي على أساس التعاون الأخوي.

نشرت الحكومة المغربية هذا البيان لأول مرة في 2 أيلول/سبتمبر 1963 وقد نص حرفيا على ما يلي: «أن حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب، والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، تحدوها مشاعر التضامن والإخاء المغربيين، ووعيا منهما بمصيرهما الافريقي، ورغبة في تجسيم المطامح المشتركة لشعبيهما قد اتفقا على ما يلي:

«وفاء لروح مؤتمر طنجة المنعقد في شهر نيسان/ابريل 1958، ونظرا لتعلقهما المتين بميثاق مؤتمر الدار البيضاء (5) والقرارات المتخذة من قبله، تقر الحكومتان السعي لبناء المغرب العربي على أساس المشاركة الأخوية في المجال السياسي والاقتصادي.

وتؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه من اجل الاستقلال ووحدته الوطنية، وتعلن عن دعمها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضتها مع فرنسا على أساس احترام وحدة التراب الجزائري وستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكل الوسائل كل المحاولات الرامية إلى تقسيم أو تفويت التراب الجزائري.

وتعترف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من جانبها بان المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدود المفروض تعسفا فيما بين القطرين سيجد حلال له في المفاوضات بين حكومة المملكة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة.

ولهدا الغرض تقرر الحكومتان إنشاء لجنة جزائرية-مغربية ستجمع في اقرب أجل لبدء دراسة هذا المشكل وحله ضمن روح الإخاء والوحدة المغربية.

وتبعا لذلك فان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ان الاتفاقيات التي يمكن ان تنتج عن المفاوضات الفرنسية-الجزائرية لا يمكن أن تنطبق على المغرب فيما يخصّ تخطيط الحدود بين الترابين الجزائري والمغربي.

وقع في الرباط بتاريخ 6 تموز/يوليو 1961

توقيع: صاحب الجلالة الحسن الثاني ملك المغرب.

توقيع: صاحب السعادة فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية».

أدخل إعلان استقلال الجزائر في أول تموز/يوليو 1962 الخلاف في دوامة تصعيدية لا تزال لغاية الآن العقبة الأكثر حساسية وخطورة في علاقات البلدين. فالجزائريون، بعد سنوات النضال المرير، وجدوا أنفسهم في خندق متعارض مع المغرب الملكي، والمغاربة، لاحظوا بوادر «جزائر ناصرية» سوف تسعى لا محالة إلى تطويق المغرب، فالسيطرة الجزائرية على تندوف تعني إغلاق طريق الصحراء بوجه المغرب واتصال الجزائر بموريتانيا والجنوب المغربي.

إضافة إلى هذه المعادلة، فان غياب القناعة الجدية بوحدة المغرب العربي، وخاصة لدى القادة الجزائريين (6) وبروز نزعة الغلبة لدى المغاربة عند طرح موضوع الوحدة، أوصل التناقضات إلى مستوى جديد: تناقض قوميات. فالجزائر تتحصن ضد قومية مغربية قادرة على إذابة قومية جزائرية قيد التكوّن، والمغرب يتحصن ضد قوميات ناشئة تحاصره من جميع الجهات وتحيل وحدته التاريخية إلى فتات.

منطق القوة قطع طريق المفاوضات، ولحظة إعلان الاستقلال الجزائري كانت لحظة التحضير لأول حرب جزائرية-مغربية: بعد إعلان الاستقلال مباشرة تقدمت القوات المغربية واحتلت أهم المواقع الإستراتيجية على الحدود، ردت الجزائر بطلب الانسحاب الفوري وبتحضير دعم مصري لقواتها المنهكة.

بدأت الأمور تتصاعد عندما أوعزت الحكومة المغربية لبعض القبائل بالتحرك والمطالبة بالانضمام للمغرب، مما دفع الجزائر للرد الفوري وإسكات القبائل بالقوة، المر الذي أدى إلى حدوث صدامات مسلحة بين الجانبين وسقوط 130 قتيلا.

أعقب ذلك مباشرة تقدم القوات المغربية نحو تندوف قابله محاصرة جزائرية لفيجويج واتساع رقعة المعارك لتشمل منطقة حاسي بيضا-تندوف من جهة وايش-فيجويج من جهة ثانية، طيلة شهر تشرين الأول/أكتوبر 1963 (استمرت الحرب من 8-10-63 إلى 2-11-63)، ولم تستثن من الحرب إلاّ منطقة كولمب بشار التي كانت لا تزال محتلة من قبل القوات الفرنسية (7). انتهت الحرب بإعلان لوقف إطلاق النار في 2-11-1963 بعد وساطات عربية وافريقية، خاصة وساطة الإمبراطور هيلا سيلاسي والرئيس موديبوكيتا لجنة خاصة من منظمة الوحدة الافريقية لدراسة الموضوع والوقوف على وجهات نظر الطرفين.

أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة عام 1964، اجتمع الملك الحسن الثاني بالرئيس الجزائري بن بيلا بحضور الرئيس المصري عبد الناصر وعالجوا مجتمعين قضية الحدود المذكورة.

انتهت المحادثات بتوقيع اتفاق بتاريخ 20 شباط/فبراير 1964 خاص بالحدود الجزائرية-المغربية. نصّ هذا الاتفاق على إعلان منطقة مجردة من السلاح، وانسحاب القوات المسلحة إلى مسافة سبعة كيلومترات من قبل الطرفين، والتمركز في حدود ما قبل الحرب، أي خارج منطقتي حاسي بيضا وأم العشار.

وفي 5 آذار/مارس 1964 جرى تبادل إطلاق سراح السجناء الموقوفين لدى الطرفين (8). بالنسبة للحدود، ذكر الاتفاق أن المرتفعات المطلة على فيجويج وايش تصبح مناطق مجردة من السلاح، أما منطقة حاسي بيضا وتندوف، بسبب من طبيعة الأرض الصحراوية فقد جرى تقسيمها بين البلدين بحيث تشرف الجزائر على تينفوشي والمغرب على تاغونيت..

لكن الاتفاق المذكور لم يحل المشكلة الأساسية (منطقة تندوف) ولم يتجاوز الأساس العميق والفعلي للخلاف.

رغم محاولات منظمة الوحدة الافريقية المتكررة (في دورة 24-29- شباط/فبراير 1964 في لاغوس، ودورة تموز/يوليو 1964 في القاهرة، ودورة 25 شباط/فبراير و9 آذار/مارس 1965 في نيروبي، ودورة 31 تشرين الأول/أكتوبر- 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1966 في أديس أبابا) فان القضية ظلّت معلّقة، والحلول العابرة غير النهائية كانت لتهدئة الخواطر ليس أكثر.

زاد اكتشاف الحديد في تأزيم الوضع دافعا الطرفين إما إلى حرب جديدة وإما إلى مفاوضات مباشرة أساسها الاستغلال المشترك والبحث الهادئ عن تسوية سياسية.

ففي أيار/مايو 1963 أعلنت الحكومة الجزائرية عن تأميم ثروات ما تحت الأرض دون استثناء حديد الصحراء الشرقية، رافق ذلك انفجار التناقضات في المؤتمر التاسع لمنظمة الوحدة الافريقية (25 تموز/يوليو) وحدوث صدامات مسلحة في فيجويج وتدهور الوضع العسكري بعد حادثة بشار (22-1-1967). كما عرفت تلك الفترة أول محاولة لتدويل القضية: العاهل المغربي يتجول في الولايات المتحدة بحثا عن السلاح ويطالب في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 28 شباط/فبراير 1967 باهتمام دولي بموضوع التسليح وبالإشراف على الأمن في المنطقة.

والرئيس بومدين يزيد من طلبات الأسلحة من الاتحاد السوفياتي متفرغا منذ وصوله إلى السلطة عام 1965، لمعالجة جذرية قائمة على إقرار جزائرية المنطقة المتنازع عليها وان استلزم ذلك حربا أخرى أو تنازلات من نوع آخر.

كانت هذه المرحلة القاعدة الأساسية لتشابك قضية تندوف مع قضية الصحراء الغربية وإلى تلك الفترة بالذات يعود هذا الارتباط المعقد.

فالموقف الجزائري من مغربية الصحراء تمليه ضرورة المساومة مع المغرب إلى أقصى الحدود ودفعه للتنازل النهائي عن تندوف والإقرار بجزائريته: مغربية الصحراء الغربية يقابلها جزائرية الصحراء الشرقية وما عداهما فانه قابل للنقاش، خاصة وأن نظريات الحدود والجغرافيا تقدم مادة غنية للابتزاز السياسي لكلا الطرفين، ميزان القوى العسكري لا يسمح بمواجهة مباشرة. وبما أن ملف الصحراء الغربية بعيد عن الحل القريب، فإن المغرب غير مستعجل لإعلان تنازله عن تندوف وبالتالي بدء سياسية مفاوضات ثنائية قوامها اللاحسم من جانب المغرب وإصرار على إغلاق نهائي لملف الحدود من جانب الجزائر، وذلك لسببين:

أولا- لأن الاعتراف الرسمي بجزائرية تندوف يساعد على تحقيق تفوق استراتيجي على المغرب. فالمنطقة الحدودية المتنازع عليها تبعد كثيرا عن العمق الجزائري (المدن الكبرى والساحل) من ناحية وتجعل الجزائر في وضع يساهم في تعزيز الإشراف الجزائري على منطقة الأطلسي والوديان المغربية، أي مراقبة مضمونة للعمق المغربي من ناحية ثانية، بالمقابل فان استمرار التوتر برغم الجزائريين على التواجد الأمني الدائم الاستنفار في مناطق واسعة بعيدة عن المركز الحيوية الآهلة بالسكان وصعبة المواصلات.

ثانيا: لأن استغلال مناجم الحديد يستلزم موافقة مغربية على تمريره نحو الأطلسي وبالتالي طرح موضوعي الاستغلال المشترك ومصير الصحراء الغربية.

ففي المنطقة الواقعة على مسافة 120 كيلومترا جنوبي تندوف، وعلى مقربة من منطقة تدعى عارة جبيلات، وبالقرب من الحدود الموريتانية أيضا، توجد مناجم الحديد التي تعتبر من أهم المناجم في العالم، إذ تقدر نسبة الاحتياط أكثر من ملياري طن من النوعية المرتفعة.

وفي عام 1965 بدأت شركة «صونرام» الجزائرية أبحاثا مكثفة لمعرفة كيفية استخراج الحديد وتسويقه إلى الخارج. ولكي تحقق العملية أرباحا معقولة، وجدت هذه الشركة من الضروري إنتاج ما يقارب 10-15 مليون طن سنويا، وانه يجب إيصال هذه الكمية إلى مرفأ قادر على استقبال سفن ذات حمولة تقدر بـ 100 طن.

ولأن الحصول على أحسن الأسعار يتطلب إيصال الحديد إلى البحر عبر أسهل الطرق وأقربها، فان الشركة المذكورة درست حوالي 84 احتمالا من ناحتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وانتهت إلى قناعة مفادها أن انسب ممر هو الذي يصل مناجم غارة جبيلات بالمحيط الأطلسي على الساحل المغربي بالقرب من الطرفايا، أي عبر خط سكة حديدية يبلغ طوله 515 كلم مقابل 1300 كلم مع أرزيو في الجزائر و1400 كلم مع نواذيبو في موريتانيا.

ولما كان المشروع الجزائري صعب التحقيق بدون موافقة المغرب، فإن الأخير كان يساوم مستعملا امتيازاته الجغرافية. بالمقابل كانت الجزائر تبحث عن مخرج لتقلّل من قيمة هذا التفوق المغربي فوجدت في الصحراء الغربية وسيلة مربحة. وفي سياق البحث عن اتفاق يرضي الطرفين، قبل تطورات قضية الصحراء، كانت الجزائر تجري مفاوضات صعبة مع المغرب للتوصل إلى اتفاق نهائي، بينما المغرب، الذي لم يكن على عجلة وملف الصحراء لم يغلق بعد، فانه سيكتفي بالموافقة النظرية دون أي تطبيق عملي، مما يجعل القضية تعود من جديد إلى منطق ميزان القوى السياسي ضمن إطار سياسة التفوق والهيمنة في المغرب العربي.

لذلك فان اتفاقية ايفران الجزائرية-المغربية الموقعة بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 1969 من قبل الرئيس بومدين والملك الحسن الثاني أدت فقط إلى تهدئة الخلافات ونصّت بعمومية شفافة، على الأخوة وحسن الجوار والتعاون المشترك لمدة عشرين عاما، وتضمنت احترام كل من البلدين لسيادة البلد الآخر ووحدة ترابه وامتناع كل طرف عن التدخل في الشؤون الداخلية للآخر وعدم اللجوء إلى السلاح في معالجة القضايا العالقة أو المستجدة بينهما.

غير أن النص سمح كالعادة، لكل طرف بتفسيره كما يشاء. فالجزائر تعتبره اعترافا مغربيا بجزائرية تندوف، والمغرب يعتبره إقرارا جزائريا بمغربية الصحراء.

وفي مؤتمر قمة بومدين-الحسن الثاني المنعقد في تلمسان بتاريخ 27 أيار/مايو 1970، أعلن العاهلان عن اتفاق جديد حول قضية الحدود واستغلال حديد غارة جبيلات، تكررت فيه نفس عبارات اتفاقية ايفران مع بعض التجديد.

ففي هذا المؤتمر بحث الطرفان حدود الممر البري إلى الأطلسي. وبينما كان الجزائريون يطالبون بخط إلى الطرفايا كان المغاربة يطالبون بممر عبر مدينة العيون، مما يعني ضمنا الإقرار بمغربية الممر، أي مغربية العيون وقد تمحورت النقاشات والخلافات حول أي من الطريقين تنبغي مباشرة بنائه:

طريق تندوف-أغادير أم طريق تندوف-العيون.

وبما أن الصحراء الغربية لا تزال تحت السيطرة الاسبانية، والمغرب لا يريد الاعتراف بجزائرية تندوف مقابل وعد باعتراف مقابل، فإن الاتفاقية الثانية ظلت حبرا على ورق. لا تخرج عن هذا الإطار محادثات 1972 حول نفس الموضع والتي انتهت باعتراف مغربي بجزائرية تندوف، وافقت عليه الحكومة والبرلمان الجزائري، كما نشرته صحف الجزائر، ورفضته أحزاب الحركة الوطنية في المغرب ولم يطرحه الملك على التصويت في مجلس النواب. (أهم ما نصت عليه معاهدة 15 حزيران/يونيو 1976 كان اعتراف المغرب بجزائرية تندوف، المشاركة في إنتاج وتسويق حديد تندوف، ودعم الجزائر المغربية الصحراء الغربية...)

إخفاق كل هذه المحادثات عاد ليؤكد من جديد أن خلافات البلدين قد ارتسمت في أطر ومشاريع تتجاوز شعارات التراب الوطني: فلا المغرب مستعد للموافقة على إنهاء أهم مشكلة جزائرية (حدود الأمة) ولا الجزائر مستعدة لتقوية المغرب صحراويا.

وبناء عليه فإن تمسك الجزائر بمبدأ تقرير المصير لسكان الصحراء الغربية يصبح تكتيكا يوميا مواجها لرغبة دفينة في المغرب قائمة على التوسع شرقا وجنوبا.

وبذلك يكون الموقف المغربي هو الذي يرسم الموقف الجزائري من الصحراء الغربية، ويكون الموقف الجزائري أكثر العقبات خطورة في وجه المشروع المغربي، وبينهما تظل أزمة القوميات سائرة من عقدة إلى أخرى، والحدود التي تركها الاستعمار لحظة جلائه تحولت إلى مادة غنية لها تاريخيها وبشرها ومؤدلجها وأصبح موظفو وزارتي الخارجية في الجزائر والمغرب اختصاصيين بالجغرافيا والتاريخ:

المغاربة تخصصوا بجغرافيا وتاريخ المرابطين القادمين من الصحراء، والجزائريون تخصصوا بجغرافيا وتاريخ ما بعد 1830 القادمين من مرسيليا.

الجزائر في مواجهة الحق التاريخي

يستمد الخلاف الجزائري المغربي حول الصحراء الغربية جذوره التاريخية من هذه الإشكالية العاكسة لأزمة الحكومات الباحثة عن بت نهائي لحدودها الوطنية، وتندرج في تناقضاته مجموعة كبيرة من الخلافات الإيديولوجية والسياسية الساعية إلى تكريس هيمنة قائمة على إضعاف متبادل وعلى استنزاف يطال بتأثيراته المستقبل الواحد والوحدوي للمغرب العربي.

بسبب من طبيعته هذه، فإنه (أي الخلاف الجزائري-المغربي) يشكل حاليا المحور الأساسي والحاسم في وضعية المغرب العربي المتوترة، بانعكاساتها على الشرق الأوسط والتوازنات الدولية، وعلى الوضع الداخلي.

في المغرب، يتحدثون عن موقف الجزائر بوصفه شكل التعبير عن مشروع هيمنة وتطويق عنيد لكافة مشاريع الوحدة المغربية، وان منطق تقرير المصير، الذي تنادي به الجزائر ليس سوى مناورة بينما المبدأ سرعان ما ينهار عندما تصبح قضايا تقرير متعلقة بشعوب بعيدة عن حدود تندوف.

فالجزائر، بنظر المغاربة، بدأت منذ أوائل السبعينات سياسية افريقية مميزة هدفها احتلال المركز الأول في القارة السوداء، مستفيدة من التوازن الذي تقيمه بين الشرق والغرب، الجنوب والشمال، ومن دورها المتعاظم على صعيد عدم الانحياز وحركات التحرير الافريقية بشكل خاص. وبينما يؤكد محمد بوستة زعيم حزب الاستقلال المغربي ووزير الخارجية أن عرقلة مشاريع الوحدة والاستغلال المشترك ناتجة عن رفض جزائري، فان عبد الله العروي يعتبر ان سياسة الهيمنة نفسها ليست تقدمية ولا وحدوية وانها تخدم المصالح الإستراتيجية للغرب الرأسمالي (9). أما تقرير المصير فانه مبدئي عندما يتعلق بحدود المغرب التاريخية وقابل للمساومة عندما يقدم للإستراتيجية الجزائرية تسهيلات وايجابيات.

فالجزائر تعارض حق تقرير المصير لسكان كابيندا التي حصلت عليها انغولا بشرعية افريقية، وذلك بسبب تحالفاتها الافريقية، وتتجاهل حق تقرير المصير للأكراد في العراق بسبب تحالفاتها العربية، وتعرى تسوية إيرانية-عراقية على حساب الشعب الكردي. ويقول العروي أن الجزائر «تغلق عينيها على التدخل الهندي في بنغلادش، الإيراني في عمان، ولا تهتم بحق تقرير المصير لأكراد العراق، وأتراك قبرص، وارتيريي الحبشة، وذلك لهدف واحد هو كسب أصوات مسألة الصحراء الغربية...» (10)

أما في ما يتعلق بحدود المغرب فالمسألة تثير دهشة مغاربة اليوم:

بينما تلحق الجزائر بنظرهم، سكان تندوف بالحكم المركزي وتحرمهم من حق تقرير المصير، تصر على حق تقرير المصير لسكان الصحراء الغربية، وبينما تلوذ نفس الحكومة بالصمت عن استرجاع المغرب لإقليم ايفني عام 1969 (الذي تنص قرارات الأمم المتحدة الخاصة به على حق تقرير المصير وتصفية الاستعمار تماما مثل إقليمي الساقية ووادي الذهب) يتعجب المغاربة من صوتها المرتفع من اجل تقرير مصير سكان الصحراء الغربية.

بالمقابل يتحدث الجزائريون عن سياستهم بلهجة أخرى وبمضامين مغايرة تماما. موجز رأيهم ان الجزائر «التقدمية» هي المعنية مباشرة بالموضوع، وان المغرب ومن ورائه «الامبريالية» تسعى لإجهاض التجربة الاستقلالية للجزائر.

وزير الإعلام الجزائري عبد الحميد المهري، قال لنا أن تمسك الجزائر بمبدأ تقرير المصير يعني تعاطيا منهجيا مختلفا لمشاكل الحدود، وان رفض الجزائر لمنطق المغرب القائل بالحق التاريخي بعكس سياسة صحيحة.

فالقبول بحقوق المغرب التاريخية يؤدي إلى سابقة خطيرة قد تدفع المغرب للمطالبة بالجزائر نفسها بوصفها جزءا من المغرب الكبير، تاريخيا. كما أن منطق الحق التاريخي نفسه يتضمن معالجة خاطئة لمشاكل الدول العربية كلها، وخاصة في أعقاب المرحلة الاستعمارية. فالعراق له حقوق تاريخية في الكويت، سوريا في لبنان، مصر في السودان، السعودية في اليمن الخ. أما المغرب فإنه لا يريد استرجاع الصحراء بقدر ما يريد فرض منطق معين في عملية الاسترجاع، وهذا ما يفسر، حسب رأي الوزير الجزائري، سبب نقل القضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، والتي جاهد المغرب ليحصل منها على قرار تثبيت الملكية.

فالجزائريون إذن، يوافقون على مغربية الصحراء الغربية شرط أن تتم عن طريق تقرير المصير والاستفتاء الشعبي وليس عن طريق الإلحاق القسري. فهم لم يفكروا إطلاقا بإقامة دولة في الصحراء، وكل مراهناتهم كانت دفاعية أساسها صعوبة توصل المغرب إلى حل مع اسبانيا يضع الجزائر أمام الأمر الواقع. وفي حالة حدوث ذلك فإن الجزائر سوف تطور موقفها من تقرير المصير لتدعم بقوة قيام الدولة الصحراوية. وهذا ما حدث عمليا. فالمغرب، برأي الجزائريين، كان عاجزا عن تحرير الصحراء بواسطة قواته المسلحة، لذلك لجأ إلى محكمة العدل والمسيرة الخضراء، وتنازل أما اسبانيا، وقبل تقسيم حقه التاريخي مع موريتانيا... قبل التنازل أمام الجميع إلا الجزائر، ففي مواجهتها تصبح كل الأشياء مصيرية. (11)

بين ما يقوله المغاربة عن موقف الجزائر، وما يقوله الجزائريون عن موقفهم وموقف المغرب، تبرز نقطة هامة تتجندل عند جوهريتها كافة التحليلات والمناهج، وتعكس الأزمة البنيوية العامة في المغرب العربي: أزمة سياسية وأزمة مستقبل. قد تكون استنتاجاتنا خاطئة ومتسرعة، غير أن ضرورة استخلاصها من تناقضات المواقف في سياق دراسة تاريخية تشكل أمانة يصعب تجاوزها:

1- ان الجزائر متورطة في معركة أصبحت فيها حدود التنازلات صعبة جدا، والخيارات قليلة. فالجمهورية الصحراوية تقررت في طرابلس الغرب وأُعلن عنها في الجزائر ومحاولات دفع الجزائر للتضحية بالبوليزاريو كثمن لتسوية ما، تصطدم بعقبات كثيرة أهمها احتمال إضعاف سمعة الجزائر التقدمية بإبرازها كقوة مساومة على حقوق الشعوب، وإن عملت هي نفسها على دعمها أو حتى خلقها. التسوية على حساب البوليزاريو أصبحت صعبة، وان لم يلغ ذلك إمكانية الضغط عليها لإنجاح اتفاق مغربي-صحراوي يرضي الجزائر.

2- ان الجزائر لن يقبل بأقل من تقرير المصير، فالحق التاريخي للمغرب يزعج القادة الجزائريين ويضع مشاريعهم القومية الجزائرية في مهب الريح: تقرير المصير في الصحراء الغربية يشكل، في نظر هؤلاء القادة، سابقة يجب تكريسها، اذ أن قبول المغرب باستفتاء في الصحراء الغربية سوف يرغمه، فيما إذا طلب بمغربية تندوف، على قبول استفتاء آخر، يتضمن الجزائريون نتائجه سلفا. فالجزائر تريد أن تنتهي مرة واحدة وإلى الأبد من ذلك الحق التاريخي للمغرب في الجزائر، وتريد في نفس الوقت تقديم حدود ثابتة لأمة ناهضة يرفض المغرب لغاية الآن رسمها على خرائطه الرسمية، ولا يتوقف مؤرخوه عن تأليف الكتب وإحصاء حبات الرمل التابعة للمغرب في الجزائر، ولا يكف، برأي الجزائريين، مؤدلجو الاستقلال المغربي عن أحلامهم باستعادة المغرب الكبير. (12)

3- إن معرفة موقف الجزائر تشترط استيعاب معادلة الصراع الجهوي: الخوف الجزائري من المحاصرة المغربية، الطموح الجزائري للهيمنة في شمال افريقيا وغربها. كما أن معرفة تغييرات الموقف المحتملة تكمن في رصد تحولات ميزان القوى في المنطقة ووضعية التحالفات العامة لكلا الطرفين. فالجزائر كررت مرارا أن «لا ادعاءات لها في الصحراء الاسبانية» (13)، والرئيس بومدين أخرج نفسه من الحاجة إلى ممر نحو الأطلسي، بمعونة سوفياتية وبطريق بري يصل تندوف بوهران (14) فلا يبقى أمام الجزائريين غير تطويق المشروع المغربي نفسه: فان سعى المغاربة لإضعاف الجزائر ومحاصرتها يصبح استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه مفيدا للجزائر وان كانت تكاليفه باهضة، يرافقه ارتفاع متزايد في ميزانيتها الدفاعية (20% عام 1976) وإلحاق مستمر بالديون الخارجية وعجز دائم في ميزان التجارة لا يرمم جراحته سوى صدفة النفط والغاز. (15) وان استمرت السياسة المغربية تشكل تهديدا استراتيجيا للجزائر فان تكثيف النشاط المعادي لمغرب وتسريع قيام دولة صحراوية تربط الجزائر بالمحيط الأطلسي وتعزل المغرب عن موريتانيا تشكل خطوة لا بديل عنها. وهذا الصراع الاستراتيجي ليس خافيا، والموقف الجزائري يبرهنه، أحيانا بوضوح من خلال التصريحات الرسمية، وأحيانا أخرى بغموض من خلال المفوضات السرية والضغوط العسكرية والديبلوماسية.

أكثر من مرة اعتبر الجزائريون ان قضية الصحراء تعبر عن تعرّض الجزائر لخطر أمني وسياسي. ففي 29 أيار/مايو 1975 قال الرئيس بومدين، في حضور الزعيم الكوري كيم ايل سونغ، ان موضوع الصحراء الغربية يشكل تهديدا مباشرا للثورة الجزائرية: «... نعم ان هذه القضية تهم بلادنا... لأنها موجودة على حدودنا، وتمثل خطرا على أمن ثورتنا وعلى أمن دولتنا...» وفي تصريح أدلى به لمجلة كامبيو الاسبانية (عدد تشرين الثاني/نوفمبر 1975) قال الرئيس بومدين انه «لا خلاف في ان قضية الصحراء الغربية قد أبرزت من جديد جوهر الاختلافات الإيديولوجية والسياسية وحتى الإستراتيجية بين بلدان هذه المنطقة...» وفي مقابل صحيفة الأومانيته الفرنسية في نفس الفترة، قال الرئيس الجزائري «ان الوضعية الحالية تتميز بانحسار النفوذ الامبريالي من شرقي آسيا، وبمحاولة الامبريالية تدعيم أو كسب مواقع في غرب هذه المنطقة مع امتداد جنوبي يصل حتى انغولا وذلك بإقامة سد يحمي مصالحها. ومن جهتنا فان السياسة التي اتبعناها سياسة توازن جهوي تأخذ في اعتبارها كل المصالح، ولقد نجحنا في إقامة ذلك التوازن وكل محاولة للتأثير فيه قد تؤدي إلى قلب الكثير من الأشياء ولذلك فانه لا داعي للعبث بالتوازن ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أننا محور السلام في هذه المنطقة...» وأخيرا، أعلن الرئيس الجزائري في خطاب ألقاه أمام الكوادر النقابية بتاريخ 24 شباط/فبراير 1976، قبل إعلان الجمهورية الصحراوية بأيام قليلة، ان قضية الصحراء تعني محاولة لضرب الجزائر «فللعملية أبعاد اشمل وأكثر من هذا، بالإضافة إلى ما تهدف إليه من ضرب الشعب الصحراوي فهي تهدف كذلك إلى ضرب الثورة الجزائرية، ونحن نعتقد جازمين بأن هذه المحاولة تعتبر أكبر غلطة ترتكبها الامبريالية في منطقتنا هذه...»

من هنا نستنتج أن موقف الجزائر من الصحراء يبرز انفصالا بين الصحراء نفسها كقضية مستقلة ويقدمها ضمن صراع عام في المغرب العربي. وهذا ما يفسر غياب أي بحث تاريخي جدي عن الصحراء الغربية. وأهم ما أصدرته الحكومة الجزائرية ومثقفو الجزائر عن قضية «الشعب الصحراوي» لا يتعدى قرارات الأمم المتحدة المنادية بحق تقرير المصير ومقررات الأطراف المعنية ومنظمة الوحدة الافريقية... أما تاريخ هذا الشعب «الشقيق» وجوهر قضيته واساها فان كتّاب الجزائر لم يتطوعوا، لغاية الآن، بتشغيل أقلامهم. (16)

هذا البخل النظري جعل رصد الموقف الجزائري عملا شاقا، ورغم ضآلة المعلومات، فإننا نعتبره تكتيكا في خدمة إستراتيجية أخرى جرى تلمس بعض جوانبها في استنتاجاتنا المذكورة آنفا. فالموقف الجزائري الرسمي من قضية الصحراء الغربية يعكس بوضوح منعرجات هذه الإستراتيجية ويقدم نفسه بوصفه تعبيرا صادقا عنها، تختلف لجهته باختلاف المرحلة وحدتها.

منذ اندلاع حرب التحرير الجزائرية في أول تشرين الثاني/نوفمبر 1954 إلى نهار الاستقلال في أول تموز/يوليو 1962 كان الموقف يتميز بانسجام وتضامن: المغاربة يدعمون الجزائريين في حربهم ضد فرنسا واسبانيا، وتأجيل قضية تندوف إلى ما بعد الاستقلال. في تلك المرحلة، كان المغرب الممتد من المتوسط إلى نهر السنغال مسألة مقبولة ولم تخضع لأي نقاش بين قيادات البلدين، وخاصة أثناء مناقشاتهم في أواخر الخمسينات حول الصحراء الشرقية. ففي تلك المحادثات كانت الصحراء من تندوف إلى الشرق جزائرية ومن تندوف إلى الغرب مغربية، لان القبول بصحراوية الثانية يستتبع القبول بصحراوية الأولى، الأمر الذي ترفضه الجزائر بشدة ويحاربه المغرب لا هوادة.

طيلة سنوات 1963-1970 كانت السياسة الجزائرية تواجه السياسة الرسمية للمغرب وخاصة حول موضوعين رئيسيين: موضوع الحدود الشرقية وخاصة بعد حرب الرمال عام 1963، وموضوع التوجهات السياسية للنظام المغربي التي يعتبرها الجزائريون معارضة للمد الثوري الذي أحدثته ثورتهم، ودخول المغرب في تحالفات خارجية معادية لتوجهات الجزائر الافريقية والعربية. ولتطويق انعكاسات هذه السياسية على وضع الجزائر استعملت هذه الخيرة ورقة الصحراء الغربية.

اثر مصالحة القاهرة عام 1964 وافقت الجزائر على دعم المغرب في معركته الديبلوماسية ضد اسبانيا لاسترجاع مناطقه المحتلة على أساس مواصلة المفاوضات حول قضايا الحدود المشتركة وشريطة إغلاق الملف نهائيا من قبل المغرب.

ولما كانت المسألة –مدار الخلاف- لم تحلّ، فالجزائر تواصل دعمها المشروط للمغرب والمعبر عنه علنا بدعم قرارات تصفية الاستعمار الاسباني وفق صيغة تقرير المصير، وضمنا باعتبار ان تقرير المصير لا يتعارض مع مغربية الصحراء.

وإخراج الموقف الثاني إلى العلن أو تغيّر مضامين الموقف الأول ارتهنا بنجاح المفاوضات الثنائية الجزائرية-المغربية، ولما كانت هذه المفاوضات نفسها مرهونة بميزان القوى، والمغرب لم يقدم تنازلا ملحوظا بخصوص جزائرية تندوف، مالت الجزائر نحو إقامة تحالف مع موريتانيا ووضعت كل إمكاناتها لمساعدة موريتانيا في وجه المغرب، خاصة وأن قبول بشرعية موريتانيا يعني توجيه أول ضربة لحقوق المغرب التاريخية في الجزائر.

فقامت من ناحية بدعم مطالبة موريتانيا بالصحراء الغربية وأخذت منحى آخر عملت خلاله على إبراز خصوصية صحراوية. فقد ألقى مندوب الجزائر في الأمم المتحدة في الدورة الحادية والعشرين للجمعية العامة التي انعقدت بتاريخ 14-12-1966، كلمة جاء فيها «ان مشكل الصحراء الغربية مشكل معقد ولا يمكن لأي كان أن يتجاهل بأن هذا المشكل هو مشكل استعماري، تشكل تصفيته ضرورة قصوى ليس فقط بالنسبة لافريقيا بمجموعها، وإنما كذلك بالنسبة للبلدان التي لها حدود مع هذا الإقليم...

ان مستقبل هذا الإقليم بشكل عاملا حاسما لتطور المنطقة واستقرارها... وفي نظرنا فإن مراعاة آمال السكان تبقى العامل الرئيسي في تطور هذا الإقليم... وهذا العامل الذي يعبّر عنه تطبيق مبدأ تقرير المصير، يندرج ضمن البحث الأوسع عن إقامة توازن سليم قائم على العدل والسلم.

وهذا التوازن لا يمكن أن يتحقق على حساب سكان هذا الإقليم المعنيين، ولا على حساب الشعوب التي يجمعها مصير مشترك... وان الشعب الجزائري الذي استرد استقلاله بفضل الكفاح الشامل ضد الاستعمار لا يمكنه إلا أن يكون متضامنا مع جميع الشعوب المطالبة بحقها في تقرير المصير والاستقلال وخاصة في إقليم «الصحراء الاسبانية» التي يعيش فيها شعب تربطنا به علاقات الدم والحضارة والتقاليد...» (17) التوازن المذكور كان يعني، تحديدا، توازنا جزائريا-مغربيا، ولكي يتحقق استلزم تنسيقا مع موريتانيا وخلق عراقيل محلية أمام الضغط المغربي.

وفق هذا السياق بدأت محادثات قمة ثنائية بين الجزائر وموريتانيا والتلويح بضغط مشترك على المغرب.

وبالفعل اتفق الرئيس بومدين مع الرئيس الموريتاني مختار ولد داده، في مؤتمر قمة 27 آذار/مارس 1968، على التعاون من أجل تقرير مصير مستقبل الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الاسباني وفق قرارات الأمم المتحدة.

وفي محادثات وزيري الخارجية بوتفلقية وحمدي ولد مكناس في نواكشوط بتاريخ 4-12-1969 اعتبر الطرفان وادي الذهب أرضا «افريقية» وبدأ الحديث عن «الأطراف المعنية» ومعارضة المشاريع الأوروبية في الصحراء.

ترافق التنسيق الجزائري-الموريتاني مع ضغط جزائري على المغرب حقق نتائج هامة من خلال اعتراف المغرب بشرعية الجمهورية الإسلامية في موريتانيا (18) والتوقيع على اتفاقية ايفران في كانون الثاني/نوفمبر 1969 والتي نصت على اتفاق الطرفين حول ضرورة تصفية الاستعمار والتمسك بمبدأ تقرير المصير.

تكرر نفس الموقف في لقاء آخر بتاريخ 23 نيسان/ابريل 1969 على مستوى وزراء الخارجية (احمد طالب بنهيمة عن المغرب وعبد العزيز بوتفليقة عن الجزائر)، أما لقاء قمة تلسمان في 27 أيار/مايو 1970 فقد نصّ على إعلان الجزائر قرار تعاونها مع المغرب لتحرير وضمان تصفية الاستعمار في هذه الأراضي المحتلة من قبل اسبانيا، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار قرارات الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير.

شهدت بداية السبعينات نشاطا ثلاثيا احتوى التناقضات الجهوية واظهر عبارات عامة تتعلق بحرص الجميع وجهودهم المشتركة لتصفية الاستعمار.

ففي لقاء القمة الثلاثي الذي انعقد في نواذيبو بتاريخ 14 أيلول/سبتمبر 1970 لم يتجاوز المؤتمرون إشكالات قمة تلمسان الثنائية وخاصة فيما يتعلق بتعيين الممر البري الذي يربط تندوف بالأطلسي، مما أنتج بيانا ختاميا عاما ومبهما يكرر عبارات سبق اعلانها في بيانات سابقة، ميزتها الجديدة والوحيدة كانت الإعلان عن لجنة ثلاثية للتعاون المستمر سياسيا وديبلوماسيا من أجل تصفية الاستعمار الاسباني من الصحراء، طبعا وفق قرارات الأمم المتحدة.

غير أن كواليس المؤتمر شهدت فصولا جديدة من المساومات غاب عنها سكان الصحراء أنفسهم. فالجزائر توافق على مغربية الصحراء مقابل الاستجابة لشروطها المذكورة آنفا، وموريتانيا توافق على نفس الشيء مقابل المشاركة في استغلال ثروات الصحراء. عمومية البيان عكست فشل المفاوضات والمساوامات، الذي سرعان عبر عن نفسه بنظريات جديدة تتحدث عن «موريتانية» الصحراء، وعن وجود الأطراف «المعنية» والأطراف «المهتمة».

أعقب كل ذلك تقارب جزائري-اسباني وصل إلى ذروته في محادثات 1972 حيث تباحث الطرفان في زيادة مبادلاتها التجارية، إذ مقابل التجهيزات الصناعية الاسبانية تصدر الجزائر الغاز الطبيعي، مع احتمال إجراء اتفاق تحصل بموجبه الجزائر على ممر بحري يربط تندوف بميناء العيون الذي أوشكت اسبانيا على إتمام بنائه. إذن موقف جزائري ضاغط مدعوم بتنسيق جزائري-موريتاني وبتقارب جزائري-اسباني، وموقف عام وغامض في اللقاءات الثنائية والثلاثية:

محادثات وزيري خارجية وموريتانيا في 26 كانون الأول/ديسمبر 1972 في الجزائر، لقاء قمة ثنائي بين بومدين وولد داده في الجزائر بتاريخ 28 نيسان/ابريل 1972 وآخر بتاريخ 26 شباط/فبراير 1973، والاثنان عقدا في الجزائر، محادثات اللجنة الثلاثية في 9 أيار/مايو 1973 في نواكشوط، مؤتمر القمة الثلاثي الذي انعقد في أغادير بتاريخ 23 و24 تموز/يوليو 1973... خلال هذه المحادثات الثنائية والثلاثية كررت الجزائر تمسكها بمقررات مؤتمر نواذيبو وخاصة الالتزام بمبدأ تقرير المصير وتصفية الاستعمار والتعاون الثلاثي الخ. لكن أواخر 1974 شهدت تطورا جديدا وتغيرا في ميزان القوى لمصلحة المغرب، الذي عبّر بشكل خفي عن رغبة مغربية في التنازل أمام موريتانيا والخراج الجزائر من دائرة المطالبة الثلاثية وبالتالي وضعها أمام الأمر الواقع: مغربية الصحراء ولا جزائرية تندوف. تدعم هذا الموقف بتضامن عربي وتحسن الوضع الداخلي والخارجي للمغرب، واتفاق ثنائي على تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا.... أرغمت هذه التطورات القيادة الجزائرية على تغيير موقفها التكتيكي، فاعترفت من ناحية بلا علاقتها المباشرة بالقضية وراهنت من ناحية أخرى على فشل المشروع-الموريتاني بسبب عناد فرانكو.

التغير المذكور عبّر عنه الرئيسي الجزائري في خطاب ألقاه أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي في الرباط (تشرين الأول/أكتوبر 1974).

ورغم أن بعض المسؤولين الجزائريين يتهم وزارة الخارجية المغربية بتحريف الخطاب المذكور اعتمادا على كونهم إدارة المؤتمر فإن تكذيبا رسميا لم يصدر، ونصا آخر للخطاب نفسه لم ينشر من قبل وزارة الخارجية الجزائرية وكذلك محاولة التعتيم عليه، مما يجعل النص المسجل في وزارة الخارجية المغربية قابلا للتصديق، دون أن يعني ذلك أن الرئيس الجزائري سوف يلتزم به حرفيا.

فقد جاء في هذا الخطاب ما يلي: «ان المشكل لا يهم من الآن فصاعدا سوى المغرب وموريتانيا، أؤكد أني متفق وليس هناك أي مشكل... لقد انعقدت عدة اجتماعات في نواذيبو والرباط واغادير بعد الاتفاق المغربي-الجزائري... لقد حضرت في اجتماع مع جلالة الملك والرئيس الموريتاني اتفقا خلاله على إيجاد صيغة لحل مشكل الصحراء بعد تحريرها، بموجبها يعين القسم الصحراوي الذي يعود إلى المغرب والقسم الذي يعود إلى موريتانيا، لقد كنت حاضرا وأعطيت ضماني لهذا الاتفاق بكل قلبي وبحسن نية... وإذا وافق الأخوة الرؤساء والملوك على هذه الصيغة للاتفاق بين البلدين من اجل الشروع في التحرير، وتحديدا ما ستكون عليه المنطقة المغربية الموريتانية فسأكون من بين الذين يؤيدون هذه الصيغة... وأرجو أن يفهم إخواني جلالة الملك والرئيس الموريتاني نوايا الجزائر وبكيفية نهائية فيما يرجع لهذا الشكل، وأريد أن اقفل هذا الملف نهائيا... نحن مع المغرب وموريتانيا ونؤيد تحرير كل شبر من الأرض، لا فقط في الصحراء الغربية بل أيضا في سبتة ومليلية وكل الجزر التي لا تزال تحت الاحتلال الاسباني... ان هذه مواقف تاريخية يجب أن تسجل...» وكانت مجلة الحوادث اللبنانية قد أكدت هذا الموقف في عددها رقم 951 الصادر في 31-1-1975، حيث نقلت عن الرئيس بومدين قوله في مؤتمر القمة: «لا مطالب لنا في باطن ولا في جوها ولا في جوفها. فالصحراء بكل ما فيها وما فوقها هي ملك للمغرب...»

إذا كان معقولا التصريح بموقف كهذا فان مبرراته تبدو أيضا معقولة. فالرئيس الجزائري لن يحول أقواله إلى تطبيق إذا لم يحول الملك المغربي معاهدة 1972 المتعلقة بالحدود إلى حقيقة علنية محليا ودوليا. راهن الرئيس بومدين على مبادرة مغربية من هذا النوع كرد على بادرته الايجابية في مؤتمر الرباط، وراهن أيضا على صعوبة تحقيق إجماع وطني داخل المغرب، وراهن صعوبة التنازل الاسباني بعد تدفق المصاريف والمهندسين نحو الصحراء... المراهنات كلها سقطت: فلا المغرب أعلن موقفا واضحا ونهائيا وعلنيا من مصير تندوف، والإجماع الوطني المغربي تحقق وفق مشيئة الملك، ووفاة فرانكو فتحت أبواب تسوية ما، وبالتالي لم يبق أمام الجزائر سوى مراجعة موقفها السابق والتحضير لتراجع بطيء، هادئ، وتكتيكي، مهدت له الأجواء اتفاقية سيناء وتأييد المغرب لها وتعاطفه مع مشروع كيسنجر والتسوية الأمريكية لازمة الشرق الأوسط، بشكل يأتي معه الموقف الجزائري في الصحراء الغربية وكأنه مسلسل في سياسة التصدي للمشروع الأمريكي-الرجعي في المنطقة العربية.

ضمن هذا السياق بدأت السياسة الجزائرية تأخذ منحى جديدا هدفه الأساسي إحباط المشروع المغربي وان كلفها ذلك إقامة دولة في الصحراء، أو بقائها في يد اسبانيا مدة أطول، أو تفجير التناقضات المحلية (وهذا ما تمنى حصوله كيسنجر) وأخيرا القيام بمغامرة عسكرية ضد المغرب وموريتانيا معا، عن طريق البوليزاريو عن طريق الجيش الجزائري نفسه.

في خطاب ألقاه الرئيس بوميدن أمام إطارات الأمة بتاريخ 19 حزيران/يونيو 1975، بمناسبة مرور عشر سنوات على «حركته التصحيحية»، أعلن الرئيس أكثر مواقفه وضوحا وأكثرها مطابقة لواقع الأمور. ففي هذا الخطاب اعتبر الرئيس بومدين ان قضية الصحراء الغربية لازالت مشروعا يسعى أصحابه لإرهاق الجزائر، وان هذه الأخيرة تحرض على تصفية الاستعمار الاسباني وانها لا تبحث عن موطئ قدم هناك، ولم يفسر حق تقرير المصير بمواصفات «صحراوية» كما لم يذكر ولا بكلمة واحدة جبهة البوليزاريو (التي مضى على بدء عملياتها المسلحة في تلك الفترة أكثر من عامين) لا بوصفها حركة تحرير ولا ممثلا شرعيا للصحراويين. ومما جاء في هذا الخطاب «ان الجزائر لا يمكن أن تمارس سياسة النعامة وتتجاهل المشاكل التي توجد على حدودها لأننا مسؤولون عن أمن دولتنا وعن حماية ثورتنا. لكن هذا شيء والانحياز لأحد الأشقاء في مطالبته الترابية شيء آخر... ثم إذا كان سكان الصحراء موافقين على أن يذهب شطر من الصحراء إلى المغرب وشطر إلى موريتانيا، وهناك حسب ما فهمنا، تنسيق وشيء من الاتفاق في هذا الصدد، فلماذا تمسح الأقدام في الجار الذي لم بحث لا عن قطعة أرض، ولا وضع نفسه كطرف داخل في التقسيم؟... اننا نؤكد من جديد بان الجزائر ليست لها أطماع ترابية، ولا أطماع اقتصادية سواء في الفوسفات أو غيره، فعندنا، والحمد لله من الثروات ما يكفينا ويكفي شعبنا. لكن الجزائر أيضا لا يمكن أن تتخلى عن مبادئها السياسية، ومن حقها أن تنادي بمبدأ تقرير المصير دون أن تأخذ أي موقف نهائي بالنسبة لمصير هذه المنطقة سواء أصبحت مغربية أو موريتانية. والمهم بالنسبة لنا هو أن تعود الصحراء عربية إسلامية ولن نكون ضد الأمم المتحدة...» (19)

عدم اتخاذ موقف نهائي، واللامبالاة بالصفة السياسية للصحراء بعد انسحاب اسبانيا، عبارات مقصودة، وتلميحات إلى إمكانية اتخاذ موقف وتعيين الصفة الصحراوية للصحراء. بمعنى آخر، التوجه إلى المغرب بلغة تصعيدية «هادئة» تحتمل انقلابا في كل المقاييس المعلنة. فالجزائر بدأت سياسة فعل، والأمور كلها أصبحت في يد العاهل المغربي، قراره يحدد الاتجاه الجديد لجزائر بومدين. الملك الحسن الثاني، من جهته، وجد كل الفرص مؤاتية لكسب معركة الصحراء بدون تقديم أي تنازل للجزائر، بل العكس تماما، فقد رغب في كسب معركتين في آن واحد: استرجاع الصحراء الغربية وإبقاء ملف الحدود الشرقية مفتوحا قلق الوطنية الجزائرية.

ما أن كشفت السياسة المغربية عن وجهها، وفق الصيغة المذكورة، حتى أخرجت الجزائر ورقتها الأخيرة: تصعيد الموقف على كافة المستويات، والمهم من كل ذلك تطويق سياسة الأمر الواقع والانهيار العام لميزان القوى. وبناء عليه فالجزائر سوف تعمل على ثلاثة محاور، وبنشاط هائل:

1- محور الشعب الصحراوي الذي أخذ شكل تدعيم مفاجئ وتبن واضح للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليزاريو) وتقديمها أمام الرأي العام الدولي على أساس أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي. ففي نظر الجزائريين لم تعط محكمة العدل الدولية حقا بالسيطرة المغربية، وقرار المحكمة نص على علاقات بيعة ولم يذكر السيادة، وبالتالي فان السيادة تعود للصحراويين أنفسهم، ممثلين بالبوليزاريو، بينما يصبح المغرب ومعه موريتانيا دولتين غازيتين لمنطقة لا حق لهما فيها.

شهد خريف 1975 بداية الاحتواء الجزائري للبوليزاريو، وإدخال هذه الأخيرة في ميزان القوى المحلي، فالمواجهة الجزائرية للمشروع المغربي اشترطت وجود شعب صحراوي وقيادة صحراوية ودونهما يستحيل إحراز تقدم. لذلك بدأت الجزائر سياسة الدعم الكامل للبوليزاريو وتأمين أكبر قاعدة صحراوية مؤيدة، سواء في الداخل والخارج. وتحولت مخيمات تندوف على معسكرات تدريب، ووضعت وزارة الخارجية كل طاقتها لتأمين توازن إعلامي-تحريضي يقوم على أساس تبني الجزائر لسياسة الدعم والتأييد لمبدأ حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بقيادة البوليزاريو الممثل الشرعي لهذا الشعب.

2- محور اسبانيا وفيه امكانيات ابتزاز مغرية للطرفين. فالاسبان يستفيدون كثيرا من تأزم العلاقات الجزائرية-المغربية للحصول على مكاسب من الطرفين، يضاف إليها مكسب دائم الفائدة شرط تحصيله استمرار الأزمة المغربية نفسها، وبالتالي فالتكتيك الاسباني سوف يدخل من تناقضات الأطراف الأخرى ليخرج رابحا معظم الأوراق: استفاد من الجزائر بإضعاف منظمة « آيتا» الانفصالية واستعداد الحكومة الجزائرية لعقد صفقات تجارية بتعويضات ضخمة لمشاريع الصحراء، وبمشاركة في الفوسفات وبتأمين حاجات الأمن الاستراتيجي الأطلسي لاسبانيا. ورغم أن الحكومة الجزائرية لا تغيب عنها طبيعة المناورة الاسبانية فإنها قررت الانسجام معها، فالمهم الخسارة المغربية وليس الربح الاسباني. لذلك أجرت الحكومتان محادثات مكثفة وشبه يومية بلغت ذروتها في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1975 عندما وصلت إلى مدريد لجنة جزائرية برئاسة بوتفليقة في نفس الوقت الذي كانت تشهد فيه المحادثات الثلاثية (المغربية-الموريتانية-الاسبانية) أعقد فصولها وأدقها. عزّز وصول الوفد الجزائري موقع اسبانيا في المحادثات الثلاثية التي سارع ناطق رسمي اسباني إلى إعلان فشلها في اليوم التالي (30/10/1975) وإبراز نوعا من التحالف الجزائري-الاسباني-الصحراوي ممثلا بالبوليزاريو في مواجهة تحالف آخر يضم المغرب وموريتانيا والجمعية العامة الصحراوية التي أرسلت رئيسها خطري ولد سعيد الجماني، بعد فشل محادثات مدريد والضغوط الاسبانية، إلى الرباط لإعلان تأييدها للملك.

3- محور العلاقات الدولية الذي تتمتع فيه الجزائر بموقع متفوق على المغرب. فالجزائر تتزعم حركة عدم الانحياز بعد مؤتمر الجزائر (1973)، وتقود اتجاه العالم الثالث في صراع الشمال والجنوب وخلافات الطاقة والمواد الأولية، وتلقى دعم غالبية الدول الافريقية، وتقيم توازنا دقيقا في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية من جهة أخرى. تبعا لذلك فإنها قادرة على حشر الموقف المغربي المنحاز للغرب افريقيا وللولايات المتحدة عربيا وعلاقاته بالمنظومة الاشتراكية عديمة الفعالية، وبالتالي فان المعركة على المستوى العالمي تبدو أكثر ملاءمة من ميزان القوى المحلي، الأمر الذي يفترض تفرغا كاملا لوزارة الخارجية الجزائرية في الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية والافريقية خدمة «للشعب الصحراوي».

الهدف الواضح من سياسة المحاور الثلاثة يكمن تحديدا في محاصرة المشروع المغربي ودفع الحسن الثاني للتراجع وإعادة النظر في سياسته المعادية للجزائر، خاصة وان ثقل البوليزاريو لم يكن يشكل آنذاك عائقا أمام تراجع جزائري مقابل عن نظرية الشعب الصحراوي. إصرار المغرب على موقفه وتتويجه بالمسيرة الخضراء دفع الجزائر لبدء سياسة تصعيد عسكري وديبلوماسي. فمن الناحية العسكرية، وبالتنسيق مع اسبانيا، تقدمت القوات المسلحة الجزائرية المجهزة كامل التجهيز، وبعد الانسحاب الاسباني المتفق عليه من مثلث العيون-السمارة-الداخلة بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر 1975، فدخلت إلى الصحراء من جهة تندوف وتمركزت في محابيس، بير الحلو، تيفاريتي، امغالا وغلتا زمور، وشرعت في تنظيم صفوفها للتقدم نحو جديرا وحاوزا حيث من المقرر أن تمر المسيرة الخضراء. كما عملت في نفس الوقت على انتشار قوات البوليزاريو وباتفاق مع اسبانيا داخل الصحراء، ساعية إلى تأمين تدفق شعبي نحو الشرق بحجة الفراغ الأمني واحتمالات الحرب، مما أدى إلى نزوح عدد كبير من السكان إلى تندوف حيث سيشكلون لاحقا مخيمات الجمهورية الصحراوية، والمادة الشعبية لحرب استنزاف مع المغرب يمارسها الصحراويون أنفسهم.

من ناحية أخرى، واثر التوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية في 14/11/1975، شنّت الحكومة الجزائرية حملة سياسية ضد الاتفاقية ومارست تصعيدا محليا وأعلنت التعبئة في كافة مؤسساتها الدبلوماسية في الداخل والخارج، ترافق كل ذلك مع احتجاجات شديدة اللهجة وعلى كافة المستويات.

ففي اجتماع مجلس الأمن الدولي الذي عقد جلسة طارئة لمناقشة تطورات الوضع بعد بدء المسيرة الخضراء، أعلن المندوب الجزائري رفض بلاده لمنطق الحل المرفوض من قبل طرف واحد وذكر «ان الحكومة الجزائرية قد أكدت أكثر من مرة وبصفة علانية بأنها ليست لها مطالب ترابية في الصحراء الغربية، وقد أوضحت ذلك للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة وأمام محكمة العدل الدولية... والنتائج التي يمكن استخلاصها لا تترك أي مجال للتفسيرات المغرضة، إنها توضح بدقة إمكانية التوصل بأسلوب قانوني إلى أن تسوية مشكل الصحراء لا يمكن أن تتم إلا على أساس تقرير المصير الحر للشعب الصحراوي. من أجل هذا نرى انه من الخطر الشديد بالنسبة للسلم في المنطقة، كل مبادرة من جانب واحد هدفها مناهضة قرار الجمعية العامة وخلق أمر واقع، وبالفعل فان مبادرة من هذا النوع ستناقض بشكل واضح التزامات جميع أعضاء الأمم المتحدة باحترام قرارات منظمتنا، هذه الالتزامات التي هي أكثر إجبارية بالنسبة لأولئك الأعضاء الذين طلبوا مثل هذا القرار وأعلنوا من قبل بأنهم سيحترمونه...» (20)

تطور هذا الموقف إلى صيغة أخرى تطالب بواسطتها الجزائر بضرورة إشراكها في معالجة هذا الموضوع بسبب كونها معنية به مباشرة ويشكل خطورة على حدودها.

لذلك، وفور صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 379 بتاريخ 2-11-1975، أدلى ناطق باسم وزارة الخارجية الجزائرية بتصريح جاء فيه «ان الجزائر معنية ومهتمة أكثر من أي وقت مضى بالتسوية النهائية لمشكل تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، وان خطورة التوتّر على حدودها له عواقب خطيرة وعميقة على الصعيدين الجهوي والدولي.

وعلى الرغم من أن جوهر المشكل هو من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة وحدها، والتي كانت وما تزال، وستبقى مكلفة به، فإن الجزائر تريد أن توضّح موقفها القائم على المبدأ وفي الإطار الذي حدده القرار رقم 377 والقرار رقم 379 اللذان صادق عليهما مجلس الأمن الدولي، الأول بتاريخ 20 تشرين الأول/أكتوبر والثاني بتاريخ 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1975.

إن موقف الجزائر ينطبق تماما مع موقف المجموعة الدولية، وإننا نؤكد مرة أخرى وبصورة علنية التزامنا باحترام اختيار الشعب الصحراوي مهما كان هذا الاختيار وذلك فور التعبير عنه بصورة حرة ونزيهة وأصيلة تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة وبضمان منها. وعلى النقيض من ذلك فإن الجزائر تعتبر كل وضعية تركز على الأمر الواقع تشكل تحدّيا لمنظمة الأمم المتحدة.

ولذا فان الجزائر لا يمكنها أن تقبل في الحاضر ولا في المستقبل بمثل هذه الوضعية الناشئة على حدودها حيث أن مثل هذه المبادرات الثنائية أثبتت خطورتها وعواقبها الوخيمة عبر عدد من جهات العالم.

لا يوجد هناك أي شعب ومهما كان عدد صغيران أن يتعرض إلى الإجحاف بحقه من طرف المجموعة الدولية، كما أنه لا يوجد هناك أي بلد مهما كان قويا أن يحصل على حق رسم حدوده وفق ظروف سياسة أو استجابة لرغبته الصرفة...»(21)

رغم هذه العبارات الجزائرية واهتمام الجزائر المتزايد بالدور «الحاسم» للأمم المتحدة ومراهنتها على قرار دولي يحيط المسعى المغربي، فإن الأمور كانت تسير متسارعة نحو تسوية مغربية-اسبانية، وبالتالي إخراج الجزائر وبشكل فاضح وقانوني من معادلة الأزمة الصحراوية. ان اتفاقية مدريد الثلاثية كانت عمليا أقوى صفعة تتلقاها الحكومة الجزائرية وهي في لحظة عنفوانها وبروزها الدولي، وبسبب من طبيعتها هذه فقد احتجت الجزائر بقوة مطالبة بإلغائها، تارة لأنها باطلة، وبالتالي فان اسبانيا تبقى بالنسبة للجزائر الدولة الوحيدة المعنية رغم أنفها، وتارة أخرى لأن لا حق للمغرب وموريتانيا في الصحراء واقتسامها عشوائيا بينها.

الجانب الأول عبرت عنه مذكرة قدمتها الحكومة الجزائرية إلى الأمين العام للأمم المتحدة جاء فيها «أن الجزائر لا تزال تعتبر اسبانيا هي القوة المسؤولة إزاء الأمم المتحدة كقوة مديرة لشؤون القطر الصحراوي ويتحتم عليها في هذه الحالة القيام بالواجبات التي يفرضها القانون.... ان مطالب الحكومتين المغربية والموريتانية في القطر الصحراوي لا تمنح لهذه الحكومات أي حق في مزاولة أية سلطة مهما كان نوعها على هذا القطر إلاّ إذا اعترفت الجمعية العامة بصلاحية هذه المطالب وأوليتها على حق تقرير مصير الشعب الصحراوي.

ان الجزائر ترى ان المفاوضات بين اسبانيا والمغرب وموريتانيا لم تكن مطابقة لتوصيات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وبالتالي فان الحكومة الجزائرية لا تعترف بأي حق للحكومات الاسبانية والمغربية والموريتانية بالتصرف في التراب الصحراوي وفي مصير سكانه وتعتبر بناء على ذلك «التصريح المبدئي» المقدم من طرف الوفد الاسباني باطلا ولاغيا ولا تعترف بصلاحية الإجراءات التي تضمنها».

الجانب الثاني عبرت عنه مذكرة احتجاج على اتفاقية مدريد وجهتها الحكومة الجزائرية إلى الحكومة الاسبانية بتاريخ 18-2-1976 (بعد مرور 4 أشهر على توقيعها) تضمنت رفضا قاطعا وتنديدا بالسياسة الاسبانية واعتبار أن المغرب وموريتانيا يشكلان دولتين معتديتين أجنبيتين عن الصحراء وسكانها، كما كررت المذكرة تأثيرات هذه الاتفاقية على الأمن في المنطقة، إذ تحتمل الحكومة الاسبانية مسؤولية هذا العمل وتعتبرها خطوة خطيرة لتجاهلها حقوق الشعب الصحراوي الثابتة والقائمة، وخلقها حالة توتر وعدم استقرار، تندر يوما بعد يوم عواقبها وتهديدها للسلام والأمن في منطقة المحيط الأطلسي والبحر المتوسط...» وتطالب المذكرة في سطورها الأخيرة راجية متأملة «ان تقدر الحكومة الاسبانية المعطيات الحقيقية للوضع الخطير السائد اليوم في الصحراء الغربية وآثاره العميقة على كافة شعوب المنطقة،وان تسهم في إطار الشرعية الدولية بما يتناسب مع مقتضيات كل سياسة حقيقة لتصفية الاستعمار وحفظ الأمن والتعاون الإقليمي...» (22)

بات واضحا أن لا شيء دون المواجهة المسلحة. فالمواقف الجزائرية المتعلقة بالتوازن والأمن والتعاون والتهديد الخ، ليست إلا الانعكاس المباشر للحل المغربي على حساب إستراتيجية الهيمنة والخلافات التاريخية المغربية-الجزائرية.

وفي هذا المنطق تصبح بديهية مقولات الجزائر التي تعتبر المعالجة المغربية لقضية الصحراء جزءا من مشروع متكامل الحلقات لإضعاف الجزائر.

وبالتالي فإن وصول المعركة الدبلوماسية إلى طريق مسدود (في أواخر 1975) وضعف الحجج الجزائرية وإصرار المغرب القوي على تهميش الدور الجزائري وعزله، كلها أمور مهدت لانفتاح الصراع يشكل غدت معه التسويات معقدة والمواجهات المسلحة طريقا شبه وحيد للتأثير في موازين القوى وإحياء تسوية باتت في مطلع عام 1976 ميتة.

عرف شتاء 1976 حربا جديدة في أمغالا، وذلك كنتيجة طبيعية لدخول البلدين في سياسة تباعد وعداء. فقد اصطدم تقدم القوات المسلحة الملكية بالقوات الجزائرية التي كانت قد تمركزت في التخوم الشرقية للصحراء الغربية اثر الانسحاب الاسباني. يقول الجزائريون ان قواتهم كانت تعمل على مساعدة السكان ونقلهم في الشاحنات وأنهم لم يتمركزوا بشكل احتلالي، بينما المغاربة يؤكدون وقوع معارك ضارية واعتقال ألفي جندي جزائري جرى إطلاق سراحهم بعد الوساطة المصرية التي قام بها نائب الرئيس المصري حسني مبارك. وسواء صحّت تبريرات الجزائريين وتفوق المغاربة فإن مواجهة مسلحة قد وقعت فعليا وان الأمور كانت قد وصلت عمليا إلى مأزق جزائري. حاولت الوساطة العربية (خاصة وساطة سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية) إيجاد تسوية قائمة على اعتراف جزائري بمغربية الصحراء مقابل اتفاق على استثمار الثروات المعدنية بشكل مشترك (الفوسفات والحديد) مقابل اعتراف المغرب بجزائرية تندوف. فشل الوساطة كشف عن ملابسات معقدة أسفرت بدورها عن تصعيد آخر: إعلان الجمهورية الصحراوية في نهاية شباط/فبراير 1976.

سبق وان ذكرنا أن الجزائر تورطت بتصعيد سياسي عند إعلان قيام الجمهورية الصحراوية، وان الجزائريين، لم يفكروا سابقا بالعمل على قيام دولة صحراوية، وسواء نفي الجزائريون ذلك، الآن، وتبنوا قيام ما لا يرغبون فيه أم لا فان التورط حاصل وأسبابه عديدة:

أولا، لأن الجزائر تتعاطى مع نظرية تقرير المصير بشكل تكتيكي بينما الهدف الاستراتيجي يتجاوز حقوق الشعب الصحراوي المعلنة في 1976، وان بداية الصراع الجزائري-المغربي كانت حول تندوف وليس العيون، وبالتالي فان اتهام الجزائر بالعمل على خلق دولة صحراوية يتعارض مع تاريخ الجزائر الصحراوي.

فالجزائريون لم يعملوا أي شيء طيلة الستينات من اجل مساعدة الشعب الصحراوي لتحرير أرضه وإعلان استقلاله، ولم يتعاطوا مع الصحراء الغربية بوصفها مشروع دولة.

كانت سياستهم الفعلية الاكتفاء باستعمال ورقة الصحراء كعامل مساعد في مشروع آخر. وطيلة السنوات الأولى للبوليزاريو لم تقدم الجزائر رصاصة واحدة لهذه الجبهة، بل العكس فان عمليات عبور الأسلحة من ليبيا إلى الصحراء كانت تتم سرا عبر الجزائر وبمساعدة مغاربة منفيين في العاصمة الجزائرية.

ثانيا، لأن الجزائر التي رفضت قيام دولة في الصحراء عام 1956 وعام 1957، لا يمكنها أن تقبل في السبعينات بقيام دولة مستقلة عنها أو عن المغرب.

بل أكثر من ذلك، ان قيام دولة «صحراوية» سوف يهدد يطرح مشكلة الصحراء برمتها من حدود ليبيا إلى الأطلسي مرورا بمالي وتشاد وكل الثغور الصحراوية غير العربية مما يفسح في المجال أمام احتمال مطالبة صحراويي تلك المناطق بدول مماثلة.

ثالثا، لأن قبول الجزائر بقيام دولة صحراوية على حدود المغرب الجنوبية، في وقت لا تزال قضية تندوف غير واضحة النهاية، وقد يدفع المغرب المهزوم (بقيام دولة صحراوية) إلى العمل على قيام دولة صحراوية في تندوف وجوارها ضمن مخطط المساومات المستقبلية لإلحاق كل دولة بجارتها الكبرى.

رابعا، لأن الجزائر تدرك صعوبة الخيارات بعد إعلان الحكومة أو الجمهورية الصحراوية، خاصة وأن المعنيين بالأمر لا يحتلون قسما من الصحراء الغربية ولا حتى مدينة واحدة ليرفعوا عليها علم جمهوريتهم، كما أن قيام الجمهورية سيصعب إمكانية التنازل أو المساومة المتبادلة.

فالجزائريون أنفسهم لم يشكلوا حكومتهم المؤقتة إلا بعد أن حكموا سيطرتهم على معظم المدن الجزائرية الكبرى ولم يعلنوا عن جمهوريتهم إلا بعد الاستفتاء. فكيف يمكن أن تنقلب دروس ثورتهم إلى مغالطة منهجية عواقبها وخيمة؟

تثبت السياسة الجزائرية قبل 1976 حقيقة هذا النهج، وتلاحق الأحداث بشكل تصاعدي عمل على التورط: اتخذت قيادة البوليزاريو القرار بعد محادثات في ليبيا، اعتقدت الجزائر انها ثابتة، ولما وافقت على الجمهورية الصحراوية تراجعت ليبيا عن موقفها لأسباب تعارضه مع سياستها الوحدوية.

ولغاية الآن تقدم ليبيا المعونات اللازمة ماديا وعسكريا للصحراويين ولكنها لم تعترف بهم كجمهورية مستقلة على غرار الجزائر إلا مؤخرا. كما أن تبني الجزائر للموقف لصحراوي المذكور كان ردة فعل على المحاصرة المغربية. ورفضا لسياسة الأمر الواقع مهما كانت سلبيات الرد ومخاطره البعيدة المدى.

لقد كانت الجزائر بحاجة ماسة لشرعية تسقط شرعية المغرب، ولم يكن لديها إلا ورقة البوليزاريو، وبالتالي فان منطق المغرب نفسه هو الذي ألزم الجزائر بالحل الاستقلالي.

هذا التورط تحول الآن إلى سياسة يومية يصعب التراجع عنها. فالجزائر التي تحتضن المشروع الصحراوي «الرسمي» لا يمكنها بعد سيل الانتصارات الدولية أن تعود على سياسة ما قبل 1976، إلا إذا كان الإخراج مقبولا من الصحراويين أنفسهم (الذين أصبحوا في السنتين الأخيرتين قوة لا يمكن تجاوزها ولا تستطيع الجزائر أن تفرض عليهم حلا لا يقبلونه) ويدخل في عداد تسوية شاملة. لذلك لا نتعجب حين يقول لنا الجزائريون عند سؤالهم عن مصير الدولة الصحراوية، بأنه على المغرب أن يقطف ثمار سياسته، فالدولة يجب أن تقوم وترسم حدودها بشكل واضح وتعترف بها حكومة جلالة الملك، وبعدها نبحث في كيفية ضمها «الإداري» للمغرب. لقد تحولت الأزمة إلى مأزق لا مخرج له، بنظر الجزائريين، إلا بقيام الدولة الصحراوية، وبدون هذا تفقد الجزائر كل أوراقها وتتحول إلى ضحية عارية أمام مغرب مسلح حتى الأسنان بحقوقه التاريخية.

موريتانيا أو أزمة الأزمة

تحتل موريتانيا، وسط معادلات الصراع الجزائري-المغربي، موقعا هامشيا وملحقا يرتهن فيه موقفها بموقف أحد الطرفين الأساسيين، مشكلة بذلك الحلقة الأكثر ضعفا في ميزان القوى الجهوي.

الانتقال الدائم من حلف إلى آخر، والتبديل المستمر في معطيات سياستها والتحديد المتناقض لمواقفها «الصحراوية» جعلت منها، أي موريتانيا، المركز الأكثر استقبالا لسلبيات الصراع، والطرف الأكثر استعدادا لانهيار سريع. لكنها، رغم هامشيتها، تبقى النموذج المليء بالدروس والتجربة المتضمنة إمكانيات هائلة لنسف أسس السياستين الجزائرية والمغربية.

يشكل قيام الدولة الموريتانية مثلا يُحتذى به، ويقدم برهانا على هزالة تشكل دولة صحراوية حسب المنطق الجزائري. فالكيان المشوه والضعيف الذي خلقته فرنسا في موريتانيا يعطي درسا للباحثين عن دولة مماثلة: كيان تابع وملحق بفرنسا، يعيش على المساعدات الغذائية المستوردة لا يرحمه سوى غنى مناجم الزويرات بالحديد وموقعه المجاور للسنغال وافريقيا «الفرنسية». فالحديث عن استقلال كيان حياته قائمة على الارتهان بحليف خارجي، يجعل مستقبل الكيان الجديد أكثر سوادا بالمقارنة مع موريتانيا ذات النسبة السكانية الأكبر والمتمتعة ببعض التمركز القبلي تاريخيا.

لهذا السبب لا يقدم الجزائريون، ولا حتى قادة البوليزاريو، تحاليل وافية عن مستقبل الحياة الفعلية المستقلة سياسيا في الصحراء الغربية، وماهية الوسائل التي تجعل من الاستقلال المطلوب حرية بالمعنى الوطني: اقتصاديا وثقافيا وجغرافيا-سياسيا.

الحاضر السيء لموريتانيا يلمّح إلى المستقبل القلق، المليء بعلامات الاستفهام، الذي ينتظر الدولة الصحراوية التي يجاهد من أجلها مناضلو الصحراء الغربية بدون هوادة. بل أكثر من ذلك، يكفي أن يزداد الانهيار الموريتاني (انشقاق عرقي داخلي بين عرب وزنوج، أو تقسيم مغربي-سنغالي، أو ازدياد التدخل العسكري الفرنسي...) حتى تنهار معه الأحلام المتأخرة للباحثين عن استقلال صغير وسط صراعات الاستقلالات الكبرى في منطقة توازنات دولية.

أيضا، يشكل قيام الدولة الموريتانية الاختلال الأول في تماسك «الحق التاريخي» للمغرب.

فالقبول بقيام موريتانيا، بمعنى انسلاخها عن المغرب، وإغلاق ملف استردادها، يفسح في المجال لانسلاخ آخر. فالحجة المغربية تسقط إيديولوجيا لحظة بروز المثل الموريتاني:

لماذا تكون استقلالية الصحراء مشروع موت للمغرب، بينما لا تظهر على نفس المستوى استقلالية موريتانيا؟؟ وهل هناك حق تاريخي «ثانوي» وحق تاريخي «رئيسي»؟

عندما تدخل الجزائر في الصراع، تصبح مواصفات الحق التاريخي بالنسبة للمغاربة قابلة للتمييز بين حق تاريخي ضائع وحق تاريخي ينبغي أن لا يضيع قيام دولة موريتانيا خدم الإستراتيجية الفرنسية في افريقيا الغربية، وقيام دولة صحراوية سوف يخدم الإستراتيجية الجزائرية الفرنسية في افريقيا الغربية، وقيام دولة صحراوية سوف يخدم الإستراتيجية الجزائرية في افريقيا الشمالية. وبما ان الإستراتيجية الأولى أقل خطرا على المغرب من الإستراتيجية الثانية، فان القبول بموريتانيا والقبول بتقسيم «الحق التاريخي في الصحراء» معها يبدو معقولا بل وحتى الحل الوحيد القابل للتطبيق.

إذن تساهم موريتانيا في توجيه ضربة مزدوجة وتتلقى ضربة مزدوجة: فهي، من ناحية أولى، تقدم نفسها للصحراويين بوصفها «ضحية» ومثالا يجب أن لا يتكرر في المستقبل، وتقدم نفسها للمغرب بوصفها «وصمة عار» في نظرية الحق التاريخي وفضحا لمنطق غير متماسك وقابل للنسف عند أدنى تعديل في ميزان القوى.

ومن ناحية ثانية، تتلقى الضربات من المغرب والجزائر والصحراويين حسب الموقع الذي تحتله في التوازنات. فإن تحالفت مع المغرب تغضب عليها الجزائر فيقصفها مناضلو الصحراء، وان تحالفت مع الجزائر تستاء منها حكومة الرباط وتتهمها بالخيانة وتعمل على تأجيج تناقضاتها الداخلية، وإذا وقفت في الوسط تفرح وتغضب الجيران، تفرحهم لأنها أفقدت خصم كل منهم حليفا وتغضبهم لأنها حرمت كلاّ منهم من حليف.

وفق هذا السياق يظهر الانتقال في الموقف الموريتاني كانعكاس شفاف لأزمة الكيان الموريتاني نفسه، أزمة بنيوية ومصيرية في آن واحد.

يعكس تدرّج مستويات الأزمة حالات الانتقال في الموقف السياسي من المطالبة بموريتانية الصحراء، إلى تقسيمها مع المغرب وانتهاء بالانسحاب منها.

في المرحلة الأولى كان الهدف من استعمال ورقة الصحراء الغربية تشريع قيام موريتانيا أي تطويق المطالبة المغربية بها.

في المرحلة الثانية، كان الهدف الدخول كطرف وشريك في تطور المنطقة، أي تقوية التشريع.

في المرحلة الثالثة، كان الهدف ولا يزال هو الخوف على مستقبل التشريع، أي على الكيان نفسه. فالهم الأكبر لزعماء نواكشوط كان إنهاء مشكلة وجودهم العالقة باستمرار مع مغرب تاريخي، تقريبا كمشكلة الجزائر على حدودها الجنوبية-الغربية. فلا داعي إذن للبحث عن تفسير للموقف الموريتاني خارج أزمة الكيان نفسه.

عندما شكلت فرنسا الحكومة الموريتانية وأعطت رئاستها لموريتاني يعمل ضابطا في الجيش الثلاثة واجهتها معارضة مغربية، كانت سبب فشل المحاولة الأولى، وخاصة في مؤتمر بوخشيبية في آذار/مارس 1958 الذي تحالف فيه الجميع لإسقاط المشروع الفرنسي. ففي مواجهة إمكانية مغربية لنسف المشروع الفرنسي (لجوء أمير الترارزة وأربعة وزراء من الحكومة الموريتانية إلى المغرب في آذار/مارس 1958) لم يكن لدى الفرنسيين وحلفائهم الموريتانيين من حلول سوى البحث عن تشريع دولي يضعف المغرب. كيف أن تُقبل عضوية موريتانيا في الأمم المتحدة لكي يسقط الحق التاريخي للمغرب في موريتانيا. وهذا ما حصل فعليا. ففي بداية الستينات كانت الدول الاستعمارية تتمتع بنفوذ قوي في الأمم المتحدة، وكانت الدول الافريقية والعربية تتوالد بشكل مذهل في سياق تشريع التقسيمات الاستعمارية، وبالتالي فان الدويلات والكيانات الناشئة لن تعارض قيام دولة موريتانيا، بل ترى فيها دعما لوجودها نفسه. وفي 28 تشرين الأول/أكتوبر 1961 أصبحت موريتانيا عضوا كامل الحقوق في الأمم المتحدة بموافقة 68 دولة ضد 13 وامتناع 20 دولة عن التصويت.

غير أن الموافقة المذكورة لم تسفر عن اعتراف مغربي، وظل همّ تغيير الموقف المغربي الشغل الشاغل لحاكم موريتانيا المستقلة: الملك الحسن الثاني يعلن إنشاء وزارة موريتانيا والصحراء، ويرفض الاجتماع بمختار ولد داده في مؤتمر القمة العربي (تموز/يوليو 1964 في القاهرة) إثر وساطة الرئيس بورقيبة. والأحزاب المغربية، وخاصة حزب الاستقلال، لا تكف عن المطالبة بعودة موريتانيا إلى الوطن الأب وقيام وحدة المغرب الكبير الذي يصل إلى حدود السنغال (23). لهذا السبب تحديدا خاضت موريتانيا معركة سياسية ضد المغرب طيلة الستينات، ارتكزت خلالها على ثلاثة محاور: محور التحالف مع الجزائر، محور الحق التاريخي لموريتانيا في الصحراء العربية، ومحور المطالبة بقيام دولة صحراوية مستقلة عن المغرب وموريتانيا تفصل الأول عن الثانية وتبعد بالتالي الخطر المغربي المباشر وتنهي تعقيدات الحدود المشتركة، إضافة إلى توجيه هموم المغرب نحو الدولة الجديدة لتتفرغ موريتانيا «بسعادة» لأمورها الداخلية في التقدم والعمران.

من ناحية المحور الأول، التقت سياسة موريتانيا مع سياسة الجزائر، وخاصة بعد حرب 1963 في تندوف، واجتمعت الدولتان في حلف مناهض للمغرب، مشروعه الأساسي كامن في تصفية مشاكل الحدود بشكل نهائي، أي إرغام المغرب على القبول بالأمر الواقع. صيغة التحالف كانت تكتيكية، بمعنى أن الجزائر وموريتانيا ترغبان في إيجاد عمل ثلاثي مشترك أساسه التفاهم والتعاون بين دول المنطقة لإنهاء الاحتلال الاسباني للصحراء الغربية. أي تحديدا إضعاف التحرك المغربي الدبلوماسي ودفع المغرب للاعتراف بشرعية موريتانيا من خلال قبوله بالتعاون الثلاثي. عزّز رفض المغرب لهذه السياسة أواصر التحالف الجزائري-الموريتاني ووضع المغرب أمام توازنات لا تميل لمصلحته. قيام هذا التحالف أعطى دفعا للتحرك الجزائري الوسيط، حيث كان الرئيس بومدين، حرصا منه على تحرير الصحراء واستتباب الأمن والوفاق في المنطقة، يعمل على تخفيف التصلب المغربي وإقناع المغرب بضرورة الاعتراف بالأمر الواقع في موريتانيا (في الوقت الذي لم يعترف فيه الملك المغربي بالأمر الواقع في تندوف). انتهى العناد المغربي وانتصرت الوساطة الجزائرية في أيلول/سبتمبر 1969، إذ أن الرئيس الجزائري هواري بومدين رفض حضور المؤتمر الإسلامي الأول في الرباط إذا لم توجه الدعوة للرئيس الموريتاني. رضخ الملك للأمر الواقع وكشف عن سابقة تنازل عن حقوقه التاريخية سوف تستعملها الجزائر في محادثات 1972، وتستفيد منها موريتانيا في تقسيم الصحراء الغربية.

أعطت سياسة المحور الأول ثمارا ناجحة ولكن غير كاملة: المغرب يستقبل لأول مرة رئيس موريتانيا، والملك يصدر قراره بحل وزارة موريتانيا والصحراء في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1969، وفي 29 كانون الثاني/يناير 1970، يعترف المغرب رسميا بحكومة موريتانيا ويقرر إقامة علاقات ديبلوماسية معها، ويوقع أخيرا معاهدة الدار البيضاء، اثر محادثات 8 و9 حزيران/يونيو 1970، المتعلقة بالتضامن وحسن الجوار والتعاون الاقتصادي. النقص الوحيد في هذا التطور عبر عن نفسه في مسألة الحدود. إذ بسبب استمرار احتلال الصحراء الغربية، يؤجل البلدان هذا الموضوع إلى ما بعد الانتهاء من الاستعمار الاسباني، مما كان يعني ضرورة التنسيق المشترك لمعالجة قضية مشتركة يتوقف على حلها، شكلا ومضمونا، حل عقدة الحدود المشتركة.

من ناحية المحور الثاني، اعتمدت الديبلوماسية الموريتانية على حقها التاريخي في الصحراء الغربية مطالبة بعودتها إليها، وإبراز مسؤوليتها التاريخية والحقوقية في هذا الإقليم منذ ما قبل الاحتلال الاسباني. خرجت هذه السياسة إلى العلن في سنوات الستينات الأولى حيث كان التصلب المغربي على أشده في مواجهة الشرعية الموريتانية. ففي أول تشرين الأول/أكتوبر عام 1963 أعلن الرئيس الموريتاني مختار ولد داده أن بلاده «تتبع سياسة المفاوضات المباشرة لمعالجة مستقبل الجزء غير المحرر من موريتانيا». وطالب بإجراء مفاوضات مباشرة مع اسبانيا على أساس أنها الطرف المعتدي وموريتانيا الطرف المعتدى عليه والمحتلة أراضيه. وقد أخذ هذا الطلب صفة قانونية عندما أبلغت الحكومة الموريتانية لجنة الـ 24 التابعة للأمم المتحدة رغبتها في مناقشة موضوع الصحراء الغربية مع اسبانيا بشكل نهائي، وذلك في تشرين الأول/أكتوبر عام 1964. وبتاريخ 28 كانون الثاني/نوفمبر 1966، نشرت وكالات الأنباء الأمريكية والاسبانية النص الكامل لكلمة مندوب موريتانيا في الأمم المتحدة أحمد بابا مسكي (الذي سيصبح فيما بعد أحد مؤسسي جبهة البوليزاريو)، التي تضمنت معارضة شديدة اللهجة لمطالب المغرب الذي «تفتحت شهيته للتوسع، بعد أن كانت اسبانيا كريمة معه بأن سلمت له إقليم الطرفايا المشكوك في مغربيته». استتبع ذلك رفض للحق التاريخي المغربي في موريتانيا، حيث يتهم أحمد بابا مسكي المغرب الذي «يريد تكوين إمبراطورية واسعة يكون هو نواتها، وذلك طمعا في ثروات يحسّن بها اقتصاده المريض وكذلك لشغل الشعب بمسائل «خارجية» بسبب تزايد خطورة الوضع الداخلي، وقد تخيل هذا المغرب الكبير علال الفاسي الذي يطالب بالإضافة إلى الصحراء الجزائرية بموريتانيا بكاملها والصحراء الاسبانية...»، كما يعتبر أن الساقية الحمراء ووادي الذهب «كانا دائما مكملين لإقليم موريتانيا» وبأن المغرب الحالي «لم يتجاوز قط نهر درعا وان الصحراويين على العكس هم الذين كانوا ينطلقون نحو الشمال». وفي ختام كلمته، طالب المندوب الموريتاني اسبانيا بإرجاع الصحراء إلى موريتانيا واعدا باستمرار التعاون معها «كما هو الحال مع فرنسا»... (24)

خطبة بابا مسكي المؤلفة من 1400 كلمة كشفت خبايا التكتيك الموريتاني برمته. فقد تضمنت قلق حكام نواكشوط من استمرار المطالبة المغربية بموريتانيا، وربطت بين قضية الصحراء ومشاكل الحدود بين الدول الثلاث، معتبرة أن معالجة قضية الصحراء بالشكل المعروض سابقا تفيد الجزائر وموريتانيا واسبانيا وفرنسا، كما تضعف سياسة المغرب التوسعية.

أعجب هذا الموقف الحكومة الاسبانية التي رأت فيه ورقة ضغط رابحة على المغرب، فسارع وزير خارجيتها فرناندو دي كاستيا بزيارة العاصمة الموريتانية لإجراء محادثات ثنائية تتعلق بمستقبل الصحراء الغربية، وبتوطيد العلاقات بين البلدين اقتصاديا وسياسيا. وفي تعليقها على هذه المحادثات، أعلنت الإذاعة الموريتانية في 9 آذار/مارس 1966 مضمون الزيارة وكررت الموقف القائل بموريتانيا الصحراء الغربية:«ان هناك مشاكل ترابية بيننا وبين اسبانيا هي «موريتانيا الاسبانية». فموريتانيا منذ أن نالت استقلالها (كذا) وهي تطالب بهذا الجزء من أراضيها في نطاق حل سلمي بين المسؤولين، وفي البداية كان من حسن الحظ أن أعلنت اسبانيا عن سياسة جديدة تجاه مستعمراتها في افريقيا، وكان لذلك وقع طيب في نفوس الموريتانيين الذين رحبوا به، فعلينا أن نفتح عهدا جديدا في علاقات البلدين، فموريتانيا التي لا تريد أن تتخلى عن شبر واحد من أراضيها لن تألو جهدا من جهة أخرى من أجل توطيد علاقتنا بالدولة الاسبانية، لأننا نؤمن بجل المشاكل مهما كانت وحيثما بلغت في نطاق الطرق السلمية، وخاصة إذا كانت هذه المشاكل بين دولتين لهما مصالح مشتركة تفوق كل العراقيل، ونحن على يقين بأن ذلك هو الذي يسود الجانب الاسباني». (25)

سياسة هذه الفترة عززت التحالف مع الجزائر، التي لم تعترض على المطالبة الموريتانية بالصحراء الغربية، وأبرزت القضية بوصفها صراعا ثلاثي الأطراف، لا يهمه معاناة السكان الرازحين تحت نير الاستعمار عمليا. أكثر التصريحات صدقا عن هذه الوضعية ذكرها الرئيس الموريتاني أثناء زيارته للجزائر وبعد انتهاء أعمال مؤتمر القمة الثنائي في 27 آذار/مارس 1967، حيث ألمح الرئيس الموريتاني إلى أهمية مسائل الدفاع المشترك والأمن الجهوي وموريتانية الصحراء وارتباط الجزائر المصيري بها. فقد رد على أسئلة أحد الصحفيين قائلا: «ان موريتانيا لم توقع اتفاقا دفاعيا مع الجزائر ولكن من الواضح انه عندما يلتقي رؤساء دول متجاوزة كدولنا فإنهم لا بد أن يتحدثوا بصفة عامة عن مشكلة الأمن... ان موريتانيا تساند موقف الجزائر من قضية وادي الذهب، ونحن نرى كما ترى الجزائر ان مستقبل وادي الذهب يجب أن يحل وفقا للتوصية الأخيرة للأمم المتحدة التي تفضي بتطبيق مبدأ التقرير الذاتي للمصير على سكان هذه المنطقة. وبالنسبة إلينا فقد كنا نرى والى وقت قريب أن الصحراء الخاضعة للنفوذ الاسباني يجب أن تضم دون قيد أو شرط لأن هذه المنطقة تشكل من الوجهة الجغرافية والعرقية جزءا لا يتجزأ من أرضنا، ولكن نظرا للاحترام الذي نكنه للأمم المتحدة قررنا الأخذ بمبدأ تقرير المصير الذاتي وسنحترم نتائج الاستفتاء الذي سيجري هناك لأننا مخلصون لالتزاماتنا... ان موريتانيا مثلها مثل الجزائر تهتم بمستقبل هذه الناحية المجاورة لبلدينا معا والتي لها علاقات وثيقة معنا ومع الجزائر...» (26)

من ناحية المحور الثالث، مارست موريتانيا سياسة الرفض لمنطق مغربية الصحراء، مشددة على ضرورة تطبيق حق تقرير المصير لسكان الإقليم الصحراوي، مع إبراز تلميحي لتأييد استقلال الصحراء وقيام دولة تفصل المغرب عن موريتانيا وتبعد أخطار الأول التاريخية عن الثانية. بدأت هذه السياسية تتضح في سنوات الستينات الأخيرة، التي بدأت فيها المطالبة المغربية الديبلوماسية تتصاعد، وبوادر اتفاق مغربي-اسباني لاحت في الأفق (حول مصير ايفني بشكل خاص)، مما كان يهدد بإفقاد التحرك الموريتاني لركائزه، سيما وأن المغرب لم يبادر للاعتراف بالحكومة الإسلامية في نواكشوط.

جرى التعبير عن هذه السياسة بصورة واضحة في الأمم المتحدة. ففي شهر كانون الأول/ديسمبر 1966 أعلن مندوب موريتانيا قائلا: «ان وفد موريتانيا يريد التأكيد من جديد بأن الجمهورية الإسلامية الموريتانية لا تعارض إطلاقا التطبيق المخلص لمبدأ تقرير المصير بالنسبة لسكان «الصحراء الغربية» بل إننا نتمنى أن نرى سكان هذا الإقليم يمارسون بكل حرية حقهم في تقرير المصير والاستقلال... ان التناقض بين التصريحات المغربية العنيفة المناهضة للاستعمار وبين أطماعه التوسعية بالأمس واليوم تجاه موريتانيا والصحراء الاسبانية وكذلك تجاه جزء من الجزائر، ان هذا التناقض لهو تناقض صارخ...» وكان نفس المندوب قد أعلن في افتتاح الدورة الـ 21 للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر 1966 قائلا «انه في إطار التصفية العالمية للاستعمار فإن موريتانيا تحدوها الرغبة في صيانة مصالح سكان الصحراء الاسبانية وحقهم الثابت في تقرير المصير والاستقلال... وان طلب الحكومة المغربية بالاستقلال «للصحراء الاسبانية» ما هو إلا مناورة موجهة ضد الأمن والوحدة الترابية لموريتانيا، ومع ذلك وبالرغم من هذه السياسة فإن موريتانيا قبلت بدون تحفظ التطبيق الحرفي لمبدأ تقرير المصير والاستقلال لسكان هذا الإقليم لأنها تثق في منظمة الأمم المتحدة وتحترمها...» (27).

أما في اجتماع اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار، التي عقدت اجتماعها في أديس أبابا في حزيران/يونيو 1966، فقد أعلن المندوب الموريتاني ان بلاده «متفقة مع المغرب فيما يتعلق بحق الصحراء الاسبانية في التحرر، فهذا الإقليم يجب أن يكون مستقلا تماما عن اسبانيا وكذلك عن المغرب...» (28)

وفي الدورة الـ 22 للجمعية العامة وأمام لجنة الوصايا قال مندوب موريتانيا «إن الإشارة على المغرب في اللائحة المتعلقة بالصحراء، لا يعني على الإطلاق اعتراف موريتانيا بأية حقوق مغربية مزعومة على هذا الإقليم. إن المغرب لا يمكنه أن يبدي اهتمامه بمستقبل هذه المنطقة إلا باعتباره دولة مجاورة...» نفس الموقف تكرر في الدورة الـ 23 المنعقدة بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 1968، مع اعتراف موريتاني بعدم قدرة موريتانيا على فرض حلّ وعلى تراجعها عن فكرة موريتانية الصحراء.

فقد جاء في كلمة مندوبها في الأمم المتحدة «ان موريتانيا، كما يعلم المندوبون، تواجه عدة صعوبات ولم تتوصل بعد إلى حل مرض فيما يتعلق بالمنطقة ولكنها ليست توسعية وقد قبلت احترام مصلحة سكان «الصحراء الاسبانية» والتصرف في مصيرهم بأنفسهم...» (29).

شهدت المرحلة الثانية انتقالا نوعيا في لهجة الموقف الموريتاني. لقد كشف الاعتراف المغربي بموريتانيا عن طبيعة السياسية الموريتانية تجاه قضية الصحراء الغربية، إذ أنه ومنذ بداية السبعينات، بدأت موريتانيا في إتباع سياسة توازن بين المغرب والجزائر دون أن تلتزم بتحالف ثنائي كما كان الأمر في الستينات.

مما كان يعني البدء بتحرك ثلاثي قاعدته المبدئية قرارات الأمم المتحدة وأساسه الحاسم والمحرك استمرارية الخلافات المحلية. هذه الاستمرارية أرخت بكل ثقلها على الموقف الموريتاني الذي عاش حركة مد وجزر، تارة يقترب من المغرب على حساب تباعد عن الجزائر، وطورا يبتعد عن المغرب من أجل تقارب مع الجزائر.

وطالما أن المغرب لم يعلن قبوله بتقسيم عادل لثروات الصحراء مع موريتانيا وبعزمه على إغلاق حدوده الجنوبية نهائيا، وطالما قضية الحدود الجزائرية-المغربية لم تبتّ بشكل نهائي ومرض للجزائر فإن موقف الحكومة الموريتانية سيبقى عاكسا للتناقضات ولا يجد، لتخفيف أزمته، سوى صيغة اللقاءات الثلاثية والعبارات العامة الحريصة على تقرير المصير.

بدأت هذه المرحلة عمليا في لقاء القمة المغربي-الموريتاني، الذي انعقد في الدار البيضاء بتاريخ 8 حزيران/يونيو 1970 والذي انتهى ببيان ختامي مشترك تضمن بداية التغيير في «اللغة السياسية» للبلدين.

وقد ورد في البيان «ان الطرفين بحثا الوضعية في الصحراء الخاضعة للسيطرة الاسبانية، وقررا التعاون بكيفية واسعة للإسراع بتصفية الاستعمار من هذا الإقليم، طبقا للوائح الأمم المتحدة الصادرة في هذا الشأن».

مهد هذا اللقاء لقمة ثلاثية انعقدت في نواذيبو على الساحل الموريتاني في 14 أيلول/سبتمبر 1970، التي انبثقت عنها لجنة تنسيق ثلاثية يمثل كل بلد فيها وزير الخارجية. ثم تتالت اللقاءات:

اجتماع لجنة التنسيق الثلاثية بتاريخ 5 كانون الثاني/فبراير في الجزائر أعقبه لقاء ثان في نواكشوط بتاريخ 9 أيار/مايو 1973، اللذان حضّرا الأجواء لقمة ثلاثية أخرى انعقدت في أغادير على الساحل المغربي في تموز/يوليو 1973 التي صدر عنها اتفاق «رؤساء الدول الثلاث الذين أعطوا اهتماما خاصا لتطور مشكل الصحراء الخاضعة للسيطرة الاسبانية، يؤكدون تمسكهم الوثيق بمبدأ تقرير المصير وحرصهم على تطبيق هذا المبدأ في إطار يضمن لسكان الصحراء التعبير عن إرادتهم بحرية وصدق طبقا لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن.»

عكست عمومية البيانات الختامية، الثنائية والثلاثية، عمق الأزمة وعدم قدرة الأطراف الثلاثية على إرضاء بعضهم بعضا. وسط هذه الأجواء كان على موريتانيا، بسبب ضعف موقعها في ميزان القوى الجزائري-المغربي، ان تحدّد اختيارها وتنزوي في تحالف تناقضاتها مع المغرب، وخاصة أثناء مناقشات مؤتمر أغادير، دفعت الرئيس الموريتاني إلى إعلان موريتانية الصحراء وذلك أثناء زيارة العقيد الليبي معمر القذافي لنواكشوط في خريف 1973 والسماح لجبهة البوليزاريو بالعمل العلني داخل موريتانيا وفتح مكتب لها في العاصمة الموريتانية. استتبع هذا التطور تليين الموقف المغربي واستيعاب الملك المغربي لأهمية الاتفاق مع موريتانيا. فهي الوحيدة القادرة على إضعاف حقه التاريخي وبدونها يصعب استرجاع الصحراء «دبلوماسيا». فالخيار كان دقيقا جدا:

إما الاتفاق مع موريتانيا وإما دولة صحراوية بإشراف اسباني، فاتجه نحو موريتانيا بحثا عن تسوية تدخله إلى الصحراء وتعزل الجزائر.

تمثلت العقبة الكبرى في إقناع موريتانيا بالتخلي عن حلف الأمس، الجزائر. تمّ تذليل هذه العقبة بتضافر عدة عوامل كان أهمها ضعف الموقف الاسباني بعد انسحاب البرتغال من مستعمراتها الافريقية مما عجل باقتراب انسحاب اسبانيا من الصحراء والتدخل الأمريكي لدى موريتانيا.

ففي شهر آذار/مارس 1974 وصل هنري كيسنجر في زيارة شبه رسمية على العاصمة الاسبانية حيث أجرى محادثات سرية مع وزير خارجية الجنرال فرانكو.

كان محور اهتمام كيسنجر قائما على ضرورة تحريك فاعل لقضية الصحراء الغربية بشكل يضمن انفجار الوضع في المغرب العربي وإدخال أطرافه الثلاثة الرئيسية في استنزاف طويل الأمد، هدفه الأول يجب أن يكون سحب الجزائر من الشرق الأوسط وتوريط بومدين «خليفة عبد الناصر في العالم الثالث» بمشكلة صغيرة على حدوده، لضمان نجاح سياسته اعتمد كيسنجر على عاملين:

الأول، إبطال مفعول الاتفاقيات المغربية-الجزائرية السابقة حول الحدود من خلال موضوع الصحراء.

الثاني، إعطاء ضمانات لموريتانيا بتعويض كل ما كانت تأخذه من الجزائر.

العامل الأول جرى بحثه وإقراره مع وزير خارجية المغرب بن هيمة الذي طار إلى مدريد لملاقاة كيسنجر. والثاني جرى بحثه والاتفاق عليه مع وزير خارجية موريتانيا حمدي ولد مكناس الذي سافر في نفس الفترة إلى مدريد وعقد اجتماعا مماثلا. ولكي لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها العدو الرئيسي للجزائر، صديقتها «اقتصاديا»، عملت على طمأنة الرئيس بومدين عبر وسائل عديدة مباشرة وغير مباشرة. فلم تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء ولم توافق على طلبات المغرب العسكرية وحرصت دائما على إبراز البوليزاريو بشكل «معقول». وصلت التطمينات إلى ذروتها في زيارة «خاصة» قام بها روكفلر للجزائر في شهر شباط/فبراير 1976، قابل خلالها الرئيس الجزائري وقدم له وعودا بأنه لن يعترض لأي هجوم مغربي لغاية 1978 مقابل ذلك على الجزائر أن تراجع بعض حساباتها السياسية في افريقيا والشرق الأوسط بشكل خاص.

لاقت خطوة كيسنجر نجاحا نسبيا ترافق مع ضغط فرنسي «عائلي» على الرئيس الموريتاني (زوجته فرنسية) انتهى باتفاق ثنائي على تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا أعلنه صراحة الرئيس الجزائري في مؤتمر القمة العربية في الرباط.

كان يعني هذا إعطاء الضوء الأخضر للتحرك المغربي المواجه لاسبانيا، وبالتالي التوصل إلى اتفق ثلاثي، خاصة وأنه مقابل تنازل اسباني لا تستطيع موريتانيا تقديم أي تنازل، بينما المغرب يملك أوراقا كثيرة قابلة للمبادلة.

انتهت هذه المرحلة بالتوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية، من ناحية أولى، وبالتوقيع على اتفاقيتين بين المغرب وموريتانيا من ناحية ثانية، وهي الأهم بالنسبة لموريتانيا، اتفاقية التعاون الاقتصادي واتفاقية الحدود الجديدة.

نصت اتفاقية التعاون الاقتصادي على ما يلي:

«ان فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية وصاحب ملك المغرب اعتبارا منها للأهمية التي يوليانها لتنفيذ مقتضيات الرسائل المتبادلة بينهما يوم 30 تشرين الأول/أكتوبر عام 1974 وحرصا منهما على تعزيز العلاقات بين البلدين وخصوصا في ميدان التعاون الاقتصادي قررا تنسيق جهودهما ووسائلهما لتحقيق أهداف هذه الاتفاقية وتعيين مفوضين عنهما: السيد حمدي ولد مكناس وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية، الدكتور أحمد العراقي وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية، اللذين توصلا إلى الاتفاق التالي بعد تبادلهما كل السلطات المثبتة قانونيا.

البند الأول: يتفق الطرفان على إشراك الجمهورية الإسلامية الموريتانية في رأس مال شركة فوس بوقراع على أن تحدد ترتيبات هذا الاشتراك باتفاق بين البلدين.

البند الثاني: اتفق الطرفان على تنسيق جهودهما ووسائلهما من اجل استكشاف الثروات الباطنية في الأقاليم الصحراوية المسترجعة وذلك من أجل استغلالها بصورة مشتركة، ولأجل هذا الغرض ستحدث شركات مختلطة بين مؤسسات موريتانية ومغربية تابعة للدول تعيّنها الدولتان، وستحدد المقتضيات العملية لهذا التعاون باتفاق مشترك كل حالة على حدة.

البند الثالث: يستعمل الطرفان المتعاقدان كل جهودهما من أجل تنمية تعاونهما في ميدان الصيد البحري، ولهذه الغاية سيمنح كل منهما الطرف الآخر أكثر ما يمكن من التسهيلات في المياه البحرية للأراضي الصحراوية المسترجعة، ويشجعان بوجه خاص أحداث شركات مختلطة للصيد البحري.

وسيتم تحديد مقتضيات هذا التعاون باتفاق مشترك بين البلدين، ولأجل الحفاظ على ثرواتهما البحرية قرر الطرفان إنشاء لجنة مختلطة مكلفة بدراسة مجموع الإجراءات الملائمة لهذه الغاية.

البند الرابع: سيدخل هذا الاتفاق في حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ تبادل وثائق التصديق وفقا للمسطرات الدستورية المتبعة في كل من البليدين.

وبناء على ذلك وقع المفوضان وختما الاتفاق في نسختين.

وحرر بالرباط يوم 14 ربيع الثاني 1396 الموافق لـ 14 نيسان/ابريل 1976. عن الجمهورية الإسلامية الموريتانية: حمدي ولد مكناس عن المملكة المغربية: الدكتور أحمد العراقي.»

وقع الوزيران أيضا وفي نفس اليوم على أول اتفاقية رسمية تتعلق بتخطيط الحدود بين البلدين والتي نصّت على ما يلي:

«ان فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية وصاحب الجلالة ملك المغرب استنادا على الرأي الاستشاري الصادر يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر 1975 عن محكمة العدل الدولية والذي يعترف بوجود روابط ولاء قانونية بين ملك المغرب وبعض القبائل التي تعيش في إقليم الصحراء وكذلك الاعتراف بوجود حقوق ومن بينها حقوق متعلقة بالأرض تشكل علاقات قانونية مع المجموعة الموريتانية.

وطبقا للتصريح المبدئي الذي تم التوقيع عليه بمدريد يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1975 والذي ينقل الإدارة المؤقتة بمشاركة المغرب وموريتانيا وبتعاون مع الجماعة واعتبارا لاستشارة الجماعة التي اجتمعت في دورة استثنائية يوم 26 شباط/فبراير سنة 1976 يقرر أن إبرام هذه الاتفاقية ويعينان لهذا الغرض مفوضيهما وهما: السيد حمدي ولد مكناس وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية، والدكتور أحمد العراقي وزير الدولة المكلّف بالشؤون الخارجية اللذان بعد تبادل سلطاتهما الكاملة المنبثقة بالحجة اتفاقا على ما يلي:

البند الأول: توصلت الأطراف العليا المتعاقدة إلى اتفاق مشترك ينص على أن حدود الدولة بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية يرسمها الخط المستقيم الذي يبتدئ من نقطة التقاء الشاطئ الأطلسي مع خط العرض الشمالي 24 والذي يتجه إلى نقطة الالتقاء بين خط العرض الشمالي 23 الذي يلتقي مع خط الطول الغربي 13 وان التقاء هذا الخط المستقيم مع الحدود الحالية للجمهورية الإسلامية الموريتانية يشكل خط الحدود الجنوبية-الشرقية للمملكة المغربية، وانطلاقا من هذه النقطة فإن خط الحدود ينطلق نحو الشمال مع خط الحدود الحالي للجمهورية الإسلامية الموريتانية إلى نقطة التقاء الإحداثيات التالية 500-824 و959 كما هي مبنية في الخريطة الموقعة والملحقة بهذه الاتفاقية.

البند الثاني: تشكل حدود الدولة بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية حسب ما هو مبين في البند الأول الحدود الأرضية كما تحدد عاموديا السيادة في المجال الجوي وامتلاك ما في باطن الأرض.

أما بالنسبة للنهضة القارية فإن خط العرض الشمالي 24 يعتبر الخط الفاصل للحدود.

البند الثالث: يتم تشكيل لجنة مختلطة مغربية موريتانية لوضع علامات الحدود بين البلدين حسب ما ورد في البند الأول أعلاه.

البند الرابع: وعندما تنتهي اللجنة المختلطة من أعمالها تحرر محضرا رسميا يثبت وضع علامات على الحدود المغربية الموريتانية ويضاف ذلك الرسم إلى هذه الاتفاقية.

البند الخامس: تدخل هذه الاتفاقية في حيز التطبيق في التاريخ الذي يتم فيه تبادل وثائق التصديق طبقا للمسطرات الدستورية المعمول بها في كل من البلدين.

البند السادس: بمجرد ما تدخل هذه الاتفاقية حيز التطبيق تسجل لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة وفقا للبند 107 من ميثاق الأمم المتحدة.

وبناء على ذلك فان المفوضين وقعا المعاهدة في نسختين.»

تلاشت بسرعة مذهلة محاولات موريتانيا الساعية للحصول على مركز مُساو في ميزان القوى الجهوي وتحوّلت معها طموحات زعماء نواكشوط إلى أضغاث أحلام. فالانحياز إلى تحالف مع المغرب وضمان الأمن الشمالي لموريتانيا برا وبحرا أدخل الكيان نفسه في مأزق حاد جرّ معه كافة الاحتمالات. فالجزائر التي كانت تراقب بقلق مسار الأحداث والخبيرة بدقائق الأمور الموريتانية، والمدركة لاستحالة تحقيق تغيير سريع في موازين القوى في مواجهة مكشوفة مع المغرب على غرار أحداث أمغالا، وجدت طريقا لتوتير الوضع لا يستدعي حربا جزائرية-مغربية ولا يمكّن المغرب من إغلاق ملف الصحراء نهائيا. وقد تحقق لها ذلك: البوليزاريو القوة الشرعية تقاتل خصمها المغربي في موريتانيا، وموريتانيا حلقة الضعف تتلقى نتائج سياستها المعادية للجزائر وتقطف ثمار تكونها نفسه في منطقة لا تحتمل خروج الصغار عن دائرة الكبار.

وقبل أن تلتقط موريتانيا أنفاسها وتنتعش بحصتها الفوسفاتية وباتساع رقعة سلطتها، كانت الجزائر قد اتخذت القرار بالاتفاق التام مع قيادة البوليزاريو: توجيه النار إلى نقطة الضعف لتفجير التناقضات وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1975.

زاد ضعف موريتانيا في قناعة بعض المناضلين الصحراويين بإمكانية إلغاء موريتانيا نفسها بعد إنهاكها بعمليات متواصلة. بينما رأت الجزائر إمكانية استعمال موريتانيا لتهديد الموقف الفرنسي الداعم لأمن موريتانيا والقادر على التأثير في موقف هذه الأخيرة. التقت الخطوط وأجمعت على «إحراق» الاتفاقيات المغربية-الموريتانية، بادئة بعمليات عسكرية ضخمة وصلت إلى ذروتها في عملية الزويرات بتاريخ أول أيار/مايو 1977، ووضعت الحكومة الموريتانية أمام خيارات صعبة: أما الاستمرار في نفس السياسة المنسجمة مع المشروع المغربي، وأما الانسحاب التدريجي من قضية باتت خسائرها أكثر بكثير من أرباحها –زادت موريتانيا ميزانيتها 20 مليون جنيه إسترليني أي بنسبة 26% زيادة عما قبل هجمات لبوليزاريو (مجلة الحوادث، عدد 1052 في 7/1/1977).

شعرت فرنسا والمغرب والجزائر والسنغال بنوايا موريتانيا، فسارعت كل منها لتطويق سلبياتها وكسب ايجابياتها.

المغرب، سارع إلى تقديم وعود بالدعم العسكري ويتحمل أعباء صمود موريتانيا بوجه هجمات البوليزاريو. وافقت موريتانيا على الاقتراحات بعد أن اشتكت مرارا من عدم قدرتها على الاستنزاف، الأمر الذي انتهى بالتوقيع على معاهدة دفاع مشترك في 18 حزيران/يونيو 1977 وبتشكيل «الهيئة العليا للدفاع المغربي-الموريتاني»، وبدخول حوالي عشرة آلاف جندي مغربي لحماية تيريس الغربية (حصة موريتانيا من الصحراء الغربية) وبعض المراكز الحيوية الواقعة على الساحل الأطلسي وعلى مقربة من العاصمة نواكشوط.

فرنسا كانت من أكثر المهتمين بمستقبل موريتانيا، فهي محاذية للسنغال حليفة فرنسا وبوابة افريقيا «الفرنسية» إلى الأطلسي، وهي نقطة الاتصال البري بين دول شمال افريقيا المرتبطة عبر الصحراء بافريقيا الغربية، ومناجم الزويرات تقدم ما في جوفها من حديد لمصانع السيارات الفرنسية وحدها. لذلك لم تتأخر بإرسال مظلييها وإحاطة الرئيس الموريتاني بمساعدات عسكرية ومستشارين، في نفس الوقت الذي كانت تعمل فيه على إخراج موريتانيا من الصراع الجزائري-المغربي، مفضلة حيادا وأمنا على مقربة من مصالحها في السنغال وتشاد ومالي والنيجر، وحرصا على علاقاتها مع المغرب والجزائر اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا.

السنغال وجدت فرصة مؤاتية للتقدم إلى ما وراء الضفة الشمالية لنهر السنغال ودفع بعض مؤيديها لتحسين مواقعهم داخل السلطة الموريتانية بحجة الدفاع عن الأقليات الزنجية المضطهدة في موريتانيا والتي تعيش بالقرب من حدود السنغال الشمالية...

أما الجزائر فقد لاحظت بثاقب نظرها أن رياح السياسة الموريتانية تميل نحو السلم، وان الموريتانيين باتوا بأمس الحاجة لوسيلة تبعد عنهم أعباء استنزاف مستمر وقلق متواصل على المستقبل. فأخذت تهيئ لتغييرات السياسة الموريتانية واستيعابها والبدء بتغيير خط سير العمليات الحربية من تندوف باتجاه الأطلسي وأحيانا من الساقية الحمراء باتجاه شمال المغرب المحاذي للصحراء.

وسط هذه التطورات وفي تموز/يوليو 1978 قام العقيد مصطفى ولد السالك بانقلاب «هادئ» واضعا مختار ولد داده في إقامة جبرية، مصرحا ببدء نهج الانسحاب الموريتاني من مشكلة الصحراء. وفي كانون الثاني/يناير 1979 صرّح العقيد السالك مؤيدا حق تقرير المصير للصحراويين وبدأ سياسة تقارب مع البوليزاريو وإدخال بعض المتعاطفين معها في الحكومة، تجاوبت معه الجبهة بإيقاف عملياتها داخل الأراضي الموريتانية.

لكي تصل هذه الأمور إلى نتيجتها المنطقية وتخرج موريتانيا من تناقضاتها الداخلية التي أعقبت هدوء جبهتها الحدودية مع الجزائر وأخذت شكل تفاقم الصراعات بين مراكز القوى داخل الحكومة (مؤيدون للمغرب، متعاطفون مع البوليزاريو، حياديون، زنوج مدعومون من السنغال)...وتدهور البنية الاجتماعية للكيان نفسه مع انفراط عقد التوازنات القبلية (بين قبائل زنجية في الشمال، وترارزة في الوسط، وحسانية في تيريس الغربية...) قررت موريتانيا التحرك نحو الانسحاب النهائي ولكن بشكل مأساوي: انقلاب الكولونيل بوسيف في مطلع نيسان/ابريل 1979 واستلام لجنة الإنقاذ الوطني للسلطة، مقتل الرئيس الجديد في حادثة سقوط طائرته في البحر «قضاء وقدرا»، محادثات سرية في ليبيا أثمرت سياسيا وانتصرت إعلاميا في الجزائر لتتحول إلى اتفاق صحراوي-موريتاني أُطلق عليه عنوان «اتفاقية الجزائر» في 5 آب/أغسطس 1979، أعقبها بعد أيام، قرار المجلس العسكري الحاكم بالانسحاب الكلي من تيريس الغربية، التي لم تتأخر القوات المغربية في احتلالها...

خرجت موريتانيا من الصراع لحظة شعورها باقتراب انهيارها الكلي، ففقدت حدودها مع المغرب وخسرت حدودها المرتقبة مع البوليزاريو، وانزوت تعيش أزمة صامتة وخانقة، سارع الفرنسيون لتخفيف وطأتها بعد أن تبين هُزال الوعد الأمريكي الذي قطعه كيسنجر لحمدي ولد مكناس في ذلك اليوم من آذار/مارس 1974 في مدريد، يوم كان زعماء موريتانيا يحلمون بلعب دور «عظيم» مدعوم «أطلسيا»، فإذا بهم يستفيقون بعد 5 سنوات على حقيقة مزعجة ولكنها علمية: حلقة الضعف تقطف ثمار تناقضات الكبار وتراقب عملية تحولها إلى ضحية، وفي نفس الوقت، تجسّد البنية الواهية للكيانات المصطنعة بموريتانيا التي لم تستطع، رغم مسارها التاريخي «المستقل»، ترسيخ وجدوها الوطني، فترتد نحو حدودها المستحدثة وتعطي لغيرها مثالا، قبل قوات الأوان.

المغرب ومنهجية الوحدة الوطنية

كم تبدو ساذجة تلك الأطروحات التي لا ترى في «مغربية الصحراء» إلاّ ترميما من فوق لنظام ينهار، وكم تبدو متسرعة تلك التحاليل التي تعتبر مغربية الصحراء مجرد صفقة فوسفات رابحة يجريها تاجر-ملك. عندما نستمع إلى محاضري ملتقي ماسي الدراسي السابق الذكر، أو عندما نتمعن في تلك المقالات الطويلة «والعلمية» التي لا تبخل بإفاضتها علينا أقلام اليسار الفرنسي والاسباني وما جاورها من معتدلين ومتطرفين، نكتشف بسهولة سحرية أن قضية الصحراء تشكّل مناورة ذكية لسلطان يسعى لتطويق الصراع الطبقي. أما علاقة المغربي بأرضه وتاريخه، بحلمه وهزيمته، بركضه الدائم إلى الخلف سعيا وراء «مجد» غابر... فإنها مسألة ثانوية، البحث فيها هذيان وتكريسها الواعي أو اللاوعي يتعارض مع مسيرة القرن والتقدم والعلمانية... وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، خلاصة القول، يكيل علينا هؤلاء بمقدمات تبدو للوهلة الأولى معقولة ليصلوا إلى نتيجة مفترض أن تكون، منطقيا، معقولة: الشعب والأرض والدين والحضارة والسياسة والاقتصاد والريف وبلاد السيبا والمخزن والصحراء والأطلس... كلها في خدمة الملك وللملك، وجودها مرتهن بمصلحته ومصيرها مرتبط بأرباحه. فالسلطان تاجر والباقي كله سلعة، وبالتالي فلا داعي للبحث عن مستقبل الوطن ووحدته خارج حدود فائدة «القصر» إذن الوحدة رجعية ومغالطة لأنها حبة قمح في طاحونة الملك التوسعي، والتجزئة مشروع تقدمي وهام لأنها تحبط سياسة متخلفة. أما لماذا يكون سلاطين من أمثال غاريبالدي وبسمارك أبطالا تاريخيين وملوك المغرب شواذا متخلفا، وتكون وحدة ايطاليا وألمانيا مشروعا تقدميا ووحدة المغرب «مؤامرة رجعية»، فان الإجابة مرتبكة؟؟

فما هو حرام في المغرب يصبح حلالا في الشرق، وما هو مقدس في الشرق يغدو محرما في المغرب والعكس بالعكس: استقلال أكراد إيران وأتراك قبرص وبربر الريف وصحراويي الجنوب في المغرب وموارنة لبنان وأقباط مصر ودروز سوريا ومسيحيي جنوب السودان وبوذيي كوريا الجنوبية الخ. يعتبر حلالا، واستقلال الكاتلانيين في اسبانيا والبريتون في فرنسا والكاثوليك في ايرلندا والزنوج والهنود في أمريكا وفرنسيي كيوبيك في كندا الخ، يعتبر حراما ويشكل خطرا مصيريا على وحدة الأمة ومستقبل الحضارة.

صحيح تماما أن النظام المغربي يستفيد من ورقة الصحراء لتجاوز أزمته البنيوية، وصحيح أيضا أن الفوسفات مشروع رابح في عالم بات يستمد استمراريته من المواد الأولية، وصحيح تماما أن في المغرب صراعا طبقيا بين فقراء وأغنياء، تقدميين ومعتدلين، وطنيين تابعين... وصحيح أيضا أن في المغرب خصوصيات عرقية وتمايزات جهوية وتعددية ثقافية... ولكن ما هو غير صحيح ذلك التبسيط للمسألة وتلك المغالطة المنهجية التي تقيس حدود الوطن بحدود مصلحة السلطة وحدها. ففي المغرب حنين دائم إلى وحدة ضائعة، وشعور دفين بان الوطن يتعرض منذ قرون لعملية تفتيت كامل، وان ما يجمع المغاربة اليوم بمختلف فئاتهم ودرجاتهم ليس ما هو حاصل بل عشق استرجاع ما كان حاصلا. فالإجماع المغربي ليس معجزة أجاد تصميمها مستشارو الملك، بل تعبير وانعكاس صادق لخصوصية مغربية تاريخية وإيديولوجية تندرج ضمنها تناقضات المجتمع المغربي الداخلية، فلا تلغي الخصوصية التناقضات ولا تعني استمرارية التناقضات تجاوزا للخصوصية: الوطن المغربي.

من هنا تأتي مسألة منهجية تطال مباشرة الجذور التاريخية لتشكل الوطنية المغربية، وتجعل من مشروع النظام المغربي حالة من الحالات السياسية القائمة داخل المجتمع نفسه، لا يغير من قيمتها الحجم الذي تحتله بالمقارنة مع الحالات الأخرى. وبالتالي فان حصر «مغربية الصحراء» بالسياسة الرسمية ومشاريع القصر الملكي يقزّم المشكلة ويستأصل ما فيها من «أحلام شعبية» وأهداف «تقدمية»، ويساوي بين جميع فئات المجتمع المغربي بإخضاعها لمنطق واحد ووضعها في سلة واحدة.

تساعد المداخلات بسذاجتها أحيانا وبعلميتها أحيانا أخرى على اعتبار قضية الصحراء قد فتحت عمليا ملف المسألة المغربية من جديد. وافترضت لاستيعابها معرفة أصول تكّون الوطنية المغربية المتفق عليها بين القصر والشارع، المخزن والأطراف، البربر والعرب...

عندما عاد أبو الحسن المريني مهزوما من حملته الشهيرة إلى تونس لاستعادة وحدة المغرب العربي وإحياء المشروع الموحدي، كان بذلك قد دشن عهد فقدان الامتياز التوحيدي الذي احتكره سلاطين المغرب من أشراف وبربر، وساهم في انكفاء المغرب الأقصى نحو حدود متواضعة.

خسر المغاربة وحدة سياسية كبيرة كانت تربط ليبيا بالأندلس وتظهر المغربي مقاتلا متفانيا عن حضارة عربية-إسلامية صامدة بوجه هجمات غربية متتالية، فانهارت أحلام «الكبار» وبدأ «الصغار» يتهيأون للوقف على أطلال تراث وحدوي. (30)

وصول العثمانيين إلى الجزائر في بداية القرن السادس عشر زاد في تعيين الحدود الجغرافية والسياسية والإيديولوجية للوطن المغربي. فالمغرب الأقصى الخارج عن طاعة السلطان العثماني كان قد بدأ يتلمس ولادة «وطنية» تمظهرت بعدة أشكال: أولا، اعتبار السلطان المغربي وارثا لخلافة الأمويين في الأندلس تماما كما كان السلطان العثماني يعتبر نفسه وريث الخلافة العباسية.

ثانيا، لأن المغرب الأقصى رسم تطوره وحدوده واستقلاله بالقوة وبالحرب الدائمة ضد العثمانيين من ناحية والاسبان والبرتغال من ناحية ثانية.

ثالثا، لأن سلطان المغرب ظل محافظا على نمط العلاقات الحقوقية والسياسية التي تربط الحاكم بالمحكوم والتي أخذت إسلاميا مفهوم (البيعة) التي أقرها الرسول منذ بيعة الحرب، مما استتبع قبولا بشرعية مؤدلجة بالمذهب المالكي وممثلة برفض شرعية السلطنة العثمانية وتقديم الملك المغرب بوصفه أمير المؤمنين ذا الصفة الشرعية والقانونية.

بمعنى آخر، انحصر المغاربة في حدود جديدة ونسجوا علاقات مميزة ونموا داخليا مغايرا لنمو الامارات العثمانية المجاورة، ولكن حافظوا في نفس الوقت على مشروع وحدوي عبّر عن نفسه بـ لامحدودية البيعة، أي باستمرار شرعية عزل الخليفة العثماني واسترداد الخليفة المغربي (الأموي، المالكي والعربي) للسلطة المركزية. (31) وفي إطار هذه المحاصرة الجغرافية وبسبب استمرارية الشكل القانوني للخلافة فإن خصوصية الانتماء بدأت تتصلب منذ القرن السادس عشر إلى بداية القرن العشرين. فما هو شرعي ليس السلطان أو المجموعة التي تسانده وإنما الأمة التي لها معنى ديني، سياسي، وطني وترابي في آن واحد. وبالتالي فمن العبث البحث عن تمايزات بين هذه المعاني لأنها بوعي ووضوح متلازمة. «ان عقد استلام السلطة لا يربط حكاما ومحكومين فيما بينهم، بل يرغمهم معا بالنسبة للأمة، السيد الحقيقي الوحيد.» (32)

شرّعت صيغة البيعة لمفهوم الأمة التي يتألف منها المغرب الأقصى بريفه وصحرائه، بمخزنه وبلاده السيبا، بقبائله العربية والبربرية، وعززت حركة التاريخ الخاص خلال خمسة قرون وضعية الوحدة المغربية الشاملة لكل الأراضي الغربية لشمال افريقيا الخارجية عن النفوذ العثماني. وإلى هنا تحديدا يرجع أساس المغرب الكبير الذي أدلج علال الفاسي في كتابه الأبيض، ويدافع عنه اليوم كل المغاربة القائلين بمغربية الصحراء والقابلين على مضض استقلال موريتانيا والذين يتهامسون فيما بينهم حول ما إذا كانت تندوف مغربية فقط أم كل القسم الجنوبي-الغربي من الجزائر الحالية.

هذا المغرب الأقصى تعرض منذ التدخل الأوروبي في شمال افريقيا لعملية تقسيم جغرافي بين عدة دول وظلّ محتفظا فقط بوحدة شرعية أساسها «البيعة». مما كان يعني تقسيما استعماريا قائما بالقوة على ارض الواقع، أي جغرافيا، ووحدة سياسية إيديولوجية قائمة أيضا بالقوة على ارض الفكر، أي إسلاميا.

لذلك تمسك المغاربة بالبيعة التي هي إطار الوحدة وبدأوا مسيرة النضال لاسترجاع الوحدة الجغرافية التي مزّقها الأجنبي.

فازداد بذلك شعور الانتماء إلى الوطن (المغرب الأقصى) وشعور التعرض الدائم لمؤامرة تفتيت وحدته. استتبع ذلك إجماع على ضرورة الحفاظ على الوحدة ولو حقوقيا-إيديولوجيا، وبضرورة الحيلولة دون تمرير عملية التقسيم. فانعقدت علاقة تاريخية متينة بين الشعب والسلطة قوامها التمسك بوحدة التراب الوطني وليس مجرد إخضاع السلطان للقبائل. فالخضوع قائم طالما الملك رمز الوحدة، وفي حالة تفريطه بالوحدة يهدّد استمرارية سلطته (بهذا المعنى تكون قضية الصحراء بالنسبة للحسن الثاني قضية حياة أو موت، كما يقول).

على قاعدة هذه العلاقة وهذه الخصوصية التاريخية الجغرافية تبرز قضية الصحراء الغربية كتعبير عن استمرارية نفس الإجماع الباحث عن الهدف. ولكن الإجماع لا يلغي التعارضات والتناقضات بل يحتويها ويفسر وجوده، واستمرارها يتعاطى الموقف الرسمي للنظام المغربي مع قضية الصحراء على أساس كونها جزءا من المغرب تحتله اسبانيا، ويطالب باسترجاعها مرتكزا بشكل جوهري على الحق التاريخي. التاريخ المعقد والمتناقض لهذه المطالبة، بمساومته وإصراره، لم يتجاوز إلا تكتيكيا مشروع القصر الهادف إلى استعادة الوحدة الترابية للمملكة واستعمال ورقة الحق التاريخي حتى نهاية الشوط. وبينما يكرر الملك مطالبته بصحرائه الغربية تعكس مواقفه سياسة الاسترداد بالقطّارة أو الوحدة بالتقسيط، مما يكشف عن ميزة أساسية هي العجز أو عدم الرغبة في مواجهة مكشوفة مع اسبانيا (الغرب).

أي التحرك المتعرج في ميزان قوى دائم التقلب تميّز بالتمسك بالمبدأ (الحق التاريخي) من ناحية وبالمساومات على مسائل أخرى من ناحية ثانية. يندرج أيضا ضمن مفهوم ميزان القوى ارتباط المطالبة بالصحراء شكلا ومضمونا بالتناقضات الداخلية للمجتمع المغربي نفسه، بالصراع الجزائري-المغربي حول الهيمنة في شمال افريقيا، بمشاكل الحدود بين دول المنطقة، بإستراتيجية الدول الكبرى، بتحالفات القصر الخارجية، بارتباط المشرق العربي بالمغرب، بنمو الحركة المناهضة للاستعمار في العالم الثالث... لذلك لا تقدم مواقف القصر نفسها بمعزل عن هذه الشبكة المعقدة من التأثيرات المحلية والخارجية، ولا يمكن استيعاب موقف المغرب من الصحراء بدونها.

حاولنا في الفصل الأول، بطريقة غير مباشرة، رصد الأحداث التاريخية التي أنهت بقيام المغرب الأقصى ووصلت إلى ذروتها في الاتفاقيات الدولية حول المغرب، وذلك كأصل لما يسمى بالحق التاريخي للمغرب والذي يشكل قاعدة التحرك الرسمي. فالموقف القائم على الحق التاريخي يستند على مبدأين: الأول، وهو وجود علاقات بيعة بين السلطان المقيم في المخزن وبين القبائل المقيمة في الصحراء، الثاني، وهو الاعتراف الدولي بحدود سلطة الملك «جغرافيا». وبهذا الصدد قدّم المغرب إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي مجموعة الوثائق التي ثبتت حقه التاريخي المشروع والمعترف به دوليا، كما قدم تأريخا لطبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين الأشراف العلويين وصحراويي المغرب.

لهذا فان نشر وثائق متضمنة عبارات «سيادة السلطان وحصانة الوحدة الترابية لأراضيه» التي وردت في بيان مؤتمر الجزيرة الخضراء، أو مثل «فليس –بعد ذلك- لأحد أن يتقدم بمطالب من أي نوع كانت حول الأراضي الممتدة ما بين رأس بوجدور ووادي درعا، والتي يطلق عليها اسم الطرفايا، ولا حول الأراضي الموجودة جنوبها لأن مجموع تلك الأراضي من صميم التراب المغربي...»، كما ورد في المعاهدة المغربية-الانكليزية، أو كما ورد في الاتفاق الفرنسي-الألماني حول حدود المغرب ... مع العلم بأن المغرب يشمل الجزء الكامل من افريقيا الشمالية الذي يمتد ما بين الجزائر وافريقيا الغربية الفرنسية ومستعمرة اسبانيا بوادي الذهب»، يشكل مرتكز المغرب الرسمي الباحث عن انتصار قانوني-ديبلوماسي.

وقد اعتمد الموقف الرسمي على مجموعة معاهدات واتفاقيات لإبراز الحق التاريخي والتي جرى عرض أهم ما ورد فيها في الفصل الأول. ومن المعاهدات:

1- معاهدة السلام والتجارة الاسبانية-المغربية الموقعة بتاريخ 28 أيار/مايو 1767.

2- معاهدة السلام والصداقة والملاحة والتجارة والصيد الموقعة في مكناس بتاريخ 1 آذار/مارس 1799.

3- معاهدة السلام والصداقة بين اسبانيا والمغرب الموقعة في تطوان بتاريخ 26 نيسان/ابريل 1860.

4- المعاهدة البريطانية-المغربية حول امتلاك المغرب لمنشآت شركة «نورث وست افريقيا» في طرفايا الموقعة بتاريخ 13 آذار/مارس 1895.

5- بيان فرنسي-اسباني حول وحدة التراب المغربي الموقع بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 1904.

6- المعاهدة السرية الفرنسية-الاسبانية الموقعة في باريس بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 1904.

7- المراسلات الملحقة بالاتفاق الفرنسي-الألماني الموقعة بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1911.

8- معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب الموقعة في فاس بتاريخ 30 آذار/مارس 1912.

9- المعاهدة الفرنسية-الاسبانية الموقعة في مدريد بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1912.

10- البيان المشترك المغربي-الاسباني الموقع بتاريخ 7 نيسان/ابريل 1956...

يساهم الحق التاريخي المذكور في تعقيد عملية مراجعة الموقف الرسمي، خاصة وأن المغرب لم يعرف شكلا ثابتا على المستويين الجغرافي والسياسي منذ بداية هذا القرن. فأي المواقف أصح: موقف مغرب 190 الذي كان يعيش وسط كماشة الهجوم الفرنسي القادم من الجزائر والسنغال، أم موقف مغرب 1906 الذي كان يشارك في مؤتمر تقسيمه في الجزيرة الخضراء، أم موقف مغرب 1912 الذي كان يوقّع على معاهدة الحماية ويتراجع أمام الزحف الأوروبي، أم مغرب 1934 الذي بات فيه الوطن كله خاضعا للاحتلال العسكري، أم مغرب 1956 مغرب الاستقلال الناقص؟

في الفصل الثاني عرضنا لجوانب هذا الموقف، ولتعددية الصيغ السياسية للمغرب المذكور، والتي تميّز بشكل أساسي المطالبة بالسيادة في عصر فقدت فيه السيادة مقوّماتها ودفاعاتها الداخلية، وبالتالي فإن سياسة ما بعد 1956 تبدو الأكثر «علمية» كنقطة لموقف رسمي يتطور باستمرار حسب الظروف. كما يمكن تقسيم مراحل هذا الموقف إلى ثلاث لسبب أساسي هو انعكاس التأثيرات الخارجية على حدته أو ليونته:

المرحلة الأولى:

يحدّد الموقف الرسمي الإطار الجغرافي للوطن المغربي داخل المنطقة الغربية لشمال افريقيا غير الخاضعة تاريخيا للسلطة العثمانية. أي ان المغرب الأقصى يمتد شمالا من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السنغال في الجنوب، حدوده الغربية على المحيط الأطلسي وحدوده الشرقية غير مثبتة على الخرائط الرسمية ولكنها تٌقدم على أساس أنها تصل إلى كل الصحراء الشرقية التي لم تطأها السلطنة العثمانية. ولما كانت حدود المغرب تشمل كل هذه المناطق فان استقلال 1956 يُعد ناقصا، والوحدة الترابية مفقودة والارتباط بين المخزن والأطراف شبه معدوم.

لذلك، وعشية إعلان الاستقلال واجه الملك محمد الخامس وضعية معقدة: فمن ناحية أولى، لا تزال سبتة ومليلية وحجرتا باديس والنكور والجزر الجعفرية واقعة تحت الاحتلال الاسباني في شمال المغرب على شواطئ المتوسط، ومدينة طنجة رازحة تحت السيطرة الدولية والسيادة العسكرية عليها من اختصاص الانكليز، وأقاليم ايفني والطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب لا تزال محتلة من قبل اسبانيا في الجنوب على شواطئ الأطلسي، وموريتانيا كلها مع الصحراء الشرقية (منطقة الخلاف مع الجزائر) تحت السيطرة الفرنسية.

أي أنه كان ملكا على استقلال محاصر من كل الجهات باحتلال أجنبي لما تبقى من «التراب الوطني» وللأراضي المجاورة أيضا (السنغال، الجزائر).

ومن ناحية ثانية، كان المستحيل القبول بتجزئة التراب الوطني (حدود البيعة) لأن في ذلك انتقاصا من البيعة نفسها ومن امارة المؤمنين، وبالتالي فقدان العرش.

فلا يعد ممكنا القبول بشرعية الاحتلال الاسباني في الشمال والجنوب والفرنسي في الشرق وموريتانيا، ولا يمكن أيضا التساهل أمام قيام استقلالات مماثلة في تلك المناطق.

ومن ناحية ثالثة، كان الملك يواجه انشقاقا داخليا حادا بين اتجاه سلمي يؤمن بنظرية «عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة» ويطالب بتعزيز الاستقلال الناقص وبمواصلة المساعي الديبلوماسية لاسترجاع الباقي، واتجاه متشدّد يرى في إيقاف حرب التحرير مقدمة لانهيار المشروع الاستقلالي برمته وينادي باستمرار الحرب لاستكمال تحرير كامل التراب الوطني وتوحيده.

حدّدت هذه الوضعية الخيارات الحاسمة: هل يتخالف مع فرنسا لتحرير منطقة الاحتلال الاسباني؟ هل يتحالف مع اسبانيا لتحرير منطقة الاحتلال الفرنسي؟ هل يسترجع تندوف ويخسر موريتانيا، أو وادي الذهب ويخسر سبتة ومليلية؟

هل يدعم خط القتال ويغامر بمعركة سياسية قد يربح فيها «كل الوطن» أو يخسر فيها «العرش»؟ هل يلغي المشروع المغربي «الوطني» ويقود حرب تحرير وحدوية بالاتفاق مع تونس والجزائر الملتهبة بالثورة لبناء المغرب العربي الموحّد؟...

لكي لا يخسر «أطراف» مملكته، ولا يفقد «صداقة» فرنسا واسبانيا، ولا يغامر بقتال طويل الأمد، اختار الملك محمد الخامس الحفاظ على الاستقلال الناجز ومتابعة التحرك الهادئ والديبلوماسي والمهادن لاسترداد ما تبقى. (33)

بديهي أن يؤدي هذا الاختيار إلى تعميق الخلافات الداخلية وخاصة بين جيشي التحرير في الشمال والجنوب وازدياد التناقضات السياسية بين المخزن والأطراف: جيش التحرير يمسك السلطة الفعلية في الجنوب والقبائل تتحرك في الشمال دعما لجيش التحرير وتلغي نفوذ العرش، مما زاد في ضرورة تحييد «العدو» الخارجي لإسكات الأعداء الداخليين، وبالتالي تعزيز خط الصداقة والهدنة مع اسبانيا في الصحراء الغربية والتراجع عن إحباط مشروع استقلال موريتانيا. أنتج هذا الوضع هزيمة خارجية وانتصارا داخليا: تصفية جيش التحرير في الجنوب على يد القوات الفرنسية والاسبانية، قيام دولة موريتانيا، استمرار الاحتلال الفرنسي في الصحراء الشرقية والاسباني في الأقاليم، تصفية جيش التحرير في الشمال بقوات الحكومة وضبط الوضع سياسيا وعسكريا داخل منطقة الاستقلال. (34)

أبرزت تطورات مسألة الصحراء الغربية وضعية الملك وخيارته. ففي عام 1956 وبعد إعلان الاستقلال، وقّع الملك على اتفاق مع اسبانيا في 7 نيسان/ابريل تركت فيه الأقاليم الجنوبية بدون حل رسمي. فقد نصّ الاتفاق على جلاء اسبانيا من مواقعها الداخلية وعلى استمرار المفاوضات لمعالجة مصير المناطق الأخرى.

رفض جيش التحرير إيقاف عملياته المسلحة وبداية اتساع سلطة «المقاتلين» في الصحراء ساهما في تشديد لهجة المطالبة الرسمية وبدء محادثات مباشرة في طنجة في شهر أيلول/سبتمبر 1956 بين الملك محمد الخامس ووزير الخارجية الاسباني كاستيلا، انته بخلاف واقتراح من جانب الملك بطرح الموضوع على محكمة العدل الدولية. كرّر هذا الاقتراح ولي العهد آنذاك الحسن الثاني في 4 كانون الأول/ديسمبر 1957، بينما كان جيش التحرير يسيطر نسبيا على الصحراء الغربية. في مواجهة مغرب مقاتل تهدد انتصاراته بأشغال منطقية السيطرة الأوروبية في افريقيا الغربية، ومغرب مفاوض يضمن حياده تطويق مخاطر فقدان السيطرة، اختارت اسبانيا (ومعها فرنسا) التنازل أمام الثاني وتصفية الأول، فبدأت لتحقيق ذلك محادثات مع الملك في كانون الثاني/ديسمبر 1958 وجهزت قوات الاحتلال جيوشها لإعادة السيطرة على الصحراء الغربية وموريتانيا. وبينما كانت قوات جيش التحرير تخوض معركة فاصلة ضد القوات الفرنسية-الاسبانية كان الملك محمد الخامس يقوم بزيارة إلى المحاميد في جنوب المغرب ويخاطب الأهالي في 15 شباط/فبراير 1958 ليسمع الاسبان، الذين كانوا على قاب قوسين أو أدنى من الانتصار بأن الصحراء مغربية وبأن تاريخها ومستقبلها مرتبطان بالعرش. (35)

فهم الاسبان من ذلك أن السكوت عن تصفية جيش التحرير لا يمكن أن يكون مقابل لاشيء، فسارعوا لبدء محادثات جدية في سنترا بالبرتغال والتي انتهت بانسحاب اسبانيا من إقليم الطرفايا في نيسان 1958 مقابل السكوت عن استمرار الاحتلال الاسباني في مناطق المغرب الأخرى شمالا وجنوبا. (معاهدة سنترا).

أثبتت أحداث أعوام 1956-1958 حقيقة سياسة لا جدال فيها: المغرب الرسمي مستعد للمساومة على كل شيء مقابل عدم التسليم بتجزئة حقوقه التاريخية، وانه يفضل سيادة شكلية على ترابه الكامل ويرفض سيادة كاملة على ترابه الناقص.

كما أنتجت أحداث هذه الأعوام معادلة جديدة في قوانين صراع التحرر الوطني. فالموقف الرسمي يفاوض مع المحتل الاسباني بوصفه استعمارا صديقا، أي معالجة تصفية الاستعمار بروح الصداقة وحسن الجوار. بمعنى آخر غلبة منطق التحرك السلمي على حساب منطق الحرب وان كان ذلك يؤثر على ميزان القوى الفرنسي-الجزائري.

إضافة إلى كل ذلك عملت اتفاقية سينترا على منع الاتصالات بين مغاربة الشمال ومغاربة الصحراء، رافقه إهمال المغرب الرسمي وعدم اكتراثه بالمعاناة اليومية للسكان الرازحين تحت السيطرة الذين بدأوا يتوافدون إلى الطرفايا المحررة هربا من الاحتلال أو تهجيرا قسريا من جانب الاسبان.

وبذلك تتحدد معالم التحرك الرسمي: اهتمام بشؤون الشمال المستقل ومتابعة المطالبة باسترجاع الجنوب المحتل. بدأت هذه المطالبة بعمليات تذكير واحتجاج. ففي شهر أيار/مايو 1959، وأثناء الاحتفال الذي أقيم في القصر الملكي بمناسبة إطلاق سراح بعض الجنود الاسبان الذين كانوا محتجزين كرهائن لدى قبيلة آيت باعمران، خاطب الملك محمد الخامس السفير الاسباني مذكرا انه بعد توقيع اتفاقية نيسان/ابريل 1956 «ظهر جليا للرأي العام المغربي والدولي ان الوحدة والاستقلال المعترف بهما للمغرب من لدن اسبانيا تشمل مجموع التراب المغربي» وطالب بضرورة التوصل على تسوية سلمية لقضية الصحراء وذلك في «إطار الصداقة التقليدية القائمة بين المغرب واسبانيا». وفي 28 حزيران/يونيو من نفس العام وجهت وزارة الخارجية احتجاجا إلى الحكومة الاسبانية على اثر إقدام هذه الأخيرة على تطبيق التشريع الاسباني في ايفني والساقية الحمراء ووادي الذهب، وقد عرضنا أهم بنوده في الفصل السابق.

في بداية الستنيات، طالب الملك محمد الخامس بإعادة فتح ملف المناطق المحتلة من قبل اسبانيا مستفيدا من تأخر جلاء القوات الاسبانية من بعض المناطق المستقلة وذلك من خلال مراسلات مباشرة بينه وبين الجنرال فرانكو. (36)

أدت هذه المطالبة إلى تقديم اقتراح اسباني عام 1960 يتضمن انسحابا من الصحراء وايفني مقابل السكوت المغربي النهائي عن مدينتي سبتة ومليلية في الشمال. وافقت الحكومة المغربية على الجانب الأول من الاقتراح مقابل وعد ضمني بعدم طرح موضوع سبتة ومليلية علنا وبعدم المطالبة بهما خلال فترة قريبة. لم تسفر محادثات وزيري الخارجية في تشرين الأول/أكتوبر 1962 ولا محادثات الحسن الثاني-فرانكو في مطار براخاس الاسباني، عن نتيجة ملموسة كان المغاربة يعرفون سلفا مضمونها فمهدوا لها بتصريح رسمي في 29 حزيران/يونيو 1962 يطالب باسترجاع سبتة ومليلية إلى الوطن الأب.

شهدت هذه المرحلة ظاهرة جديدة تمثلت باكتشاف كميات هائلة من الفوسفات في الساقية الحمراء، المر الذي أنتج تراجعا اسبانيا عن مقترحات 1960 ونقل بالمقابل المفاوضات الثنائية إلى مستوى ديبلوماسي على الصعيد العالمي، حيث نقلت الحكومة المغربية القضية إلى الأمم المتحدة معتمدة على قرارات هذه الخيرة المتعلقة بتصفية الاستعمار. التراجع الاسباني لم يكن كاملا، فقد تضمن تلميحا إلى إمكانية الانسحاب من ايفني وتمسكا شديدا بالساقية الحمراء، وبالتالي المساومة لتطويق التصعيد الديبلوماسي المغربي.

أنهت معركة 1965-1969 الديبلوماسية باتفاقية شبيهة باتفاقية سينترا 1958 إذ مقابل سكوت المغرب عن الساقية الحمراء ووادي الذهب وتخفيف الحملة الديبلوماسية واستمرار حق اسبانيا في الصيد في المياه الإقليمية المغربية (معاهدة الصيد البحري) تنسحب اسبانيا من ايفني التي استرجعها المغرب في مطلع 1969. غير أن كسب المعركة كان ممكنا لولا تضافر عدة عوامل خارجية وداخلية ساهمت في إضعاف الموقف الرسمي ودفعه إلى المساومة: الانتفاضات الشعبية المناوئة للنظام وخاصة في 23 آذار/مارس 1965، اغتيال المهدي بن بركة، مطالبة موريتانيا بالصحراء الغربية وتقوية التحالف الجزائري-الموريتاني، حرب 1967 العربية الإسرائيلية وهزيمة الأنظمة الخ. أرغمت سنوات الستينات الأخيرة الحكومة المغربية على تغيير لهجة مطالبتها الرسمية، فانتقلت من منطق الحق التاريخي إلى مبدأ تقرير المصير لسكان الصحراء، وذلك سعيا وراء إسكات المعارضة الجزائرية-الموريتانية، دون أن يعني القول بتقرير المصير أن حقوق المغرب في الصحراء قد انتهت. فالصحراء، بالنسبة للموقف الرسمي، تبقى استراتيجيا مغربية وتتمظهر، تكتيكيا، صحراوية.

ففي 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1966 أعلن المندوب المغربي، أمام اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، سياسة جديدة. فقد جاء في كلمته: «... وفيما يتعلق بالمغرب مثلما هو الشأن بالنسبة لبقية البلدان الافريقية الأخرى المستقلة حقيقة، فان سكان الصحراء الأصليين يجب أن يكونوا قادرين على اختيار مصيرهم بكل حرية، سواء باختيار الاستقلال، أو الانضمام إلى أي بلد مجاور في الميادين السياسية والاقتصادية والدستورية». كما اكتفى وزير خارجية المغرب محمد الشرقاوي في خطابه أمام الجمعية العامة بالمطالبة بسحب القوات الاسبانية وعودة اللاجئين إلى ديارهم. وفي الدورة الـ 22 للجمعية العامة (15-12-1967) أعلن مندوب المغرب «ان الحكومة المغربية لازالت تعتقد أن الاعتراف لسكان الصحراء الاسبانية بحق تقرير المصير سيمكن من الإسراع بتصفية الاستعمار من هذا الإقليم... ران وفد المغرب يرى بأن إجراء استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة يشكل أحسن وسيلة لتحديد إرادة السكان...».

ولكي لا يبدو الموقف المغربي وكأنه تكريس للاشرعية المطالبة المغربية، القي مندوب المغرب محمد بن هيمة كلمة الجمعية العامة في دورتها الـ 23 (29-11-1968). مذكرا بمغربية الصحراء ومغربية موريتانيا أيضا، ملمحا بان الموافقة على استقلال الصحراء عن اسبانيا لا يعني بالضرورة الموافقة على استقلالها عن المغرب. وقد جاء في كلمته «... يبقى الشكل المطروح اليوم قضية الصحراء الاسبانية التي تطالب بها موريتانيا كجزء لا يتجزأ منها... وفي هذا الموضوع يجب التذكير ان موريتانيا نفسها كانت موضوع مطالبة من المغرب باعتبارها إقليما مغربيا، ولكن بفضل تدخل الأمم المتحدة تم التوصل إلى اتفاق حصلت بموجبه موريتانيا على استقلالها... بالنسبة للحالة الراهنة فإن المغرب قبل أيضا بقرار الأمم المتحدة أي إجراء استفتاء حر لتقرير مستقبل الصحراء الاسبانية....».

انتهت المرحلة الأولى بتسويات ثلاثية وتنازلات شكلية وجوهرية: تسوية مغربية-اسبانية كان مضمونها الانسحاب الاسباني من ايفني والسكوت المغربي عن الباقي. تسوية مغربية-جزائرية أخذت شكل اتفاقية ايفران (16 كانون الثاني/يناير 1969) وتضمنت تخفيف حدة التوتر الجزائري-المغربي حول تندوف والاتفاقات على مشروع استغلال مشترك لحديد غارة جبيلات ودراسة موضوع فتح طريق للجزائر إلى المحيط الأطلسي. تسوية مغربية-موريتانية أخذت شكل اعتراف المغرب بجمهورية موريتانيا وإغلاق ملف موريتانية الصحراء الغربية. أما التنازلات، فقد كانت من ناحية شكلية (حق تقرير المصير لسكان الصحراء، السكوت عن المناطق المحتلة المحتلة، اتفاقية ايفران...» ومن ناحية ثانية، جوهرية (الاعتراف بشرعية موريتانيا وتوجيه ضربة موجعة لنظرية الحق التاريخي، السماح بالنهب الغربي لثروات الصحراء، إغلاق ملف سبتة ومليلية، قطع العلاقات المباشرة مع سكان المناطق المحتلة...).

2- المرحلة الثانية:

أحداث سنوات السبعينات الأولى أوصلت الموقف المغربي إلى درجة الانهيار التام وسط تطورات مالت بمعظمها ضد مشروعه التوحيدي وهددت ببعض منعطفاتها النظام نفسه. فمن ناحية أولى وضعت تنازلات المغرب أمام موريتانيا موقف الأول ضمن صيغة تحرك ثلاثي محلي مناوئ لاسبانيا ومتضمن صعوبة قصوى تحول دون اتفاق هذه الأطراف على موقف واضح، مما استتبع تحديدا للدور المغربي وغموضا في الهوية السياسية للصحراء، أبرزتها بيانات مؤتمرات القمة الثنائية والثلاثية وأعمال لجنة التنسيق الثلاثية. ومن ناحية ثانية، ازدياد تأزم الوضع الداخلي للمغرب وخروج النظام من مواجهاته الداخلية مثخنا بالجراح: اختلال المؤسسة العسكرية بعد محاولتي القنيطرة والصخيرات في 1971 و1972 واختلال الأمن الداخلي بعد عمليات منظمة 23 مارس اليسارية، وحركة الإضرابات التي وصلت إلى ذروتها في معركة مكشوفة بين أحزاب المعارضة والقصر والتي أدت إلى إغلاق مكاتب المعارضين وإلى موجة اعتقالات واسعة في صفوفهم، وعزلة الحكم وتكتل القوى السياسية ضده (حزب الاستقلال، حزب التقدم والاشتراكية، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) ترافقت مع ازدياد التململ الشعبي الناتج عن تفاقم الأزمة والاقتصادية والبطالة وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتدني الأجور مقابل انعكاس الأزمة الرأسمالية الخارجية على اقتصاد البلاد الوطني والبحث عن حلول في أحضان الشركات الأجنبية والديون الخارجية والاعتماد المتزايد على المساعدات الغربية مقابل الارتهان المتزايد لسياسة الغرب الافريقية والشرق أوسطية.

من ناحية ثالثة، كانت الجزائر بالمقابل تحقق انتصارات سياسية (تأميم النفط، دور قيادي في العالم الثالث، بروز نجم بومدين في افريقيا ودول عدم الانحياز) وتبحث عن وسيلة لتعميق أزمة النظام المغربي المنافس الوحيد لزعامة شمال افريقيا. ومن ناحية رابعة، اتساع رقعة التحرك الشعبي في الصحراء بشكل مستقل عن الشمال المغربي حكومة وأحزابا، مما فسح في المجال أمام ولادة مبادرات صحراوية خارجة عن فلك النظام وصلت إلى ذروتها في قيام جبهة البوليزاريو في أيار/مايو 1973 وبدء العمليات المسلحة ضد الاحتلال الاسباني. ومن ناحية خامسة، كانت اسبانيا قد قررت على لسان فرانكو عدم التخلي عن الصحراء الغربية للمغرب والبحث عن مشروع آخر يضمن لها استمرار سيطرتها ونهبها للفوسفات، فزادت تواجدها العسكري في المنطقة وشجعت الصحراويين على المطالبة بالانضمام إلى اسبانيا والاستقلال عن المغرب. ترافق كل ذلك مع بدء عمليات استخراج الفوسفات وتصديره وتكثيف نشاط شركات التنقيب والبحث عن ثروات ما تحت الأرض...

وسط هذه المعادلات كان النظام المغربي بالفعل على شوك الانهيار التام، بل أن تحولا بسيطا في مجريات الأمور، كقيام دولة في الصحراء المغربية مثلا، كان يكفي لتدشين مرحلة الانهيار. وبالتالي فان البحث عن مخرج بدا في أواخر 1973 همًّا لا يفارق الملك ومستشاريه، الذين كانوا يدركون بوعي تام أن ورقة الصحراء وحدها يمكن ان تقدم مفتاحا لتجاوز الأزمة الخانقة. ففي وحدة المغرب وحساسية المسألة الوطنية سر الإجابة على انسجام القصر مع الشارع. وأمام الخطر الذي يهدد «الأمة» تصبح عملية وضع التناقضات الأخرى على الهامش في غاية السهولة. إذن، الحل في الصحراء. فمن الأطراف يأتي الإنقاذ أو الانهيار، والملك يتذكر ويسترجع بسرعة كيف جاء العلويون من تافيلالت في الجنوب لينقذوا المخزن الشريفي من الانهيار، وكيف وصل صحراويو ماء العينين إلى مراكش لينقذوا العلوي من التغلغل الفرنسي ويقيموا فيه مغربا حرا، ولا ينسى في نفس الوقت ان الاتجاه نحو الصحراء ينبغي ان يكون سابقا لاتجاه الصحراء نحوه. ففي سيره نحوها إنقاذ للقصر وللوطن وفي اتجاهها نحوه خسارة للقصر وتجزئة للوطن، إذ ان صحراء 1973 (صحراويون بمشروع اسباني) غير صحراء 1912 (صحراويون بمشروع مغربي). لقد أصبحت المسألة مجرد توقيت وانتظار حدث ملائم. إعلان الجنرال فرانكو عن عزم بلاده الانسحاب من الصحراء وإجراء استفتاء للسكان تمهيدا لقيام كيان صحراوي مستقل، أعطى التحرك المغربي تبريره الحاسم.

ولما كان المغرب يتحرك في ميزان قوى داخلي ومحلي وخارجي غير ملائم، ووضعه العسكري لا يساعد على فتح أية معركة «تحريرية» مع اسبانيا، فان السبيل الوحيد لديه كان اللجوء إلى معركة دبلوماسية. ولكي يضمن ربحا كان لزاما عليه القيام بعدد كبير من الخطوات الجانبية المساعدة لضمان أكبر عدد من الأوراق الرابحة:

1- أن يطوق نمو الخط الصحراوي الاستقلالي سواء كان بإشراف اسباني (الجماعة، حزب الاتحاد الوطني الصحراوي) أم لا (البوليزاريو)، ويوجد تأييدا صحراويا سياسيا وشعبيا.

2- أن يحقق إجماعا وطنيا في الداخل يذلل بواسطته صعوبات الداخل فيخفف من صراعه مع المعارضة ويطرح شعار «كلنا للوطن» مؤجلا المطالب الداخلية إلى ما بعد الانتهاء من معركة الصحراء.

3- أن يخرج من صيغة التنسيق الثلاثي التي تقيده وتحد من تحركه، كما تُلغي مشروعية المطالبة بمغربية الصحراء. تجاوز صيغة التنسيق كان يعني قيام تحالف ثنائي، أي التنازل أمام أحد الطرفين. ولما كانت الجزائر الطرف المحلي الأقوى والذي يصعب التنازل أمامه لاعتبارات عديدة (مشكلة الحدود الصراع على الهيمنة، الخلافات السياسية) فإن الاتفاق مع موريتانيا يبقى الحل الوحيد، وبالتالي البحث عن مخرج يرضي حكام موريتانيا ويقنعهم بالتخلي عن حليف الأمس.

4- أن يطمئن اسبانيا، الاستعمار الصديق، بأن معركته معها دبلوماسية وانه ليس في وارد خوض حرب ولا طرح مجمل القضايا العالقة بينهما (سبتة ومليلية، ومعاهدة الصيد البحري) (37).

5- أن يستفيد من نتائج حرب تشرين/أكتوبر 1973 العربية-الإسرائيلية ومن حالة التضامن العربي التي أعقبتها والتي كانت تبرز سياسة معتدلة تميل لمصلحة المغرب (السعودية ومصر) ويزيد تقاربه مع الخط العربي العام الداعم لمنظمة التحرير الفلسطينية والرافض للمشاريع الأمريكية (اتفاقية سيناء).

6- أن يستعمل ورقة المواد الأولية. فالنفط دخل في معركة الانسحاب الإسرائيلي والصراع بات مفتوحا بين الشمال والجنوب، ودول العالم الثالث تستفيد من ثرواتها الأولية لتحقيق بعض المكاسب السياسية. أي ضرورة استعمال الفوسفات في معركة الصحراء، خاصة وأن المغرب أغنى دول العالم في الفوسفات. فالاحتياط الفوسفاتي المغربي يبلغ 71% من مجموع الاحتياط العالي، أي 54 مليار طن مقابل 5.4 مليارات للولايات المتحدة الأمريكية و2.9 مليار طن للاتحاد السوفياتي، كما يعد ثاني دولة مصدرة للفوسفات بعد الولايات المتحدة، وتستورد فرنسا لوحدها 80% من حاجياتها الفوسفاتية من المغرب.

7- أن يقنع «الغرب» بأن سياسته الراهنة ومشروعه الصحراوي لا يهدد الأمن الاستراتيجي لحلف الأطلسي ولا يمكن أن يكون موافقا على النفوذ السوفياتي في افريقيا، وبالتالي فإن دعمه في استرجاع الصحراء يجعله حليفا ضد التدخل السوفياتي.

لكي يضمن الملك الحسن الثاني هذه الأوراق الرابحة باشر فور إعلان الجنرال فرانكو عن مشروعه، بفتح معركة الصحراء ضمن ثلاثة خطوط عريضة: رفض قيام دول صحراوية على حدود المغرب الجنوبية، التمسك بمغربية الصحراء، الاستعداد للمساومة مع اسبانيا، مترافقة مع عملية تعزيز الإجماع الوطني وجذب الصحراويين.

بدأ التحرك المغربي ببرقية من الملك الحسن الثاني إلى الجنرال فرانكو بتاريخ 4 تموز/يوليو 1974، وفيها تلميح لإصرار المغرب على رفض فكرة فرانكو وتذكير بالصداقة المتينة التي تربط البلدين: «.... ولا يجدر بنا أن نخفي عليكم انه إذا ما تحقق ذلك فسيفضي بنا الوضع إلى تدهور في العلاقات القائمة بيننا، الأمر الذي ما فتئنا نتجنبه يقينا منا بأن ما يقتضيه حسن الجوار بين اسبانيا والمغرب وما تقتضيه المصالح العليا المشتركة بيننا من شأنه أن يجنبنا كل سوء تفاهم وكل تصادم، وان أي عمل تقوم به اسبانيا على انفراد في المناطق الصحراوية سيضطرنا لا محالة إلى السعي من أجل حقوقنا المشروعة...».

وبد ذلك بأربعة أيام فقط (8 تموز/يوليو 1974) ألقى الملك خطابا سياسيا تحليليا ارتسمت فيه معالم الموقف المغرب برمته. فمن ناحية رفض قيام دولة صحراوية قال الملك: «... ان اسبانيا تسير إلى إقرار نظام الاستقلال الداخلي، ونحن نعلم طبيعة هذا الاستقلال الذي يبقى السياسة الخارجية والدفاع بين يدي الدولة المحتلة، فإذا اتجهت اسبانيا هذا الاتجاه فأنا –كمسؤول عن وحدة البلاد من جهة، وصيانتها من أخطار المستقبل من جهة أخرى- أصرح لشعبي –وأترك هذا وصية لكل مغربي- انه لا يمكن أن يتم تنصيب دولة مزيفة لا حقيقة لها في جنوب بلادنا، لأنه من الوجهة الإستراتيجية ومن الوجهة الهيدرولوجية، ومن جهة المنافذ على المحيط الأطلسي لا يعقل هذا، لأنه سيكون خطرا مستمرا على سلامة بلادنا وحرمتها، وعلى أبنائنا ومستقبل أبناء أبنائنا.» وحول التمسك بمغربية الصحراء ورفض تقرير المصير والاستفتاء قال الملك ان «كل حق تقرير المصير بالنسبة إلينا هو طرح السؤال التالي بصفة واضحة: هل تريدون البقاء مع الدولة التي تحتلكم أم تريدون الرجوع إلى حظيرة وطنكم الأصلي؟... وكنا دائما ننبّه اسبانيا وحكومتها إلى خطورة إقدامها –فيما إذا أقدمت- على عمل انفرادي يستهدف منح استقلال أو استقلال داخلي لهذا الجزء العزيز علينا من ترابنا الوطني...».

وحول الاستعداد للمساومة مع اسبانيا، كرّر الملك الحسن ما سبق وعرضه على الجنرال فرانكو عام 1970 قائلا: «إننا نعلم الموقع الاستراتيجي لمدينة العيون ومدينة الداخلة بالنسبة لجزر الكناري، وإننا نعلم أنكم تولون لهذا الجزر أهمية بالغة من الناحية العسكرية، لذا فنحن مستعدون إذا انتم أقررتم بسيادة المغرب على الصحراء أن نضع رهن إشارة اسبانيا قواعد لمدة نتفق عليها تجعلكم تطمئنون على كناريا، علما منا ان القواعد العسكرية لا ينتفع بها في الأخير الاّ البلد الذي هي مقامة على أرضه، وعلما منا ان التطورات الإستراتيجية وتطورات الأسلحة تجعل دائما من القواعد العسكرية شيئا قابلا للتطور. وقلنا أيضا إذا كانت ثروات الصحراء –سواء التي على ظهر الأرض أو التي في قعر البحار- تهمكم فالمغرب مستعد كذلك ليبرم معكم اتفاقية يشترك بموجبها معكم في عمليات الاستخراج والتسويق...»

- أما الإجماع الوطني فهو يفوق كل المشاكل الأخرى لأنه «حينما يتعلق الأمر بوحدتنا الترابية وضمان مستقبلنا فان المغاربة يقفون صفا واحدا كيفما كانت مشاربهم السياسية وكيفما كان مستواهم الاجتماعي». وجذب الصحراويين أخذ صيغة نداء تذكيري: «لذا أتوجه إلى رعايانا في الصحراء فأقول لهم إياكم ثم إياكم أن يصيبكم الغرور وتركبوا خطة تندمون عليها في المستقبل، اننا نعرف المستعمرين وحاربناهم من قبل، وستنتبه في يوم من الأيام الجماعة، جماعة الصحراء، التي تنتمي إلى اسر محترمة نحترمها، سيتنبهون فيجدون أسماءهم المعروفة بالعروبة والإسلام، وبالغيرة القوية في وثائق ليست في مستوى وطنية الصحراويين ولا في مستوى إسلامهم وعروبتهم.»

استهدف الملك بكلامه هذا فتح باب الحوار من جديد ممزوجا بتقدير خاص للموقف وبجدية ينبغي على اسبانيا أن تأخذها بعين الاعتبار.

إلا أن الحوار المتوقع انتهى إلى فشل بعد محادثات 12 آب/أغسطس 1974 التي جرت بين رئيس الحكومة المغربية والأمير خوان كارلوس. فالجنرال كان قد اتخذ قرارا متصلبا لم تليّنه عبارات التقرب الملكي. وبالتالي فالطريق نحو تصعيد من نوع آخر بات مفتوحا.

تميّز الموقف الثاني بلهجة تصعيدية، إلا انه ابرز نقاطا عدة كشف بدورها عن أسس التحرك المغربي. فقيام دولة صحراوية لا يعني فقط تشريع تجزئة المغرب بل أيضا وبشكل أساسي تطويق المغرب وخنقه وإفساح المجال لسد بري يعانق البحر ويسد على المغرب طريق الاتصال الافريقي. وهذا السد جزائري، لا يغير من حقيقته عدم ذكر الاسم علينا. فالموقف الأول ذكر «المنافذ على المحيط الأطلسي» بينما ثلثا أرض المغرب محاذية للأطلسي، فالمنفذ إذن ليس مطلبا مغربيا ولا اسبانيا بل تحديدا جزائري. ففي نهاية صيف 1974 كانت الأمور تسير نحو اتفاق مغربي-موريتاني مما ساعد على تقارب جزائري-اسباني، الأمر الذي استلزم تحركا مغربيا تجاه اسبانيا علنا وضد الجزائر بشكل غير مباشر.

لذلك، تضمن خطاب الذكرى الواحدة والعشرين لنفي الملك محمد الخامس في 20 آب/أغسطس 1974 مواقف تكتيكية جيدة تدور حول تصعيد الموقف ضد اسبانيا، وتفسير الموقف من الاستفتاء ولفت نظر الجزائر بشمولية «الصحراء» وتحذير الشعب المغربي من خطر المحاصرة. الجانب الأول ذكره الملك قائلا: «وكان الهدف من هذا التحرك تجنب أن نصبح بين يوم وليلة أمام الأمر الواقع، وان تقوم دولة مصطنعة بجانبنا حتى لا نضطر إلى اصطدام عسكري مع الدولة الاسبانية التي تجمعنا وإياها روابط قديمة وتقليدية من الصداقة... ان المغرب ولو انه بفضل الطريقة الديبلوماسية والسياسية السلمية على اية طريقة أخرى، فانه إذا رأى هذه الطريقة لن ترد أراضيه فلن يتردد في اتخاذ طريقة بالرغم عنه متأسفا ولكن في آن واحد موطد العزم وبقرار انه لن ترد أية تضحية من التضحيات...».

حول الجانب الثاني جاء كلمة العاهل المغربي: «حسنا، نحن لا نتخوف من الاستفتاء وتقرير المصير ولا نتهرب منهما، بل نحن أول من دعا إليهما في يوم من الأيام معتمدين قبل كل شيء على عنصرين:

الأول: إيماننا وثقتنا بان أولئك المغاربة الذين لا يزالون تحت السيطرة الاسبانية لا رغبة لهم إلاّ الرجوع إلى حظيرة الوطن.

الثاني: انه لا بد من إجراء استفتاء مثل هذا في جو ملائم وتحت ضمانات ورقابات دولية بعد جلاء القوات والإدارة الاسبانية.

فنحن كما نقول غير متخوفين من الاستفتاء، ولكن لنا شروط:

الأول: هو تطبيق قواعد الاستفتاءات الدولية.

الثاني: أن يكون المغرب موافقا على صيغة سؤال الاستفتاء، لأن سؤال الاستفتاء إما أن يجعلنا نقبل أو نرفض مبدأ الاستفتاء.

فمثلا، إذا طرح مشكل استقلال الشعب الصحراوي فإن المغرب سيرفض تماما مبدأ الاستفتاء.»

الجانب الثالث أخذ صيغة تكتيكية: «... لأن هذا السؤال المطروح يقتضي أن يشمل الصحراويين الموجودين في المغرب والصحراويين الموجودين في موريتانيا والصحراويين الموجودين في الجزائر والصحراويين الموجودين في مالي والصحراويين الموجودين في السنغال...

فإذا ذكر في الاستفتاء لفظ الاستقلال سأطلب بان يطبق الاستفتاء على الصحراويين كلهم، فكل ما هو صحراوي وجاء من صنهاجة أو من أي مكان آخر يجب أن يطبق عليه الاستفتاء...

الجانب الرابع ذكره الملك بقوله أن «المغرب مستعد ليبقى واقفا وصامدا الشهور والسنين ولكن لن يتنازل عن مطالبه... لا بد أن نبقى متحدين كرجل واحد فيما يخص مطالبنا الترابية، ذلك لأنها هي أساس مستقبلنا، وان أحسن شيء وأحسن ارث سنتركه لأولادنا وأحفادنا هو ان نترك لهم مغربا يتوفر على متنفس، وليس مغربا مضغوطا عليه وليس مغربا مخنوقا، لا بل مغربا له متنفس ويمكن لرئتيه أن تتنفسا بكل حرية كما أراد طولا وعرضا...»

بعد إعلان هذا الموقف توجه الملك إلى مدينة أغادير في جنوب المغرب ليجتمع بممثلي القبائل في 2 أيلول/سبتمبر ويخاطبهم بلغة تتجاوزهم وتصل إلى أسماع اسبانيا والبوليزاريو ومن يدعمها: «ونأمل ألا نضطر إلى استعمال العنف، وان نجد في المسؤولين الذين يجري الحوار الآن معهم ما يكفي من التعقل والتبصر وروح الحفاظ على علاقة المستقبل، مؤملين كذلك ألا تجد عناصر السوء وعناصر التفرقة الفرصة لمحاولة التفرقة بين الإخوة، أولئك المغرضون الذين لا ينتمون إلى التفكير الإسلامي ولا إلى التفكير المحمدي ولا إلى الحنيفة السمحاء، وإنما هم مدفوعون من مصالح أجنبية وعالمية ليصطادوا في الماء العكر، وحتى يقتطعوا للاستعمار المقنع طرفا جديدا وطرفا آخر من القارة الافريقية يكون على حساب المغرب، مؤملين ان يقف هؤلاء المخربون عند حدهم، لا فليعلموا ان الصحراء كانت دائما وأبدا مغربية، وستبقى مغربية، ولن نتأخر في الضرب على أيديهم نحن المغاربة كلنا كرجل واحد ونحاربهم ويصبح جهادنا فيهم جهادا مستحبا بل مفروضا مثلما حاربنا وجاهدنا ضد المستعمر الغاشم...»

جاء الرد الاسباني على التحرك المغربي عنيفا ورافضا المنطق المغربي جملة وتفصيلا، فالموقف الاسباني يرفض أن تكون الصحراء تابعة للمغرب لأنها كانت أرضا بدون سيادة يوم دخلتها القوات الاسبانية. ولأن القضية لا تهم المغرب وحده بل تهم جميع الدول المجاورة والتي تعتبرها اسبانيا أطرافا معنية بالصحراء (الجزائر وموريتانيا). حاول الاسبان من خلال هذا الرد أن يعيدوا الروح إلى صيغة التحرك الثلاثي وبالتالي تفجير التناقضات بين المغرب والجزائر وموريتانيا كوسيلة من وسائل تمرير المشروع الاسباني.

وبذلك تضع سياسة فرانكو الحسن الثاني مجددا في مأزق خياراته قليلة، فإما الدخول إلى الصحراء بقوة السلاح وإما اللجوء إلى حل قانوني-دبلوماسي يسقط الحجج الاسبانية، ولكنه في نفس الوقت يرغم المغرب على التنازل أمام موريتانيا لأن التاريخ المطلوب البحث فيه يرتبط أيضا بها. عدم القدرة على الحل الأول أسفر عن مباشرة الحل الثاني.

ففي مؤتمر صحفي عقده الملك مع مثلي الصحافة العالمية بتاريخ 18 أيلول/سبتمبر 1974 أعلن عن نقل المشكلة إلى محكمة العدل الدولية: «... فقدمت اليوم للأمم المتحدة ونمن خلالها لاسبانيا الاقتراح التالي: مما أن الحكومة الاسبانية تدعي أن الصحراء لم تكن ملكا لأي كان، كما تدعي بأن الصحراء كانت أرضا مواتا أو تركة لا وارث له، كما تدعي بأنه لم تكن في الصحراء سلطة ولا إدارة قائمة، فان المغرب يقول عكس ذلك، لذا فإننا نطلب تحكيم محكمة العدل الدولية في لاهاي التي ستقول كلمة الفصل. «كما ألمح إلى أن الجزائر ليست طرفا معنيا وذلك دون ذكرها بالاسم: «... وإذا تمّ ذلك واتضح انه ليس هناك أي طرف معني آخر سوى المغرب واسبانيا، في هذه الحالة سنبدأ الحوار مع اسبانيا بالدرجة الأولى ثم بعد ذلك مع أصدقائنا الموريتانيين لأننا في جميع الحالات سنكون بلدين متجاورين».

استدمت حدة الموقف الرسمي أو ليونته «عباراتها» من قدرة النظام المغربي على الإمساك بالأوراق الرابحة بين يديه. وقبل أن يبدأ عام الحسم (1975) كان الملك قد ذلّل الكثير من العقبات ووضع معظم الأوراق المطلوبة في خدمة تحركه. استطاع فتح خط سياسي مباشر مع التجمعات الصحراوية المتعاونة مع اسبانيا بهدف كسبها إلى جانبه وتجريد اسبانيا من أهم ركائزها المحلية التي ترتكز عليها مشروعية مفهومهم للاستقلال الصحراوي. انتهت هذه السياسية بنتائج ايجابية بإعلان حزب الاتحاد الوطني الصحراوي مبايعته للملك في 19 أيار/مايو 1975 وبوصول خطري الجماني إلى الرباط لإعلان مبايعة الجماعة الصحراوية للملك في تشرين الأول/أكتوبر من نفس العام. تعزز هذا الخط بتأسيس جبهة التحرير والوحدة في 22 آذار/مارس، التي تضمنت صحراويين مقيمين في المغبر والتي بدأت بممارسات بعض النشاطات الحربية في الصحراء ابتداء من 8 آذار/مارس، وبتدعيم منظمة الرجال الزرق التي خرجت إلى العلن عام 1972 والتي تطالب بعودة الصحراء للمغرب دون أن يكون لقيامها أي تأثير في داخل المنطقة المحتلة.

واستطاع تحقيق الإجماع الوطني التام داخل البلاد والذي وصل إلى درجة تخطي أحزاب المعارضة ليونة لغة القصر وتحول مؤسسات المعارضة بزعمائها وكوادرها إلى «جنود» إعلاميين في سبيل «وحدة التراب الوطني». مما أعطى للملك حرية تحرك واسعة بعيدا عن كل إزعاج داخلي. وتمكن من إبرام اتفاقية سرية مع موريتانيا لتقسيم الصحراء بينهما «لأن التقسيم اقل خطرا من قيام دويلة في جنوب البلاد، وبالتالي بدء تحرك سياسي-دبلوماسي مشترك أسفر عن تأزيم التحرك الجزائري وأصاب الدبلوماسية الجزائرية بحرج عجّل بانفجار التناقضات، وبإبعاد الجزائر عن قضية الصحراء (مؤقتا).

كما استطاع الملك الاستفادة القصوى من ايجابيات حرب تشرين وحالة التضامن العربي، وقد تجلّى ذلك بانتصار دبلوماسي عبّر عن نفسه بعقد مؤتمر القمة العربي في الرباط في وقت كان الزخم العربي في أوجه والتأييد العالمي والمؤتمرات الدولية تنهال بدعمها للمطالب العربية (منظمة الوحدة الافريقية، عدم الانحياز، الدول الإسلامية، منظمات الأمم المتحدة)، الأمر الذي ساعد المغرب على لعب ورقة المواد الأولية مستعملا الفوسفات، حيث عمل على رفع سعر طن الفوسفات أربع مرات خلال عام 1974 إلى درجة ارتفع فيها هذا السعر من 30 دولار إلى 68 دولار الواحد وفي عام واحد».

الأمر الذي وضع المغرب في حالة تضامن مع دول النفط والمواد الأولية الأخرى، وساعد على تأمين عائدات إضافية. أما سياسيا فالفائدة تمثلت في جذب الاتحاد السوفياتي نحو موقف حيادي، ودفع فرنسا والولايات المتحدة إلى إعادة النظر في موقفهما تجاه تصلب الجنرال فرانكو. من ناحية الاتحاد السوفياتي، لعب الفوسفات دورا هاما. فالاتحاد السوفياتي الذي يتحمل مسؤولية تزويد الدول الاشتراكية بالمواد الأولية ويعيش بشكل رئيسي على الزراعة عرف مرحلة تراجع خطير في إنتاجه الفوسفاتي وتدهورا في مشاريعه الغذائية، حيث بلغ النقص عام 1975 عشرة ملايين طن فوسفات، واللجوء إلى استيراد المواد الغذائية من دول أوروبا الغربية. وبسبب أهمية الفوسفات في المشاريع الغذائية السوفياتية وبسبب أهمية المغرب الفوسفاتية فإن تجاوز الأزمة استلزم من الاتحاد السوفياتي الإسراع بإنهاء المفاوضات المباشرة مع المغرب. «وقد أدت المفاوضات بينه وبين المغرب بعد أربع سنوات من المداولات إلى إبرام اتفاقية مدتها ثلاثون سنة على تصدير 10 ملايين طن سنويا، واستثمار منجم آخر (مسكالا) يموله الاتحاد السوفياتي. ويبدو، حسب نصوص الاتفاقية المبرمة أن الاتحاد السوفياتي طرح خلال المداولات المنفعة السياسية التي تعود إلى المغرب من إبرام هذه الاتفاقية في الظرف الراهن، حتى تكون لفائدته.» (38)

موافقة المغرب على عقد صفقة فوسفات لمدة ثلاثين عاما وبسعر منخفض (30 دولارا للطن) كانت تعني ان الفائدة سياسية، تتمحور حول ضمان حياد الاتحاد السوفياتي وعدم دعمه بقوة للموقف الجزائري، وإن كان ذلك بشكل ضمني، لا يغيّر من طبيعته برقيات الكرملين المتعاطفة مع السياسة الحكيمة للرئيس بومدين. الولايات المتحدة الأمريكية من جهتها كانت مرغمة على الضغط أكثر من التنازل لأن استعمال الفوسفات كورقة سياسية سوف يشكل تهديدا للإستراتيجية الأمريكية المتعلقة بالمواد الأولية ويقلّل من أهمية امتياز الأسمدة الأمريكية في سوق العرض والطلب، لذلك سارعت إلى تطويق ارتفاع الأسعار المغربي وعملت على تحطيم السعر المغربي ومراقبة الارتفاع. «وخلال ثلاث سنوات اصح سعر الطن يقدر بـ 30 دولارا بعد ان كان يقدر بـ 68 دولارا». (39) كما استفادت من سياسة التوازن التي تتبعها في شمال افريقيا (اقتصاديا) وخاصة مع الجزائر لإرغام المغرب على عدم لعب ورقة المواد الأولية في فترة اشتداد أزمة الطاقة. (40) واثر ارتفاع الأسعار بشكل مباشر على فرنسا، اكبر مستورد للفوسفات المغربي، التي سارعت لتجاوز الصدمة بتعويضات أخرى: مشاريع صناعية فرنسية في المغرب وازدياد التعاون الاقتصادي.

وقد وضعت محادثات جيسكار ديستان-الحسن الثاني في 1975 اللمسات الضرورية لتجاوز الموقف المغربي «الفوسفاتي».

ولكي يكسب التأييد الأمريكي-الفرنسي ويبرز مغربية الصحراء بوصفها ضرورة حيوية للأمن الاستراتيجي لأوروبا الغربية، لم يتأخر الملك في طمأنة «الغرب». ففي مؤتمر صحفي عقدة يوم 17 أيلول/سبتمبر 1974 قال: «سنكون خيرة المدافعين عن المصالح الأجنبية في الصحراء».

وقدم تطمينات وضمانات تخفف قلق دول الأطلسي من الهجوم السوفياتي ونؤكد التزام المغرب بالتنسيق مع الدول المتحالفة مع أوروبا الغربية (زائير، السنغال، ساحل العاج...)

لم يبق أمام الملك الحسن إلا ورقة اسبانيا وترسيخ العزل الجزائري. واستنادا على الجولات الرابحة، بدا التحرك باتجاه اسبانيا بالدرجة الاولى، ففي تليين الموقف الاسباني يكمن إجهاض الرفض الجزائري. سلك المغرب في مواجهة التعنت الاسباني أربعة طرق:

1- طريق الحق التاريخي-القانوني المرتكز على تنشيط القضية في محكمة العدل الدولية، وتقديم كل الإثباتات التي تقرّ مغربية الصحراء: ففيلا 10 كانون الثاني/يناير 1975 طالب المغرب رسميا بعرض قضية الصحراء على محكمة العدل، وفي 27 آذار/مارس من نفس العام سلّمت وزارة الخارجية المغربية ملف الصحراء إلى محكمة العدل وتسع دول أخرى، وباشرت معركة وثائقية مع اسبانيا في مناقشات المحكمة التي بدأت في 12 أيار/مايو.

2- طريق الضغط والتلميح بفتح الملف المغربي كله: ففي شهر شباط/فبراير طلب المغرب من الحكومة الاسبانية الانسحاب من سبتة ومليلية وجزر الحسيمة وصخرة فبليز والجزر الجعفرية، وكرّر الطلب على لسان الحبيب الشطي في 13 آذار/مارس 1975 الذي صرّح أن «سبتة ومليلية ارض مغربية ويجب أن ترجعا إلى المغرب».

3- طريق التعبئة الداخلية وجذب الصحراويين: ففي 3 آذار/مارس أعلن الملك مخاطبا الشعب المغربي ان «هذه السنة ستخصص لاستكمال وحدتنا الترابية» وكان قبل ذلك بأيام قد استقبل وفدا من قبيلة الرقيبات (19 شباط/فبراير) والصحف المغربية أبرزت حادثة مجيء 20 شابا صحراويا إلى شمال المغرب (4 نيسان/ابريل)، إضافة إلى انحياز حزب الاتحاد الوطني والجماعة إلى جانب مغربية الصحراء.

4- طريق تطمين الحكومة الاسبانية بأن الشروع المغربي لن يسلك أبدا خط المواجهة المسلحة وان الإطار العام للتحرك وان كان تصعيديا وضاغطا فانه لن يتجاوز «المساعي السلمية» ولن يهدّد «الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة».

ردت اسبانيا على التحرك المغربي بإرسال وحدات بحرية لتعزيز قواتها المتواجدة في سبتة ومليلية (شباط/فبراير 1975) وطرد 190 عائلة مغربية من سبتة واعتقال 400 مغربي (30 حزيران/يونيو 1975)، وبخوض معركة قانونية-وثائقية في محكمة العدل الدولية. غير أن الرد الأكثر إحراجا للمغرب تمثل في إعلان اسبانيا عن عزمها الانسحاب من الصحراء وذلك قبل صدور القرار النهائي عن محكمة العدل، الأمر الذي خلق ارتباكا في الموقف المغربي المنتظر بتلهف نتائج نقاشات المحكمة. ففي 23 أيار/مايو وبعد اجتماع طارئ للحكومة الاسبانية خُصص للصحراء، أعلنت الحكومة الاسبانية في تصريح رسمي أنها «لا تدعي بأي حال من الأحوال تمديد وجودها في الصحراء» وانها تؤكد «رغبتها في الامتثال للقرارات التي صادقت عليها الأمم المتحدة، وتصرّح في نفس الوقت بعرض تسليم سيادة إقليم الصحراء في أقرب آجال ممكن وبشكل وطريقة تلائم بصفة أفضل سكانها وترضي في حالة الضرورة كل مطمح شرعي للأقطار المعنية بهذه المنطقة دون المساس بالدفاع عن مصالحها في هذا الإقليم وبطرق القانون الدولي وفي إطاره، ولهذا الغرض بدأت المساعي في هذا الشأن أمام مجالس الكورتيس الاسبانية.

وفي نفس الوقت تلاحظ الحكومة الاسبانية انه إذا ما تأخرت إمكانية تحقيق تسليم السيادة لظروف خارجة عن إرادتها بشكل يضر ضررا خطيرا بالوجود الاسباني في الصحراء، فانها تحتفظ بحقها باستعمال تسليم السلطات واضعة بصفة نهائية حدا لوجودها في الإقليم المذكور مع إشعار الأمم المتحدة في الوقت المناسب».

بمواجهة هذا الموقف سارعت الحكومة المغربية إلى إصدار بلاغ رسمي وبدء تحرك عربي ودولي للضغط على اسبانيا التي عززت مواقعها بالتقارب مع الجزائر.

من ناحية الرد الرسمي، جاء في بلاغ الحكومة المغربية «ان الحكومة الاسبانية، في الوقت الذي تدعي فيه انها راغبة في احترام قرارات منظمة الأمم المتحدة، تقدم بشكل واضح وساخر على إيجاد جو أقل ما يطبعه الالتباس والمغالطة، ذلك انها تتجاهل قرار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة الذي يدعو اسبانيا إلى عدم اتخاذ أي مبادرة ما دامت الجمعية العامة لم تحدّد السياسة التي ينبغي إتباعها للتعجيل بتصفية الاستعمار في المنطقة على ضوء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، ومن جهة أخرى فإن المبادرة الاسبانية تهدف في الواقع إلى عرقلة القيام بالمهمة المناطة بلجنة التقصي التابعة للأمم المتحدة، كما أن هذه المبادرة الاسبانية تهدف إلى إبطال التقاضي الجاري بمحكمة العدل الدولية وفق طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة...»

من ناحية التحرك الخارجي، قامت حكومتنا المغرب وموريتانيا بتحركين واحد يتوجه إلى الخارج وآخر يتقرّب من الجزائر ليبعدها عن المناورة الاسبانية.

فقد قام وزيرا خارجية المغرب وموريتانيا في 23 حزيران/يونيو بجولة افريقية، وفي 7 تموز قام وفد مغربي-موريتاني مشترك بجولة في البلاد العربية وأمريكا الجنوبية. ترافقت الجولات المذكورة مع انعقاد مؤتمر قمة دول عدم الانحياز في 27 آب/أغسطس في «ليما» عاصمة البيرو، حيث خاطب أحمد العراقي، وزير خارجية المغرب آنذاك، المؤتمر المذكور قائلا ان المغرب عازم على اتخاذ جميع الإجراءات مهما كانت التضحيات لاسترجاع أراضيه، طالبا من دول عدم الانحياز دعم المغرب في مطالبته العادلة.

في نفس الوقت فتح الملك الحسن الثاني خطا مع الجزائر، فأرسل السيد محمد كريم العمراني حاملا رسالة للرئيس بومدين في الثامن من نيسان/ابريل، تبعه بإرسال رسالة ثانية سلمها للرئيس الجزائري سفير المغرب في 22 من نفس الشهر. قابل هذا «التودد» المغربي اعتدال جزائري عبّر عن نفسه بتدخل السفير الجزائري لدى الأمم المتحدة في مناقشات محكمة العدل في 14 أيار/مايو معلنا ان بلاده ليست لها أية مطالب في الصحراء، مما ذلل عقبات الحوار المباشر الذي بدأ في مطلع تموز/يوليو بزيارة وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة للرباط وتكراره لنفس الموقف مؤكدا على ضرورة استمرار التنسيق الثلاثي وإحياء مشاريع التعاون المشترك.

لكن، داخل كواليس القصر، كانت سياسة الحسم قيد الإعداد، يجري تحضيرها بعناية فائقة وبسرية مطلقة: المسيرة الخضراء. (41) فاللجوء إلى الشعب سلميا شكل أهم الأوراق الرابحة على الإطلاق في الموقف المغربي. فهي تنقذ ضعف المغرب العسكري في ميزان القوى الحربي مع اسبانيا، وتضع التصلب الاسباني والرفض الجزائري أمام بحر من البشر المسالمين المسلحين بالمصاحف. لقد كانت الخطة جاهزة بانتظار قرار محكمة العدل الذي ينتظره الملك الحسن «بفارغ الصبر»، كما جاء في خطابه الذي ألقاه في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1975 قبل أسبوع واحد من صدور القرار.

لم يبلغ المشروع «السلمي» التعبئة العسكرية التي كان إعلانها تعبيرا عن إطلاق التفاهم المغربي-الجزائري: تعيين الكولونيل الدليمي قائدا لمنطقة الجنوب، منع الصيام في صفوف القوات المسلحة الملكية بقرار رسمي (7 أيلول/سبتمبر)، حشد القوات المحمولة وتجميعها على مقربة من الممرات الإستراتيجية القريبة من مداخل الصحراء الجنوبية والشرقية...

فور صدور رأي محكمة العدل الدولية القائل بوجود علاقات قانونية وعلاقات بيعة مع المغرب، وذلك بعد مناقشات استمرت عدة أشهر وانتهت في أواخر آب/أغسطس 1975، قرر الملك الحسن الثاني تنفيذ خطة المسيرة الخضراء، ولذلك عدة أسباب: أولا، لأن قرار المحكمة لا ينصّ على وجود علاقات سيادة بمعنى ملكية الأرض والتبعية لسلطة مركزية. ثانيا، لأن المسيرة تضغط على اسبانيا ولا تظهر المغرب بشكل معاد ومحارب لاسبانيا «الاستعمار الصديق». ثالثا، لأن التقارب الجزائري-الاسباني بدأ يأخذ شكل تسهيل عملية تواجد مسلحي البوليزاريو ويعزز التواجد العسكري على مداخل الصحراء الشرقية. رابعا لأن المسيرة تدخل الشعب المغربي كله في معركة مصيرية يسعى القصر من خلالها إلى إبراز أنصاره بوصفه انتصار الشعب والأمة. وفي الخطاب الذي ألقاه الملك في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1975، تنكشف جوانب هذه السياسة «الخضراء» بشكل واضح لا التباس فيه.

واجه الملك «ثغرة» الرأي الاستشاري لمحكمة العدل مقدّما تفسيرا مغربيا لروابط البيعة: «ان البيعة في المغرب كان لها طابع خاص، ذلك ان البيعة في المغرب كانت دائما مكتوبة. نحن نعلم انه في تاريخ السلام كان رؤساء القبائل يأتون للسلام على الأمراء والملوك ويضعون أيديهم على أيديهم أو على المصحف ويقولون إننا نبايعك على الكتاب والسنّة، ونبايعك بيعة الرضوان الخ.

ولكن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل ما ثبت في تاريخ المغرب وفي أي دولة مغربية انه وقعت بيعة شفوية بل كانت دائما بيعة مكتوبة. وحتى أولئك الذين لم يستطيعوا كتابة هذه البيعة كانوا يبعثونها عن طريق العدول....»

وابرز الملك إصراره على «السلام» مع اسبانيا وإبرازها كصديق «خاص» ينبغي معاملته معاملة خاصة، ولا يمكن أن تكون المسيرة الخضراء وسيلة لإيذاء قوات الاحتلال الاسباني. هذا الإبراز تكرر أكثر من مرة في كلام العاهل المغربي: مسيرتنا ستذهب فيها بدون سلاح، يجب أن نتفق على أننا لا نحارب اسبانيا، كذلك انه لا يمكننا أن نحارب اسباينا لأنها لم يعد لها دخل في المشكلة، ونطلب من اسبانيا من الآن أن تسجل علينا أننا لن نحارب بها ولن نشهر عليها الحرب... وإما إذا وجدنا الاسبان فسنقول لهم السلام عليكم، وإذا أرادوا أن يضربونا واتخذوا مسؤوليتهم أن يضربوا 350000 أعزل عند ذلك يتحملون المسؤولية، ونتركهم يقومون بذلك...

من واجبنا شعبي العزيز، فإن نحن لاقينا الاسبان هناك فسنصافحهم ونقول لهم: أخرجوا واتركوا لنا أرضنا...»

أما الخصم الجزائري فقد برز في كلام الملك بوصفه الموجود غير الاسباني والذي يجب محاربته بدون تردد: «ان المغرب مستعد بل من الواجب عليه أن يقوم بواجب الدفاع عن النفس وحفظ الكرامة وصيانة الأرواح فيما إذا وجد في طريقه حاجزا غير حاجز اسباني. إن كل حاجز اسباني اعترض طريقنا لن نحاربه، فإذن ليس هناك ما يدفع اسبانيا لمحاربتنا. أما إذا كان هناك عنصر أجنبي عن الاسبانيين فلن نتهاون في الدفاع، بل لن نتردد في الزحف، وإذ ذاك سيكون الزحف صدا للعدوان ودفاعا عن النفس.

فإذا وجدنا غير الاسبانيين فان المغرب لن يعترف بالسلم ولا بالمسالمة، بل يصبح في حالة استثنائية... ومن واجبنا كذلك شعبي إن وجدنا غير الاسبان أن يقوم بما يفرضه علينا الواجب من الدفاع عن المغرب ومن الدفاع عن حوزة المغرب ومن الدفاع عن سلامة المغرب...»

اثبت تنظيم المسيرة نفسه عن مقدرة ملفتة للنظر على إدخال الشعب المغربي كله في تحرك سياسي بات واضحا انه يلعب آخر أوراقه وأهمها. إلا أن إشراك الشعب، رغم أهميته في تعميق الوحدة الوطنية وتصليب أرضية التحرك الرسمي، قد يدخل النظام في مأزق إذا احتلت معادلة التعبئة. إن استرداد المغربي لذاكرته التاريخية تحيل الاسباني إلى مستعمر وليس صديقا وفي ذلك إيقاظ الشعور الوطني المعادي للغرب وفقدان القدرة على ضبط التسوية مع اسبانيا. وعدم تقنين مظاهر الاندفاع الشعبي يهدد بتجاوز المسيرة لشروطها السياسية الضاغطة ولفترتها الزمنية المطلوبة ولمسافة سيرها المحددة بـ 80 كلم كحد أقصى وبضرورة استقرارها في نقطة نهايتها لأن ذلك يرهق النظام بعملية استمرار الرصد والاستنفار والتعبئة العامة لخدمة آلاف المغاربة ولمراقبتهم في نفس الوقت.

تجاوز المخاطر الكامنة في المسيرة نفسها استلزم وضع إمكانيات هائلة في خدمتها، وتطلب جهدا تعبويا مسالما مع اسبانيا ومعاديا لكل ما عداها. فالمطلوب من المسيرة أن توحد التراب الوطني، والمطلوب منها أيضا أن تضمن تعبئة شعبية متينة معادية للسياسة الجزائرية ومهدّدة لها في آن واحد. نجاح المسيرة بشروط القصر كان يعني انتصار التحرك وأي خلل في حسابات المسيرة كان من الممكن أن يحيل النار إلى رماد خامدة لا تلبث أن تلتهب حارقة المشروع نفسه. وفي هذا ما يبرر اعتراف الملك بأن المسيرة تطلبت شهرين من الإعداد، وان إرهاقا عاما شمل جميع من شاركوا في تحضيرها ليل نهار. وفي ذلك ما يفسر أهمية تنظيمها الدقيق وأهمية إعلانها على لسان الملك نفسه:

«... بقي لنا أن نتوجه إلى أرضنا، الصحراء فتحت لنا أبوابها، اعترف لنا العالم بأسره بأن الصحراء كانت لنا منذ قديم الزمن... فواجبي الديني كخادم البلاد وخادم الأمة كأمير المؤمنين وبما أن بيعتهم لي باقية في عنقهم، أن أقوم بواجبي والتحق بشعبي في الصحراء... لم يبق شعبي العزيز إلا شيء واحد. اننا علينا ان نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرق المغرب إلى غربه... سيشارك في المسيرة 350 ألفا من السكان 10% منهم النساء... مجموع المتطوعين بالضبط 306500، بالإضافة إلى الأطر الإدارية منها، الضباط، 3000 قائد وخليفة، 900 شيوخ ومقدمين، وأطباء ومكلفين بالخدمات، ويصل الجميع إلى 350000 نسمة... لمدة 12 يوما ستكون عشرة قطارات توصل يوميا الناس من الشمال والمغرب الشرقي إلى مراكش ومن هناك سيأخذون السيارات الشاحنات إلى أغادير ثم إلى طرفايا.

ومجموع السيارات الشاحنات 7813 شاحنة، 10000 شخص لتأطيرك، المأكولات: 17000 طن، الماء: 63000 طن، الوقود 2590 طنا، 470 أطباء ومعيني الأطباء، 240 سيارة إسعاف طبية...»

لقد اتخذ الملك قرار تحريك المغرب كله في قضية «حياة أو موت»، لقد قام بمغامرة السيطرة على 350 ألف مغربي ومغربية قادمين من أغادير، الحسيمة، بني ملال، شفشاون، الدار البيضاء، الجديدة، الصويرة، فكيك، فاس، القنيطرة، الخميسات، قلعة السراغنة، خريبكة، الرشيدية، خنيفرة، مراكش، مكناس، الناضور، ميسور، وجدة، ورزازات، الرباط، سلا، آسفي، سطات، طنجة، طرفايا، تازة، تطوان، تزنيت وأزيلال.

كان قرار المسيرة الخضراء يعكس رغبة دفينة وقوية لبناء المغرب الكبير، لتجاوز أزمة القوميات المتجددة: لقد كان قرار لإدخال الشعب كله في معركة الوحدة الترابية وإشراك الشعب كله في سياق الهيمنة وكسر العظم بين عرب شمال افريقيا.

أحدث قرار المسيرة دويا إعلاميا وأدى إلى تحريك مذهل للأحداث. فمنذ إعلان الموقف لغاية توقيع اتفاقية مدريد الثلاثية والدوائر الدبلوماسية في حركة استنفار دائم: اسبانيا طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمواجهة خطوة المغرب، والجزائر أعلنت رسميا رفضها للمسيرة. أما المغرب فقد سارع لشرح القرار وتطويق ردود الفعل. ففي نفس اليوم الذي أعلن فيه قرار المسيرة اتصل الملك بسفراء الدول العربية، وابلغ الدول الكبرى حقيقة نواياه والحدود السياسية لمسيرة، ورفض الاقتراح الاسباني لدعوة مجلس الأمن كما طالب بتأجيل الاجتماع الطارئ. ولا يغفل ردة الفعل الجزائرية، فيلمح إليها في مقابلة مع التلفزيون الأمريكي في 21-10-1975 قائلا: «لقد أعطاني الرئيس بومدين التزامه بواسطة الرئيس بورقيبة من جهة، وبواسطة وزير خارجيته السيد عبد العزيز بوتفليقة ألا أرى جنديا جزائريا واحدا فوق أرض الصحراء» مؤكدا أن الصحراء ستكون في المستقبل «إقليما من الأقاليم المغربية». كما أرسل مبعوثا شخصيا لتسليم رسالة عاجلة للرئيس الجزائري، كان الهدف منها محاولة تحييد الجزائر وعدم السماح لاسبانيا باستعمال الرفض الجزائري لسياسة الأمر الواقع المغربية. ولكن بعد فوات الأوان.

ففي الأسبوع الأخير من تشرين الأول/أكتوبر كانت حركة التحالفات والمفاوضات تشهد ديناميكية هائلة: المغرب يفاوض اسبانيا مدعوما بموريتانيا، واسبانيا تناور المغرب مدعومة بالجزائر، ومدريد تتحول إلى عاصمة «الصحراء» الدبلوماسية وفيها بدت الوفود المغربية والجزائرية شبه مقيمة: ففي 24 تشرين الأول/أكتوبر تبدأ أعقد مفاوضات مغربية-اسبانية، انضمت إليها موريتانيا في 28 من نفس الشهر، وفي نفس اليوم تعلن اسبانيا حظر التجول في مدينة العيون وتضع القوات المسلحة في حالة تعبئة عامة في الصحراء، ووزير خارجيتها يستقبل وفدا جزائريا برئاسة بوتفليقة.

وفي غمرة التحركات، لم ينس الملك الصحراويين المقيمين تحت الاحتلال، ففي موقفهم المؤيد زخم حماسي. فتوجه إليهم بكلمة خاصة في 23 تشرين الأول/أكتوبر في محاولة جذبهم مع اعتذار متأخر على إهمال مزمن: «فمهما فرق بيننا الزمن ومهما حاول أن يشتت شمولنا المستعمر، مازالت الروابط بيننا قائمة...

ولم تنقطع تلك الروابط، ولم تنمح تلك البيعة، بل فصل بيننا وبينكم حاجز ألا وهو الاستعمار... قضيتنا سنة كاملة ونحن نعمل ليل نهار ليمكننا أن نلتقي بك شعبنا العزيز في الصحراء... إنني باسمي وباسم إخوانكم الذين هم في المسيرة، اعد الجميع وأعاهدهم على التناسي، وعلى الصفح، وعلى طي تلك الصفحات التي لم يكونوا مسؤولين عنها تماما... أكرر لك باسمي وباسم المسيرة الخضراء التي لا أريد أن يدنسها شيء من الالتواء لا في الكلام ولا في التفكير، أقول لك، عفا الله عما سلف، واننا لنعلم ان كل من ذهب نحو ما يسمى نفسه بجبهة التحرير (42) إنما ذهب ضحية حيل وشبكات...»

وفي نفس الأسبوع تحط في مطار الرباط طائرات المبعوثين الذين جاءوا بحثا عن فهم دقيق لنوايا المغرب، الذين لم يخف أمامهم الملك الطبيعة التكتيكية للمسيرة ولا إمكانية التراجع عن استرجاع الصحراء، الذين لم يخف أمامهم الملك الطبيعة التكتيكية للمسيرة ولا إمكانية التراجع عن استرجاع الصحراء، فيحث بعضهم لإقناع اسبانيا ويتساءل مع البعض الآخر عن نوايا الجزائر وردود فعلها غير منطقية. وكل ذلك في مقابلات لا تهدأ: في 22 يجتمع بالمبعوث الأمريكي الفرد اثرتون، وفي 25 يستقيل الرئيس السنغالي ومبعوث الرئيس المصري، وفي 26 يجتمع بكورت فالدهايم، تلاه في اليوم التالي تصريح شديد اللهجة محوره أن استقلال الصحراء يعني رجوعها إلى الوطن الأب ويتباحث في نفس اليوم مع مبعوث الرئيس الفرنسي ديمترينو...

إعلان فشل المحادثات الثلاثية في 30-11-1975 وانسحاب الوفد المغربي-الموريتاني من المفاوضات كان إيذانا ببدء مرحلة التصعيد وبداية العد العكسي لأخطر مرحلة في الخلاف المغربي-الاسباني: الملك الحسن الثاني يعلن أن القضية قد سويت ولكن على الطريقة المغربية وينتقل مع جهاز دولته إلى مدينة أغادير في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، بينما يعلن خوان كارلوس عن رفضه للضغوط المغربية ويتوجه إلى مدينة العيون في نفس اليوم ليقوم بعرض عضلات عسكرية. أعقب ذلك بيوم واحد آخر محاولة للمساومة النهائية مع اسبانيا بعروض التعويضات والاستغلال المشترك والأمن الاستراتيجي بدون البدء فعليا بلعب ورقة المسيرة بشكل جدّي.

وهكذا كان. ففي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر يعلن الملك الحسن بدء المسيرة الخضراء، مشددا مرة أخرى على صداقة اسبانيا وعلى خصومة الجيران، مطالبا معانقة الاسباني المحتل ومعاداة غيره «إذا ما لقيت اسبانيا كيفما كان ذلك الاسباني، عسكريا أو مدنيا، فصافحه وعانقه واقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك، فليس بيننا وبين الاسبان غل ولا حقد، فلو أردنا أن نحارب الاسبان لما أرسلنا الناس عزلا بل لأرسلنا جيشا باسلا، ولكننا لا نريد أبدا نطغى ولا أن نقتل ولا أن نسفك الدماء، بل نريد أن نسير على هدى وبركة من الله في مسيرة سلمية.

فعانق إخوانك وأصدقائك الاسبانيين عسكريين ومدنيين، وان أطلقوا عليك نارا فتسلح بإيمانك وتسلّح بقوتك، وزد في مسيرتك فلن ترى في آخرها إلاّ ما يرضيك ويرضي راحتك، وراحة ضميرك. وفيما إذا اعتدى عليك المعتدون من غير الاسبان، شعبي العزيز في مسيرتك، فاعلم أن جيشك الباسل هو موجود ومستعد لحمايتك ووقايتك ضد كل من أراد بك السوء...»

انطلقت المسيرة الخضراء في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر من الطرفايا باتجاه العيون، رافقها اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي واتصالات مكثفة ومحادثات عاصفة لتطويق الانفجار المحتمل. انتهت الاتصالات باستعداد اسباني للحوار المباشر، فتوقفت المسيرة على بعد 15 كلم فقط داخل منطقة الاحتلال، وطلب الملك من شعبه الانسحاب إلى الداخل (خطاب 9 تشرين الثاني/نوفمبر) وأرسل ممثليه إلى مدريد لبدء المحادثات الثلاثية التي انتهت بالتوقيع على اتفاقية مدريد المغربية-الموريتانية-الاسبانية في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1975.

نصت الاتفاقية على ما يلي:

«بعد أن اجتمعت الوفود المعتمدة الممثلة لحكومات اسبانيا والمغرب وموريتانيا، اتفقت في مدريد بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1975 على المبادئ الآتية:

أولا: تؤكد اسبانيا قرارها الذي أعلنته مرارا في الأمم المتحدة.

بتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية وذلك بوضع حد للمسؤوليات والسلطات التي تتولاها في هذا الإقليم بوصفها الدولة المتصرفة.

ثانيا: طبقا للقرار المذكور ووفقا للمفاوضات التي أوصت بها الأمم المتحدة مع الطرفين المعنيين تشرع اسبانيا فورا في إقامة إدارة مؤقتة في الإقليم بمشاركة المغرب وموريتانيا وبتعاون مع (الجماعة) وتسلم لهذه الإدارة المسؤوليات السلطات التي تشير إليها الفقرة السابقة، وبصدد ذلك وقع الاتفاق على تعيين حاكمين مساعدين باقتراح من المغرب وموريتانيا وذلك ليعونا الحاكم العام للإقليم في مهامه، وينتهي الوجود الاسباني في الإقليم، فعليا ونهائيا، قبل يوم 28 شباط 1976.

ثالثا: يحترم رأي سكان الصحراء، المعبّر عنه من خلال الجماعة.

رابعا: تخبر الأقطار الثلاثة الأمين العام للأمم المتحدة بما هو مقرر في هذه الوثيقة نتيجة للمفاوضات التي جرت وفقا للمادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة.

خامسا: إن الأقطار الثلاثة الموقعة تصرح بأنها توصلت إلى النتائج المذكورة مدفوعة بروح من التفاهم والأخوة واحترام مبادئ الأمم المتحدة وذلك كأحسن مساهمة منها في حفظ السلام والأمن الدوليين.

سادسا: تدخل هذه الوثيقة حيز التنفيذ في نفس اليوم الذي نشر فيه بالجريدة الرسمية للدولة (قانون تصفية الاستعمار في الصحراء) الذي يأذن للحكومة الاسبانية في أن تضع موضع التنفيذ الالتزامات التي تتضمنها هذه الوثيقة.

الإمضاء

كارلوس ارياس-احمد عصمان-حمدي ولد مكناس»

3- المرحلة الثالثة:

أدت الاتفاقية إلى إنهاء الخلاف مع اسبانيا وتثبيت الاتفاق مع موريتانيا وانفجار الصراع مع الجزائر. تسوية الخلاف مع اسبانيا استلزمت مجموعة من التنازلات المغربية: حصول اسبانيا على 35% من أسهم شركة فوس بوقراع، وتعويض اسبانيا عن كل ما دفعته في الصحراء الغربية، وترك «جميع الأبواب المفتوحة لكل مساهمة تتعلق بالاستثمار أو بالاكتشاف أو التنقيب عن مناجم جديدة» في الصحراء الغربية، (43) والسكوت عن سبتة ومليلية وترك مصيرهما مرتبطا بمصير جبل طارق، فالمغرب الرسمي يتصور «انه في اليوم الذي تسترجع فيه اسبانيا جبل طارق يسترجع المغرب حتما سبتة ومليلية، فليست هناك أي قوى تستطيع أن تسمح لاسبانيا بامتلاك واجهتي مضيق واحد... أريد ان أقول لكم أنه ليس هناك مفاوضات ولا مباحثات بين المغرب واسبانيا حول موضوع جبل طارق وسبتة ومليلية، وأنا افترض أنه في يوم ما في المستقبل سيتعين على بريطانيا من ناحية المنطق أن تعيد جبل طارق إلى اسبانيا، ويتعين على اسبانيا أن تعيد لنا سبتة ومليلية، لكن ليس هناك مفاوضات ولا ضغوط والسياسة المغربية ليست قائمة على الضغوط بل هي قائمة على الحوار والصراحة...»(44).

واستعداد المغرب للبقاء حليفا وفيا للغرب لا يهدد بوحدته الوطنية الترابية التواجد المغربي في المحيط الأطلسي، لأن «باريس ومدريد والرباط يجب عليها حقا أن تكون لا محورا ولا ائتلافا بل التقاء في المصالح وتناسقا في التطور والتعاون في المنطقة سواء في الشمال أو في الوسط أو في الجنوب، واعتقد أن هذه هي الإمكانيات التي تتفتح أمامنا يوما بعد يوم وأنا متفائل جدا.»(45)

اشترط تثبيت الاتفاق مع موريتانيا تنازلا واضحا وصريحا عن حقوق المغرب التاريخية في موريتانيا وإغلاق ملفها نهائيا. فالتقسيم المغربي-الموريتاني للصحراء الغربية كان يعني وجود حقوق تاريخية لموريتانيا تماما كالحقوق المغربية، ورغم أنها إشارة واضحة لتاريخ مشترك فإن المسالة التي تم حسمها كانت اعتراف الملك رسميا بـ«لا مغربية» موريتانيا وبدون هذا التنازل لا ترى اتفاقية التقسيم النور أبدا. ولم يتأخر الملك في إعلان ذلك الموقف مصحوبا بتبريراته. فالملك الحسن الثاني يعلن انه كان معارضا لضم موريتانيا إلى المغرب، وانه طالب بتصريح قديم «بإجراء استفتاء في موريتانيا وان يطلب من الموريتانيين هل يرغبون في أن يصبحوا مغاربة أو يريدون البقاء مستقلين، وفيما إذا رفضوا أن يصبحوا مغاربة فالمغرب يكون الأول في الاعتراف بهم وتأييدهم للدخول إلى الأمم المتحدة وان يفتح أكبر سفارة له في موريتانيا، لأنني لا أرى في ذلك نوعا من الخيال، فليس من المعقول أن أطالب بتومبوكتو لأن المغرب كان يملكها في عهد السعديين، ولا أطالب باشبيلية لأن صومعة لاخيرالدة توجد هناك وهي من بناء الموحدين. ان الروابط التي كانت توجد بين موريتانيا والمغرب، إذا كانت موجودة، فقد كانت أكثر فتورا واقل متانة واقل اتصالا بالنسبة للروابط التي توجد بين الصحراء والمغرب...»(46)

فلا يبقى إذن إلا الصراع المفتوح مع الجزائر. فالجزائريون يتساءلون لماذا يتنازل المغرب أمام الجميع ولا يريد التنازل وتذليل خلاف الحدود الشرقية؟ لماذا يقبل باستفتاء في موريتانيا المغربية سابقا ويرفض ذلك في الصحراء؟ لماذا يريد فرض الأمر الواقع على الجزائر وتشكيل قوة كبرى تمتد من طنجة على البحر الأبيض المتوسط إلى سان لويس في السنغال كحائل سياسي-جغرافي بين الجزائر والمحيط الأطلسي؟ فالمقصود إذن، في نظر الجزائريين، ليس استرداد الصحراء بل تهديدا الجزائر والوحدة الترابية وسيلة لتطويق الجزائر ومقدمة لإجهاض ثورتها. ولهذه الأسباب، اتخذ الجزائريون قرار مواجهة نتائج اتفاقية مدريد، ودرسوا بدقة إمكانيتهم ووسائل مواجهتهم، وقرروا خوض معركة استنزاف سياسي وعسكري طويلة الأمد (عشر سنوات كحد وسط)، فالمهم والأساسي إفهام المغرب أن أية تسوية لمشاكل المنطقة لا يمكن أن تمر بدون موافقة الجزائر ومشاركتها، وكل محاولة لإرغام الجزائر تفتح المجال أمام كافة الاحتمالات، ومنها الحرب.

أما الملك الحسن الثاني فانه يفسر المسألة بتواضع: إني أنهيت ملف الصحراء. أي إفهام الجزائر أن المسألة انتهت ولم تعد تنفع الشكوى. ولكنه في نفس الوقت يعترف بعدم استغرابه لردة الفعل الجزائرية ويؤكد أن المغرب على خلاف سياسي مع الجزائريين الذين فضلوا طريقة حكم أخرى مغايرة لطريقة المغرب، وان عدم قيام وحدة المغرب العربي عائد أساسا إلى هذا الخلاف. فالمغرب العربي برأي الملك الحسن الثاني «واجه اختيار الجزائر غداة استقلالها لنظام سياسي واجتماعي يخالف النظام الذي اختاره كل من تونس والمغرب، وكنا نأمل أن يعمل كل جانب من جهته على تقريب الشقة للتوفيق بين وجهات النظر، لكن مع الأسف هناك تثبيت بالموقف وبالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية بالجزائر...»(47)

وبالتالي فالجزائر سوف ترفض سياسة الأمر الواقع المغربية، وسوف تشن الحرب على المغرب، كما يقول الملك في مؤتمره الصحفي (48). فالمغرب وضع الجزائر مباشرة في حالة دفاع. والهجوم الدفاعي أصبح منذ لحظة إعلان اتفاقية مدريد الثلاثية الشغل الشاغل للرئيس بومدين: احتجاج شديد اللهجة على الاتفاقية، استنفار مؤسسات الإعلام لإدانة المشروع المغربي-الموريتاني، فتح الأبواب واسعة أمام البوليزاريو ومساعدتهم في تأمين أكبر قاعدة بشرية لجمهورية الشعب الصحراوي المستقبلية، وعلى تأمين أكبر عدد من الكادرات الصحراوية وخاصة الطلاب الذين يدرسون في الخارج، تأهيل الصحراويين النازحين إلى تندوف لمعركة طويلة الأمد وتصليب الموقف «القومي» الصحراوي، وإرسال وحدات مسلحة إلى داخل الصحراء وخاصة إلى المناطق المجاورة للحدود الجزائرية مع الصحراء الغربية وإلى مثلث العيون-السمارة-الداخلة.

لتطويق التحرك الجزائري-الصحراوي المشترك، تحرك المغرب على كافة الأصعدة وبوتيرة متسارعة: البدء بحملة دبلوماسية لتنفيذ المزاعم الجزائرية وخاصة في الأمم المتحدة والدول الافريقية والصديقة، ومباشرة التنفيذ الفوري لبنود اتفاقية مدريد: تعيين أحمد بن سودة عاملا على إقليم الصحراء، عقد اجتماعات ثلاثية لاستلام السلطة المحلية، إبراز الجماعة وحزب الوحدة الوطنية كممثلين وحيدين للصحراويين قبل انسحاب اسبانيا، تمركز القوات المسلحة الملكية على مداخيل الصحراء وإرسال قوات لسيطرة على النقاط الإستراتيجية والحد من الانتشار المسلح للبوليزاريو والوحدات الجزائرية. وبهذا الصدد، دخلت القوات الملكية إلى مدينة السمارة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، وإلى العيون في كانون الأول/ديسمبر، وفي 8 كانون الثاني/فبراير 1976 ودخلت إلى مدينة الداخلة، بحيث استطاع المغرب رفع علمه الرسمي فوق المؤسسات العسكرية والإدارية في كل الصحراء، وبشكل خاص في المدن الكبرى، وذلك منذ الأسبوع الأول لعام 1976.

وبذلك يكون المغرب قد دخل في سباق مع الجزائر، والأمور باتت متوترة بشكل يصعب معه تفادي المواجهة المباشرة. فالتمركز الأول ترافق مع اصطدامات مسلحة بين القوات المغربية وقوات البوليزاريو المدعومة بلوجستيك جزائري، ولكن الصدام المباشر مع الجزائر لم يكن قد وقع بعد، وقد أعلن ذلك الملك بوضوح في مؤتمره الصحفي المذكور، إذ قال أنه «من الحق والحقيقة أن هناك عملية أمن تجري في الناحية الشرقية من الصحراء، ولكنه لا تزيد على أن تكون عملية أمن وليست حربا كما تعرف الحرب في القانون الدولي.

أما الضحايا فليست جزائرية، وإنما هي الآن من بعض الذين سولت لهم أنفسهم أن يفصلوا بلدهم عن الوطن الأب، وبالطيع منهم من جرح ومنهم من لقي حتفه، وفي هذه العمليات لا يقوم المغرب إلا بواجبه، واجب استتباب الأمن وإقرار وحدة التراب.»

بدأت المواجهة المغربية-الجزائرية المباشرة في 26 كانون الثاني/يناير 1976 في امغالا واستمرت ثلاثة أيام أعلن خلالها المغاربة أنهم اسروا حوالي 100 جندي جزائري وغنموا كميات من الأسلحة من بينها صواريخ أرض-جو. ويسارع الملك الحسن الثاني لتطويق خطر اتساع المعارك باتصالات سريعة مع تونس والكويت ومصر وسوريا، قابلها وصول مبعوثين عرب إلى العاصمة المغربية ممثلين لرؤساء سوريا والعراق ومصر وتونس والسعودية. أنهت التوتر العسكري الأول وساطة حسني مبارك الذي وصل إلى الرباط يوم 30-1-1976، حيث فكّ الحصار عن القوات الجزائرية في أمغالا وجرى إطلاق سراح المعتقلين.

دفعت الوساطة العربية الجزائر إلى مراجعة حساباتها. فالموقف العربي كان مؤيدا لعودة الصحراء إلى المغرب وبالتالي فالسياسة الجزائرية لا تلاقي تأييدا عربيا مما استلزم تغييرا في تكتيك المواجهة: الحرب غير المباشرة عن طريق البوليزاريو، وسياسة الضغط الدبلوماسي افريقيا. بالمقابل، استفاد المغرب من إرجاع الصدام الجزائري-المغربي إلى إطار سياسي فاستكمل تقدم قواته المسلحة إلى المناطق المجاورة للحدود الجزائرية. وصلت هذه القوات إلى تيفاريتي في 7 شباط/فبراير، وإلى بير الحلو في 9 شباط/فبراير وإلى المحبس في 12 شباط/فبراير، وتمكنت من إحكام السيطرة مجددا على أمغالا في 16 شباط/فبراير.

ولكن، من جهة أخرى، كان على المغرب مهمة أخرى: إجهاض التحرك الصحراوي نفسه المتمثل بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والتي كانت تحظى في تلك الفترة بتأييد وتعاطف من سكان الصحراء، ويمدد نفوذها لدى المهاجرين إلى تندوف ويتصاعد نجمها كحركة تحرير وطني. لم يمارس الملك سياسة جذب معقولة للبوليزاريو ولم يحاول إبرازهم كقوة يمكن الاتفاق معها، فدفعهم من ناحية إلى أحضان الجزائر (وليبيا طبعا) وسارع ليستنفر أجهزته في عملية تركيز مغربية الصحراء على أرض الواقع: عقد مؤتمر للجماعة في العيون بتاريخ 26 شباط/فبراير وإعلان التأييد الصحراوي لاتفاقية مدريد، القيام بنشاط إعلامي انطلاقا من مدينة العيون والمدن الصحراوية الأخرى، عقد اتفاقية حدود وتعاون اقتصادي مع موريتانيا، إدخال ثلاثة صحراويين إلى مجلس النواب المغربي وتوظيف معظم شباب الصحراء في مؤسسات الدولة التي تديرها كوادر قدمت من الشمال، ودخول الأحزاب السياسية إلى المنطقة (حزب الاستقلال، الحركة الشعبية)... أما المشاريع فكانت ناشطة وعلى كافة الأصعدة: التنقيب عن المياه وإصلاح الآبار في فم الواد ( 4 آبار بإنتاج 50 ليترا في الثانية) والرملة (4 آبار) والسمارة (3 آبار بانتاج 80 ليترا في الثانية) ومنطقة سيدي أحمد العروسي (30 ليترا في الثانية). إنشاء معمل لتحلية مياه البحر في رأس بوجدور (بإنتاج يومي مقداره 250 مترا مكعبا) وفي الطرفايا والسمارة والدارة... توسيع طرق المواصلات وتسهيل الاتصال البري مع شمال المغرب (طريق العيون-الطرفايا بعرض سبعة أمتار، طريق سيدي أحمد العروسي-السمارة، طريق الطان طان-ابطح، طريق العيون-موريتانيا بعرض (2/1) ×6 أمتار والمفترض أن تكون أهم الطرق العابرة للصحراء المغربية-الموريتانية...) تشييد مبان للوزارات والمدارس والمستوصفات: مستوصف للتطعيم ومعالجة الأطفال، مدارس صغيرة لمحو الأمية والخياطة والتطريز، تجمع الحرفيين (صناعة الخواتم)، تجهيز 13 مدرسة ابتدائية، ثانويتان في العيون وحدها، بناء مساكن جديدة للسكان الرحل والمتمركزين (524 وحدة سكنية في العيون، 140 في السمارة و198 قيد الإعداد، 180 في بوجدور قيد الإعداد)...

يترافق كل ذلك مع تسهيل تام للحركة التجارية مع جزر الكناري، وتواجد عسكري مغربي مكثف.

بمعنى آخر كان الرهان المغربي على كسب الصحراويين بعد كسب الأرض، والرهان الجزائري على كسب الصحراويين بعد خسارة الأرض. وفي ذلك ما يفسر اهتمام المغرب بالمنطقة المحررة وإعلان البوليزاريو عن قيام «الجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية» من الجزائر في 28 شباط/فبراير 1976، الأمر الذي أسفر عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 7 آذار/مارس وإلى بدء سياسة مواجهة طويلة الأمد، آفاقها مسدودة ووقودها صحراويون مصممون في بحثهم عن استقلال سياسي مجهول المستقبل.

ومنذ ربيع 1976، كان المغرب العربي قد دخل مرحلة عدم استقرار، ومحاوره الرئيسية بدأت تحضّر نفسها لاستنزاف معقّد: لقد دخل المغرب بطريقة غير مباشرة في مخطط تفجير التناقضات الذي ارتسمت نفسها ملامحه في سياسة كيسنجر، والجزائر وقعت بوعي في الفخ الأمريكي... وسواء كان ذلك إراديا أم قسريا فان الجزائر عاجزة عن فرض حل ينهي المشروع الصحراوي، والمغرب غير مستعجل على أمره فالاستنزاف مزعج ولكن فوائده الداخلية مهمة، أي، معركة مفتوحة حتى إشعار آخر...



هوامش الفصل الخامس


(1) علال الفاسي: صحراوي المغرب، العدد الثامن، 24 نيسان/ابريل 1975. المقال الافتتاحي.

(2) عبد الله العروي: الجزائر والصحراء المغربية، منشورات سيرار، الدار البيضاء 1976، باللغة الفرنسية، صفحة 113.

(3) حول هذا الموضوع من المفيد مراجعة مقال الكومندان جورج سالفي: «اللعبة السياسية الكبرى في الصحراء»، المنشور في جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 1976.

(4) محمود حداد: الصحراء الغربية بين حق الوحدة وحق الانفصال. دراسات عربية، عدد 4، السنة الثانية عشرة، شباط/فبراير 1976.

(5) المقصود بذلك مؤتمر الدار البيضاء للدول الافريقية المناهضة للاستعمار الذي انعقد عام 1960 بمشاركة المغرب والجزائر ومصر وغانا وغينيا ومالي. أما مؤتمر طنجة فهو مؤتمر الأحزاب الوطنية في الجزائر والمغرب وتونس.

(6) يقول عبد الله العروي انه من بين قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، كان محمد خيضر الوحيد «المتعلق بصدق بالمثال المغربي». وان بن بللا كان موافقا على وحدة المغرب العربي ولكن فقط على المدى البعيد. أما باقي أعضاء القيادة فأنهم، برأي العروي، «ورثة الجزائر الفرنسية». المرجع السابق، ص ص . 40-41.

(7) كان عدد القوات الفرنسية 400 ألف جندي انخفض عددهم إلى 80 ألفا في 1 تموز/يوليو 1963، ووصل عشرة آلاف في 1 تموز/يوليو 1965، وبقي كذلك بناء لطلب الحكومة الجزائرية، وخاصة في مناطق عين ايكر، رغّان، وبشار...

(8) قال لنا أحد المسؤولين المغاربة أن 4 ضباط من الجيش المصري كانوا من بين المعتقلين.

(9) موقف بوستة ابلغنا إياه في حوار جرى معه في منزله بالرباط في كانون الثاني/يناير 1979. أما موقف العروي، المثقف المغربي، «التقدمي»، فقد ورد في كتابه «الجزائر والصحراء المغربية» بلهجة حادة وإدانة شاملة للسياسة الجزائرية في طول الكتاب وعرضه: حول موقف الجزائر من الاستغلال المشترك ص ص. 91-92، حول تركيبة النظام ومواصفاته اللاديمقراطية، ص ص 90-91 حول سياسية الجزائر الخارجية، ص ص 116-117. ويلخص العروي موقف الجزتائر قائلا «انه ليس مقابل لا شيء أن لا يتوقف (الجزائريون) عن القول لشركائهم الغربيين: «حاكمونا على ما نفعل، وليس على ما نقول.» ص 93.

(10) المرجع السابق، ص 106.

(11) يعتبر الدكتور محيي الدين عميمور، مستشار الرئيس الجزائري لشؤون الإعلام، الذي حدثنا بصراحة متناهية، ان موقف الجزائر الفعلي قام سابقا على هذا الأساس، وان الموافقة على دولة صحراوية كان دفاعيا ولم يكن أبدا رغبة جزائرية لتعميق التجزئة في المغرب العربي.

(12) محمد المعزوزي، المؤرخ المغربي الكبير، كتب لوحده ثلاثة مؤلفات عن الصحراء الشرقية والحدود الجزائرية-المغربية باللغة الفرنسية، وتحديدا في فترة اشتداد النزاع بعد عام 1976:

1.L’Algérie et les étapes successives de l’amputation du territoire marocain. 1976

2.tindouf et les frontières méridiorales du Maroc. 1977

3.la marocanité du Sahara central. 1978

وكتب المغاربة عن هذا الموضوع تفوق بكثير كتبهم عن الصحراء الغربية والصراع المغربي-الاسباني، وخرائطهم ترسم الحدود من وهران إلى بوابة الصحراء وتفق عندها، إشارة إلى مغربية الصحراء الشرقية كلها؟

(13) من تصريح لوزير الخارجية الجزائرية بوتفليقة أدلى به، أثناء زيارة للمغرب، في 4 تموز/يوليو 1975.

(14) في شهر شباط/فبراير 1975 زار الرئيس بومدين منطقة تندوف وصرح بأن استغلال الحديد سيبدأ قريبا وأن طريقا بريا ستشق إلى وهران لهذه الغاية.

(15) بلغت ميزانية الجزائر عام 1979: 36.700 مليون دينار (حوالي 9256 مليون دولار للإنفاق و 4108 للاستثمارات. أما الديون الخارجية فقد بلغت حوالي 18 مليار دولار، والعجز في الميزان التجاري وصل عام 1978 إلى 3.5 مليارات دولار.

(16) كل ما عثرنا عليه من مؤلفات كان كتابا عن الصحراء من الاستعمار الاسباني إلى الغزو الملكي الموريتاني الصادر عن قسم التوجيه والإعلام في حزب جبهة التحرير الوطني ويضم أجزاء من تصريحات رسمية ومقررات دولية. أما وزارة الخارجية فقد اكتفت بتقديم نموذج مماثل باللغة الفرنسية قدمته إلى الهيئات الدبلوماسية بوصفه وثائق أساسية، وفيه أيضا يغيب التاريخ الصحراوي الحديث.

(17) نقلا عن «الساقية الحمراء ووادي الذهب من الاستعمار الاسباني إلى الغزو الملكي الموريتاني»، صادر عن قسم التوجيه والعالم بحزب جبهة التحرير الوطني، ص ص21-22.

(18) من خلال التوقيع على معاهدة التضامن وحسن الجوار بين المغرب وموريتانيا بتاريخ 8 حزيران/يونيو 1970.

(19) المرجع السابق، ص ص 78-81.

(20) المرجع السابق، ص ص59-60.

(21) المرجع السابق، ص ص 63-64.

(22) المرجع السابق، ص ص 103-112، وفيهما النص الكامل لهاتين المذكرتين.

(23) اثر حدوث بعض الاضطرابات في موريتانيا في شهر شباط/فبراير عام 1966، طالب حزب الاستقلال بالتدخل المباشر والفوري في موريتانيا.

(24) حول هذا الموضوع، راجع المساري، المرجع المذكور ص 63.

(25) المرجع السابق، ص 62.

(26) نقلا عن المساري، المرجع السابق، ص 68، ومجلة «جون افريك» عدد نيسان/ابريل 1976.

(27) نقلا عن كتاب جبهة التحرير: الساقية الحمراء... ص 25.

(28) المرجع السابق، ص 26. ويقول المساري أن موريتانيا أرسلت إلى نيويورك وفدا لتمثيل سكان الصحراء برئاسة السيد محمد بوي بن الشيخ ماء العينين، مقابل وفدا أرسلته الحكومة المغربية كممثل لـ«جبهة تحرير الصحراء» برئاسة السيد العبادلة ماء العينين المقيم في المغرب. «أما السيد محمد بوي بن الشيخ ماء العينين فقد أثار الانتباه بمفاجأة ضخمة أذهلت الملاحظين وكشفت لهم في نفس الوقت عن حقيقة الموقف، إذ انتقل عن مكانه كوفد قادم من موريتانيا وانضم إلى وفد جبهة تحرير الصحراء مبرزا بذلك أن مكانه الصحيح هو في الدفاع عن حق المغرب المشروع في المطالبة بأرضه المغتصبة...» ص 64.

(29) الساقية الحمراء... ص ص 26-27.

(30) ابن خلدون نفسه تأثر بهذه النتيجة، فهزيمة أبي الحسن المريني (751هـ) أجهضت مشاريعه وأحلامه، فقرر بعدها الانزواء في عزلة مصيرية ليكتب تاريخه الشهير.

(31) يقول العروي أن في ذلك ما يفسر أسباب عدم اعتراف سلاطين المغرب بشرعية الخلافة العثمانية وسبب عدم عقد علاقات دبلوماسية في القرن التاسع بين السلطان حسن الأول والسلطنة. حول هذا الموضوع من المفيد مراجعة كتاب العروي «الجزائر والصحراء المغربية» ص ص 55-62.

(32) المرجع السابق، ص 56.

(33) حسب العروي، المرجع السابق، ص 36، فإن اختيارات الملك وخاصة عام 1958 كانت ناتجة عن موقعه الضعيف في ميزان قوى يميل لمصلحة فرنسا واسبانيا.

(34) يروي الملك الحسن الثاني بعض الأحداث التي جرت بعد الاستقلال وخاصة في الشمال ويذكر كيفية معالجتها، وذلك في كتابه «التحدي» الصادر باللغة الفرنسية عن منشورات البان ميشال، باريس 1976، ص 72.

(35) حول زيارة المحاميد ونص الخطاب وردود الفعل عليه، من المفيد مراجعة كتاب غوديو اتيليو، ص ص 163-168.

(36) النصوص الكاملة للرسائل المتبادلة، ذكرها محمد العربي المساري، المرجع المذكور، ص ص 29- 43.

(37) ان تصريحات بعض المسؤولين باسترداد سبتة ومليلية أو إلغاء معاهدة الصيد عام 1973 لا تشكل عمليا سوى وسائل ضغط ولا تعكس إطلاقا اتجاه فتح كامل الملف المغربي-الاسباني. فالمعركة ينبغي أن تكون محصورة في الصحراء الغربية فقط وذلك لعدة أسباب أهمها الخلاف وعدم الاستعداد لخوض معركة حاسمة مع اسبانيا.

(38) الصحراء الغربية شعب وحقوق، تقرير ايلزا اسيدون، صفحة 40. وتقول السيدة اسيدون «يبدو أن الاتفاقية اعتمدت سعر السوق العالمية، 30 دولارا للطن الواحد. يصدر الاتحاد السوفياتي من جهته مواد أولية (ولا سيما النفط) ومواد انتقالية. الاتفاقية حول الفوسفات مرفقة باتفاقية حول الصيد البحري، وبمقتضياتها لا يمكن للبواخر السوفياتية الاصطياد في المياه الإقليمية الصحراوية، وتحاول المغرب استعمال هذه الاتفاقية كحجة على اعتراف ضمني باحتلالها للصحراء الغربية».

(39) المرجع السابق، ص 39.

(40) أدلى اندور يونغ، مندوب الولايات المتحدة الأمريكية السابق في الأمم المتحدة بتصريح يشير فيه إلى أهمية العلاقات الاقتصادية الجزائرية-الأمريكية وإلى ضرورة الانجرار في سياسة دعم للمغرب على حساب مصالح الأميركيين في الجزائر. وقد جاء في التصريح أن الجزائر هي المتعامل التجاري الرئيسي في المنطقة مع الولايات المتحدة إذ تصل قيمة المعاملات بينهما 4 مليارات دولار في السنة. «واننا إذ نخسر الجزائر فاننا لن نقدم خدمة للصناعة الأمريكية ولا للمصالح الأمريكية». نقلا عن صحيفة النهار اللبنانية، عدد الخميس 8-11-1979.

(41) تحدث الملك عن سرية المسيرة في مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 25-11-1975، ومما قاله عن هذا الموضوع هو أن المسيرة جرى تحضريها قبل شهرين، بمعنى أنها ليست ردة فعل على قرار المحكمة وبأنها كانت سرية جدا: «وبما أن المسيرة قد تمّ إعدادها في السرية التامة فإنه يتعين على القول ان من بين الانتصارات التي حققها المغرب هو انه استطاع كتمان السر حتى يومنا هذا لان السر كان ذو أهمية بالغة من الناحية الإستراتيجية، ولو قدر لهذا السر أن يفشي لفشلت المسيرة....».

(42) أي البوليزاريو (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب)

(43) من مؤتمر صحفي عقده الملك الحسن الثاني، بتاريخ 25-11-1975.

(44) الملك الحسن الثاني في المؤتمر المذكور.

(45) المرجع السابق.

(46) المرجع السابق.

(47) المرجع السابق.

(48) «انني انتظر أن تشن الجزائر الحرب علينا، لأن الرئيس الجزائري صرح لصحيفة الاومانيتي أن عودة الصحراء إلى المغرب تعتبر تهديدا لثورة الجزائرية.

إنني مسرور، لأن هذه أول في التاريخ يقال فيها أن نظاما ملكيا يهدد الثورة، انه شيء ممتاز، وبناء على انه يقول ذلك، وانه مقتنع بذلك، فإن واجبه أن يدافع ولن أفاجأ إذا أعلن الحرب...»






0 مرحلة التفكير قبل النوم من أخطر الوسائل السلبية على الإنسان
0 أمثال روسية مترجمة
0 فنزويلية تفوز بلقب ملكة جمال الكون 2013
0 المدونات
0 وشم يهودي لجستين بايبر مثل والده
0 حکاية بثلاث لغات:فارسي-عربي-انجليزي
0 ملابس الفتيات بين الحشمة وإتباع الموضة!
0 تداعيات زيارة ارنولد شورارزنيغر للجزائر
0 طرق لتتعلم حواء فنون القيادة .. اكتشفيها
0 مجاني أحسن مدافع مـحوري فــي أوروبا هذا الأسبوع
0 فيليكس أم الحاج سناد البوسني؟!!!
0 احلام مستغانمي تمسح الارض ببوتفليقة وعصابته
0 زيدان يطالب رئيس ريال مدريد بإقالة مورينيو
0 برشلونة تكرم الجندي الصهيوني شاليط!
0 المنتخب الجزائري يخسر امام نظيره البوركينابي 2-3

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-24-2013 الساعة 09:21 PM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 09:39 PM   #18
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 33
المشاركات: 17,075
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 25
د/روليان غالي will become famous soon enough
الفصل السادس من كتاب الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي/علي الشامي







الفصل السادس من كتاب الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي

القوى الوطنية المغربية وقضية الصحراء



الاربعاء 26 كانون الثاني (يناير) 2011

علي الشامي


اضغط هنا لتكبير الصوره


ملاحظات نقدية [ صفحة 1 ]
حزب الاستقلال ومغربية الصحراء [ صفحة 1 ]


ملاحظات نقدية


تجاهد الأدبيات (وخاصة الصحراوية والمغربية والجزائرية) في تقديم تاريخ مقطع الأجزاء لأزمة أصحابها، تقاس أشتاته على حجم احتياجات المناورة الميدانية وقوانين اللعبة الدبلوماسية فيدخلنا –هذا التاريخ- في دائرة موصدة تتحرك داخلها إيديولوجيات متباينة:

تبدأ إحداها بولادة متأخرة لشعب صحراوي يناضل ضد مشروع متأخر لاستعمار مغربي، وتبحث الثانية عن غطاء رجعي-امبريالي لإضفاء هالة من «التآمر» ضد «مكة الثوار» (1)، وتسعى ثالثة لتبسيط تكتيكي يجعل من مشروعية الوحدة الترابية مجرد إعادة ترتيب للتاريخ المغربي كما كان «منذ خلق الـله الأرض»(2).

تقابل الأدبيات المذكورة أدبيات أخرى توصف تارة بالوطنية وتارة أخرى بالتقدمية، ومنها ما يطلق على نفسه الماركسية-اللينينية... فتجتمع كلها في «بنية» تاريخية واحدة موحّدة يعتريها تناقضان، واحد تكتيكي يطال كيفية استيعاب «الحرص» الملكي على الوحدة الترابية، وآخر إيديولوجي-استراتيجي يسعى لربط المشروع الراهن بوحدة المغرب العربي. إلا أنها رغم التناقضات المذكورة، تساهم جميعها في تأكيد حقيقة تاريخية يخشى أصحاب الأدبيات الأولى التركيز عليها: وحدة الشعب المغربي، وشعبية الوحدة الترابية. ففي ذلك «الإجماع الوطني» انعكاس رسمي وحزبي لوحدة الشعب لا يغيّر من طبيعتها التاريخية تناقضات الفهم الرسمي للوحدة والفهم الحزبي «التقدمي» لها، كما تعجز الانتصارات «الدبلوماسية» الصحراوية عن دحضها أو تقزيم فعاليتها. كذلك تلجم «الحقيقة التاريخية» رغبات «القصر» في تراجع ما، يحفظ قدرة الحركة والثبات في الموقع «الرسمي» وبالتالي، فإن وحدة الشعب والأرض المذكورة قوة مكبوتة تدفع اتجاهات السياسية الرسمية والحزبية بشكل غير مباشر فتعيّن، من ناحية أولى، الحد الأقصى لتنازلات الملك، وترسم، من ناحية ثانية، دائرة المسار الوطني والتقدمي لسياسات الأحزاب.

على قاعدة هذا «الاختصار» ينبغي فهم مضامين الأدبيات الرسمية وبرامج القوى الوطنية المغربية، وعلى أساس موضوعية هذه الحقيقة ينبغي وضع الشعار الوحدوي الرسمي والحزبي بمواجهة الاتجاه الشعبي أولا وبتأثيراته على إستراتيجية الوحدة في المغرب العربي ثانيا. ضمن هذا السياق تُلزمنا القراءة الدقيقة لأدبيات هذه القوى ومواقفها بتقديم ملاحظات نقدية ضرورية تحيط بعملية تاريخ السياسة الصحراوية للقوى الوطنية وتسعى للتقليل من سلبيتها:

1-تتعلق الملاحظة النقدية الأولى بالتناقض القائم بين الوحدة المغربية المطروحة «إيديولوجيا» وبين النضال التحرري-الوحدوي المفترض ممارسته عمليا. ففي تناقض «الشعار» مع «الفعل» تندرج مقولات خاطئة تفسّر التناقضات السياسية وفق إمكانيات الأحزاب وليس على أساس واقعيتها: فالتناقض الرئيسي بين الشعب المغربي والاستعمار يتحول إلى تناقض ثانوي وهامشي بعد تصفية جيش التحرير، ويحل محله تناقض رئيسي بين الطبقات الفقيرة والوطنية من الشعب، و والقصر الملكي والطبقات المتحالفة معه، وذلك رغم بقاء الاستعمار الفعلي في الشمال والجنوب. النتيجة الأولى لهذا الخطأ أخذت طابع الإهمال المزمن للمناطق المحتلة وأغرقت الأحزاب جميعها في معركة سياسية داخلية لا يظهر من خلالها الارتباط الواضح والعملي بين قضايا التغيير الداخلي والتحرير الوطني والوحدة الترابية. بحيث يقوم شيء على حساب شيء آخر، وهذا ما وضع الصحراء الغربية ولسنوات طويلة على هامش الاهتمامات العملية لقوى الوطنية المغربية. أما النتيجة الثانية فقد برزت من خلال الانقلاب «المفاجئ» في مضمون المقولات نفسها فتعود التناقضات كما كانت سابقا وبدون أي نقد ذاتي، بل بالعكس، فإعادة الاهتمام بالصحراء الغربية ليست تعبيرا عن الصفة الرئيسة للتناقض بل ضرورة مستعجلة لمواجهة المشروع الانفصالي الاسباني وفيما بعد الصحراوي. إن ما يفسّر تبعية «الإجماع الوطني» لمبادرة الملك هو تحديدا هذا الارتباك في المقولات المذكورة وذلك اللاتوازن بين الشعار الوحدوي وممارسته العملية.

2-تشير الملاحظة الثانية إلى «عملية» الوحدة التاريخية للشعب المغربي بترابه وبأحلامه الوحدوية التراثية، ولكنها في نفس الوقت تؤكد الإهمال التاريخي لهذه الوحدة. ففي الوقت الذي غرق فيه مثقفو المغرب الوطنيون في كتابة وتحليل مفاصل المجتمع المغربي وأزمات أنظمته السياسية، لم يتطوع أحد منهم لتاريخ الصحراء بشكل علمي ووثائقي- على الأقل منذ الستينات. كما أن الكتابات المتأخرة، رغم ندرتها، تظهر نوعا من اللامبالاة الثقافية، حيث أن معظم هذه الكتابات دفاعية تبرّر «مغربية الصحراء» بشكل سياسي فقط، بينما الوحدة الشعبية-التاريخية التي تستلزم توثيقا تفصيليا ودقيقا لتواجد القبائل وأشكال هجراتها ولطبيعة العلاقات السياسية-الحقوقية ولمراحل التجربة التاريخية والوحدة الإيديولوجية-الثقافية، فإنها بقيت شعارا، ولا تزال.

3-تلفت الملاحظة الثالثة النظر إلى سلبيات التحريض اليومي الرسمي والحزبي الذي يضع تعارضا حادا بين الجزائريين والصحراويين والمغاربة والموريتانيين، بشكل يتضمن ميلا قويا نحو تعزيز البنى والكيانات الإقليمية ويعمّق الفوارق بين شعوب المغرب العربي. لذلك يبدو شعار «مغربية الصحراء» كانعكاس لحقيقة تاريخية تقوم بشكل أساسي على وجود تناقضات «وطنية» بين شعوب المنطقة، فتزداد تبعا لذلك مشاعر الإقليمية المغربية ويزداد معها التباعد بين الشعوب المعنية. مما يجعل من مغربية الصحراء وحدة وطنية مغربية يسكون ثمنها تأخير غير منظور لوحدة المغرب العربي بشعوبه وأحزابه. بينما في الحقيقة تربط الصحراء بوحدة المغرب الأقصى ولكن فقط على أساس أنه المغرب الوحدوي العربي الذي بدأ يشهد انكماشا نحو الغرب مع بدء التدخل العثماني وتفاقم الصراعات الأوروبية-العثمانية حول المغرب العربي. وكل التعبئة السائدة حاليا، باستثناء البعض المنفي في الخارج، تساهم في تقوية هذه السلبيات وفي إطالة عمرها، وتقدم بشكل غير مباشر خدمة لإستراتيجية التجزئة.

تستمد هذه الملاحظات الثلاث مبرراتها من أدبيات الأحزاب الوطنية. وهي إذ تأخذ صفة نقدية تطالب بمراجعة مضامين التعبئة وأشكال تطويق الفوارق المتزايدة بين شعوب المنطقة. فوحدة المغرب الأقصى الكبير، الذي أدلجته أدبيات علال الفاسي، ينبغي أن لا تقوم على حساب وحدة المغرب العربي. وإذا كان خطر قيام دولة صحراوية يطال مستقبل المغاربة كشعب والمغرب كنظام، فإن في وحدة الصحراء مع المغرب تصفية حسابات أخرى جزائرية-مغربية، جزائرية-موريتانية، ومغربية-موريتانية، تأخذ أشكالا قانونية هدفها الأول والمباشر تثبيت واقع التجزئة الاستعمارية، وتجاوز أزمة القوميات المذكورة، وعلى أساس هذه المراجعة العملية، ذهنيا وسياسيا، تتحدّد الفواصل التي تميّز سياسة القصر عن سياسة الأحزاب الوطنية، وترتسم بوادر تجاوز الأزمة المذكورة ايجابيا.


حزب الاستقلال ومغربية الصحراء


من بين القوى السياسية المعنية بالنقد، يأتي حزب الاستقلال بوصفه القوة التاريخية الحاضنة للمشروع المغربي الكبير، وتأتي أدبياته بوصفها الإطار الإيديولوجي الأكثر ثباتا ووضوحا لوحدة المغرب الأقصى. وكل محاولة لدراسة المسألة الوطنية المغربية، بالتحليل أو التأريخ، تشترط البدء بتجربة هذا الحزب، إذ بدونها يغدو العمل «العلمي» ناقصا ومبتورا فقد شكل حزب الاستقلال نواة العمل السياسي في المغرب وخاصة منذ الثلاثينات وفي مرحلة النضال ضد الاستعمار المباشر وفي زمن التحرير الوطني في المغرب العربي. كما لعب دور القيادة السياسية للكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي، ويتحمل النتائج السلبية والايجابية المتأنية من تجربة جيش التحرير الوطني، واليه يعود أساس نشأة الأحزاب السياسية الأخرى ابتداء من عام 1930، سواء على يساره أو على يمينه. إضافة إلى كل ذلك يتميّز حزب الاستقلال بخاصية سياسية تميزه عن القوى الأخرى، إذ أنه الوحيد الذي يطرح برنامجا سياسيا حول المسألة الوطنية لم يتراجع عنه منذ تأسيسه، على الأقل إيديولوجيا. تكمن أهميته في تحديده لموقف الحزب من قضية الصحراء الغربية حيث ترسم خارطة البرنامج الاستقلالي المغرب الكبير المؤلف من المغرب الحالي والصحراء الغربية وقسم من الصحراء الشرقية وموريتانيا، والذي يقدمه البرنامج المذكور كخطوة نحو وحدة أخرى تمتد عبر المغرب العربي فتصل تارة إلى مستوى الوحدة العربية، وتارة أخرى إلى مستوى الوحدة الإسلامية.

وقد ولد الحزب نفسه من رحم المواجهة الوطنية. ففي مرحلة الدفاع عن الذات ضد تثبيت الوجود الاستعماري السياسي والثقافي، بدأت تتشكل في معظم المدن المغربية تجمعات ذات طابع ثقافي-إسلامي أخذت صيغة العمل على نشر الوعي الإسلامي في مواجهة عمليات التصفية والإلحاق التي باشرتها سلطات الاحتلال تماشيا مع سياسة «الفرنسة» التي اتبعتها في الجزائر. وكانت تنمو وسط هذه المواجهة «الثقافية» نواة اتجاه وطني سياسي أخذ شكله العلني والواضح لأول مرة عام 1930، عندما تحركت هذه التجمعات بشكل مكثف وناشط لإجهاض الظهير البربري الذي أعلنته إدارة الحماية الفرنسية ضمن خطة فصل المناطق البربرية في الريف إداريا وسياسيا عن المغرب كخطوة أولى نحو إقامة دولة بربرية مستقلة.

في هذه الفترة بالذات، بدأت تظهر شخصية علال الفاسي، الذي بادر بمشاركة بعض الشخصيات والمجموعات الوطنية إلى تنظيم حركة التصدي لمؤامرات الإدارة الفرنسية، فأسسوا «كتلة العمل الوطني»، التي حدّدت لنفسها برنامجا سياسيا يستهدف «التقليل من النفوذ الاستعماري في إدارة البلاد»، والذي أخذ صيغة عريضة قدمتها الكتلة إلى الملك محمد الخامس عام 1934. دخل علال الفاسي فور إعلان هذه العريضة في معركة مكشوفة مع قوات الحماية الفرنسية التي سارعت لتطويق المبادرة المذكورة وبدأت سياسة قمع يومي وصل إلى ذروته في أحداث 1936 الدموية التي انتهت بحلّ كتلة العمل الوطني، مما أدى مرة ثانية إلى حوادث مماثلة في العام التالي انتهت بدورها إلى حلّ هذا الحزب وملاحقة مؤسسيه ونفيهم خارج البلاد.(3)

بعد عودة احمد بلا فريج، أحد زعماء الحزب الوطني من المنفى في أواخر عام 1943، بدأ الحزب يتجه نحو المطالبة بالاستقلال صراحة. وفي 11 كانون الثاني 1944 قدّم الحزب الوطني «وثيقة الاستقلال» الشهيرة للملك الخامس.

تعلن هذه الوثيقة لأول مرة عن اسم حزب الاستقلال حيث تقول مقدمتها «ان حزب الاستقلال الذي يضم أعضاء الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة». وتطالب في البند الأول «باستقلال المغرب ووحدة ترابه ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى سيدنا محمد بن مولانا يوسف نصره الـله وأيده...».

تميزت مواقف الحزب في هذه الفترة بوفاق تام مع الملك محمد الخامس وبالتشديد مع سلطات الاحتلال، الذي وصل إلى أقصى مداه في بداية عام 1952، حيث بدأ الحزب النضال السري بسبب حملات التصفية والقمع التي مارستها ضده السلطات الفرنسية التي بدأت مشروع التصفية على يد المارشال «جوان» عام 1951 ووصلت إلى مداها الأقصى عامي 1952-1953 على يد الجنرال «كيوم» الذي نفى الملك محمد الخامس إلى مدغشقر، وقمع حزب الاستقلال ومنع أي نشاط سياسي أو اجتماعي في البلاد.

وفي مطلع شهر آب/أغسطس من عام 1953 بدأت الخلايا السرية المسلحة التي أسسها حزب الاستقلال بالكفاح المسلح ضد الوجود الاستعماري تحت شعارات عودة الملك وتحقيق الاستقلال الوطني. كما بدأت عملية بناء جيش التحرير الذي استمر في كفاحه المسلح لغاية عودة الملك محمد الخامس وإعلان فرنسا عن موافقتها على استقلال المغرب.

تشكل نهاية هذه المرحلة البداية الأساسية لسياسة حزب الاستقلال الصحراوية، وفيها بالذات يمكن أن نبدأ بمعالجة موقف الحزب من قضية الصحراء والوحدة الترابية. فالاستقلال الآنف الذكر كان يشمل المغرب الحالي باستثناء الجنوب المغربي وموريتانيا وبعض المواقع الاسبانية في الشمال. أي أن الاستقلال كان يعني احتفاظ اسبانيا بمواقعها في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية في الشمال، وايفني والطرفايا والساقية الحمراء ووادي الذهب في الجنوب. كذلك احتفاظ فرنسا بالصحراء الشرقية (تندوف) وموريتانيا الحالية، وذلك وفق مضمون اتفاقيات الاستقلال التي وقّعها المغرب مع فرنسا في 2 آذار/مارس 1956 ومع اسبانيا في 7 نيسان/ابريل 1956. حدّد حزب الاستقلال المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال في تلك الفترة كما يلي:

«... أراض في يد اسبانيا هي مدينتا مليلة وسبتة في الشمال على البحر الأبيض المتوسط، والجزر الجعفرية بمحاذاة الحسيمة (في الشاطئ الشمالي أيضا) وإقليم الطرفايا وهو واقع في الصحراء المغربية جنوب المنطقة التي كانت تحت النفوذ الفرنسي وإقليم ايفني وهو موقع شاطئ واقع داخل الأراضي التي كانت تحت النفوذ الفرنسي، وإقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب وهو جنوب الطرفايا.

أراض في يد فرنسا وهي موريتانيا التي تمتد من وادي الذهب إلى حدود السنيغال وأراض في التخوم الشرقية ضمتها فرنسا إلى الجزائر أيام كانت هذه البلاد مستعمرة فرنسية، وهي أجزاء شاسعة جدا أخذت فرنسا تعدل في وضعياتها منذ أن استتب لها أمر القطر الجزائري حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل تندوف.

وجزء تحت الحكم الدولي هو مدينة طنجة التي كانت خاضعة لإدارة مختلطة تكونها مجموعة من الدول الغربية». (4)

أسفر الاستقلال المذكور عن ثلاثة تطورات تطال بمجموعها سياسة الحزب «الصحراوية». عبر التطور الأول عن نفسه بخلافات متعددة الأطراف: فمن ناحية أولى بدأت خلافات الحزب مع القصر الملكي حول حدود دولة الاستقلال. ومن ناحية ثانية، تصاعدت الخلافات داخل الحزب نفسه بين تيار ينادي بضرورة استكمال حرب التحرير المسلحة لتحرير التراب الوطني وتوحيده، وبين تيار يطالب بإيقاف العمل المسلح واستبداله بالنضال السياسي والدبلوماسي. ومن ناحية ثالثة اتسعت فجوة التناقضات بين الحزب كاتجاه سياسي وجيش التحرير كقيادة عسكرية ميدانية، محورها تشدد الجيش في مسيرته المسلحة وتردد الحزب في ذلك.

أدى التطور الثاني إلى قطع علاقات حزب الاستقلال بالصحراء وانتهاء وجوده السياسي والجماهيري في تلك المنطقة. وكانت هذه العلاقات قد بدأت تنمو بشكل شبيه ومواز لما كان يجري في باقي المدن المغربية، حيث كانت قيادة الحزب في مدينة تطوان قد بدأت بتوسيع نشاطها الدعائي إلى مدن الجنوب وخاصة مدن الطرفايا والعيون والسمارة والداخلة، وذلك في عام 1946 وحسب البرنامج السياسي للحزب الذي عبرت عنه وثيقة الاستقلال.

وعندما أعلنت اسبانيا عن مخطط تقسيم أقاليم الصحراء إلى ثلاث مناطق (1947) ظهرت لأول مرة المعارضة العلنية لحزب الاستقلال في الصحراء، والتي أدت عمليا إلى تجميد المخطط الاسباني. كما ازداد نفوذ حزب الاستقلال في المنطقة مع مواجهة مخطط اسباني جديد برز إلى الوجود خلال عامي 1949-1950 والذي كان يستهدف القضاء على الجنسية المغربية من خلال إعطاء المواطنين المغاربة أوراق تعريف وسجلات الحالة المدنية بالاسبانية، مثلهم مثل المواطنين الاسبان. أدت هذه المواجهة إلى تطور سياسة حزب الاستقلال في الصحراء الذي بلغ ذروته عام 1953 وخاصة بعد نفي الملك محمد الخامس وبدء العمليات المسلحة. ففي تلك الفترة أنشئت في مدن الطرفايا والعيون والسمارة والداخلة مكاتب لحزب لاستقلال ترفع العلم المغربي.

ظل هذا الوجود العلني لغاية عام 1957 حيث احتلت القوات الاسبانية مكاتب الحزب وأنزلت العلم المغربي. أما العلاقة التي كانت بين الحزب وسكان الصحراء والتي عربت عن نفسها داخل جيش التحرير في الجنوب، الذي كان معظم مقاتليه من الصحراويين، فقد انتهت عمليا بعد تصفية جيش التحرير وإيقاف العمل المسلح وذلك مع بداية عام 1958، إذ أدت اتفاقيات اسبانيا مع الملك وبعض قيادات جيش التحرير إلى إيقاف النضال واسترجاع إقليم الطرفايا وإنهاء وجود جيش التحرير ومنع أي احتكاك أو انتقال بين المناطق الاسبانية والمناطق المغربية.

ولكن رغم أن الحزب كان مشاركا في كل هذه المفاوضات، خاصة وأن رئيس الحكومة آنذاك كان من حزب الاستقلال، فان الحزب ظل متمسكا بمغربية الصحراء، والتنازل الذي قدمه كان إيقاف العمل المسلح والانتقال إلى تكتيك المفاوضات، وهذا التنازل –بغض النظر عن سلبياته الكثيرة- لم يتضمن أية تنازلات على الإطلاق، ولا توجد أية وثيقة تثبت أن حزب الاستقلال، رغم تراجعه، قد أعلن تنازله عن حقوقه وطنية أو ترابية.

لم يقلل التطوران المذكوران من أهمية التطور الثالث الذي اخذ شكل محاولة لتجاوز سلبيات ما سبقه: خلافات الحزب الداخلية، قطيعة نشاطه من المنطقة المحتلة، قناعة قيادية بلا جدوى العمل المسلح... ضمن هذا السياق، كان الحزب قد دخل في مرحلة اضطرارية ألزمته بعدم المواجهة المكشوفة مع التيار المتصلب في جيش التحرير، كما دفعته إلى التذكير والتعبئة المستمرين حول سياسته الوطنية الاستقلالية والوحدوية. عبر الجانب الأول عن نفسه ببدء العمليات المسلحة في الجنوب بعد مبادرة مائة رجل من قبلية الرقيبات، الذين هاجموا موقعا فرنسيا في منطقة «أم الهشار» على بعد 135 كلم من تندوف وذلك ضمن إستراتيجية التحرير الكامل والوحدة الترابية التامة. واخذ الجانب الثاني صيغة إعلامية يغلب عليها الطابع التعبوي-الإيديولوجي أكثر من الطابع العملي السياسي.

ففي المؤتمر الذي عقدته شبيبة حزب الاستقلال بمدينة فاس بين 25 و29 آذار/مارس 1956 أي بعد ثلاثة أسابيع على توقيع اتفاقية الاستقلال، أعلن علال الفاسي في خطاب ألقاه يوم 27 آذار/مارس 1956 أمام المؤتمر موقف الحزب من الاستقلال بقوله: «... ان هذا الاستقلال ما يزال ناقصا، وسيظل كذلك ما دامت في البلاد قطعة تحت الحماية أو النفوذ الأجنبي وما دامت طنجة لم تتحرر من إدارتها الدولية، وما دامت المناطق التي اعتدنا أن نسيمها بالخليفية في الشمال والصحراء الاسبانية في الجنوب تحت الحماية أو الحكم الاسباني، وما دامت الصحراء من تندوف حتى إطار، وما دامت أجزاء في التخوم المغربية الجزائرية لم تسترجع للبلاد، فسيظل استقلالنا أعرج وسيظل واجبنا الأول هو مواصلة العمل لتحرير الوطن وتوحيده بنفس الروح والحماس اللذين عملنا بهما طيلة الثلاثين عاما الماضية، إلى أن اعترفت لنا فرنسا بالاستقلال، والتزمت بتأييد الوحدة الترابية للبلاد...»(5).

وبمناسبة تخليد ذكرى شهيد حزب الاستقلال «الزرقطوني» في احتفال مدينة طنجة بتاريخ 19 حزيران/يونيو 1956، أعلن علال الفاسي «ان أهداف عمليات جيش التحرير هي توحيد كل التراب المغربي المستقل حديثا والذي لا يزال يخضع للسيطرة الاستعمارية». وفي هذا الخطاب يعلن علال الفاسي بان المقاتلين أعلنوا القسم للنضال من اجل عودة السلطان وإعلان الاستقلال وتشكيل حكومة عربية إسلامية. «ولكن إذا كان المغرب مستقلا فانه ليس موحدا بالكامل وان المغاربة سيواصلون الكفاح حتى تصبح طنجة والصحراء الواقعة تحت النفوذ الاسباني والفرنسي من تندوف إلى كولمب بشار، وتواط وكنادزا وموريتانيتا محررة وموحدة. يجب استكمال استقلال المغرب. استقلالنا لن يصبح كاملا إلا مع الصحراء وباقي الأراضي التي جاء ممثلوها إلى الرباط يعلنون الوحدة. يجب النضال حتى الوحدة الكاملة. يجب استرجاع المناطق الواقعة تحت النفوذ الاسباني أو الفرنسي....» (6).

ترافقت هذه التصريحات مع تحرك شعبي ضاغط للإسراع في المفاوضات وبداية خوض معركة المطالبة بالصحراء الشرقية المتنازع عليها بين المغرب المستقل وجبهة التحرير الوطني الجزائرية.

لعب حزب الاستقلال في هذين التحركين دورا مميزا. ففي 14 شباط/فبراير 1957 «اجتمع ممثلو فروع حزب الاستقلال في الأماكن الآتية: الشرفاء الرقيبات، أولاد الشيخ، أولاد موسى (التهلات) السواعد، أولاد داوود، أولاد بورحيم المؤذنون، أولاد طالب لبيهات، أهل البلال، سلام، أهل بلقاسم ابراهيم، أهل الحسن احماد، الفقر، أولاد الدلايم، العرسيون، أبناء تيدرارين، أهل الشيخ ماء العينين فلال، توبالت، الزرقيون، الاميار، الفسكات، مجاط، آيت الحسن، يكوت،...» وبعثوا برقية إلى الملك الخامس يطالبونه فيها بالوحدة مع المغرب، إذ نص البند الثاني للبرقية المذكورة على ما يلي: « يلفت هذا الجزء من الوطن نظر مولانا المنصور بالـله إلى ضرورة مفاوضات عاجلة مع اسبانيا حتى يندمج هذا الجزء من الوطن في باقي البلاد، ثم الدخول في مفاوضات مع فرنسا عن باقي صحراء المغرب ولا يمكن أن يبقى الوطن الذي هو كل لا يتجزأ ممزق الأشلاء...»(7).

ويربط علال الفاسي بين التحرك الشعبي الآنف الذكر وبين الحقوق المغربية الوطنية في الصحراء الشرقية، وذلك بعد فشل محادثات الحدود، فينشر مقالا بعنوان «المغرب ليست له نيات توسعية» تناول فيه تاريخية الحدود:

«.... وقد اعترفت فرنسا بهذه الحدود سنة 1830 عندما قنبلت الشواطئ المغربية وطلبت من جلالة مولاي عبد الرحمن أن يسترد خليفته من تلمسان ويسحب جنوده إلى غربي نهر تافنا، وكان النهر المذكور حدا فاصلا بين المغرب وولاة الأتراك منذ استيلائهم على المغرب الأوسط. ولما برقت لفرنسا بارقة الغلبة سنة 1844 اعتدى قواد جيشها الفاتح على التراب المغربي. فانشؤوا مخافر عسكرية بجامع الغزرات وللامغنية من قبيلة بني واسين وكان المغرب يعتبر هذه القبيلة مغربية، فاضطر إلى أن يدافع بحد السلاح عن حدوده وخاض من اجلها معركة ايسلي التي كلفته غاليا، ولما انعقدت معاهدة الصلح بتاريخ 10/9/1844 أكدت مادتها الخامسة الحدود القديمة بين ملوك المغرب وولاة الأتراك. ولكن المعاهدة التي عقدت في السنة التي بعدها بتاريخ 18 آذار/مارس جعلت هذه الحدود تتقهقر إلى الغرب لتبدأ من نهر كيس أمام مرس عجرود، فسلب المغرب الشريفي بذلك من أخصب بقاعه وامنع جهاته...»(8).

إذن، منذ 1957 كانت سياسة الحزب الوطنية قد حدّدت ملامحها الرئيسية:

خط المفاوضات مع الاستعمار، وخط التصلب في مناقشات الحدود الجزائرية-المغربية. وهذه الملامح تتضمن جذور السياسة الراهنة للحزب سواء فيما يتعلق بطريقة استرجاع الصحراء الغربية أم بالصراع الجزائري-المغربي. ومن وسط هذه الملامح ستخرج التناقضات الحاسمة التي تفاقمت طيلة أعوام 1956-1957-1958 والتي تبلورت حول اتجاه معتدل من رموزه علال الفاسي وأحمد بلا فريج، واتجاه متصلب من ممثليه في تلك الفترة المهدي بن بركة وعبد الرحمن اليوسفي ومحمد البصري... والتي انتهت أخيرا بانشقاق الحزب بتاريخ 25 كانون الثاني/يناير عام 1959، أعقبه إعلان التيار الثاني عن تشكيل حزب جديد «الاتحاد الوطني لقوات الشعبية» وذلك بتاريخ 6 أيلول/سبتمبر عام 1959.

انتهت هذه المرحلة بانشقاق وانعطاف وضعا القضية الوطنية في مرتبة ثانية، وادخلا الحزب في مشاريع الإصلاح الداخلي دون أن يلغي ذلك ثبات الموقف الأساسي: بناء المغرب الكبير بعد «استرجاع» أجزائه المحتلة. عبرت مقررات مؤتمرات الحزب عن هذه الوضعية بوضوح، إذ كانت تتضمن بنودا تفصيلية حول الاقتصاد والتعليم والديمقراطية والقانون... بينما قضية الصحراء لم تنل إلاّ تكرار «المواقف التاريخية».

ففي المؤتمر الخامس للحزب الذي انعقد عام 1960، كان الحزب منهمكا بمعالجة نتائج الانقسام الحزبي وانعكاساته على بنية الحزب وسياسته العامة. فلم تنل، تبعا لذلك، قضية الصحراء نفس الاهتمام السابق، خاصة وانها كانت أحد أهم العوامل التي أدت إلى خلافات القيادة السياسية والعسكرية لجيش التحرير المغربي.

أعطى هذا المؤتمر، الذي تفرغ لمعالجة قضايا التخلف الاقتصادي والاجتماعي ولتنظيم الحكم على أسس ديمقراطية ولإصلاح الجهاز الإداري ولتحقيق العدالة الاجتماعية في المدينة، لقضية الصحراء حجما آخر، كان يعكس بشكل واضح موقف الحزب بعد الانقسام فقد اكتفى المؤتمر بتقرير قدمه علال الفاسي أثناء خطابه تناول عرضا تاريخيا وحقوقيا للصحراء، متحدثا عن أهميتها ومغربيتها وعن ضرورة استرجاعها واسترجاع موريتانيا والتخوم الجزائرية. وهذا الحديث التاريخي لم يتناول أي برنامج عملي، كما ان المؤتمر لم يحدد برنامجا نضاليا يقرر استكمال النضال لتحرير الصحراء. وكما ذكرنا، فان هذا المؤتمر كان بداية إهمال للمسألة الوطنية، ولا يعني تراجعا مبدئيا، فالصحراء ما زالت مغربية واسترجاعها ضروري ولكن عن طريق الحوار والمفاوضات، كذلك موريتانيا فان استقلالها غير شرعي، ومن الضروري إسقاط الحكم الانفصالي فيها.

أما مؤتمر الحزب السادس الذي انعقد بمدينة الدار البيضاء أيام 12 و13 و14 كانون الثاني/يناير 1962 فقد كان أكثر وضوحا في مسألة الصحراء. كما كان احتلال مرتبة ثانوية وهامشية لقضية الساقية الحمراء ووادي الذهب مسألة ملموسة وواضحة جدا في مقررات هذا المؤتمر.

ففي خطاب افتتاح المؤتمر، تناول علال الفاسي قضية موريتانيا والصحراء، مستعرضا مواقف الحزب والممارسات الاسبانية في الإقليم، كذلك التطورات الداخلية والخارجية للقضية. معترفا فقط بان «الجيوش الأجنبية لا تزال تشغل الأجزاء المقتطعة من بلادنا في موريتانيا والصحراء وفي سبتة ومليلية...».

وقد تناولت هذه النقطة وسائل إعلام الحزب في ذلك الوقت بإهمال ملحوظ، ولم تتعد صفحات القضية الوطنية هذه النصف صفحة في كتاب الحزب الخاص بالمؤتمر السادس والذي يضم مائتي صفحة.

برز الإهمال الثاني الذي يؤكد ملاحظتنا في التوصيات التي أصبحت مباشرة مقررات الحزب وبرنامجه الذي وافق عليه المؤتمر. ومن الملفت للنظر ان التوصية الخاصة بالمسألة الوطنية حملت عنوان موريتانيا وليس «الصحراء الغربية» كما أن صحراء الساقية الحمراء ووادي الذهب كانت شبه مهملة في النص الكامل للتوصية، ولم يرد ذكرها في أية توصية مستقلة. ونظرا لأهمية هذه الملاحظة سوف نذكر هذه التوصية حرفيا كما جاءت في كتاب المؤتمر في الصفحات 153 و154 و155:

ملتمس خاص بموريتانيا

مؤتمر حزب الاستقلال يطالب: استرجاع موريتانيا بالوسائل الفعالة، العمل الجدي لاسترجاع سبتة ومليلية والجزر الشمالية، إزاحة الاستعمار الفرنسي عن المناطق الشرقية المغتصبة.

«ان المؤتمر السادس لحزب الاستقلال يلاحظ بمرارة ان الاستقلال الذي حصل عليه المغرب سنة 1956 بفضل كفاح الملك محمد الخامس رضي الـله عنه والشعب المغربي المنضوي تحت لواء حزب الاستقلال، لم يكن مصحوبا بالوحدة الكاملة للتراب المغربي.

حيث ان أجزاء شاسعة من المغرب بقيت ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي والاسباني او تحت أنظمة خاضعة للاستعمار الأجنبي.

وحيث ان استقلال أي بلد لا يكون صحيحا ما دامت وحدة التراب غير متوفرة وضمان السيادة الوطنية لا يتم إلا إذا تدعم الاستقلال بوحدة التراب.

وحيث ان الاستعمار الفرنسي المقنع من المغرب ما سماه بـ(الجمهورية الإسلامية الموريتانية المستقلة)، وحيث ان الاستعمار الاسباني جاد في تجريد مناطق احتلاله من كل صبغة مغربية وتعويضها بعناصر اسبانية محضة.

وحيث ان الاستعمار الفرنسي في أيام الحماية وقبلها اقتطع غصبا مناطق مغربية صرفة وضمها إلى القطر الجزائري الشقيق ظنا منه ان نفوذه سيبقى خالدا في الجزائر. ونظرا إلى ان أعمال الحكومة المغربية رغم توفرها على وزارة خاصة بشؤون موريتانيا والصحراء وعلى إدارة لشؤون الصحراء، ولم تتسم لحد الآن بالصبغة الجدية الفعالة فيما يخص باسترجاع المناطق المحتلة:

فإن المؤتمر السادس لحزب الاستقلال يطالب:

1-بالعمل على إرجاع موريتانيا إلى حظيرة الوطن بكل الوسائل الفعالة والقضاء على نظام العميل ولد دادا.

2-بالعمل الجدي لعودة سبتة ومليلية وجزر الزعفران والنكور إلى حظيرة الوطن.

3-بعدم ترك الفرصة لاسبانيا لتنفيذ خططها في كل من الساقية الحمراء ووادي الذهب وسيدي ايفني كما تركت لفرنسا في موريتانيا.

4- بالعمل على إزاحة الاستعمار الفرنسي حالا عن المنطقة الشرقية الممتدة من وادي الناموس شرقا بما في ذلك عين الصفراء، وبشار والقنادسة وتوات بما فيه من واحات كتيمي تيميون ومنطقة تيدكلت كعين صالح وأولف وركان ويتندروف إلى تبلبلت تندوف غربا.

5-يطالب الحكومة بمراجعة النظر في الموظفين بالحدود حتى لا تسند الوظائف إلا إلى أشخاص تتوفر فيهم الكفاءة والشجاعة والإخلاص.

6-يطالب الحكومة باعتبار إستراتيجية الحدود حتى لا ترسل إلى مناطقها بعض المذنبين من الموظفين عقابا لهم.

7-بالاعتناء بسكان الحدود حتى لا تبقى ثغرة لمساومة بعض الضمائر.

8-بوضع خريطة رسمية للمغرب في حدوده الحقيقية جامعة لكل التراب الوطني وإحلال هذه الخريطة الرسمية محل الخرائط الحالية التي هي في الواقع من مخلفات الحماية.

9-بتقرير تدريس جغرافية المغرب وتاريخه في حدوده الحقيقية في جميع مراحل التعليم.

10-بتعزيز وحدات الجيش المغربي على طول الحدود وتكوين فرق المتطوعين من سكان الحدود».

(يأتي هذا الملتمس في آخر المرتبة-الرقم 22 من أصل 26 ملتمسا).

حافظت هذه الصيغة من التوجه السياسي حول قضية الصحراء على إطارها العام والثانوي، ولم يصدر عن الحزب أية وثيقة تبرز اتجاها آخر نحو التعبئة والتحريض والاستعداد للتحرير والاتصال بسكان الإقليم الخ، بل ظلت مواقفه على حالها: التمسك بمغربية الصحراء ولكن بصوت خافت لم ترتفع لهجته إلا مؤخرا وبشكل نسبي منذ بداية السبعينات.

ففي مطلع السبعينات بدأت سياسة الحزب تتغير، وخاصة بعد استرجاع إقليم ايفني من اسبانيا عام 1969 عن طريق المفاوضات. وأسباب تحول سياسة الحزب وإعادة الأهمية لقضية الصحراء والسكوت عن قضية موريتانيا ناتج عن عدة عوامل:

أولا: ازدياد عمليات الاستغلال الأجنبي في الصحراء، وزيادة أهمية الفوسفات وبدء المشاريع الأوروبية وخاصة عمليات التنقيب عن الثروات المعدنية.

ثانيا: تحرك سكان الإقليم ورفضهم لكل المشاريع التي تستهدف ضم الصحراء الاسبانية وخاصة بعد أحداث الزملة في حزيران/يونيو 1970.

ثالثا: التحرك الرسمي والدولي لدول المغرب العربي وتحديدا الجزائر والمغرب وموريتانيا وما نتج عن لقاءات القمة من خلافات سياسية واتفاقيات هامشية ومؤقتة.

رابعا: تصميم اسبانيا على إنشاء دولة مستقلة في الصحراء خاضعة لسياستها.

خامسا وأخيرا: قيام الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وإعلانها عن برنامج تكتيكي واستراتيجي.

أدت هذه العوامل مجتمعة إلى حدوث تغيرات في سياسة الحزب حيث أصبحت قضية الصحراء الثانوية في مرحلة الستينات، تشكل جوهر تحرك الحزب ومحور اهتماماته وتحالفاته ومواقفه في مرحلة السبعينات.

وأهم ملاحظة على هذا التحول تعود إلى الحجم الذي احتله قضية الصحراء في مؤتمرات الحزب الأخيرة وخاصة المؤتمر التاسع عام 1974 والمؤتمر العاشر عام 1978، بحيث لا يمكن مقارنة الأهمية التي أعطيت للصحراء في هذين المؤتمرين بالأهمية التي أعطيت لها في مؤتمرات الستينات وخصوصا المؤتمرين الخامس والسادس كما انه، أي هذا الحجم، شهد خطا تصاعديا وصل إلى ذروته عام 1974 وأخذ عدة صيغ وعبّر عن نفسه بعدة مناسبات:

- بعد أحداث الزملة التي وقعت بتاريخ 17 حزيران/يونيو 1970، اصدر علال الفاسي بيانا جاء فيه «ان حزب الاستقلال يوجه نداء إلى الشعب المغربي الذي من واجبه دعم إخوانه في معركتهم من أجل تحرير ما تبقى من الأراضي تحت الاحتلال الاسباني. ان الشعب المغربي يبذل كل الوسائل ليضع حدا للاستعمار الاسباني ليرغمه على ترك الأرض للمغرب، لهؤلاء الذين يطالبون بالاستقلال والوحدة المغربية....»

- بعد تدفق الرساميل الأوروبية إلى الصحراء، وبعد انتهاء محادثات قمة نواذيبو الثلاثية أصدرت الكتلة الوطنية –التي كانت تضم حزب الاستقلال والاتحاد الوطني لقوات الشعبية والتي كانت تمثل المعارضة آنذاك- بيانا حدت فيه موقفها من التطورات الأخيرة، وخاصة المحادثات الثلاثية –المغرب والجزائر وموريتانيا- والرساميل الأجنبية في الصحراء، إضافة إلى موقف تقرير المصير. وفي هذا البيان يتمسك الحزب بمغربية الصحراء ويعتبره شرطا أساسيا لنجاح مشاريع التعاون والوحدة بين أقطار المغرب، كذلك الموافقة على المشاريع الاقتصادية الأوروبية في الصحراء وأخيرا الموقف من سياسة الحكم حيال هذه القضية.

بعد أن يعترض البيان على غموض مقررات مؤتمر القمة الذي انعقد في نواذيبو في 14 أيلول/سبتمبر 1970 وغموض سياسة الحكومة إزاء موضوع الساقية الحمراء ووادي الذهب، ينص على انه، إذا كانت الكتلة الوطنية قد تلقت بارتياح فكرة التقاء القمة في نواذيبو بقصد تنسيق العمل المغربي أمام الاستعمار الاسباني فإنها لا يمكن إلا أن نعلن تحفظها إزاء كل ما ينسج في السر ويمكن أن يؤدي إلى عدم الاعتراف بحقوق الشعب المغربي التي لا تقبل التفويت.

وفي هذا الموضع، كل عمل مشترك بين المسيرين المغاربة الثلاثة المجتمعين في «نواذيبو» بقصد تحرير الصحراء «الاسبانية» يجب أن تكون غايته إعادة السيادة المغربية على هذين الإقليمين المغربيين. «وان الشعب المغربي لينتظر إعلان الضمان الكافي رسميا وعلنيا. ويعتبر ان له الحق في إخباره بكل ما يجري لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بوحدته واستقلال أقاليمه. وكل تصالح يؤدي إلى تقسيم لهذه الأقاليم يعتبر حلا باطلا يرفضه الشعب المغربي بما يفه المواطنون الصحراوين (9) وأيضا فإذا كانت الكتلة الوطنية تؤيد وتوافق على كل مشروع معقول للتعاون الاقتصادي بين الأقطار الثلاثة في إطار بناء الوحدة المغربية فإنها لا يمكن أن تقبل أن يكون هذا التعاون الاقتصادي دون الاعتراف السابق من المعنيين بالسيادة المغربية على أقاليمنا.

أما توصية الأمم المتحدة بتقرير مصير سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب فقد تبين عمليا أنها غير قابلة للتطبيق...

وأخيرا ترى الكتلة الوطنية من واجبنا أن تحذر كل الذين يوظفون أموالهم من الأجانب لاستغلال الثروات المعدنية لبوكراع تحت حماية الحراب الاسبانية وتنبههم إلى أن كل حل غير الذي يرجع للمغرب إقليمه المغتصبين لا يخلق إلا حالة سيئة بكل معنى الكلمة. والشعب المغربي والمواطنون الصحراويون مصمّمون أكثر من أي وقت على مواصلة الكفاح ضد كل أشكال الهيمنة والوجود الأجنبي بالساقية الحمراء ووادي الذهب...».

يطالب هذا البيان الحزب، وكذلك الاتحاد الوطني والحكومة باستغاثة «إخواننا الصحراويين الذين لا يرون طريقا للسلامة إلا في استئناف الكفاح التحرري من الاستعمار والامبريالية على غرار الشعب الفلسطيني أو شعوب انغولا والموزامبيق...».

- بعد انتهاء دورة المجلس الوطني لحزب الاستقلال التي انعقدت يومي 11 و12 كانون الأول/ديسمبر 1971 اصدر المجلس توصية خاصة بقضية الصحراء يعلن فيها مواقفه بوضوح معتبرا أن القضية قد احتلت المرتبة الأولى في سياسة الأحزاب الراهنة والمستقبلية.

وقد جاء في هذه التوصية ما يلي:

«ان المجلس الوطني لحزب الاستقلال المنعقد بالرباط في دورة عادية يومي السبت والأحد 11 و12 ديسمبر 1971:

يؤكد مطالبة الشعب المغربي بحقه الكامل في أراضيه التي تغتصبها اسبانيا في الشمال والجنوب. ويعتبر أن سياسة المسؤولين المغاربة المتبعة حيال قضية الأراضي المغتصبة لا تخدم قضية تحرر هذه الأجزاء. وينتقد بشدة التخلي الذي طبع هذه السياسة سواء في المجال الدبلوماسي أو في المجال العملي أو في مجال العلاقات الثنائية بين المغرب واسبانيا، مما فوّت لاسبانيا مكاسب اقتصادية وسياسة جمة، من شانها أن تضفي على احتلالها لأجزائنا المغتصبة صفة الشرعية.

يندد بالخطة التي سار عليها المسؤولون طيلة السنوات الأخيرة بإقحام أطراف دخيلة في قضية الساقية الحمراء ووادي الذهب.

يحيي الطبقة المناضلة في وادي الذهب والساقية الحمراء التي تعمل بوسائلها الخاصة من اجل مقاومة الاستعمار.

وينادي الشعب المغربي بأن يتحمل كامل مسؤولياته لدعم تلك المقاومة.

يطالب بجعل قضية الصحراء في مرتبة الأولوية من بين قضايا الأراضي المغتصبة وتعبئة كامل القوى لطرح قضية الصحراء في المجال الدولي وعلى المستوى الثنائي مع اسبانيا، وعلى المستوى الشعبي بكل جدية من أجل الوصول إلى الهدف المنشود وهو تحرير الصحراء المغربية التي تغتصبها اسبانيا وضمها إلى أراضي الوطن الأب».

ساهمت اهتمامات الحزب السابقة في التقليل من جدية الأهمية والأولوية التي تطفو على سطح هذه البيانات كما عززت «الايدولوجيا» الاستقلالية مواقعها بربط مواقفها وتحركاتها بنتائج الخلافات نفسها وباتجاهات «سفن» القصر. يؤكد هذه الاستنتاجات غياب التحرك «الاستقلالي» الشعبي مغربيا وصحراويا، وميل الحزب نحو الملك بشكل يساعد على تقوية «المفاوض» المغربي في مؤتمرات القمة، فيجري من ناحية أولى الحديث عن وحدة المغرب العربي بوصفها نشاط الحكومات الجهوية (10) ويذكر علال الفاسي بمغربية موريتانيا والصحراء وتندوف، وذلك في سياق حرصه على تطويق أية تنازلات ترابية محتملة من قبل الملك (11).

ولما كانت سياسة الحزب قد بدأت تدخل تدريجيا في إطار التحرك الرسمي فإن «لغة» علال الفاسي سوف تتغير وتميل نحو صمت حول موريتانيا التي كان «الأمر يقتضي أن تعود إلى جانبنا لأنها جزء من المغرب، ولأن الحكومة التي تمثلها هي حكومة الرباط» (12) مما يساعد على القول أن عام 1974 شهد ميلا «استقلاليا» للقبول بحل مغربي-موريتاني (التقسيم) على حساب الجزائر والمشروع الاسباني الانفصالي. كما تبرز مواقف هذا العام بداية التنسيق الفعلي مع الملك بالضغط حينا وبالدعم أحيانا أخرى، الذي اخذ شكلا واضحا في مقررات المؤتمر التاسع الذي سبقته ثلاث خطوات:

1-في السادس من أيار/مايو 1974، أطلق علال الفاسي، قبل وفاته بأسبوع واحد نداءه المشهور من الكويت والذي قال فيه: «انه من المؤسف ألا تكون هذه القضية –أي قضية الساقية الحمراء ووادي الذهب- محط اهتمام الأقطار العربية، رغم أن هذا المشكل جزء لا يتجزأ من القضية العربية... ان اسبانيا صديقة للعرب حيث أنها لم تعترف بإسرائيل، ولكن هذا لا يحول بين البلاد العربية وبين المطالبة بأراضيهم المغتصبة...».

وفي هذا النداء يؤكد علال الفاسي على مغربية الصحراء ويعتبرها واجبا على العرب والمسلمين من أجل تحريها وإعادتها إلى الوطن...

2-في السادس من تموز/يوليو 1974، أي بعد شهرين على نداء الكويت وثلاثة أسابيع على وفاة علال الفاسي قدم الحزب مذكرة للملك الحسن الثاني، يعتبر فيها «ان الظروف أصبحت مواتية بعد موقف الجيش المغربي الباسل في الجولان وسيناء للقضاء على بقايا الاستعمار في بلادنا والتخلص مما سماه الاستعمار «الاستفتاء لتقرير مصير الصحراء واستشارة ما سموه «الأطراف المعنية»...

لقد قرر المغرب مصيره في الاستفتاء التاريخي يوم اختار الاستقلال والوحدة وليس هناك طرف معني في الموضوع إلا المغرب...».

3-بعد هذه المذكرة، قام الحزب بسياسة تنسيق مع الحكم تحت شعار الإجماع الوطني، كما قام محمد بوستة الأمين العام الجديد للحزب الذي خلف علال الفاسي، وأبو بكر القادري عضو اللجنة التنفيذية للحزب بجولة في العالم شرحا فيها موقف المغرب من القضية. أعقب هذه الخطوة في 26 آب/أغسطس 1974 تقديم مذكرة ثانية للملك تتضمن عدة مقترحات أهمها ضرورة الاستمرار في الحملة الدبلوماسية وإصدار المعلومات والخرائط المفصلة والوثائق والنصوص ومتابعة المفاوضات مع اسبانيا بهدف الحصول على موافقتها على السيادة المغربية قبل عودة القضية إلى الأمم المتحدة وذلك تطويقا لمحاولات الاستفتاء... وأخيرا تطالب المذكرة بالاتصال بالمواطنين الصحراويين وذلك «لملء النزاع الذي يستغله خصوم المغرب» كما تعلن «استعداد الحزب للقيام بدوره كاملا في تحرير الأراضي المغربية واستعادة وحدة الوطن».

بالمقارنة مع خطاب علال الفاسي في المؤتمر السادس، تحدث محمد بوستة في المؤتمر التاسع عن الصحراء مطولا، وقد تضمن خطابه الافتتاحي 14 صفحة عن موضع الصحراء، مما يدل على الأهمية التي حصلت عليها قضية الصحراء في نشاطات الحزب وذلك بعد سنوات طويلة من الإهمال (خلال الستينات كلها).

في نهاية هذا الخطاب يوضح محمد بوستة موقف الحزب صراحة من آخر التطورات، فيقول: «... واننا لا نقبل أي حل إلا رجوع هذه المناطق إلى البلاد، وان أي استفتاء أو تقرير مصير أصبح غير ذي موضوع. ومن هنا فإن المغرب لا ينبغي أن يلتزم بأي قرار من شأنه أن يبعده عن استرجاع الصحراء أو يؤجل تحرير المنطقة لأن كل تأجيل من شأنه أن يزيد من منح فرص جديدة للاستعمار والاستغلال الاقتصادي لتدعيم مركزه ونفوذه وقواعد. ويعتقد أن كل حل غير استرجاع الصحراء لن يزيد في تمزيق وحدة المغرب فحسب، ولكنه سيمكن الاستعمار والامبريالية والنفوذ الأجنبي الذي سيصبح مهيمنا على افريقيا الغربية بأكملها من خلال إقليم مغربي، لذلك فإن وطنيتنا والتزاماتنا تأبى علينا أن نترك إقليما من أقاليمنا في خدمة الاستعمار والامبريالية مهما كانت الصفة التي ستعطي لهذا الإقليم...» (13).

وقد أسفرت مناقشات المؤتمر الذي انعقد أيام 13 و14 و15 أيلول/سبتمبر 1974 عن تقديم توصية «حول استكمال وحدة التراب الوطني» (مذكرة في كتاب المؤتمر في الصفحات 187-188) كما وافق المؤتمر على هذه التوصية بكاملها واقرها في البند الأول من البرنامج السياسي مع بعض التعديلات.

ففي الجزء الأول من البرنامج السياسي الذي أقره المؤتمر التاسع، يوضح الحزب موقفه من القضية: «... وحزب الاستقلال يعلن عن تمسك الشعب بالوحدة الترابية للوطن وعن عزمه على استرجاع الأراضي المغتصبة شمالا وشرقا وجنوبا. ويتشبث بمبدأ عدم تفويت السيادة. ويسجل أن الوحدة السياسية لأقطار المغرب العربي الذي عمل لها الحزب بإخلاص وحماس لم تتحقق، وان مشاريع الإدماج الاقتصادي باعتبارها مرحلة لتلك الوحدة ما زالت تتعثر».

وبخصوص التطورات الخطيرة في أقاليمنا الصحراوية التي تحتلها اسبانيا فإن الحزب:

- يجدد إعلان تمسك الشعب بجميع حقوقه الترابية في هذه الأقاليم.

- يرفض مبدأ تقرير الذي فرضته علينا قوى الاستعمار الجديد وعملائه.

- يؤمن بفعالية الوسائل التالية لتحرير الصحراء:

أ-وضع الملف الترابي المعلق مع اسبانيا متكاملا شاملا للأراضي المحتلة في الشمال والجنوب (الجزر الجعفرية، مليلية، حجرة باديس، سبتة، الساقية الحمراء، وادي الذهب).

ب- كل تنمية للتعاون الثنائي بين المغرب واسبانيا يجب أن تكون على ضوء اعتراف حكومة مدريد بسيادة المغرب على أراضيه، وبذلك فقط يفتح الباب لتعاون مثمر في شتى المجالات مفيد للجانبين.

ج-تعبئة الجماهير وتوفير الشروط السياسية اللازمة لذلك عن طريق الديمقراطية.

د-تعبئة الجيش المغربي للقيام بدوره في حماية وحدة ترابنا والدفاع عن حوزة البلاد، كما فعل عبر تاريخيا الوطني وفي 1963 وفي حرب رمضان، وإعادة الاعتبار إلى المقاومين ورجال جيش التحرير والاهتمام بمشاكلهم... (14).

بين المؤتمر التاسع والمؤتمر العاشر نشط الحزب في حملة إعلامية واسعة تستهدف إبراز حق المغرب التاريخي بإقليم الصحراء. وقد اصدر لذلك عدة منشورات حول القضية تتضمن مواقف الحزب والمعاهدات الدولية والحقوق التاريخية وتفنيد الحجج الاسبانية... كما شارك في الحكومة بثمانية وزراء، من بينهم وزير الخارجية محمد بوستة أمين عام الحزب. لذلك فإن موقف الحزب بين المؤتمرين كان يعبّر بشكل أو بآخر عن موقف الحكم، وخاصة من القضايا التالية:

المسيرة الخضراء، الاتفاقية الثلاثية، تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا، الاستغلال المشترك، الاستنفار المسلح والخلاف مع الجزائر...

أما في المؤتمر العاشر الذي انعقد أيام 21 و22 و23 نيسان/ابريل عام 1978، فقد اصدر الحزب تقريرا خاصا بعنوان: «تقرير عن الوحدة الترابية والسياسية الخارجية». أهم ما ورد فيه أن الحزب يعتبر أن المشكلة قد انتهت من ناحية الوحدة الترابية، ولا يبقى غير الخلاف مع الجزائر، وهو ما يركز عليه حيث يقول في البند الثالث:

«... وكشفت معركة الصحراء أنها إذا كانت بالنسبة للمغرب وموريتانيا عملية مشروعة لاستكمال الوحدة الترابية فهي بالنسبة للجزائر نكسة في مخططاتها التوسعية في المنطقة الرامية إلى زعامة بلدان المغرب العربي، وهي مخططات احتال لها النظام القائم في الجزائر بعرقلة الخطوات العملية التي كنا بصددها على صعيد المغرب العربي...».

وقد صدر عن المؤتمر بيان سياسي تضمن موقف الحزب من قضية الصحراء وقد جاء فيه ما يلي:

«يؤكد المؤتمر الرفض البات لأي مؤامرة من شانها أن تبقي على تفتيت التراب الوطني، ويحيي المؤتمر جنود وضباط القوات المسلحة الملكية في استماتتهم في الدفاع عن حوزة التراب الوطني.

- يطالب بفتح ملف الصحراء الشرقية التي فوتت للجزائر من لدن الاستعمار الفرنسي.

- يحذر من كل تساهل من السلطات الجزائرية في شأن الاقتطاعات الجارية بدون انقطاع من التخوم المغربية الجزائرية.

- باستعادة سبتة ومليلية والجزر المتوسطية وحماية المواطنين المغاربة في هذه الأراضي الخاضعة للاستعمار الاسباني.

- يحذر الشعب الاسباني من مغبة النزعة الاستعمارية النابعة من عقد انتقامية دفينة تحدد عناصر من اليسار واليمين معا في اسبانيا تؤدي إلى خلق عداء نحو المغرب قصد بقاء اقتطاع سبتة ومليلية ومحاولة التراجع عن اتفاقية مدريد بتاريخ 14/11/1975.

- يندد بالدور المشين الذي يقوم به النظام الجزائري في منطقة المغرب العربي حيث انه يتسبب لأغراض توسعية في استنزاف المغرب وموريتانيا حتى لا يتمكنا من تسخير إمكانيتهما للانطلاق الاقتصادي، ومن جهة يجعل من نفسه أداة لخلق صدام تمزيقي في المنطقة يؤدي إلى انشغال عرب المغرب عن قضية فلسطين وباقي القضايا التحررية...».

تقدم أدبيات حزب الاستقلال برهانا على موقف «مغربي» تغلب فيه اتجاهات «القطرية» على الاتجاهات «الوحدوية» رغم الحرص «النظري»، إذ في سياسة التصلب حول قضايا الحدود والتمسك الدائم بمشروع المغرب الكبير تظهر القضايا العالقة هامشية وثانوية لا تصل إلى مرتبة الأهمية لا لحظة احتكاكها بالمشروع «الاستقلالي». لا تخفي كتابات علال الفاسي من «صحراء المغرب» إلى «دفاعا عن وحدة البلاد» و«كي لا ننسى» وصولا إلى مقالات صحف الحزب مرورا بالمنشورات «الجغرافية» -هذه الإيديولوجية المغربية، وبالتالي فان موقف الحزب من قضية الصحراء الغربية يدخل في صلب السياسة المذكورة ويشكل إحدى محطاتها المركزية.

وكونها كذلك، فانها –أي سياسة الحزب- ستتعارض مباشرة وبوضوح مع الإستراتيجية الجيو-سياسة لجزائر ما بعد الثورة، فتندرج في مواقفها الصحراوية ضرورة استرجاع المناطق الشرقية التي أدخلتها فرنسا إلى الوطن الجزائري. وبهذا المعنى فإن التعاطي مع المشكلة الصحراوية يتجاوز حجمها «الصحراوي»، شاملا كافة الخلافات التي أدت إلى تعميق أزمة القوميات المذكورة. وتبعا لذلك، فإن سياسة الحزب تتمركز في خندق معارض للجزائر، والتعامل الراهن معها إنما يتم على قاعدة هذا التعارض التاريخي: المغرب الكبير في مواجهة الأمة الجزائرية.

تضمنت الأدبيات المذكورة آنفا هذه الحقيقة وعبرت عنها أكثر من مرة وان بأشكال متفاوتة، تارة برفض الأطراف المعنية، وتارة أخرى برفض منطق التقسيم، وسواء تنازل الحزب عن بعض المواقف (الموقف من موريتانيا، الموقف من تقسيم الصحراء، الموقف من الاستغلال المشترك...) عمليا، وتمسك بها نظريا، فان سيرورة المنطق «الاستقلالي» لا يمكن أن تكون إلاّ في مواجهة الجزائر. والسياسة الصحراوية للحزب لا يمكن أن تخرج من دائرة الصراع حول الحدود. لذلك ومنذ انفجرت قضية الصحراء عام 1974 فإن المضمون الفعلي لإستراتيجية الحزب يتمحور حول مبدأين: وحدة التراب الوطني المغربي كما يحددها (المغرب الكبير)، ومواجهة إستراتيجية الجزائر في المنطقة التي يرى فيها الحزب المذكور خطرا على هذه الوحدة.

ضمن هذا السياق نفهم لماذا ألقت الجزائر ظلالها على المؤتمر العاشر لحزب الاستقلال، ولماذا تتعامل أدبيات الحزب مع «الشعب الصحراوي» بوصفه اختراعا جزائريا. ولماذا تحتل الجزائر المرتبة الأولى في توجهات الحزب الوطنية. فالسياسة الراهنة لحزب الاستقلال تعتبر المشكلة القائمة حاليا في المغرب العربي ناتجة عن عاملين: عامل الحدود المغربية-الجزائرية، وعامل الصراع على الهيمنة في شمال افريقيا خاصة وافريقيا بشكل عام.

تقدم قيادة الحزب وجهة نظر متكاملة حول هذين العاملين، دون أن تتمكن من طرح الحلول العملية لتجاوز الإشكالات المحيطة بهما. من ناحية العامل الأول تعتبر وجهة النظر الاستقلالية أن الجزائر تعمل دائما على تقليص الحدود المغربية لصالحها، وذلك منذ سنوات الحماية وما بعدها، مشيرة إلى أن العلاقات الجمركية التي كانت سائدة في منطقة الحدود الشرقية من ناحية تندوف كانت تابعة للمغرب وإداراتها في إقليم أغادير. وان انفجار الصراع المغربي-الجزائري بعد الاستقلال ناتج عن تمسك الجزائر بتندوف. كما أن عدم تجاوز هذا الخلاف أدى إلى توتر دائم في العلاقات والى ارتباط الصراع المذكور بكافة المشاكل الأخرى. وهذا ما يفسر برأي الحزب أسباب طرح قضية تندوف في المحادثات الثلاثية بين المغرب والجزائر وموريتانيا حول تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. وحسب ما قاله لنا أمين عام حزب الاستقلال فإن الجزائر كانت توافق باستمرار وفي كل المحادثات على مغربية الصحراء مقابل توطيد الوجود الجزائري في المناطق المغربية التي لم تتم معالجتها النهائية بين البلدين وخاصة مناطق الصحراء الشرقية (تندوف، كولمب بشار، تيدلكيت...).

بمعنى أكثر وضوحا، يفهم الأمين العام للحزب سياسة الجزائر على أساس معادلة جيو-سياسة: مغربية الصحراء مقابل جزائرية تندوف. (15).

من ناحية العامل الثاني نعتبر وجهة النظر المذكورة أن مواقف الجزائر «الصحراوية» ليست سوى انعكاس مباشر لإستراتيجية الجزائر الافريقية التي تستهدف مباشرة إضعاف الحكم المغربي الذي «يعرقل سياسة النفوذ الجزائري ويحدّ منها على كافة المستويات» وعلى قاعدة هذه الإستراتيجية تفسر سياسة الحزب الأسباب الكامنة وراء الموقف الجزائري السلبي من وحدة المغرب العربي، ووراء معارضة الحكومة الجزائرية للمشاريع التونسية-المغربية-الاقتصادية منذ 1965 رغم الموافقة العلنية والاتفاقيات المبدئية.

كما أن التغيير الحاصل في سياسة الجزائر لا يعني تغيرا في «مبادئ» هذه الإستراتيجية، وإنما تعديلا في التكتيك بعد اختلال ميزان القوى لصالح المغرب أي لصالح مغربية الصحراء، دون المرور بتنازلات للجزائر. ويكمن سر الانتقال من «قمع» الصحراويين المطالبين بتحرير الصحراء بواسطة السلاح إلى دعم مشروط لمغربية الصحراء وصولا إلى المطالبة بإقامة دولة مستقلة للشعب الصحراوي، في انحسار الإستراتيجية الجزائرية في شمال افريقيا خلال عامي 1974-1975... (16) أما الحلّ، فإن حزب الاستقلال يرمي «كرته» في ملعب جزائر ما بعد بومدين، ويضع شرطا لا تراجع عنه: مغربية الصحراء الغربية.

موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

إذا كان حزب الاستقلال قد خرج من رحم المواجهة الوطنية، فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خرج من رحم الأزمة التي وصلت إليها هذه المواجهة في أواخر الخمسينات.

فالتيارات التي ذكرناها آنفا كانت إحدى أشكال تجلي الأزمة، والانقسام الذي أصاب حزب الاستقلال عكس إحدى المحاولات التي حلمت بتجاوز الأزمة نفسها، أو على الأقل بتعديل ميزان القوى الذي مال بسرعة لمصلحة المعتدلين بعد هزيمة جيش التحرير في الجنوب. احتلت المسألة الوطنية المرتبة الأولى في اهتمامات الاتحاد الوطني طيلة العامين الأولين لتأسيسه، وقد برزت من خلال مواقف متعددة تبدأ بالخلاف داخل حزب الاستقلال، وتمر بالصحراء الغربية وخلافات الحدود وصولا إلى موضوع وحدة المغرب العربي. ان مراجعة بعض المواقف التي أعلنها المهدي بن بركة يمكن أن توضح الجوانب السياسية في تعاطي الاتحاد مع المسألة الوطنية.

أولا- أوضح المهدي بن بركة في كتابه «الاختيار الثوري» أسباب نشأة الاتحاد الوطني التي «ظهرت في تجميد جيش التحرير المغربي بالصحراء ونزع سلاحه، هذا الجيش الذي ظل يحمي ومنذ سنة 1956 الواجهة الجنوبية الغربية للشعب الجزائري المناضل... وكان من اللازم انتظار يوم 25 يناير 1959 لتنتفض القاعدة الشعبية للحركة الوطنية وتدين عجز وفشل القيادة التقليدية لحزب الاستقلال وتعلن يوم 6 أيلول/سبتمبر تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حتى تصبح إمكانية تعبئة حقيقة للشعب المغربي ممكنة كامتداد لحركة التحرير الشعبية... وساعدت قضية التناقضات الطبقية على توضيح معالم الصراع السياسي في المغرب. ومنذ ذلك الحين أصبح حزبنا، الناطق باسم الطبقات الكادحة والمواصل لحركة التحرير الشعبية، عرضة لسلسلة من حملات القمع والاعتقالات والتعليب والمحاكمات والاغتيالات...».

ثانيا: واجه الاتحاد في بداية انطلاقة أربع مسائل متشابكة ومعقدة عجز عن معالجتها بشكل فعّال. فمن ناحية أولى كانت هناك مسألة العلاقة بين جيش التحرير والقصر من جهة وعلاقة الاتحاد الوطني بحزب الاستقلال من جهة ثانية. وبينما كان القصر يخوض معركة دبلوماسية مع اسبانيا لاسترجاع الطرفايا وع فرنسا لإجهاض انفصال موريتانيا، وبينما كانت أجهزة حزب الاستقلال تنادي بمغربية الساقية الحمراء ووادي وموريتانيا وتندوف رافضة التنازلات الترابية، كان الاتحاد الوطني بشكله الجنيني، يخوض أولى معاركه. لذلك، وفور الانشقاق، دخل الاتحاد في سياسة معارضة تطال الموقف من الصحراء الغربية وموريتانيا والحدود المغربية-الجزائرية –فأعلن مواقف كان يصعب عليه مباشرتها ميدانيا وواجه تحالف حزب الاستقلال- القصر الذي قرّر إجهاض هذه المعارضة وخنقها في المهد.

ومن ناحية ثانية، كان على الاتحاد تحقيق شعار استكمال حرب التحرير في الجنوب، كرد مباشر على «تراجع » التحالف المذكور. فطرح بذلك على نفسه مهمة استمرار الحرب في فترة اختلال ميزان القوى لصالح قوى «المفاوضات». ومن ناحية ثالثة، كان على الاتحاد واجب تحديد موقف من موريتانيا بعد إعلان المشروع الفرنسي. فأدخل نفسه في مأزق حاد احتار فيه بين رفض قيام دولة موريتانيا بسبب كونها جزءا من المغرب يطالب القصر وحزب الاستقلال بعودتها إلى حظيرة الوطن، وبين القبول بواقع التجزئة لأن سياسة المطالبة الرسمية بمغربية موريتانيا مشكوك بنواياها أو لأن قيام موريتانيا يستجيب لرغبة شعبية. ومن ناحية رابعة، دخل الاتحاد مرحلة الحسم في خلافات الحدود المغربية-الجزائرية وهو في بداية عمله وبعض مؤسسيه كانوا من المفوضين المغاربة مع الحكومة الجزائرية المؤقتة، مما أدخل الاتحاد في مأزق مشابه:

لا يقدر من جهة على التمسك بمغربية تندوف حتى لا يفتح صراعا مع الجزائر في فترة كانت ثورتها تجتاز فيها أصعب مراحلها ولا يقدر على التنازل عن «التراب الوطني المغربي» لأن في ذلك تناقضا مع المبادئ الوطنية التي يؤمن بها الاتحاد، من جهة ثانية.

حول الصحراء، سعى المهدي بن بركة إلى طرح معادلة تتجاوز المأزق «المغربي» وترد في نفس الوقت على «تخاذل» حلفاء الأمس. فأعلن موقفين:

1-«إن مسألة الصحراء يجب أن تطرح بعد تنسيق الأوضاع السياسية المتحكمة في البلدان الثلاثة. وما دامت الجزائر لم تستقل، لا يمكن بناء شيء ثابت، فإذا تم هذا الشرط يمكن أن يُبنى برنامج عام للتنمية (17) وبذلك يربط بين الصحراء وتندوف واستقلال الجزائر بدون تميز «صحراوي» عارضا حلا مؤجلاّ.

2-«إن عملية الاكتساح والهجوم التي تمارس ضد جماهير الصحراء تفرض تقوية صفوفنا وإرادتنا من اجل فرض إخلاء كل القواعد العسكرية الأجنبية، ودعم نضال الجماهير الصحراوية بكيفية خاصة من أجل حريتهم ومن اجل تقرير مصيرهم»(18). أي غياب منطق القيادة «المغربية» لتحرير أقاليم الجنوب وبروز علاقة جدلية بين تحرير الصحراء الغربية من الاستعمار الاسباني وتحرير المغرب المستقل من القواعد الأجنبية، بحيث تكون الأولى مهمة الصحراويين والثانية مهمة المغاربة.

حول موريتانيا، أعلن الاتحاد موقفا مشابها للموقف من الصحراء، إذ يعلن المهدي بن بركة تأييده لتقرير المصير الموريتاني، ويطالب بتجاوز المشكلة بتحديد انتماء مغربي-عربي لموريتانيا. فيضع «أزمة» موريتانيا ضمن أزمة أخرى تطال جلاء القوات الأجنبية والديمقراطية والإصلاحات الداخلية وطريقة تعاطي القصر مع المسألة الوطنية.

وبهذا الصدد قال المهدي بن بركة «ان إظهار قضية موريتانيا كقضية إلحاق يتعارض مع تيار التحرير في إفريقيا، وفي الوقت الذي جرد فيه جيش تحرير موريتانيا من سلاحه فإن موقف الاتحاد الوطني من هذه القضية يتلخص في كلمتين: حرية تقرير المصير، الانتماء إلى المغرب العربي»(19).

حول خلاف الحدود مع الجزائر، حرص الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، على لسان المهدي بن بركة، على تجاوز التناقض المطروح بشكل لا يهدد الثورة الجزائرية ولا يعمق التباعد بين شعوب المنطقة. وفي كتابه المذكور اعتبر تصفية جيش تحرير الجنوب مؤامرة على الثورة الجزائرية. رغم موقفه القائل بمغربية منطقة النزاع أثناء مفاوضات 1958 فإنه أدان الصراع وطالب بإتباع سياسة الاستغلال المشترك والتنسيق ضمن مخطط بناء وحدة المغرب العربي، الوحيدة التي تكفل إغلاق ملف الحدود بشكل نهائي.

وضعت هذه المسائل الاتحاد الوطني أمام مواجهات معقدة ومهمات كبيرة كان يقف حيالها بتعارض مبدئي مع حزب الاستقلال، دون مقدرة على خوض مواجهة واحدة وذلك لعدة أسباب. فقد ارتبط التمسك بمغربية الصحراء واستمرار شعار تحريرها وتوحيدها مع باقي المغرب بمواقف متباينة تتحدث تارة عن تخاذل المغرب الرسمي وتارة أخرى عن استكمال مهمة التحرير الكامل، وأخيرا حصر المهمة بالصحراويين تحت شعار تقرير المصير. كما بدأ الانقطاع التدريجي عن الصحراء الغربية بشكل عملي (انقطاع العلاقات السياسية والتنظيمية بين الاتحاد وسكان الصحراء ومقاتلي جيش التحرير في الجنوب) ولم يعد بناء على أساس استكمال حرب التحرير الوطنية. وذلك ناتج عن عاملين:

الأول، هو تصفية جيش التحرير في الجنوب وتغير ميزان القوى لصالح القصر وحزب الاستقلال داخليا، ولصالح فرنسا واسبانيا في المناطق المحتلة.

الثاني، وهو تحول سياسة الاتحاد من النضال الوطني المباشر إلى النضال المطلبي، فغلب الاهتمام بالمشاكل الداخلية اقتصاديا وثقافيا، على قضية الصحراء مما وضعها في مرتبة ثانوية، رافق ذلك خوض الاتحاد لمعركة وجوده بمواجهة سياسة الإجهاض الرسمية التي طالت معظم كوادره، فغرق في معركته ووضع الصحراء في «أرشيف» الاتحاد وأغلق عليها الباب طيلة الستينات.

أسفرت سنوات الستينات الأولى عن تصاعد المواجهة الداخلية التي أدت بدورها إلى نتيجتين:

الأولى، تمثلت بنفي عدد كبير من قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الخارج وباضطرار العدد الآخر إلى تغيير تكتيك المرحلة.

الثانية، أخذت شكل تهميش المسألة الوطنية والتفرغ للأزمة الداخلية التي وصلت إلى ذروتها في انتفاضة 23 آذار/مارس 1965 وبالتالي، فقد ترافقت حالات الركود «صحراويا» مع ارتداد الاتحاد نحو ذاته وانشغاله بإعادة ترتيب صفوفه ومراجعة خطواته بشكل يكفل له مواجهة مع «القصر» بخسائر أقل.

بديهي أن يؤدي الارتداد نحو الداخل التنظيمي إلى بروز خلافات الاتحاديين فيما بينهم، وإلى بداية المحاور: التنظيم النقابي بقيادة عبد الـله إبراهيم والمحجوب بن صديق (محور الدار البيضاء)، جماعة الاختيار الثوري بقيادة محمد البصري (محور المنفى)، التنظيم السياسي بقيادة عبد الرحيم بوعبيد (محور الرباط). فامتزجت هموم الاتحاد الداخلية بهموم الوطن السياسية وبدأت عملية تأثير متبادل عكست نفسها على سياسة الاتحاد وشعاراته في مطلع السبعينات، وقبل حدوث الانشقاق الحزبي بشكل خاص.

أدت تطورات المواجهة الداخلية إلى تقارب مع حزب الاستقلال، فأقيمت «الكتلة الوطنية» عام 1970 بين الاتحاد الوطني وحزب الاستقلال، ومن خلال العمل الجبهوي، كان الاتحاد يصدر بياناته حول الصحراء الغربية، والتي أشرنا إليها آنفا في معرض تناولنا لموقف حزب الاستقلال. وعندما طرحت القضية بحدة داخل الأمم المتحدة وبين حكومات المنطقة وارتفع صوت «المصير» من مقررات مؤتمرات القمة الثلاثية، سارع الاتحاد ليرد رافضا مبدأ تقرير المصير، رابطا بين النضال الوطني في عموم المغرب وعملية تحرير الصحراء. فقد أعلن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، على لسان عضو مكتبه السياسي عبد الـله إبراهيم، هذا الموقف معتبرا انه «لأول مرة في تاريخ الاستعمار، ولأول مرة في تاريخ الشعوب، يقف وفد ليعطي في هيئة الأمم المتحدة صبغة المشروعية للاستعمار، وذلك بقبول حق تقرير المصير بين أن تبقى هذه الأجزاء المحتلة من قبل الاستعمار الاسباني تحت الاستعمار أم تنضم إلى المغرب. وهذا المنزلق هو حجة على أن الذين يتحدثون باسم الشعب المغربي لا يشعرون بعواطفه ولا حتى بالمبادئ التي تحرك الآن حركات الشعوب التي تناهض الاستعمار والرأسمالية....» وفق هذا السياق تغدو عملية «تحرير الصحراء المغربية التي يحتلها الاستعمار الاسباني قضية وطنية يجب أن تجند الجماهير الشعبية من أجلها باستعجال وأن قضية الصحراء لا تنفصل عن واجب تحرير سبتة ومليلية... إن الشعب الذي يحرر الصحراء هو الذي سيحرر نفسه أولا من العبودية. فإذن عندما نضع مشكلة وطنية مضبوطة كمشكلة الصحراء يجب أن لا ننسى أن تحرير الصحراء لا يقع فقط في الخطوط الأمامية في الصحراء نفسها، ولكنه يقع في كامل الرقعة المغربية في الرباط ومراكش وفاس وجميع النواحي...» (20).

إن عدم تحديد أولوية المهام المطروحة وأمامية خط التحرك الوطني وضع الموقف من قضية استرجاع الصحراء أو تحريرها وسط مواقف أخرى أكثر تعقيدا، فتم الاهتمام بهذه الأخيرة على حساب الصحراء. انسجم ذلك مع تزايد الخلافات الداخلية التي أخذت طابعا سياسيا يدفع فريقا نحو «تهذيب» سياسي مع القصر، ويدفع فريقا آخر نحو «تلطيف» المسألة الداخلية لتهيئة الأجواء المناسبة لتحرك رسمي-حزبي باتجاه الصحراء «مغربيا».

ففي 30 تموز/يوليو ظهر الخلاف الحزبي علنا، بعد فشل المحاولات الحثيثة لإيجاد أرضية اتفاق حول تنظيم الاتحاد والتحضير لمؤتمر عام تعاد عن طريقه صياغة القانون الداخلي وانتخاب قيادة جديدة وبدون أن يؤثر إعلان الخلاف على الموقف الاتحادي في المسألة الوطنية (بمعنى مغربية الصحراء ووحدة التراب الوطني) فإن أمورا أخرى ستتطور وتؤدي إلى تغير نسبي في السياسة المذكورة.

بينما كان فرع الدار البيضاء بقيادة عبد الـله إبراهيم والمحجوب بن صديق يفتح طريقا نحو القصر، وينقّح شعارات التنظيم النقابي فاصلا بين مشاكل الداخل ووحدة الشعب مع القصر لاسترجاع الأقاليم المحتلة، كان فرع الرباط بقيادة عبد الرحيم بوعبيد يسعى لإبقاء صلة بين شعارات المواجهة الداخلية وشعارات التحرير الوطني مع فسح المجال أمام تطويع الشعارات الأولى لحساب الثانية. فيتراجع عبد الـله إبراهيم عن الموقف السابق محددا الفصل السياسي الآنف الذكر بقوله أنه «يقتضي أن نجعل من تحرير المجتمع المغربي شرطا مسبقا، وأن لا نرى في أي مشروع آخر على المستوى الوطني إلا مناورة لصرف الأنظار، وطبخة مهيأة أساسيا لاستهلاك الداخلي...» (21) ويواجه عبد الرحيم بوعبيد سياسة السيطرة والاستغلال التي بدأتها الدول الأوروبية في الصحراء بنفس «مغربي» لا يرى في هذه السياسة سوى عملية تهديد للاقتصاد الوطني.

قدّم هذا التمايز، بين لغتي القيادة الاتحادية، صيغة مزدوجة لا تسمح بالحديث عن موقف موحد من قضية الصحراء الغربية، رغم تمسك الطرفين بمغربيتها. فقد كان كل منهما يصدر مواقفه باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إضافة إلى أن تمسك الجهاز النقابي المتمركز في الدار البيضاء بالاسم الأصلي للحزب كان يرغم الجهاز السياسي المتحصن في الرباط إما على الردّ بمواقف موقّعة باسم الحزب نفسه وإما بالبحث عن اسم جديد. ساهمت حملات القمع عام 1973، التي اعتقل فيها حوالي 8 آلاف اتحادي في بلورة الاتجاهات: انحصار التناقض بين القصر وفرع الرباط، وتمتع فرع الدار البيضاء برضى الحكم. مما حرم الثاني من «القمع» ودفع الأول نحو حل جدي لازدواجية الاسم، فتقرّر اللجنة المركزية عام 1974 اختيار اسم «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» بديلا عن الاسم المتداول، ولم تعلنه إلا أثناء انعقاد المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد عام 1975.

تبعا لذلك، فإننا إذ نعتبر موقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منسجما مع مقولة «المغرب الكبير» الاستقلالية، ومتصلبا تجاه مغربية الصحراء، وذلك رغم وجود الخلافات الداخلية، فإننا أيضا يهمنا تقديم ملاحظتين. تتعلق الأولى بالممارسة الفعلية لتحرير الصحراء والتي كانت شبه معدومة. فلم تبذل قيادة الاتحاد أي جهد لبناء تنظيم ما في الصحراء، ولم تفتح أي خط مع سكان الإقليم المحتل، مما وضع المسألة الوطنية في حدود الشعارات وعمق الهوّة بين مغاربة الصحراء ومغاربة الشمال. وتشير الثانية إلى اعتبار أن سياسة الاتحاد الاشتراكي الحالية لا تتناقض من الناحية المبدئية مع سياسة الاتحاد الوطني، وبالتالي فإن تاريخ موقف الاتحاد الحالي من الصحراء لا يجب أن يبدأ من لحظة إعلان الاسم الجديد. لذلك فان سياسة الستينات هي تحديدا سياسة الاتحاد الحالي ولا داعي لفصل تاريخي بين تجربتين تبرّر الواحدة الأخرى. إننا نؤكد على كون السياسة الحالية للاتحاد ليست سوى استمرار منطقي للسياسة الماضية، وان دونية القرار الاتحادي بالنسبة لقضية الصحراء بالمقارنة مع قرار القصر، إنما تعود إلى النتائج السلبية لغياب الممارسة التحريرية المطلوبة (22).

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فقد نسج سياسته «الصحراوية» على أساس المطالبة بوحدة التراب الوطني وبالسير الدائم نحو القصر طالما سياسة هذا الأخير متمسكة بوحدة التراب ومواجهة لمشروع إقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية. وفي نفس الوقت، دعم موقف «المغرب» التاريخي ضد سياسة الجزائر. فيندرج بالتالي الموقف من الصحراء الغربية مع توافق داخلي وتصعيد المعارضة الشعبية ضد الجزائر والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. وقد عبرت هذه السياسة عن نفسها أكثر من مرة:

في شهر أيار/مايو من عام 1974 زار عبد الرحيم بوعبيد الملك وعرض عليه وجهة نظر الاتحاد حول القضية معتبرا أنها قضية وحدة وطنية، وقدم اقتراحا للملك يطالب باستئناف أعمال جيش التحرير وبدء الحرب ضد الاسبان داخل الأقاليم المحتلة، وتحضير البلاد لتحرير الصحراء، مشترطا المزيد من الديمقراطية من اجل تحقيق الوحدة الوطنية.

كما اقترح القيام بجولة رسمية باسم الحكومة لعدد من الدول وذلك لتوضيح موقف المغرب من القضية. وفي الكتاب الصادر عن المؤتمر الاستثنائي عام 1975 (الطبعة الثانية، صفحة 224) يشرح الاتحاد دوافع هذه التحركات على أساس أن «المسألة كانت تكتسي صيغة الاستعجال، وذلك أن الاستعمار الاسباني الذي تمكن سنين طويلة من المناورات والوعود الكاذبة والملفقة والتواطؤ كان يستعد بأن يجعل هيئة الأمم المتحدة في سنة 1974 تزكي المهزلة التي كانت ترمي إلى إحداث كيان صوري في وادي الذهب والساقية الحمراء، وإلى اقتطاع إقليمين كانا دائما يعتبران جزءا لا يتجزأ من بلادنا. فالغاية من البعثات الدبلوماسية إلى رؤساء دول الأقطار العربية والافريقية والآسيوية والأوروبية هي:

1-توضيح موقفنا، وفضح مناورة اسبانيا التي تحت ذريعة تطبيق مبدأ تقرير المصير، كانت ترمي في الواقع إلى إعطاء طابع الدوام والاستمرار لسيطرتها الاستعمارية على مناطق تعتبر جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني.

2-جعل جميع الدول تدرك بأن بلادنا لن تقبل الخضوع إلى الأمر الواقع، وبأنها أكثر من أي وقت مضى عازمة على استعمال جميع الوسائل لتحرير الإقليمين الصحراوين من السيطرة الاسبانية...».

- أعقب هذه الجولة تقديم مذكرة ثانية إلى الملك الحسن الثاني تطالبه بعدم الاكتفاء بالدبلوماسية وبضرورة الاستعداد للمواجهة العسكرية مع اسبانيا في الصحراء. أما طريقة التحرير فأنها تتم بواسطة المغاربة والصحراويين من خلال إعادة تنظيم جيش التحرير، وتنظيم وحدات مسلحة متحركة داخل الصحراء. وفي هذا الاقتراح لا يمانع الاتحاد الاشتراكي في أن يكون هذا العمل المسلح بإشراف النظام، ويأخذ صيغة جيش التحرير وتكون قيادته مؤلفة من ضباط القوات المسلحة الملكية...

- رغم أن عبد الرحيم بوعبيد، اعترف في لقائنا معه أن الملك وضع الاقتراحات على الرف فأن الاتحاد لم يقم بأية عملية استعداد ذاتي من اجل التحرير واكتفى بالدعم السياسي والإعلامي للموقف الرسمي وبإرسال تحيات بالتأييد للمناضلين الصحراويين: «... إن مؤتمرنا بجميع أعضائه يبعث تحيته الأخوية إلى المجاهدين الصحراويين الذين يتصدون لقوات الاحتلال الاسبانية بشجاعة مثالية، كما أن يحيي بنفس الحرارة الجيوش المغربية للقوات المسلحة الملكية التي بعدما قامت بواجبها بجانب أشقائنا السوريين والمصريين على جبهتي الشرق الأوسط، تنظر القيام بواجبها من أجل تحرير أقاليمنا المغتصبة...»(22)

- بتاريخ 8 تشرين أول/أكتوبر 1974 أصدرت اللجنة المركزية للاتحاد بيانا حول الصحراء تضمن ثلاث نقاط رئيسية:

«1- القيام بحملة توعية واسعة في صفوف الجماهير الشعبية قصد توضيح الخطر الذي يمثله الاحتلال الاسباني للصحراء وسبتة ومليلية والجزر الجعفرية وتجنيد الشعب المغربي من اجل تحريرها.

2- مطالبة الحكومة المغربية بتحديد موقف واضح من أراضينا المحتلة والدفاع عنه في المحافل الدولية في إطار عملية محكمة.

3- الاستعداد لخوض معركة التحرير بالوسائل التي سبق للاستعمار الفرنسي والاسباني أن عرفها وخبرها على يد جيش التحرير المغربي في الجنوب...

- في المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي انعقد في الدار البيضاء أيام 10-12 كانون الثاني /يناير 1975، حدد الاتحاد موقفه من القضية على الوجه التالي:

«يسجل –أي المؤتمر- الانتصار الدبلوماسي الذي حققه المغرب في هذه المرحلة الأولى لمعركته ضد الاستعمار، وذلك بإحباطه لمساعي الدولة المغتصبة وعزلها في المنتظم الدولي.

يسجل بارتياح الموقف المتسم بروح المسؤولية الذي اتخذته موريتانيا، الدولة الافريقية الشقيقة والذي لم يترك سبيلا للاستعمار الاسباني للاستمرار في مناوراته الرامية إلى خلق خلافات جانبية بين الأشقاء وصدهم عن طريق التحرر من السيطرة الأجنبية.

يعبر عن ارتياحه العميق لتضامن الدول الشقيقة والصديقة خصوصا منها الأقطار العربية والافريقية مع الكفاح المشروع الذي يخوضه الشعب المغربي لاستكمال وحدة ترابه...

يحيي باعتزاز الكفاح البطولي الذي يخوضه المجاهدون الصحراوين ضد قوات الاحتلال ويلح على ضرورة إعطاء الأولوية في المشروعات الإنمائية للأقاليم المتاخمة للصحراء المغربية وذلك لإفشال الحملات التضليلية التي تقوم بها أجهزة الدعاية الاستعمارية والرامية إلى تشجيع دعاة الانفصال ومن يحميهم وجعل إخواننا في الصحراء يقتنعون بعدم جدواها ويرفضون أي شكل من أشكال التعاون مع المحتل....»(24).

- بين المؤتمر الاستثنائي عام 1975 والمؤتمر الثالث عام 1978 نشطت قيادة الحزب ووسائل إعلامه في الدفاع عن موقف المغرب. فقامت بتحركات شعبية في معظم المدن المغربية ولعبت دورا كبيرا في قيام الإجماع الوطني الداخلي، وأصدرت عدة منشورات خاصة بموضوع الصحراء، وصحيفة المحرر التي تصدر باسم الاتحاد كانت تخصص صفحاتها للموضوع. وخلال هذه الفترة كانت سياسة الاتحاد موافقة على معظم الخطوات التي جرت بين الأطراف المعنية حول إنهاء الاحتلال الاسباني: المسيرة الخضراء، تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا، اتفاقية مدريد الثلاثية، الاستغلال المشترك،ة تخطيط الحدود...

- بعد توقيع الاتفاق الثلاثي وبروز المعارضة الجزائرية أصبحت سياسة الاتحاد مواجهة للسياسة الجزائرية التي كانت تعتبرها أساس كل المشاكل، ولا تخفي دعوتها لمحاربة الجزائر والحد من سياستها المعادية لوحدة التراب الوطني في المغرب. مما أدخل سياسة الاتحاد في إستراتيجية الصراع المغربي-الجزائري، وبدأت تحركات الاتحاد الاشتراكي منذ 1976 تنحصر في الرد والتحريض على السياسة الجزائرية وخاصة في كل ما يتعلق بالصحراء المسترجعة، وبالوضع العام في المغبر العربي.

- ففي المؤتمر الثالث الذي انعقد في الدار البيضاء أيام 8 و9 و10 كانون أول/ديسمبر، صدر عن الاتحاد الاشتراكي مواقف معادية للسياسة الجزائرية وذلك في البيان السياسي العام الذي يعتبر من المهمات المستعجلة والخطوات الضرورية «... جعل حد حاسم لحرب الاستنزاف التي تشنّ على بلادنا جنوبا بإصدار الأوامر إلى قواتنا المسلحة الملكية لتعقب كل معتد على مركز وقواعد انطلاقه، وفي ذات الوقت الدخول مع القطر الجزائري الشقيق في حوار جدي ومسؤول على المستويين الرسمي والشعبي قصد حلّ المشاكل المعلقة بين البلدين في أفق بناء مغرب عربي موحد وتوفير الشروط الضرورية لعودة المهاجرين والمحتجزين من سكان صحرائنا المسترجعة خارج حدودنا وفتح إمكانيات العمل أمامهم داخل الوطن المغربي الواحد للمساهمة مع الجماهير الشعبية المغربية ومنظماتها السياسية والنقابية ومؤسساتها الحكومية في إرساء أسس الدولة الوطنية الديمقراطية التي يجب أن تراعي فيها الخصوصيات الجغرافية والديمقراطية والاقتصادية التي قد تفرض الأخذ بنوع من اللامركزية في أقاليمنا الصحراوية بشكل يمكن سكان هذه الأقاليم من الاستفادة قبل غيرهم من ثرواتنا وخيراتها في إطار اقتصاد وطني واحد ومتكامل» (تقرير البيان السياسي العام، صفحة 16).

- وكان عبد الرحيم بوعبيد قد تناول الموضوع في التقرير العام الذي ألقاه باسم المكتب السياسي للاتحاد في افتتاح المؤتمر تحت عنوان «من أجل إستراتيجية شاملة لتحرير الأراضي المغتصبة» حيث يقول في الصفحة 51:

«... وإذا كان المغرب ما يزال لم يستكمل وحدة ترابه وما يزال يعاني من «مشكل الصحراء» وطنيا ودوليا، اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، فذلك راجع إلى أن المسؤولين في بلادنا قد اعرضوا وما يزالون يعرضون لحد الساعة، عن سلوك إستراتيجية التحرير، العامة الشاملة، التي اقترحها حزبنا ويواصل الدفاع عنها، إستراتيجية دفع الهجوم بما يقابله في كافة المجالات السياسية والدبلوماسية والعسكرية...» بمعنى آخر، يطالب عبد الرحيم بوعبيد، رغم حرصه على «الحوار الجدّي» بمواجهة عسكرية مع الجزائر والبوليزاريو كوسيلة رئيسية لتثبيت شرعية المغرب، خاصة وان أهداف الجزائر من هذه السياسة هي «ضمان السيطرة الأبدية على الأراضي المغربية التي سبق للإدارة الفرنسية أن ضمتها إلى الجزائر، وفي مقدمتها منطقة تندوف. ومن جهة ثانية يريدون فتح متنفس لهم على المحيط الأطلسي حتى يتمكنوا من استغلال خيرات هذه الأراضي والاستثمار بالاستفادة منها...»(25) بحيث يعيد طرح موضع مغربية تندوف وإستراتيجية الجزائر في شمال-غرب افريقيا كرد دفاعي.

- وفي كتيب خاص صدر عن الشبيبة الاتحادية بعنوان «من أجل سلم عادل ودائم في المغرب العربي» يظهر بوضوح موقف الاتحاد من السياسة الجزائرية وطريق مواجهتها، حيث يذكر الكتاب في الصفحة الرابعة «أن الشعب المغربي قاطبة الذي عبّر عن رغبة جماعية للدفاع عن وحدته الترابية لا يمكن أن يصبر طويلا على هذه الاعتداءات المتكررة على ترابه لذلك فإن خطر اندلاع حرب بين المغرب والجزائر لم يعد اليوم مجرد احتمال بل أصبح واقعا راهنا...» وفي الصفحة 20 يذكر «... وأمام هذه الظروف الصعبة، ورغم طبيعة الحكم، ووجود مئات من مناضلينا في السجون، أعلن الاتحاد الاشتراكي التعبئة من أجل إحباط مخططات الامبرياليين التي تعتبر الجزائر أداتها الحالية». وفي الصفحة 21 على أن «الجزائر تعدّ اليوم أول دولة افريقية من حيث حجم المبادلات التجارية مع أمريكا! وطبعا فإن الاتفاق السياسي الضمني الناتج عما سبق هو أن تقوم الجزائر بدور امبريالي في الدرجة الثانية على مستوى العالم الثالث وخاصة في افريقيا...».

ولما كانت سياسة الاتحاد الاشتراكي متفرغة بشكل ملحوظ لمواجهة السياسية الجزائرية، تعمدنا طرح الموضوع مع عبد الرحيم بوعبيد في لقاءنا معه في الجزائر يوم 10 كانون الثاني/يناير 1979، وذلك لمعرفة موقف الاتحاد الاشتراكي من الحل لإنهاء الخلاف مع الجزائر.

في هذا اللقاء كان واضحا أن بوعبيد يفضل الحل العسكري، وهو يقترح تشكيل منظمة عسكرية مضادة لجبهة البوليزاريو، هدفها تحريك الوضع وإزعاج الجزائر وخاصة في منطقة تندوف وذلك بهدف إنهاء ما يسمى باستمرارية المشكلة من قبل الجزائريين. وهذا الاقتراح يعني مواجهة البوليزاريو بنفس السلاح من أجل تصفيتها.

ويعتمد بوعبيد في اقتراحه العسكري على ميزة منطقة تندوف الإستراتيجية والجغرافية، التي تؤمن انتصارا سهلا للمغرب الذي يستطيع من خلالها حماية الأطلس والوديان، بينما تستنزف الجزائر بسبب وجود المسافات الشاسعة التي تفصل تندوف على باقي المدن الجزائرية وخاصة تلك المسافات الشاسعة التي تربط مدينة وهران وكولمب بشار بصحراء تندوف.

- باختصار، فان الموقف الحالي للاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية يقوم على الموافقة على السياسة الرسمية التي تمت بواسطتها معالجة القضية مع الاستعمار الاسباني، وعلى الدعوة للحسم العسكري في معالجة الخلاف الناشب حاليا بين المغرب والجزائر: فمن أجل وحدة التراب الوطني يصبح كل شيء مباحا، وكل المواقف مبررة، وأدبيات الاتحاد لا تخفي ذلك...

الاختيار الثوري بين المسألة الوطنية ووحدة المغرب العربي

في مقابل هذه السياسة الاتحادية، كانت هناك سياسة أخرى تنمو وسطها بخط متعارض بدأ يتصاعد منذ بداية السبعينات، وصرح بتمايزه بعد المؤتمر الاستثنائي. كان هذا الخط ولا يزال، يتعاطى مع المسألة الوطنية المغربية بمنهجية مختلفة... والمقصود بذلك التيار الذي يقوده محمد البصري من منفاه والذي يعرف بـ«الاختيار الثوري» ويطلق عليه غالبا اسم «جماعة البصري».

تتأتى أهمية موقف هذا التيار من كونه مشروعا داخليا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تمتد خيوطه بانفتاح على القاعدة الحزبية ويتعارض مع القيادة الحالية، وتتمظهر بشكل واضح على المستوى السياسي-القومي إذ تحاول أدبيات «الاختيار الثوري» جاهدة عدم الفصل بين مغربية الصحراء وبين وحدة المغرب العربي، فترفض من ناحية أولى وأساسية إقامة دولة مستقلة صحراوية في جنوب المغرب (في الساقية الحمراء ووادي الذهب) وتعارض بشدة السياسة الراهنة الرسمية والحزبية المغربية والجزائرية التي تعتبرها انعكاسا لمشروع الحكومات الإقليمية واكبر عقدة في بناء المغرب العربي الموحد وإذابة الكيانات والنزعات القطرية التي تستمد من قضية الصحراء الغربية أحد أهم مقوماتها.

انطلاقا من هذا التعارض، تعلن جماعة البصري عن موقفها المبدئي المتمايز عن موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والمعارض لمجموعة الخطوات والتحركات التي أحاطت وتحيط بقضية الصحراء الغربية منذ التسوية السياسية مع اسبانيا إلى اندلاع الخلاف الجزائري-المغربي. ففي مواجهة السياسة الراهنة لقيادة الاتحاد الاشتراكي خاصة، أعلنت «الاختيار الثوري» مواقف واضحة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1-يستند موقف «جماعة البصري» على المواقف السابقة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث كان الارتباط وثيقا بين النضال ضد الاستعمار والنضال ضد الحكم الملكي. وبشكل خاص في البيان الذي أصدره الاتحاد الوطني للقوات الشعبية-فرع الرباط في 11 أيار/مايو 1972 وذلك ردا على مخطط الاستفتاء ومشروع إقامة دويلة تحت إشراف اسبانيا. وقد نشرت جريدة «الاختيار الثوري» هذا البيان في عددها رقم 11 في مقال بعنوان «تراث حي: من مواقف الحركة الوطنية المغربية» وذلك لتذكير قيادة الاتحاد بالموقف الصحيح الذي كان يسير عليه الاتحاد الوطني من قضية الصحراء.

وقد جاء في هذا البيان أن هذا المشروع «يفضح من جديد الحلقة الجديدة للمؤامرة الامبريالية الرجعية التي تحاك ضد سكان الصحراء وضد جماهير الشعب المغربي، ويدين مرة أخرى الموقف المتواطئ مع السلطات المغربية... يوجه نداء حار إلى المنظمات القومية: الثقافية والسياسية، الوطنية التقدمية، والرأي العام الوطني والعالمي الديمقراطي لفضح هذه المناورة، ولتصعيد التعبئة والكفاح لمناصرة نضال الجماهير الصحراوية وجماهير الشعب المغربي عموما لتحرير أراضينا المغتصبة ومن أجل تحرير الشامل والبناء الاشتراكي...».

2-حول الموقف من «تقرير المصير» نشرت «الاختيار الثوري» في عددها الأول، الصادر في شهر كانون الأول/ديسمبر 1975، مقالا بعنوان: «الصحراء المغربية بين الأطماع الامبريالية الرجعية والتحرير الشعبي الحقيقي». وقد جاء في هذا المقال «أن مبدأ تقرير المصير لا يمكن التشبث به بشكل مجرد بل لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية التي تحيط بتطبيقه، ومدى تجاوبه مع متطلبات النضال ضد الامبريالية والرجعية، والحفاظ على وحدة الشعوب ووحدة ترابها الوطني».

«... ومن الواضح أن تكوين دويلة مصطنعة في الصحراء المغربية يتناقض تماما مع الوحدة النضالية للجماهير الشعبية، ويشكل ضربة في الصميم لوحدة الشعب المغربي، وكما يضمن للامبريالية محاصرة الدول التابعة التقدمية المتناقضة المصالح معها...».

3-حول الموقف من اتفاقية مدريد الثلاثية يعتبر هذا المقال أن الاتفاقية تستهدف تحقيق النتائج التالية:

«-ضمان مصالح الشركات الاحتكارية، واستمرار الامبريالية في نهب ثروات المنطقة من فوسفات وحديد وثروات بحرية.

- ضمان الوجود العسكري للامبريالية على شكل قواعد عسكرية.

- السكوت النهائي عن سبتة ومليلية، واستمرار الاستعمار الاسباني جاثما فوق ترابها.

- خلق حدود مصطنعة جديدة، وتقسيم الصحراء المغربية لفائدة رفيق الحكم المغربي في التبعية الامبريالية، الحكم الموريتاني...».

4-حول الموقف من المسيرة الخضراء، نشرت «الاختيار الثوري» في عددها الثاني، الصادر في شهر كانون الثاني 1976، مقالا بعنوان «تحرير... وتحرير» تحدّد فيه أهداف المسيرة الخضراء وأبعادها كما يلي:

«1-استغلال الحسّ الوطني الصادق للجماهير، واستعدادها لكل التضحيات، وتوجيه اندفاعها الوطني في اتجاه يتناقض واعتماد الجماهير في التحرير. فحرمناها من التنظيم والتسليح، وإبعاد قواعد الحركة الوطنية والتقدمية عن تأطير «المسيرة»، والتعويض عنها بالإدارة وأطر المخابرات، وإبعاد الجيش عن التدخل المسلح... كل ذلك يجعل من «المسيرة الخضراء» بالنسبة للحكم، وسيلة لامتصاص نقمة الجماهير من اجل تحرير شعبية، وتغطية للتنازلات والمفاوضات على حساب السيادة الوطنية في تقسيم الصحراء، والسكوت المطبق على سبتة والجزر الجعفرية...

2-والهدف الثاني، هو استغلاله نتائج المسيرة الخضراء، لاسترجاع ثقة الامبريالية فيه –المقصود هنا النظام المغربي- وانتزاع تزكية مشروعيته من طرف الحركة الوطنية، وتكريس نفس أسلوب الحكم الذي عرفه المغرب تحت ظل حكم مطلق...

إن المفهوم الشعبي لتحرير الأراضي المحتلة -الصحراء وسبتة ومليلية والجزر الجعفرية– الذي يرتكز على اعتماد الجماهير، لا يفصل النضال التحرري من السيطرة المباشرة للاستعمار عن النضال ضد السيطرة غير المباشرة والتي شملت جميع مرافق الحياة المغربية اليومية...».

5-حول الموقف من الحرب الجزائرية-المغربية نشرت «الاختيار الثوري» في عددها الثالث الصادر في شهر آذار/مارس 1976 مقالا بعنوان: «وحدة الشعب... وحرب الأنظمة». وقد جاء في هذا البيان: «... ليس المستفيد من إشعال نار الحرب هم الشعوب، ان المستفيد هو الامبريالية وعملاؤها الحكم الرجعي المغربي والرجعية الجزائرية... ان اعتماد الجماهير في التحرير بالتنظيم والتسليح هو طريق استرجاع كامل التراب الوطني بدون اقتسام ولا تقسيم... وان تقرير المصير أو التقسيم ليسا بالحل الصحيح، وان إشعال حرب بين أنظمة باسم شعوب هو ضرب للشعوب الموحّدة تاريخيا...».

6-حول الموقف من السياسة الجزائرية والبوليزاريو والوضع الراهن، نشرت «الاختيار الثوري» في عددها رقم 12، الصادر في شهر كانون الثاني/يناير 1977، مقالا بعنوان: «حوار: من أجل إيجاد بديل تقدمي للوضع الراهن في المغرب العربي».

يرد هذا المقال على السياسة الجزائرية وسياسة البوليزاريو قائلا «ان طرح مبدأ تقرير المصير بشكل مجرد وبهدف تكوين كيان مستقل، قد شكل فعلا ثغرة أساسية في نضال المواطنين الصحراويين. فإذا كان من حق هؤلاء الطعن في النظام المغربي القائم، ورفض الخضوع لسيطرته، فليس هناك أي مبرر لتنكر البعض منهم للروابط النضالية والتاريخية والحضارية... التي تشد الجماهير الصحراوية بباقي الجماهير المغربية، أو العمل على خلق «الدولة الصحراوية» المستقلة الشيء الذي يعتبر ضربا لوحدة الشعب المغربي وحاجزا في توحيد نضاله ضد أعدائه الحقيقيين: الامبريالية والرجعية المحلية، ذلك انه يحول الصراع إلى داخل الشعب المغربي نفسه... ان الصحراء الغربية لم تكن فحسب إقليما من الأقاليم المغربية، بل انها احتلت مكانة بارزة ضمن التاريخ المغربي وساهمت بشكل فعال في تحديد المعالم الخاصة لحضارتنا عبر مراحل تاريخية مختلفة...» ويقترح هذا المقال، في معالجته للوضع الراهن بديلا من خمس نقاط ثلاث منها تتعلق بالصحراء هي:

«1-حول الصحراء: عدول المواطنين الصحراويين الذين يتبنون النزعة الانفصالية عن هذه الأطروحة، والتفاهم حول هدف استراتيجي واضح ألا وهو تحرير الشعب المغربي ككل من سيطرة الامبريالية والإقطاعية ودعم وحدة جماهيرية شمالا وجنوبا.

2-حول الجزائر: عدول القوى الوطنية في الجزائر عن دعم الموقف الانفصالي والعمل على مؤازرة الشعب المغربي وتدعيم نضاله ضد الحكم الإقطاعي الكمبرادوري.

3-حول الحركة الوطنية: تُجنّد كل أطراف الحركة الوطنية المغربية من اجل وحدة وطنية حقيقية، والعدول عن الوحدة الوطنية بوضع خط فاصل مع الطبقة الإقطاعية الكمبرادورية ووضع أسس النضال الوحدوي من اجل التخلص من السيطرة الامبريالية والتبعية للاستعمار الجديد»(26).

- وأخيرا أصدرت «الاختيار الثوري» ملحقا خاصا بعنوان «مشروع أرضية، توجيهية» (وفي 25 كانون الثاني/يناير 1978)، حيث تحدد جماعة البصري موقفها من القضية الوطنية وخلافها مع سياسة قيادة الاتحاد الاشتراكي، وتجعل من ضرورة عدم المساس بالوحدة الترابية الكاملة شرطا للسيادة الوطنية وللوحدة الشعبية.

تعطي جماعة البصري لهذا المشروع مكانة هامة في هذه المرحلة «لأنه يستهدف العمل على تحقيق السيادة الوطنية وتحرير كامل التراب الوطني والتصدي للتخلي عن أجزائه منه في إطار المساومة مع الامبريالية التي يمارسها النظام. لكن أيضا وأساس تحقيق وحدة الشعب المغربي شمالا وجنوبا، ذلك أن المسألة هي مسألة تحرير الأرض وتوحيد الشعب والهدفان متلازمان ومترابطان...».

الصحراء الغربية في أدبيات الشيوعيين والماركسيين-اللينينيين

تبدو السياسات «الشيوعية» المغربية حول الصحراء الغربية أكثر ارتباكا من مثيلاتها الاستقلالية والاتحادية. وقد عانت حالة مخاض، بشقيها «الشيوعي» و«الماركسي-اللينيني» وجاهدت في عملية بحثها عن تجاوز الإشكال القومي ومهمات مرحلة التحرر الوطني. ولما كانت «ارتباكات» الحركة الماركسية-اللينينية المغربية أكثر أهمية بسبب كونها انشقاقا «ثوريا» عن القوى الأخرى، فإن في مراجعة مواقفها وتناقضاتها علامات فارقة لأزمة أخرى تتجاوز المرحلة ومهماتها وتطال برامج هذه الحركة ومستقبلها السياسي والإيديولوجي.

قبل عرض مواقف الحركة الماركسية-اللينينية المغربية ينبغي التذكير بمفاصل سياسة الحزب الشيوعي المغربي من المسألة الوطنية. من المعروف أن الحزب في نشأته الأولى كان وليدا يانعا للحزب الشيوعي الفرنسي، ففسر حرب التحرير الوطنية بأنها تهديد استراتيجي للقوى «البروليتارية» الفرنسية والعالمية. فانزوى مرحليا وتابعت حرب التحرير مسيرتها بدونه، مما اضطره للحاق بها وإن متأخرا. ومنذ تلك الفترة تحديدا، وفي عملية تبني تدريجية لسياسة حزب الاستقلال حول «المغرب الكبير»، بدأت تتبلور سياسة الحزب الوطني، التي برزت بوضوح أثناء أزمة «موريتانيا». فقد اعتبر الحزب قيام جمهورية موريتانيا الإسلامية مشروعا موجها ضد الأمة المغربية وضد وحدتها الشعبية والترابية. وذلك رغم وقوف الأحزاب الشيوعية الأخرى موقفا معارضا لشيوعي المغرب ومطالبا باستقلال موريتانيا. أما لماذا تصدى الحزب لانفصال موريتانيا وقبل فيما بعد بالأمر الواقع تمشيا مع سياسة القصر الموريتانية، فإن الحزب لم يحتج إلى عناء كبير لتبرير ذلك. وقد أسهبت جريدة «البيان» الناطق باسمه في تحليل هذا الموقف، الذي على ضوئه يمكن فهم موقفه من الصحراء الغربية.

ذكرت الصحيفة المذكورة في افتتاحية عددها الصادر بتاريخ 12/12/1974 التحليل التالي:

«منذ 14 سنة خلت اغتنم الاستعمار ضعف الحركة الوطنية المغربية وتفرقتها، فأنشأ بتأييد من الاحتكارات الغربية وبمؤازرة كل القوى السياسية الفرنسية سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة الجمهورية الإسلامية الموريتانية على جزء من أرض مغربية محضة سكانها مغاربة مغاربة اقحاح وكان الهدف الأساسي هو أن يتأمن لفرنسا وبثمن بخس ولمدة تقدر بحوالي عشرين سنة استغلال مناجم الحديد الموريتاني من المستوى الرفيع...

وتطورت الأوضاع كثيرا منذ ذلك الوقت وصارت موريتانيا دولة تتمتع باعتراف المجموعة الدولية كلها، وبما فيها بلادنا ولها اليوم اتجاهها الخاص داخليا وخارجيا، ومشاكلها الخاصة، ومصالحها وتحالفاتها. وهذه وقائع لا يمكن طمسها ولا إهمالها لا سيما إذا أردنا صياغة سياسة مغربية صحيحة وواقعية إزاء موريتانيا...».

ولكي لا تتحول الصحراء الغربية إلى موريتانيا جديدة وبهدف الدفاع عن وحدة المغرب التاريخية، والحفاظ على الوطن المغربي وتحويله إلى مركز الدائرة في شمال افريقيا، دعت افتتاحية المذكورة إلى تحويل المغرب إلى «قطب اجتذاب وقدوة، وذلك عن طريق الاستقلال السياسي والاقتصادي وتشييد الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذا يقتضي ثورة وطنية ديمقراطية حقيقية تفتح الطريق للاشتراكية... ثورة وطنية لا يمكن القيام بها إلا بوحدة كافة القوى الوطنية والتقدمية...» وعلى غرار ما فعلت القوى الوطنية الأخرى (حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية) فإن الحزب الشيوعي لم يقم بأية مبادرة عملية باتجاه الصحراء، وانتظر كغيره ظروفا موضوعية مناسبة ولم يغير تبديل اسمه من «شيوعي» إلى «حزب التحرر والاشتراكية» من طبيعة سياسته الصحراوية، ولم تدفعه كلمة «تحرر» إلى تطبيق سياسة التحرر على المستوى العملي. ورغم مجموعة التنازلات التي رافقت تغير الاسم (القبول بالملكية الدستورية) فإن الحزب ظلّ في حالة صراع مع القصر تنقله من السرية إلى العلنية بشكل دوري، وصل إلى ذروته بشرعية مؤخرة، أعطته اسما جديدا (حزب التقدم والاشتراكية) وذلك بعد أن أصبحت مهمة التحرير خاصة بالحكومة ومهمة التأييد التام من خصائص المعارضة.

ضمن هذا السياق، تأتي مواقف الحزب من قضية الصحراء متطابقة مع المواقف الرسمية، موافقة على جميع تفاصيلها، التي سبق ذكرها في الحديث عن موقف الاتحاد الاشتراكي. طبعا دون إلغاء مظاهر التمايز الإيديولوجي والاستيعاب الاستراتيجي لسياسة الاستعمار الانفصالية وسياسة النظام الوحدوية. وقد اصدر الحزب منشورا خاصا بتاريخ 21 تموز/يوليو 1974 (وكان آنذاك محظورا) رفض فيه موقف الجزائر وموريتانيا (مؤتمرات القمة الثلاثية) ووجه دعوة لبدء العمل الفدائي في الإقليم المحتلة، وطالب بإرسال المتطوعين لخوض حرب التحرير ضد العدو الاستعماري. غير أن كتاب زعيم الحزب (على يعته) الخاص بالصحراء، يحدد بوضوح سياسة حزب التقدم والاشتراكية «الصحراوية». ومساهمات الزعيم نفسه في نشاط المغرب الرسمي، بجولاته في الدول الاشتراكية، تدعم هذا الوضوح (27).

بعد أن يرفض علي يعته الأشكال السياسية المتبعة من قبل حكومات المغرب العربي، ويتراجع عن موقف تقرير المصير المشروط، الذي أعلنه الحزب عام 1966 بعد صدور قرار الأمم المتحدة (28)، يطالب بأن «النضال الحقيقي يجب أن يكون على الأرض المحتلة وضد المحتلين بالأساس... وأن المنظمات التي تقوم بالنضال يجب أن يقدم لها كل دعم ومساندة من طرف الدولة المغربية، وبدون تمييز، وبغض النظر عن مفاهيمها العقائدية والسياسية، إن الشيء الوحيد الذي يجب أخذه بعين الاعتبار هو نضالها ضد العدو لإزاحة سيطرته، وان استقلال هذه المنظمات يجب أن يحترم بشكل دقيق جدا وان تضمن لها حرية العمل في المغرب المحرر...» ودون أن يذكر المهام المطروحة عليه، داخل الصحراء نفسها، أو بالتنسيق مع المنظمات التي يطالب بدعمها، يعتبر زعيم الحزب الشيوعي المغربي «ان الخطوات التاريخية أبانت عن فشل وتفاهة واستهتار جميع الحلول التي كانت لا تتفق والحل الذي وضعه المواطنون أمام أعينهم منذ البداية ألا وهو التحرير التام للصحراء المغربية وإرجاعها إلى الوطن الأم بدون أدنى مساومة أو تنازل...»(29).

كشفت مواقف أواخر عام 1975 أن الحزب يتفق مع السياسة الرسمية وانه يوافق تماما على عدد المساومات التي استهدفت تطويق مشروع إقامة دولة صحراوية. وبهذا الصدد دافعت جريدة الحزب وبياناته عن الاتفاقية الثلاثية، والحدود المغربية-الموريتانية الجديدة، والاستغلال المشترك لمناجم الفوسفات، والتعويضات المغربية لاسبانيا، كما دخل في تحالف حزبي ورسمي ضد السياسة الجزائرية الصحراوية، تماما مثل بقية الأحزاب المغربية (30) وبذلك يضاف صوت «شعبي آخر إلى «مغربية» الصحراء، معززا الموقف الوطني (وحدة المغرب الكبير) رغم التناقضات الإيديولوجية ورغم تعاطف الحلفاء الإيديولوجيين (الكتلة الاشتراكية) مع موقف الجزائر والبوليزاريو. ففي عام 1975 أصبح شيوعيو المغرب قادرين على العزف على آلات «مغربية» تزعج السوفيات من ناحية ولكنها، من ناحية ثانية، تعوض للحزب خسارته لصداقة شيوعيي فرنسا واسبانيا بجعله مقبولا رسميا وتاريخيا بعد سنوات من الذهاب والإياب بين مغربية-اشتراكية وأممية-اشتراكية.

أما المنظمات المتربعة «ماركسيا» على يسار الحزب، فان موضوعها يحتاج إلى معالجة أخرى أكثر تفصيلا خاصة وان إحداها تطالب بقيام دولة صحراوية وتعترف بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال عن المغرب التي تمثل وجهة النظر السياسية المغربية الوحيدة في هذا المجال، ولأن صياغة هذا الموقف لم تأت وفق قناعات تاريخية متأصلة، ولم تندرج في سياق الأصول الكامنة وراء النشأة الماركسية-اللينينية لهذه المنظمات، مما يجعل الموقف من الصحراء الغربية إطارا لمواقف أخرى قد لا تسمح هذه الصفحات بتحليلها، غلاّ أنها تشير إليها وتساهم في بلورتها بشكل واضح.

قبل الحديث عن «أدبيات» هذه الحركة ينبغي الإشارة إلى ثلاث حقائق:

1-لم يقم أي من طرفي الحركة الماركسية-اللينينية بعمل جدّي على مستوى قضية الصحراء طيلة سنوات السبعينات الأولى. ومحاولات «الوالي» إقناعهم بضرورة إعطاء الأولوية لتحرير التراب الوطني باءت كلها بالفشل. وسواء كانت المواقف المعلنة مؤيدة لمغربية الصحراء أم لا، فإنها ظلت مواقف مبدئية ولم تترجم عمليا لا في داخل المغرب ولا في محاولات فتح خط نضالي مع «جماهير» الصحراء.

2-إن الوضعية التنظيمية الأسرية والطلابية لمنظمتي الحركة المذكورة يجعل من الصعب معرفة الأزمة الداخلية الناتجة عن انفجار موضوع الصحراء. وسوف نحاول قدر الإمكان عرض المواقف المتناقضة أحيانا، والتي برأينا، تعكس طبيعة الخلاف الداخلي الذي كانت موازين قواه تنقل الموقف (الماركسي) تارة من صحراء مغربية إلى صحراء عربية، وتارة أخرى من جماهير صحراوية إلى شعب صحراوي والعكس بالعكس.

3-إن منظمة «إلى الأمام» التي تعيش حاليا أزمة وجود نتيجة موافقتها على إقامة دولة صحراوية، لم تصل إلى قناعة «جبهوية» مع البوليزاريو، بشكل ينسف ما نشرته المنظّمة نفسها عن «الوحدة النضالية» لجماهير الصحراء والمغرب وتطرح تساؤلا حادا: إذا استلزمت مواجهة الامبريالية والرجعية وحدة جماهيرية «ثورية» فلماذا لم تتوصل لغاية الآن القوى المطالبة بذلك إلى تشكيل نواة هذه الوحدة؟

الحركة الماركسية اللينينية المغربية هي التسمية التي كانت تجمع منظمتين سياسيتين الأولى وتدعى «23 مارس» وهي مجموعة المناضلين الذين خرجوا تباعا من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ابتداء من انتفاضة 23 مارس/آذار 1965 حتى 1970، حيث شكلوا نوعا من الإطار التنظيمي السري، والثانية وتدعى «إلى الأمام» وهي اسم التنظيم الذي يضم جماعة من المناضلين الذين انشقوا عن حزب التقدم والاشتراكية عام 1970.

بين عامي 1971 و1972 عملت المنظمتان سياسيا وإعلاميا تحت اسم مشترك: الحركة الماركسية اللينينية المغربية وذلك وفق برنامج سياسي مشترك. وفي عام 1973 بدأت نقاشات واسعة بين المنظمتين حول عدد من المسائل السياسية والإيديولوجية، مهدت فيما بعد لخلاف بينهما على هذا المستوى، كما مهدت لانشقاق الحركة. وبعد عام 1974 واثر تطور الوضع حول الصحراء جرى خلاف واسع داخل الحركة حول الموضوع أدى إلى حسم الموقف وإلى القطيعة النهائية بينهما. وأكثر من ذلك فقد تفرغت كل منهما للرد على الأخرى حول قضية الصحراء، حتى أصبح النقد والاتهام الشغل الشاغل لكلا المنظمتين تجاه بعضهما البعض.

فيما يتعلق بمواقف الحركة من قضية نرى من الضروري الإشارة إلى أن هذه القضية لم يكن لها أي أساس في نشأة الحركة. ولم تكن في أساس البرامج السياسية للحركة في أوائل انطلاقتها. أي أن اهتمام الحركة الصحراء كان معدوما، وإذا تساهلنا نعتبره هامشيا ولا يحتل أية أهمية في نضالات الحركة الأولى.

كما نرى من الضروري تقسيم المواقف إلى ثلاث نقاط، لأن المواقف كانت في البداية مشتركة ثم أصبحت منفردة ومتناقضة. وبكلى الأحوال، لم تثبت مواقف الحركة على خط واضح، إذ كانت دائما تتغير مواقفها، الأمر الذي كان يعكس حالة التردد ويثبت عدم الاهتمام الجدّي بهذه المسألة من قبل الطرفين، وخاصة في فترة الانطلاق والعمل الجبهوي. بعكس الوضع الراهن، حيث تقدم المنظمتان وجهتي نظر حول الصحراء الغربية خاصة والمسألة الوطنية في المغرب بشكل عام. سوف نعرض، تحديدا، المواقف الأساسية للحركة الماركسية اللينينية المغربية من قضية الصحراء، وهي الموقف التي كان متفقا عليها داخل الحركة ثم أصبحت مدار خلاف شديد. والمواقف هي: الموقف من مغربية الصحراء والشعب الصحراوي، الموقف من مبدأ تقرير المصير وإقامة الدولة الصحراوية، الموقف من المسيرة الخضراء والاتفاقية الثلاثية، وأخيرا الموقف من البوليزاريو والخلاف المغربي-الجزائري.

وكما قلنا، سوف نتناول الموضوع من جوانبه الثلاثة: المواقف المشتركة للحركة، مواقف منظمة «23 مارس»، ومواقف منظمة «إلى الأمام».

1-المواقف المشتركة:

خلال سنوات الانطلاقة والعمل الجبهوي لم يصدر عن الحركة الماركسية أي تحليل سياسي حول الصحراء، ولم تعلن الحركة موقفا واضحا وصريحا حول الموضوع. وقد بدأت مواقف الحركة تتضح في المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي انتهى بالموافقة على برنامج سياسي يعكس مباشرة موقف المنظمتين.

لكن، قبل عرض الموقف المشترك هذا، لا بدّ من الإشارة إلى مقال نشر في مجلة «أنفاس» التي كانت تعبّر بشكل مباشر عن موقف الحركة، كما أن عددا من مثقفي ومؤسسي الحركة كان يكتب فها. وفي هذا المقال بداية واضحة للموقف الذي اتخذه المؤتمر الطلابي المذكور.

ففي العدد المزدوج رقم 7-8 من مجلة «أنفاس» الصادر بتاريخ كانون الأول/ديسمبر 1971 وكانون الثاني/يناير 1972، مقال بعنوان «فلسطين جديدة في أرض الصحراء»، بدون ذكر اسم كاتبه، وفيه موقف أولي للحركة من قضية الصحراء.

أهم ما ورد في هذا المقال «انه يعتبر مغربية الصحراء أو جزائريتها أو موريتانيا... تدور في نفس الفلك التقسيمي الاستعماري، وتحتفظ بالصحراء كقاعدة عسكرية لضرب حركة التحرر الوطني والقوى الثورية في غرب البحر الأبيض المتوسط...» -صفحة 66- كما يحدد المقال المعطيات الأساسية في مسألة الصحراء والتي تتمحور حول «استمرار ورسوخ الهوية العربية لجماهير الصحراء، وتشبثها بتلك الهوية... انكشاف النوايا التوسعية والتقسيمية والاستغلالية البغيضة من طرف الرجعيات المحيطة بأرض الصحراء... تصاعد إرادة الجماهير الصحراوية في رفض استقلالها السياسي ورفض الوصاية الدبلوماسية والسياسية، والاعتماد بالأساس على إمكانياتها الذاتية لشق طريقها في درب التحرير...».

وبعد أن يوضح المقال «ان تعمق التناقض بين الجماهير الصحراوية والسلطات الاستعمارية يسير بموازاة انكشاف التعامل الرجعي-الامبريالي على حسابها، ويجعلها بالتالي تنفر من شعار «الانضمام للوطن الأم» في ظل الظروف السياسية والتاريخية الحالية»، يخلص إلى المطالبة برفض «الوصاية السياسية من الرجعية المحيطة بأراضي الصحراء بكل حزم» صفحة 75.

«... ان المبدأ الأساسي أعلاه ليلغي الشعار اللفظي حول «مغربية» المنطقة، دون أن يأتي على الضرورة الحتمية في تفاعل النضال التحرري في الصحراء مع النضال التحرري في البلدان المحيطة بالصحراء. وهذا الطرح يلغي النزعات الإقليمية والشوفينية المختلفة سواء كانت من الجانب المغربي أو الموريتاني أو الصحراوي ذاته، ويستبدل ذلك بمبدأ التضامن بين حركات التحرر في المنطقة» وينتهي المقال بالمطالبة بإقامة «جبهة نضالية صلبة لمواجهة المخططات العدوانية والاستغلالية والتقسيمية الاستعمارية والرجعية من أية جهة كانت...» صفحة 76.

يبدو من هذا المقال انه يتضمن مواقف يدور حولها خلاف كبير بين فصيلي الحركة الماركسية حاليا، وخاصة موضوع مغربية الصحراء أو تقسيمها أو استقلالها السياسي، حيث يبرز المقال بشكل غير مباشر وجود شعب صحراوي وأهمية استقلاله السياسي وهي المقولة التي تبنتها المنظمتان في عام 1971، ثم اختلفتا حولها فيما بعد، حيث تراجعت عنها «23 مارس» واستمرت في تأييدها «إلى الأمام»، ورغم أن المقال حاول استيعاب إشكالات القضية فاقترح على حركات التحرر في المنطقة تجاوز «كل منطق إقليمي وشوفيني من أية جهة كان» مشددا على «التضامن مع نضال الجماهير الصحراوية... ضمن الترابط التاريخي بين الدعم النضالي وأهدافها هي –أي الجماهير الصحراوية- في التحرر من الامبريالية والرجعية العملية...».

وفي المؤتمر الوطني الخامس عشر للاتحاد لطلبة المغرب، الذي انعقد في الرباط بتاريخ 11-18 آب/أغسطس 1972، ظهر أول موقف واضح للحركة الماركسية من قضية الصحراء، ذلك أن البرنامج السياسي الذي صدر عن المؤتمر عكس برنامج الحركة (القيادة الجديدة للاتحاد كانت من قيادات الحركة الماركسية-اللينينية والتي اعتقلت فيما بعد ومازال بعضها معتقلا والبعض الآخر منفيا)، مما يسمح بالقول بوجود موقف أولي متفق عليه من قبل المنظمتين، لا يغير من طبيعته كونه صادرا باسم «الطلاب».

وقد أصدر الاتحاد الوطني كتابا خاصا عن مقررات المؤتمر وفيه يمكن استعراض موقف الحركة الماركسية اللينينية المغربية من موضوع الصحراء.

فقد جاء في البيان السياسي: «المعانقة التامة والتنسيق الدائم مع مخططات واستراتيجيات مختلف الامبرياليات العالمية –المقصود بالحديث النظام المغربي- ومع النظام الاسباني على حساب شعبنا العربي في الصحراء المحتلة» صفحة 8.

وفي الفقرة «ج» من هذا البيان جاء فيه ما يلي: «ترابيا: باستكمال تحرير أجزائنا الترابية التي ما تزال محتلة» سبتة ومليلية ومساعدة شعبنا العربي في الصحراء على تحرير الصحراء المستعمرة، من طرف الاستعمار الاسباني» -صفحة 16- وأخيرا «تلتزم منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بقضايا الثورة العربية وفي مقدمتها تحرير الشعوب العربية في فلسطين وظفار ومجموع الخليج العربي والصحراء» -صفحة 46- وتظهر لأول مرة عبارة الشعب الصحراوي في نفس المؤتمر وذلك في «ملتمس حول الرجال الزرق» حيث جاء «في إطار المخطط الامبريالي الرجعي الرامي إلى تصفية أي مد تحرري أو ثوري يعاني الشعب الصحراوي أشد أنواع التكالب على النظامين السياسي والعسكري... كما تطرح من مبادئها الحل الشوفيني للقضية مصادرة حق تقرير مصير الشعب الصحراوي بنفسه...

المؤتمر يدين بشدة حملة التآمر على نضالات الشعب الصحراوي المتجلية خاصة في ما يسمى بمنظمة «الرجال الزرق» ويؤيد الشعب الصحراوي في مسيرته النضالية ضد الاستعمار والامبريالية من اجل فرض سيادته واختياراته...» -صفحة 63.

وأخيرا جاء في المؤتمر الصحفي الذي أعقب المؤتمر في البند السادس: «النضال من اجل تحرير أجزاء بلادنا المغتصبة، سبتة ومليلية، ومساعدة الشعب العربي في الصحراء على تحرير الصحراء العربية من يد الاسبان...» -صفحة 93-.

كما صدر عن المنظمتين بيان مشترك بتاريخ 24 حزيران/يونيو 1974 تعتبر فيه المنظمتان «ان الصحراء شكلت تاريخيا جزءا لا يتجزأ من المغرب». كما اعتبرت ان «الاستعمار الاسباني قد عمل كل ما في وسعه لتكسير هذه الوحدة وفصل الصحراء عن المغرب...» وفي آخر البيان، تدعو المنظمتان «إلى إعادة بناء هذه الوحدة التي يحاول الاستعمار تكسيرها لكن على أسس كفاحية وطنية ديمقراطية في إطار جمهورية ديمقراطية شعبية. وهذا الهدف يفرض دمج كفاح التحرر الوطني لجماهير الصحراء بكفاح شعبنا من أجل دك الحكم العميل في كفاح واحد وجبهة واحدة...» وهو ما يشكل أول تناقض طفيف مع مقررات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب: استبدال الشعب العربي في الصحراء بجماهير الصحراء...

2-مواقف منظمة 23 مارس:

كما ذكرنا، فان منظمة «23 مارس» هي المجموعة التي خرجت من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خلال سنوات الستينات الأخيرة، ولم يكن لقضية الصحراء أية علاقة في قيامها.

كما أنها في بيانها التأسيسي لم تتناول قضية الصحراء، ورغم أنها في مؤتمرها الأول عام 1971 قد مرّت مرورا سريعا على هذه القضية معتبرة أن الصحراء «مغربية».

وفي المؤتمر الخامس عشر تقرّ بوجود «شعب صحراوي» كما لاحظنا، سرعان ما تراجعت عنه بعد «نقد ذاتي»، فتحولت نحو «وحدة التراب الوطني» وعانت أزمة داخلية. إذ انه مع تطور الأحداث حول الصحراء، وخاصة في منتصف عام 1974، بدأت المنظمة توضح مواقفها تدريجيا من القضية، لتحسم الجدل نهائيا وتقرّ بمغربية الصحراء رافضة الموقف السياسي لجبهة البوليزاريو ومنتقدة الخط السياسي لمنظمة «إلى الأمام». ومنذ ذلك الحين والقطيعة ما تزال قائمة بين فصيلي الحركة الماركسية والتي لعبت الخلافات حول الصحراء الدور الحاسم في وقوعها. وبساعد وضوح الموقف بعد الأزمة الداخلية على القول بغلبة تيار «مغربية» الصحراء على التيار الرافض «للضم التعسفي» أحيانا والمؤيد، من السجن، حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. ونظرا لصعوبة معرفة موقف أصحاب الرأي الأخير، فإننا نشير فقط إلى بيان صادر باسم المنظمة ويعكس وجهة نظر «جماعة الداخل»(31).

بعد أن يتحدث البيان عن الوضع الراهن داخل الصحراء الغربية، يعتبر انه «بجانب التكالب الامبريالي على المنطقة أو ضمنه على الأصح هناك رغبة أنظمة الحكم الرجعية المجاورة وخاصة الأوتوقراطية الملكية المغربية في ضم المنطقة وإلحاقها خاصة بعد اكتشاف وجود معادن فيها، وقد كانت محاولة هذه الأنظمة تعتمد التناور بهدف ربط اقتسام المنطقة، وأحيانا تلجأ إلى الصراعات الهامشية التي لا تخرج عن إطار التناور». وفي محاولة ربط قسري بين المصالح المحلية والمصالح الخارجية، يسعى البيان لتفسير ذلك متحدثا عن «أهم العوامل التي دفعت الاستعمار الاسباني ومن ورائه الامبريالية العالمية وخاصة الأمريكية إلى تحريك مخططاتهم في الاتجاه الذي يضمن لهم تثبيت مصالحهم الاقتصادية والإستراتيجية العسكرية بالمنطقة، وعلى الأخص فيما يتعلق بمحاولة خلق كيان مزيف لعملاء الامبريالية المحليين.(؟)

وتحركت أيضا بعض الأنظمة الرجعية بالمنطقة، خاصة المغرب في الآونة الأخيرة، في نفس الاتجاه هدفها تعديل تلك المخططات الاسبانية الامبريالية بما يلائم بين مصالحها الاقتصادية والسياسية هي أيضا وبين مصالح الامبريالية... ان هدف هذه التحركات في جوهرها إذا أردنا أن لا نقف عند حدود التناقضات الثانوية التي يحكمها التناقض الأساسي ما بين الاستعمار والامبريالية وعملائها من جهة والجماهير الشعبية في المنطقة بكاملها، هذا الهدف هو إحكام الهيمنة على اقتصاد المنطقة ومحاولة تسخيره للاحتكار الامبريالي وبأهدافه الإستراتيجية في محاولة القضاء على ما ظهر هناك من تحركات ثورية تحررية...».

بعد ان ينتقد البيان موقف الحكم والأحزاب البرجوازية المغربية، ويحصر الحلول بين «ضم الصحراء إلى المغرب» و«تشكيل كيان دولة مستقلة مزيفة» يحلل الأهداف المطلوبة بعبارات تناقض بعضها مجسدة حالة المخاض التي اعترت كتابة البيان نفسه:

«ان كون الصحراء مغربية لا يعني تأكيدنا لإلحاقها بالعنف الرجعي بالنظام الملكي الأتوقراطي التبعي المغربي، بل يعني التأكيد على الوحدة التي تربط بين جماهير الصحراء وجماهير المغرب، فإذا كانت الصحراء قد شكلت تاريخيا جزءا من المغرب (كما هو شان سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) فإن هذا لا يحل المشكلة لأن القضية الأساسية المطروحة هي: قضية التحرير الفعلي لجماهيرها التي ترزح تحت نير الاستعمار الاسباني المباشر والاستغلال الامبريالي. ان طريق التحرير من هذا النير ليس ضمها على المغرب في إطار النظام الاوتوقرطي التبعي، وليس استقلالها الذاتي في إطار دولة مزيفة بل على طريق بناء وحدة الشعب المغربي وجماهير الصحراء على أسس وطنية ديمقراطية، بناء وحدة النضال الثوري الذي يستهدف بناء الجمهورية الديمقراطية الشعبية.

إن شعار إعادة بناء وحدة الشعب المغربي والجماهير الصحرواية نتجه به إلى الجماهير المغربية وقواها الثورية الديمقراطية الوطنية، معتمدين أسلوب الإقناع الديمقراطي والنضالي مقرّين لها مبدأ حقها في تقرير مصيرها. إننا نحترم رغبات جماهير سكان الصحراء وقواها الثورية والديمقراطية والعمل لإقناعها أن التحرر الفعلي من الاستعمار والامبريالية وعملائها لن يحقق إلا في إطار ربط مصيرها بمصير الشعب قاطبة، وذلك لأن كيانا صحراويا مستقلا في إطار ضعف القوى الجماهيرية والديمقراطية المحلية سيبقى فريسة سهلة لقوى الامبريالية والرجعية.

ان اعترافنا بحق جماهير الصحراء في تقرير مصيرها لا يعني اننا ندعو إلى الانفصال بل ان خطتنا هي العمل على بلورة وحدة هذه الجماهير مع الشعب المغربي...».

وبدون ان يزيل الالتباس والغموض عن «تقرير المصير» وتناقضه مع «الكيان المستقل» أو «الانفصال»، ينتقل البيان مطالبا بالنضال ضد «الاستعمار الاسباني والامبريالي» وضد «مشروع الدولة المزيفة» وضد «المصالح الاسبانية في المغرب» وضد «القواعد الأمريكية في المغرب» الخ.

وينادي بفضح الجميع: النظام والأحزاب، وبدعم البوليزاريو رغم رفضه لإقامة كيان صحراوي. وينتهي البيان بتحية «وحدة النضال بين جماهير الصحراء والشعب المغربي» فاصلا بين جماهير بدون شعب «صحراويا» وبين شعب بدون جماهير «مغربيا»، وذلك بعد أن بدأ بنفس وحدوي مشابه من خلال عنوان البيان نفسه:

«عاش النضال الوحدوي لجماهير الصحراء والشعب المغربي ضد الاستعمار والرجعية والامبريالية» الذي صدر بتاريخ أيلول/سبتمبر 1974 حاملا توقيع منظمة 23 مارس-اللجنة الوطنية.

يعكس هذا البيان ميلا للتوفيق بين أطروحات منظمتي الحركة، فيدخل التحليلي المبدئي في تناقضات المسألة الوطنية ومهام الماركسيين-اللينينيين، فاتحا المجال لحالة تردد وحيرة سوف تبدأ بالوضوح مع تصاعد الأزمة «»الصحراوية،، فينتهي التردد ليتسع التناقض.

في إطار تطور الموقف، بدأت منظمة «23 مارس» إيضاح مواقفها من قضية الصحراء، وذلك من خلال عرض تحاليل ومواقف وردود على «إلى الأمام» في صحيفة «23 مارس» التي تصدر في الخارج وأخيرا في كتاب خاص عن الصحراء جمعت فيه كافة المقالات التي نشرتها الصحيفة، إضافة إلى صدور كراسين عن الموضوع (32).

بعض التناقضات التي رافقت إيضاح وتبلور موقف هذه المنظمة، فإن بإمكاننا أن نشير إلى أنها لا تعترف بالشعب الصحراوي ولا توافق على إقامة دولة صحراوية مستقلة وتنتقد السياسة الجزائرية ولكن ترفض منطق الحرب بين المغرب والجزائر. وبالمقابل تقول بمغربية الصحراء وتوافق على ضمها للمغرب وتوافق على المسيرة الخضراء والاتفاقية الثلاثية التي رفضتها ثم عادت وأعلنت موافقتها عليها وخاصة فيما يتعلق بالتقسيم الترابي وبالاستغلال المشترك للثروات الطبيعية.

لكن هذا المواقف لم تكن بالوضوح الذي يجعل منها موافقة على المشروع الحكومي، إذ أنها في تحديد مواقفها هذه كانت تعمل دائما على إبراز خلافها المنهجي مع النظام حول هذه المواقف. وبدون تكرار جميع النصوص التي تضمنتها منشورات المنظمة المذكورة فإننا سوف نستعرض أهمها.

في التقرير التوجيهي الذي أصدرته المنظمة عام 1975 لم يرد ذكر الصحراء إطلاقا. وهذا التقرير يسترجع جميع النقاط التي احتواها النقاش السياسي بين فصيلي الحركة الماركسية، مما يعكس طبيعة الخلافات التي كانت دائرة بين الطرفين حول الصحراء، رغم اتفاقهما في المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب. يجسد التقرير المذكور خلاصة نقاشات عام 1973 ومحاولة تطويق الانشقاق الذي عبّر عنه غياب «الهم الصحراوي»، الذي سعت، مع مطلع العام 1975، منظمة «23 مارس» إلى تجاوزه بموقف مبدئي من قضية الصحراء حيث تراجعت عن موقف المؤتمر الخامس عشر مع نقد ذاتي (33).

ففي مقال بعنوان «الصحراء المغربية» الذي نشر بتاريخ 12-8-1974، والذي كان بمثابة «وجهة نظر داخل 23 مارس» جاء الرد على صمت «التقرير التوجيهي» الذي نشر بعد سنتين من انتهاء النقاشات، كما تبرّر فيه غموض مواقفها السابقة من المسألة الوطنية، ممهدة لما يمكن اعتباره السياسة الحالية للمنظمة المذكورة.

تبدأ «وجهة النظر» بنقد ذاتي صريح: «ان مسألة الصحراء كانت عندنا وما تزال مسألة غامضة تماما، مجهولة تماما، ولا نخطئ إذا قلنا ان السياسة والشعارات التي واجه بها الماركسيون-اللينينيون المغاربة المسألة منذ «تفجيرها» اتسمت كلها بسطحية جلية...» وبعد أن تقيّم العوامل التاريخية تنتقل المنظمة إلى تحديد التناقض:

«إن التناقض الرئيسي حاليا والذي ترتكز عليه المسألة هو بين الأمة الاسبانية المضطهِدة –ممثلة في الدولة الاسبانية التي تعبر بدورها عن الفئة البرجوازية الاحتكارية الحاكمة والمستعمرين الاسبانيين- من جهة والأمة المغربية المضطهَدة من جهة أخرى: هذا التناقض بين الأمتين يتجسد في اضطهاد سكان الصحراء وفي الاستيطان الاستعماري الاسباني ونهب ثروة المنطقة...

أما في الوضع الراهن الملموس فليس هناك أي تناقض مباشر من إي نوع بين سكان الصحراء والطبقات الحاكمة المغربية، بل هناك تناقضات بين هذه الطبقات والفئات الاجتماعية التي يتكون منها السكان، من نوع التناقضات الاجتماعية الطبقية، وليس من نوع التناقض القومي. إلا أن تلك التناقضات الطبقية احتمالية لأن ظهورها يجب أن يتحقق في إطار الدولة المغربية الموسعة مع الالتحاق بالصحراء...» وتحدد المنظمة موقفها من شعار تقرير المصير قائلة: «إن شعار» حق الأمم في تقرير مصيرها يعني بالنسبة إلينا: حل المسألة القومية، أي أولا القضاء على الاضطهاد القومي والامتيازات التي تتمتع بها الأمة الاسبانية والرفض التام لكل محاولة اسبانيا الرامية إلى اختزال وتشويه الشعار قصد تحقيق حل «الاستقلال الذاتي» هذا الحل الرجعي الامبريالي، الذي يريد أن يحافظ على المصالح الرأسمالية الاحتكارية في المنطقة. وثانيا بعد التحرير الكلي للصحراء، ضمها إلى حوزة الوطن المغربي، وهذا يسير في اتجاه استكمال الاستقلال القومي المغربي...».

وفي بيان صادر باللغة الفرنسية بتاريخ 21 تشرين أول/أكتوبر 1975 تعبر المنظمة عن موقفها من مجمل المسائل التي كانت قد مهدت لها في مقال آخر صدر بتاريخ 1 تموز/يوليو ونشر في العدد رقم 11 من صحيفة «23 مارس».

في هذا البيان تقول المنظمة «ان سكان الصحراء جزء من الشعب المغربي، وان مبدأ تقرير المصير يخدم إستراتيجية الاستعمار ويساعدها موضوعيا على إنشاء كيان مصطنع في الصحراء»، كما تطالب بأن «طريق التحرير الوطني العملية تمرّ من خلال الحرب الوطنية الشعبية ضد الاحتلال الاستعماري»، وتؤيد المسيرة الخضراء رغم أن البيان يعتبرها محاولة هروب إلى الأمام وتبرير لعدم خوضه الحرب (أي النظام) من أجل التحرير الكامل للصحراء، ويطالب البيان، الذي لا يعارض المسيرة، «بتحويلها على عملية تحضير فعلية لمواجهة مسلحة مع الاستعمار الاسباني».

وفي آخر البيان انتقاد لقيادة البوليزاريو «التي تحلم بأن تجد نفسها على رأس امارة في الصحراء مهما كانت الطريق المؤدية إليها».

وفي مقال بعنوان «لنرفع عاليا راية اللينينية حول المسألة الوطنية» حددت المنظمة الإطار النظري لمواقفها من مسألة الصحراء وذلك في إطار ردها على وجهة نظر «إلى الأمام» جاء في هذا المقال أن هذا العمل النظري هو «من اجل الوضوح الكامل، والوعي التام لمسيرة نجاح المعركة الوطنية التي يخوضها الشعب المغربي الآن من اجل التخلص من الاستعمار ومن اجل وحدته الترابية الوطنية الكاملة...»(34).

وفي مقال «العدمية الوطنية ومسألة الصحراء المغربية» اعتبرت المنظمة الصحراء «جزءا لا يتجزأ من كيان وطني تاريخي، هو إطار الشعب المغربي... وتشكل مسألة الصحراء في صيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية المغربية، منعطفا هاما بالنسبة لتأسيس جمهورية ديمقراطية شعبية في عموم الوطن المغربي» -صفحة 34- «... ان مغربية الصحراء، والتشبث بتحريرها ووحدتها الترابية مع المغرب... نعتبره الأساس الأول من اجل التحرير الحقيقي...» -صفحة 52-.

- وفي مقال بعنوان «البوليزاريو الابن اللاشرعي لخيانات النظام» تقول المنظمة «ان المحافظة على الحدود الاستعمارية هو إذن أساس وجود ما يسمى بالشعب الصحراوي...» ص -180- و«جماهير الصحراء المغربية ليست شعبا متميزا عن بقية الشعب المغربي، وليس لها تاريخ منفصل إلا تاريخ وحدتها ضمن تاريخ الشعب المغربي...» صفحة 182.

تطورت هذه المواقف بشكل مذهل أدخل منظمة «23 مارس» في حرب إعلامية مع جبهة البوليزاريو والمتعاطفين معها من القوى الوطنية العربية، حيث نشرت مقالين بهذا الصدد واحد ترد فيه على جبهة البوليزاريو وهو بعنوان «ردا على مزاعم رسول البوليزاريو» ومقال آخر بعنوان «لسنا شعبا عاقرا»، وفي هذين المقالين تحديد واضح لموقف المنظمة من «الشعب الصحراوي» مشوب بهجوم سياسي ونقد لاذع لأطروحات الصحراويين وحلفائهم العرب... نشرت صحيفة «23 مارس» هذين المقالين في عددها رقم 22 الصادر بتاريخ 16 آذار/مارس 1976. ونظرا لأهميتها نعرض أهم ما ورد فيهما. ورد في المقال الأول ما يلي: «... فمتى ظهر هذا «الشعب الصحراوي» إذن؟ سنة 71؟ 72؟ 73؟... انه لم يظهر بكل تأكيد قبل ظهور البوليزاريو على مسرح الأحداث، بل نؤكد أن هذا الشعب الصحراوي الذي يطلب منا تحديد موقفنا منه قبل الكلام حتى عن شرعيتنا كحركة وطنية وثورية مغربية، ظهر بعد البوليزاريو بكثير، ذلك ان جبهة البوليزاريو لم تكن قد حسمت هذه المسألة، إنشاء كيان مستقل، أو النضال في إطار الشعب المغربي الواحد والموحد» وبعد أن يربط المقال نضال الصحراويين بنضال الشعب المغربي وبوحدة التراب الوطني يرد على مقولات البوليزاريو القائمة على أطروحة الشعب الصحراوي معتبرا إياها «لحنا ناشزا في كل تاريخ الشعوب العربية المعاصرة وثغرة في التاريخ النضالي لشعوب منطقة المغرب العربي لا يملأها غير خيال البوليزاريو وحلمهم الكبير بالاستئثار بثروات المنطقة بأقل تكاليف ومن اقصر السبل. وما أطروحة «الشعب» الصحراوي، والدولة الصحراوية، والجمهورية... إلا الشكل الحقوقي لإضفاء طابع الشرعية على هذه الأطماع والنزعات المصلحية الضيقة. كما أن أطنان الشعارات الثورية والنعوت الرنانة مثل: حركة تحرر وطني، الكفاح المسلح، جيش التحرير الشعبي، المليشيا الشعبية، الاشتراكية العلمية وغيرها من الشعارات المفرغة من أي مضمون، «والمنظمات» الوهمية المنفوخ فيها بصورة مكشوفة، كل ذلك ما هو في الحقيقة إلا تدليس، وهو موجّه بالأساس للاستهلاك الخارجي بهدف ضمان دعم الرأي العام التقدمي العربي والعالمي لهذه الحركة التحررية المزعومة...».

ويتابع المقال هجومه على «البؤرة الثورية» في المغرب العربي التي تعلن عن نفسها من خلال البوليزاريو، إذ يقول: «أما الحديث عن «البؤرة الثورية»، فحديث خرافة يلغي نفسه... وهو مجرد غطاء لستر الطابع الانعزالي الإقليمي لأصحابه ولاستدرار التأييد لهم، خاصة وان اشتداد هجمات الامبريالية على المنطقة العربية يخلق لدى الكثيرين استعدادا نفسيا لتقبل مثل هذه المواقف والتي سرعان ما ينكشف خطاها فحذار من الأوهام... وبعد أن انتقلت البوليزاريو من «حركة تحرر» إلى «دولة» يصير شغلها الشاغل تحصيل الدعم وجمع الاعترافات... يصبح الحديث عن «البؤرة الثورية» لضرب الرجعية ليس فقط في المغرب العربي، وإنما في سائر الوطن العربي... من باب المزايدات والتلاعب بالكلمات... إن وضع البوليزاريو هذا الذي يجعلها في تناقض لا حل له مع الحركة الوطنية والثورية المغربية التي تطرح وتناضل فعلا من اجل الإطاحة بالنظام المغربي، ومن أجل تحرير الصحراء المغربية، كما ناضلت باستمرار، وتناضل من اجل تحقيق الوحدة العربية ووحدة المغرب العربي...».

وفي المقال الثاني، تحاول المنظمة الماركسية تطويق تأييد بعض القوى التقدمية العربية لمشروع إقامة دولة صحراوية، فتبدأ بنقد غير مباشر «للنظريات الثورية» وتفند أطروحات البوليزاريو، وقبل أن تطرح على هؤلاء التقدميين العرب سؤالا حول كيفية اكتشافهم المتأخر للشعب الصحراوي، سعت لتوضيح موقفها قائلة: «ان الاختلافات التكتيكية في معركة الصحراء، وتنوع القدرات الإستراتيجية بين القوى السياسية المغربية، مسألة تعكس بعمق حساسية الظرف التاريخي والمطالب المتنوعة لطبقات الشعب المغربي. لكن هذه التناقضات لا تنفي بالمرة أن مجموع هذه القوى ، تمثل –في مستوى تطور شعبنا- قواه الديمقراطية والوطنية. والاختلافات والتناقضات موجودة بأشكال مختلفة في جميع البلدان العربية. والإصلاحية قد لا تكون برلمانية وحسب، بل قد يكون لسانها أحيانا أرفع سلاح أوتوماتيكي في الحروب الشعبية.

الشيء الذي استعصى فهمه على الرفاق، هو أن قضية تحرير الصحراء واستكمال وحدة الوطن، كانت من مطالب الجماهير الشعبية والقوى الديمقراطية الوطنية قبل أن يكتشف الحكم مؤخرا مصالح اقتصادية ضيقة تربطه بهذا الشعار. ان معضلة الثورة المغربية هي أنها انتكست بحصول المغرب على الاستقلال الشكلي، انتزعها القصر وأعوانه من المتحالفين مع الاستعمار الجديد، كما لم يكتمل حتى تحرير الوطن المغربي بأتمه... ولهذا بقي في جدول أعمال الحركة أعمال الحركة الوطنية الاستمرار في النضال من اجل تحرير كل الأجزاء الباقية تحت الاحتلال الاسباني، ومن ضمنها الصحراء الغربية...

إن منطقة الصحراء بالنسبة للمغرب، ليست الموقع الاستراتيجي عسكريا وسياسيا للثورة. وهي لولا احتضان الدولة الجزائرية للبوليزاريو، لحسمت فيها المواجهة بسرعة لصالح الحكم، والدليل واضح من نوعية وندرة العمليات المسلحة ضد الاسبان.

إننا نؤمن بالجماهير صانعة التاريخ، لكن صنع التاريخ يتم في شروط مادية، جغرافية، بشرية، سياسية واقتصادية... وغير ذلك حلم وطوباوية... وفي هذا الاتجاه لم يكن شعارنا إسقاط سلطة كي نسهل الاندماج مع فريق انفصالي قام ببعض العمليات المسلحة ضد الاستعمار. ولم يكن بالنتيجة شعارنا في هذا الظرف، الإجهاز على كل المصالح الامبريالية بل العكس، كانت المصلحة الوطنية في هذه الظروف، هي تفكيك جبهة الامبريالية لعزل تيارها الآخر الفاشي الامبريالي العازم على تكوين دويلة بالمنطقة...» (35).

3-مواقف منظمة «إلى الأمام»:

تتمسك «إلى الأمام» حاليا بالمواقف السابقة للحركة الماركسية-اللينينية المغربية، وخاصة مقال مجلة «أنفاس» ومقررات المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب وتبنى سياسة القول بـ«لا مغربية» الصحراء وبوجود شعب صحراوي وبإقامة دولة مستقلة في الصحراء وتعتبر التناقض بين المغرب واسبانيا تناقضا بين استعمارين وأخيرا هي المنظمة المغربية الوحيدة التي تساند موقف البوليزاريو وموقف الجزائر. كما أن نشراتها العلنية وخاصة ما بعد 1975 متخصصة للرد على وجهة نظر «23 مارس» وذلك اعتمادا على وجود تعارض بين مواقف «23 مارس» في الداخل و«23 مارس» في الخارج حيث أن الخلاف ينحصر بينها وبين هذه الأخيرة.

على كل حال فالموقف الواضح والصريح من المسألة الوطنية جاء متناقضا ومترددا، ولم يكن واضحا منذ البداية. لذلك فإن موقف «إلى الأمام» من المسيرة الخضراء والاتفاقية الثلاثية والخلاف الجزائري-المغربي يتضح من خلال الموقف المؤيد للخط السياسي للبوليزاريو (الاستقلال وتقرير المصير، الشعب الصحراوي الخ).

ونظرا لأهمية هذه التناقضات في الموقف، فإننا سوف نستعرض تطوره وفق ما ورد في منشورات هذه المنظمة وخاصة فيما يتعلق بمغربية الصحراء ونظرية الشعب الصحراوي وأخيرا مبدأ تقرير المصير.

- حول مغربية الصحراء: بخلاف ما ورد في مجلة «أنفاس» والبيان السياسي للمؤتمر الخامس عشر، عادت المنظمة تتحدث عن مغربية الصحراء عن وحدتها التاريخية مع المغرب وعن دور الاستعمار في تكسير هذه الوحدة، وأخيرا عن مهمة القوى الثورية في إعادة بناء هذه الوحدة من خلال بناء الجمهورية الديمقراطية الشعبية. أي أنها لم تتحدث عن الشعب الصحراوي ولا الدولة الصحراوية، بل عن مغربية الصحراء وعن الجماهير الصحراوية وعن دولة واحدة في المغرب والصحراء وليس دولتين واحدة قائمة في المغرب وأخرى يجب أن تقوم في الصحراء...

ورد هذا الموقف في بيان 24/6/1974 الذي صدر بالاشتراك مع منظمة «23 مارس»، ذكرناه آنفا، وفي البيان الصادر بتاريخ 10/8/1974 الذي جاء فيه «ان حركتنا الماركسية اللينينية لا تعتبر الجماهير الصحراوية تشكل شعبا متكاملا مستقلا استقلالا كاملا عن الشعب المغربي... وتعتبر حركتنا الماركسية-اللينينية في ذلك رأي جماهير الصحراء التي تكافح ضد فصل المنطقة نهائيا عن الشعب المغربي...» وفي هذا البيان تقف المنظمة ضد «الضم التعسفي» وأيضا ضد قيام دولة مستقلة، لأن المنظمة تطالب في هذا البيان بإعادة بناء الوحدة التي كسرها الاستعمار بين الجماهير الصحراوية والشعب المغربي من خلال «الجمهورية الديمقراطية الشعبية على أرض المغرب والصحراء...».

وفي دراسة مفصلة حول الموضوع نشرتها منظمة «إلى الأمام» ردا على وجهة نظر «23 مارس» بتاريخ 9/9/1974، تحلل هذه المنظمة القضية دون تبني نظرية الشعب الصحراوي، بل بالعكس تؤكد على انه «لا يتنازع أحد في أن الصحراء شكلت تاريخيا منطقة من مناطق المغرب تربطها بباقي البلاد كل العلاقات التي تلحم أجزاء وطن واحد... إن وحدة جماهير الصحراء والشعب المغربي تصطدم بأسلحة تخريبية وملموسة يشكل تحطيمها أقوى الضمانات لإعادة بناء هذه الوحدة على أرضية صلبة... إن الاستعمار الاسباني قد تقدم في عملية فصل الصحراء. واجب كل الثوريين والوطنيين الديمقراطيين المخلصين هو العمل على تدعيم كفاح جماهير الصحراء ودمجه بكفاحنا ضد الحكم... وان التناقض الأساسي بصدد مسألة الصحراء يتمحور بين الشعب المغربي وجماهير الصحراء يتحالف مع الشعب الاسباني من جهة، والامبريالية والاستعمار والرجعية من جهة أخرى.

فمسألة الصحراء ترتبط ارتباطا وثيقا بالصراع الطبقي في المغرب. والنضال ضد الاستعمار في الصحراء لا يمكن أن ينجح إلا إذا ارتبط بكفاح شعبنا ضد الطبقة الكمبرادورية الحاكمة التي تشكل حليفا استراتيجيا للاستعمار والامبريالية في المنطقة. والتناقضات الحالية بين الاستعمار الاسباني والحكم تناقضات فعلية لا ينكرها أحد وهي على وجه التحديد تتمثل في الصراع بين الاستعمار المباشر أو الجديد في المنطقة تحت إشراف اسباني أو دويلة عميلة في الصحراء من جهة، والاستعمار الجديد تحت إشراف الإدارة الرجعية المغربية من جهة ثانية، أي أن الصراع، يدور حول السيطرة على المنطقة وليس بين الاستعمار والتحرير لأن الحكم الرجعي ليس من صالحه ولا يمكنه أن يحرر الصحراء... إن جماهير الصحراء تكافح ضد الاستعمار لانتزاع استقلالها الوطني وإعادة بناء وحدتها مع الشعب المغربي على أسس وطنية ديمقراطية...».

وقد تكرر هذا الموقف في بيان صدر بتاريخ 15/2/1975، بعنوان «النضال طريقنا لانتزاع مطالبنا»، وفي بيان حول المسيرة الخضراء صدر بتاريخ 19/10/1975، وفي العدد الأول من «طريق الثورة» الصادر في 15/4/1975، وفي العدد الخاص عن الصحراء الذي صدر عن مجلة «طريق الثورة» العدد المزدوج 5 و6 بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر-كانون الأول/ديسمبر 1975، وفي نشرة «الشرارة» الصادرة بتاريخ 15/12/1974، وفي عدد «مغرب النضال» رقم 2 الصادر بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1975، وأخيرا في عدد «مغرب النضال» الصادر بالعربية، رقم 3 بتاريخ 3/1/1977.

في كل هذه المنشورات تتحدث المنظمة عن جماهير الصحراء وعن مغربيتها وعن رفضها للضم التعسفي بدون أية إشارة للشعب الصحراوي أو للدولة الصحراوية...

وأخيرا في عدد «مغرب النضال» رقم 6 الصادر باللغة الفرنسية بتاريخ كانون الأول/ديسمبر 1977، تتحدث المنظمة صراحة عن وجود الشعب الصحراوي حيث ورد ثلاثة شعوب في المنطقة: الشعب المغربي، الشعب الموريتاني، والشعب الصحراوي، وان وحدة النضال تتم بين القوى الثورية داخل كل الشعب وليس كما في السابق بين الجماهير الصحراوية والشعب المغربي، بحيث تصبح الوحدة النضالية مشترطة لبرنامج يأخذ بعين الاعتبار «الفوارق بين كل شعب وشروطه الخاصة...».

- حول تقرير المصير: يبدأ الموقف غامضا ثم يتضح كما هي الحال حول الشعب الصحراوي. ففي البيان حول المسيرة الخضراء 19/10/1975، تقول المنظمة «ان مشكل الصحراء مشكل سياسي يدور حول حق جماهير الصحراء في تقرير مصيرها وليس مشكلا قانونيا...» وبعد أن تطالب «بإعادة بناء الوحدة بين شعبنا وجماهير الصحراء» تعلن رفضها لضم ولتقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا.

في عدد «طريق الثورة» الرقم [1] الصادر في 15/4/1975، أعلنت المنظمة عن تأييدها لمبدأ تقرير المصير للجماهير الصحراوية وليس للشعب الصحراوي، ولكن دون تحديد كيفية هذا التقرير.

أما في العدد الثالث من «طريق الثورة» الصادر في 15/5/1975، فإن المنظمة تعلن موقفا أكثر وضوحا حين تقول: «كما أنه إذا كنا نلح على ضرورة إعادة بناء الوحدة بين الشعب المغربي والجماهير الصحراوية وعلى أسس نضالية، وطنية ديمقراطية، في إطار الجمهورية الديمقراطية الشعبية الوطنية، فإننا نلح كذلك على ضرورة أن يترك للجماهير الصحراوية وقواها الوطنية حق التقرير في مصيرها، هذا رغم أن موقفنا لصالح الوحدة...».

هذا الموقف تؤكده المنظمة مرة ثانية في عدد «طريق الثورة» الخاص بالصحراء.

يتغير هذا الموقف بشكل واضح في عدد «مغرب المقاومة» الرقم 6 الصادر بتاريخ نيسان/ابريل-أيار/مايو 1975 باللغة الفرنسية، حيث نشرت المنظمة مقالا بعنوان «تقرير المصير يساوي سلطة وطنية مستقلة». وقد جاء في هذا المقال «انه يعود لسكان الصحراء قرار مصيرهم. ونحن نعترف لهم بحق تقرير المصير. حق الانفصال السياسي عن المغرب، إقامة سلطة وطنية صحراوية مستقلة...».

وفي عدد رقم 4 من مجلة «مغرب النضال» الصادر باللغة الفرنسية بتاريخ نيسان/ابريل-أيار/مايو 1976 تحلل المنظمة تبريرات هذا الموقف من تقرير المصير، وخاصة قضية الانفصال السياسي. حيث ترجع وتؤكد على «أن عدو الشعب المغربي والجماهير الصحراوية هو عدو مشترك... إن النضال من أجل مطالب الشعب المغربي ودعم الجماهير الصحراوية وطليعتها جبهة البوليزاريو من أجل حقهم العادل في تقرير المصير، أي حقهم في المطالبة بالانفصال السياسي، هو كل لا يتجزأ...» صفحة 8.

- حول المسيرة الخضراء، تعلن المنظمة عن رفضها المبدئي لهذه المسيرة معتبرة إياها امتصاصا لنقمة الجماهير، ومحاولة ترتيب الأوضاع الداخلية للحكم المغربي، دون أن تخفي كونها نوعا من الضغط المصطنع على اسبانيا. وقد عبرت المنظمة عن هذا الموقف في معظم مقالاتها التي نشرتها بعد المسيرة وبشكل خاص في بيانها الصادر حول المسيرة الخضراء بتاريخ 19/10/1975، وعدد «مغرب المقاومة» بالفرنسية رقم 7 بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1975 وذلك في مقال بعنوان «حقيقة المسيرة الخضراء»، وأخيرا في العدد الثاني من مجلة «مغرب النضال» الصادرة بالفرنسية بتاريخ تشرين الثاني/نوفمبر 1975.

- حول الاتفاقية الثلاثية، أعلنت المنظمة رفضها لها في مقال نشرته مجلة «مغرب النضال» الصادرة باللغة الفرنسية في عددها الثالث بتاريخ كانون الثاني/يناير 1976.

في هذا المقال تعتبر المنظمة أن الاتفاقية الثلاثية لا تحقق الضم الترابي ولا وحدة الشعب «إنها تشكل تهديدا قويا لوحدة الشعب المغربي والجماهير الصحراوية...».

وفي العدد الرابع من نفس المجلة الصادرة بتاريخ نيسان/ابريل-أيار/مايو 1976 تعتبر المنظمة أن الاتفاقية الثلاثية تمثل خطة تستهدف تصفية نضال تحرير الصحراء الذي هو جزء لا يتجزأ من ثورة الشعب المغربي...».

وفي هذا العدد تؤكد منظمة «إلى الأمام» ما سبق وطالبت به وهو اللاحرب ضد الجزائر معتبرة ايجابية السياسية الجزائرية، حيث تقول في نفس المقال «أن الجزائر تدعم حق الجماهير الصحراوية في تقرير المصير، وذلك لأنها لها فائدة في ذلك، من واقع تناقضها الموضوعي الذي يتعارض مع أهداف الرجعية والامبريالية في المنطقة...»(36).

إن قراءة دقيقة لتطور موقف هذه المنظمة بتناقضاته الصارخة تساهم في معرفة الأزمة التي تعيشها المنظمة نفسها في مواجهة المهام المطروحة عليها داخل المغرب وخارجه. وهي، إذ تنتقل من جماهير صحراوية بدون شعب إلى «شعب صحراوي» بدون طبقات، وتزيد على معطياتها التاريخية ما تراه مناسبا مع الوضعية التكتيكية للصراع المحلي، وترهق نفسها في رسم الخط الفاصل «تاريخيا» بين شعب مغربي وجماهير صحراوية لأسباب يملك سرّها الاستعمار وحده، تطوّر حق التقرير المصير من صيغة جماهيرية وحدوية مع المغرب إلى صيغة «شعبية» استقلالية عن المغرب نفسه لأسباب لا يملك سرها إلاّ كاتب التطور نفسه.

ورغم أن المنظمة لم تتعب من تكرار ندائها لإعادة «بناء الوحدة بين شعبنا وجماهير الصحراء» الذي يجب أن يقوم «على أساس كفاح وطني ديمقراطي»، ولم تتراجع عن خطها القائل بأن «نضال جماهير الصحراء من اجل التحرر الوطني مرتبط بنضال الشعب المغربي من اجل حكم وطني ديمقراطي شعبي والهدف واحد هو بناء جمهورية ديمقراطية شعبية على أرض المغرب والصحراء...» فإنها لم تقدم نموذجا كفاحيا وجبهويا لهذه الوحدة، ومشاركتها في مؤتمرات جبهة البوليزاريو لا تختلف عنة مشاركة أحد فروع الحزب الشيوعي الفرنسي. ففي ثرثرة «الشعارات الوحدوية» وفراغ مضمونها العملي، تبقى جذور الانفصال قائمة، لا يغيّر من ماديتها الحنين الماركسي لوحدة تاريخية ولا الحرس الثوري على وحدة نضالية. فذلك الفرق الشاسع الفاصل بين نظريات الصراع وأشكال تطبيقه يكشف عن أزمة أخرى تتمظهر في أدبيات المنظمة المتناقضة، إلا أن تفصيلاتها تغوص في «همّ» آخر ينبغي البحث عنه في مجالات أخرى... إن تلك القوة «الملكية» القاهرة القادرة على تسيير الملايين في مسرحية سياسية «خضراء» والتي تتبادل أدوار التمثيل مع قوة استعمارية جبارة أخرى، والتي تجلس على صفحات التحليل المذكورة، تحيل كل القوى الأخرى إلى أشلاء، وتمحي من موازين القوى ذلك الإلحاح الشعبي (الجماهيري حينا والحزبي أحيانا) فتقلب التاريخ بقدرة قادر: فلا ترى «إلى الأمام» إلاّ الملك وهو يقود الشعب نحو وحدة رجعية، وتغلق عينيها عن الشعب الذي يرغم الملك في الدفاع عن وحدة تاريخية...

وبينما تستعيد منظمة «23 مارس» تراث الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الوحدوي، بعد أن خرجت من رحمه بخلاف إيديولوجي، وتتجاوز نفسها لتنسجم مع مجرى التاريخ قبل فوات الأوان، تستعيد منظمة «إلى الأمام» تراث الحزب الشيوعي المغربي لسنوات الأربعينات بعد أن تخلت عن تحريفاته في سنوات السبعينات الأولى، فتردد لغته الأولى وتنضوي في أحضانه، لكن بعد فوات الأوان: لقد وصل «التحريفي» قبل «الماركسي-اللينيني» إلى النقطة التي كان من المفترض على الثاني أن ينسحب الأول إليها: المسألة الوطنية.



هوامش الفصل السادس


1-بهذه العبارة، كان اميلكار كابرال يصف الجزائر.

2-عندما يتحدث علال الفاسي في «دفاعا عن وحدة البلاد» يعتبر أن الصحراء الغربية التي يطالب بها «ظلت مغربية منذ خلق الـله الأرض إلى أن دخلنا في الحماية الفرنسية سنة 1912، حيث وقع التقسيم الاستعماري فاقتطعت فرنسا واسبانيا من أرضنا ما شاء لهما الهوى».

3-نفت إدارة الحماية الفرنسية علال الفاسي إلى الغابون حيث بقي هناك من 1937 إلى 1946.

4-نقلا عن كراس خاص عن حزب الاستقلال بعنوان «الصحراء الغربية» صفحة 1-2.

5-نقلا عن كتاب خاص بالمؤتمر التاسع لحزب الاستقلال صفحة 69.

6-نقلا عن «ملف الصحراء الغربية» ص.ص 156-157.

7-نقلا عن النص الحرفي الذي نشرته مجلة «صحراء المغرب» العدد الثاني، 13 آذار/مارس 1957، وذلك رغم وجود أخطاء طباعية في أسماء القبائل وذلك حرصا على عدم تحريف النص الأصلي. وكانت مجلة «صحراء المغرب» قد بدأت بالصدور في 6 مارس/آذار عام 1957 بإشراف علا الفاسي، وكانت مهمتها محصورة بنقل أخبار الصحراء المحتلة كلها، أي الصحراء الغربية والشرقية وموريتانيا.

8-«صحراء المغرب»، العدد الثامن، 24/4/1957.

9-يؤكد هذا الموقف ما جاء في مذكرة الوالي حول محادثات التقسيم السرية بين المغرب والجزائر وموريتانيا أثناء المؤتمر.

10-صرّح علال الفاسي لصحيفة الوطن الكويتية الصادرة يوم 8 أيار/مايو 1974 قائلا «ان مشكلة تحقيق وحدتنا المغربية فإنها في نظري تتعلق ببعض الرؤساء والحكومات أكثر مما تتعلق بالشعوب...».

11-من المفيد مراجعة مضامين ندوة الشبيبة الاستقلالية التي نشرتها صحيفة «العلم» في عددها الصادر بتاريخ 15 آذار/مارس 1972، والتي تضمنت النص الكامل لمداخلة علال الفاسي.

12-المرجع السابق، صحيفة 3.

13-نقلا عن الكتاب الخاص بالمؤتمر التاسع، صفحة 73.

14-المرجع السابق، ص.ص 270-271.

15-عرض لنا السيد محمد بوستة أمين عام حزب الاستقلال ووزير خارجية المغرب، وجهة نظر الحزب المتكاملة حول الموقف من الصحراء الغربية والخلاف الجزائري-المغربي، وذلك أثناء حوار جرى في منزله في الرباط يوم السبت 31 كانون الثاني/يناير 1979. ووجهة النظر المذكورة أعلاه ليست سوى تلخيص لهذا الحوار وتعين نقاطه الأكثر أهمية.

16-اعتمدنا في عرض وجهة نظر الحزب الاستقلال على مؤلفات علال الفاسي المذكورة، إضافة إلى المقابلات والنقاشات التي جرت مع الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير الخارجية محمد بوستة، ورئيس تحرير جريدة العلم وعضو اللجنة التنفيذية للحزب محمد العربي المساري. كما أجرينا مناقشات مع أعضاء حزب الاستقلال المقيمين في الصحراء منذ ما قبل عودة المغرب إليها وخاصة الشيخ محمد فاضل حسن ربّا، ربه ماء العينين حفيد الشيخ ماء العينين ومفتش حزب الاستقلال في الأقاليم المسترجعة، والديش سيدي أحمد كاتب فرع الحزب ونائب رئيس جماعة حزب الاستقلال في مؤسسة فوسفات بوقراع، وأحد المقاتلين السابقين في جيش التحرير، والسيد بتاج النعمة محمد عبد الفتاح المكلف بالنقابات التابعة لحزب الاستقلال في مدينة العيون.

أما المطبوعات فقد اعتمدنا أساسا أرشيف جريدة العلم، والكتب الصادرة عن الحزب حول المؤتمرات السادس والتاسع والعاشر، إضافة إلى كتاب «المغرب واسبانيا في آخر المواجهة؟» للأستاذ محمد العربي المساري وبعض المنشورات الأخرى وخاصة الكتيبات التي أصدرها الحزب والتي تتضمن مواقف الحزب من قضية الصحراء والحجج التاريخية والقانونية للمغرب في الساقية الحمراء ووادي الذهب.

17-من تصريح له لصحيفة «الحياة الفرنسية» الطبعة المغربية، نيسان/ابريل 1959.

18-من تقرير قدمه المهدي بن بركة باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أثناء انعقاد المؤتمر للبلدان الافريقية، الذي انعقد في تونس ما بين 25-28 كانون الثاني/يناير 1960 ورد في «الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية» صفحة 91.

19-الاختيار الثوري صفحة 88.

20-ندوة الشبيبة الاستقلالية، صحيفة العلم، عدد 15 آذار/مارس 1972، وكذلك «الطريق الثوري» ص ص 92-93.

21-المرجع السابق صفحة 93. وكذلك صحيفة «الاتحاد الوطني» عدد 11 آب/أغسطس 1974.

22-نذكر هنا بموقف قيادة الاتحاد أثناء محادثات الوالي-بوعبيد المذكورة في الفصل الثالث.

23-نقلا عن كتاب المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صفحة 226.

24المرجع السابق، ص ص 254-255.

25-حسب ما ورد في التقرير المذكور صفحة 60.

26-نظرا لأهمية هذا المقال، أصدرت جماعة البصري كراسا خاصا يحمل نفس العنوان، ويضم جميع المقالات التي نشرت في صحيفة «الاختيار الثوري».

27-علي يعتة: الصحراء الغربية المغربية. صدر في المغرب باللغة الفرنسية.

28-أعلن علي يعتة في ندوة القاهرة هذا الموقف قائلا: «إن كتقدميين وديمقراطيين نقف مع مبدأ حق تقرير المصير وقدسيته»، ولكن على أساس «جلاء القوات الاسبانية عن الصحراء، السماح للاجئين الصحراويين بالرجوع إلى الصحراء للمساهمة في الاستفتاء، أن يكون الاستفتاء تحت الضمانة الفعلية للأمم المتحدة، أن يكون السؤال: هل تريدون الرجوع إلى البلد أم لا» نقلا عن «الطريق الثوري» صفحة 86.

29-الصحراء الغربية-المغربية، ص ص 96-97.

30-من المفيد مراجعة افتتاحيات أعداد جريدة «البيان» المغربية، الناطقة باسم الحزب، خاصة أعداد النصف الثاني من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1975، وأعداد الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير والأسبوع الأول من شهر شباط/فبراير 1976.

31-تتداول أوساط الحركة الماركسية –اللينينية أخبار متناقضة عن خلافات داخل منظمة «23 مارس» بين ما يدعى جماعة الداخل وجماعة الخارج، وان مناضلي الداخل يتعاطفون بشكل أو بآخر مع وجهة نظر «إلى الأمام» والبوليزاريو، بينما يناقض مناضلو الخارج هذا الموقف، ولما كانت المواقف الأولى غير معلنة بشكل واضح، فإن المواقف الثانية وحدها تسمح لنا بتوثيق موقف المنظمة المذكورة، دون أن نعمّم الموقف على معارضيها المجهولي الهوية بالنسبة إلينا.

32-الموقف الوطني الثوري من مسألة الصحراء المغربية، دار الكاتب، 1978، بيروت.

23-في اللقاءات التي تحاورنا خلالها مع احد مؤسسي المنظمة وعضو قيادتها محمد بن سعيد، أحد قياديي جيش التحرير الوطني في الجنوب، قال لنا أن موقف المنظمة السابق (المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب) كان ردة فعل وتعبير عن موقف طفولي يساري، اتساق مع اندفاع الحركة الجماهيرية المعادية للسلطة. وان المنظمة ناقشت الموقف وخرجت بنقد ذاتي وحدّدت خط التركيز على مغربية الصحراء الذي أقرته المنظمة في مؤتمرها الأول عام 1971. كما برّر لنا أن الانتقال من مقولة «تحرير الصحراء» على مقولة «استرجاع الصحراء» بأنه منطق فرضته موازين القوى في المنطقة. أما داخل المنظمة فقد هيمن الخط المسالم على الخط القائل بحرب التحرير الشعبية...

34-«الموقف الوطني...» صفحة 25 وفي الصفحات 35-53 تعرض المنظمة الأصول التاريخية لمغربية الصحراء وذلك في سياق دحضها لتحليل منظمة «إلى الأمام» القائل بانقطاع تاريخي بين المغرب والصحراء.

35-اعتمدنا في عرضنا لمواقف منظمة «23 مارس» على أعداد صحيفة 23 مارس الصادرة في الخارج وتحديدا الأعداد التالية: 1-11-12-14-15-16-20-21-22-23-25-36-48-55-57- كما اعتمدنا على الكراسات التي أصدرتها المنظمة، إضافة إلى البيانات والكتاب الخاص بالصحراء والمتضمن لأهم مقالات الصحيفة.

كما اعتمدنا على الحوار المباشر مع مناضلي المنظمة على كافة المستويات القاعدية والقيادية وبشكل خاص النقاشات العديدة التي أجريناها مع محمد بن سعيد في باريس في خريف 1978، وخلال عام 1979.

36-اعتمدنا في عرضنا لمواقف منظمة «إلى الأمام» على كافة الصحف التي صدرت منذ 1975 باسم المنظمة وبأسماء ولغات مختلفة (عربية فرنسية): إلى الأمام، الشرارة، طريق الثورة، مغرب النضال... وكافة البيانات الصادرة عن المنظمة حول موضوع الصحراء الغربية.




0 تعرّفي على أسرار الرجل التي تساعدك على سهولة التعامل معه
0 النصوص في الصينية
0 نوع جديد من ملابس السباحة يغظي كل الجسم
0 الألوان القوية والمشرقة تمنح المنزل إشراقة وحيوية
0 اهداف فالنسيا 2-0 اتليتيكو مدريد [3/11/2012]
0 ليس عندنا اشبال ..اصغرنا اسد!
0 قذائف سورية للمرة الثالثة وأنقرة ترد
0 اعراض مرض سرطان التدي
0 أمثال وحكم وعبارات ومصطلحات من اللغتين الألمانية والعربية "2"
0 عضويات مراقبة للمنتدى
0 تنجو من حادث سقوط حاوية على سيارتها
0 صور ترحيب بالعضو الجديد
0 الادوات في الروسية
0 رسالة الشهيدة حسيبة بن بوعلي إلى والديها تصل بعد 57 سنة
0 "صُنع في فلسطين" يثير إسرائيل على جنوب إفريقيا!!
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2013, 09:47 PM   #19
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 33
المشاركات: 17,075
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 25
د/روليان غالي will become famous soon enough
فصل السابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي/علي الشامي







فصل السابع من كتاب الصحراء الغربية ، عقدة التجزئة في المغرب العربي

إشكالات القرار الدولي


الخميس 10 شباط (فبراير) 2011

علي الشامي


اضغط هنا لتكبير الصوره


الصحراء الغربية وسط الصراع الدولي

ترافقت تطورات قضية الصحراء مع تداخلات دولية أنتجت بدورها ساحة صراع من نوع آخر، تلجأ إليها كافة الأطراف الباحثة عن مخرج ما لأزمة تدخلها المساهمات الدولية في إشكالات أكثر تعقيدا، فتتحول أزمة شمال افريقيا إلى وسيلة أو إطار لمعالجة أزمات أخرى متشابكة، تستهدف تصفية حسابات جانبية لا تشكل فيها قضية الصحراء إلا التبرير الدبلوماسي.

إن محاولة رصد التأثيرات الدولية وتاريخها تشترط الأخذ بعين الاعتبار مجموعة العوامل الدافعة بالاتجاه الدبلوماسي-الدولي والتي يمكن اختصارها بالنقاط التالية:

1-ساهمت الوضعية الجيو-إستراتيجية للصحراء الغربية، والتي تحدثنا عنها في الفصل الثاني، في إدخال مجموعة قوى أوروبية متنافسة ضمن الصراع حول القضية المغربية عامة منذ أوائل القرن.

ومنذ الفترة، ارتبط تطور وضعية الصحراء بشروط الأمن الاستراتيجي لمداخل افريقيا الأطلسية ولروابط محطات السيطرة الغربية في شمال افريقيا وافريقيا الغربية (الفرنسية) بشكل خاص. بهذا المعنى، يأتي التدخل الدولي الحالي، الدبلوماسي والعسكري، كاستمرار للمعالجة الدولية التنافسية الساعية إلى تحديد شروط غلبة إستراتيجية لأحد الأطراف المتنازعة، وبالتالي فإن ربط الاهتمام الدولي بالموقف الجغرافي للصحراء يصبح مسألة بديهية ينبغي مراعاة أهميتها في مرحلة اشتداد الصراع الدولي على مناطق النفوذ في القرة السوداء.

2-عزّزت النقاط الساخنة الأخرى دور الدول الكبرى في قضية الصحراء الغربية، بحيث انعقدت الصحراء بالقضايا المحيطة بها وخضعت في نفس الوقت.

ووفق هذا السياق تكون المشكلة المطروحة إطارا لمشكلات أخرى من المفترض معالجتها قبل إنهاء الموضوع الصحراوي. من هذه النقاط الساخنة، يأتي أولا الصراع السوفياتي-الأمريكي في افريقيا والذي يستهدف أساسا ضبط التغييرات المحلية (أنظمة وحركات تحرير) ضمن دائرة هذا الصراع، وحسم المعركة على الممرات المائية (البحر الأحمر، الأبيض، المحيط الهندي، المحيط الأطلسي) في وقت تتجه فيه الرياح المحلية ضد القواعد البحرية، وتزداد فيه الحاجة إلى حماية طرق النفط المسافر إلى أوروبا والولايات المتحدة.

يترافق ذلك مع شروط إقامة خطوط الدفاع الاستراتجي الداخلي المتشكل في أحلاف أو مشاريع أحلاف مدعومة بالاتحاد السوفياتي (الجزائر، ليبيا، أثيوبيا، اليمن الجنوبية) أو بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية (المغرب، السنغال، زائير، مصر...) إن عدم قيام الأحلاف بشكل جدّي لا يلغي وجود نوع من الربط بين هذه الخطوط، على الأقل سياسيا، ولا ينفي وجود المشروع الدولي الساعي إلى قيام الأحلاف العسكرية والسياسية والتي تدخل في انطلاق الصراع الاستراتيجي المذكور.

ويأتي ثانيا تأثير انشغال دول المغرب العربي بقضية ثانوية تبعدها عن القضايا الأكثر أهمية وخاصة المواد الأولية والشرق الأوسط. وبهذا المعنى لا يغدو مصادفة انفجار موضوع في زمن معين: الصراع الدولي حول المواد الأولية بين الدول المنتجة والدول المستهلكة (النفط، الفوسفات، الغاز، حوار الشمال-الجنوب...)، التضامن العربي حول قضية فلسطين والتحرك العالمي لهذا التضامن باتجاه تعميق المأزق الإسرائيلي ودفع الولايات المتحدة الأمريكية لقبول بالحد الأقصى للمطالب العربية (انسحاب من أراضي 1968 وقيام دولة فلسطينية مستقلة). وبالتالي فان مساهمات دول المغرب العربي في هذه المجالات تعطي زخما لاتجاه غير مسموح له أن يطور من منظار التنافس الدولي. فتدخل قضية الصحراء في صلب مشروع دولي لاستنزاف المغرب العربي داخليا وإبعاد إمكاناته عن الساحات الأخرى، وخاصة المغرب والجزائر.

ويأتي ثالثا ارتباط الدول المعنية في المغرب العربي، بشكل او بآخر، بعجلة الاقتصاد الأوروبي والأمريكي، مما يجعل الاستنزاف المطلوب هدفا قائما بذاته، لا ينبغي أن يصل إلى نهايته المنطقية: الحسم بغلبة طرف. وفق هذا السياق تبحث الدول المغربية عن إسناد أوروبي ودولي من منظار العلاقات المشتركة اقتصاديا وسياسيا، وتبحث الدول الأوروبية عن مشاركة في السياسة المحلية من منظار الأمن الاستراتيجي والمصالح الاقتصادية والعلاقات الثنائية وميزان القوى العالمي والافريقي... وبالتالي فان قرار أحد الأطراف المغربية في الوصول إلى انتصار حاسم يتطلب منه اتخاذ موقف حاسم من الدور الدولي، الأمر الذي لا تسعى إليه أية حكومة من الحكومات المعنية، بما فيه ذلك الحكومة الصحراوية.

فكل الأطراف تبحث عن دعم أميركي وسوفياتي واسباني وفرنسي. فلا المغرب يربط بين وحدة التراب الوطني وتحرير المغرب الموحد من التبعية الاقتصادية للغرب، ولا الجزائر تربط بين الهجوم الامبريالي-الرجعي على ثوار افريقيا الشمالية وبين علاقاتها الاقتصادية بالامبريالية نفسها. وعندما تكون، الأطراف المعنية تبحث عن دعم خارجي وعن تأييد دولي من أطراف يشترط الحل الصحيح لقضية الصحراء اتخاذ موقف واضح منها، فإن «الوحدة الترابية» وحق «الشعب الصحراوي» في الحرية والاستقلال يصبحان جزءا من مشكلة أخرى تطال كافة أشكال التدخل الدولي وطبيعة العلاقات التي تربطه بحكومات المنطقة، وبحدود الاستقلال الصحراوي المسموح به دوليا. إن كون الوحدة الترابية للمغرب تمت على أساس تسوية ما مع الغرب، تجعل نجاح المشروع الجزائري-الصحراوي يشترط بدوره تسوية مع هذا الغرب. وطالما أن منهج الطرفين في معالجة المسالة الوطنية يدخل في سياق التوازن (الصراع الدولي) ولا يضع نفسه في مواجهة مكشوفة وصريحة ضد الغرب، فإن التدخل الدولي يصبح إطارا لأزمة أخرى أكثر خطورة من قضية الصحراء، تشمل منطق الاستقلال الفعلي الذي تنادي به حكومات المنطقة بدون استثناء.

3-أدت حاجة الأطراف المعنية لدعم خارجي إلى إبراز الموقف الدولي وكأنه وساطة أحيانا، أو مجالا أساسيا للصراع الجزائري-المغربي أحيانا أخرى. غير أن ذلك لا يخفي وجود استراتيجيات أخرى ترى في المشكلة الصحراوية تبريرات لتدخلها، تارة بشكل حرص على السلام في المنطقة، وتارة أخرى بشكل دعم عسكري وسياسي لأحد الأطراف. يدخل كل ذلك في صلب المصالح الأساسية لهذه الدول، حيث يشكل التعاطي مع موضوع الصحراء إحدى الوسائل الهادفة إلى إطالة عمر هذه المصالح في شمال افريقيا خاصة وفي عموم القارة بشكل عام.

- من ناحية أولى، تبرز السياسة الفرنسية بوصفها صاحبة الدور التاريخي في المنطقة، والتي تعمل منذ سنوات على توجيه ودفع الأمور بالاتجاه المنسجم مع استرتيجيتها. وبالتالي فإن معرفة هدف التحرك الفرنسي المتعدد الوجوه تشترط استيعاب الإستراتيجية الفرنسية في شمال افريقيا والتي يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

أ-إستراتيجية التجزئة: تقدم المعطيات التاريخية التي ذكرناها في الفصل الأول مرتكزات الموقف الفرنسي الذي يقوم بشكل أساسي على قاعدة الحيلولة دون قيام دولة قوية في المغرب العربي، والذي يرى أن المدخل الغربي للقارة السوداء يجب أن يكون ضعيفا إلى أقصى درجة، وذلك مخافة قيام دولة قوية تهدد في المستقبل المصالح الفرنسية من ناحية، والأمن الاستراتيجي الفرنسي والأوروبي من ناحية ثانية.

إن مراجعة سياسية فرنسا الأفريقية خلال النصف الأول من هذا القرن تثبت، بدون أي التباس، أن السياسة الفرنسية تعتمد إما على الاستعمار المباشر وإما على خلق دويلات ترتبط بها مباشرة، تعجز على المدى المنظور، في الاستقلال عنها.

هذه السياسة تفسر المخطط الفرنسي التقسيمي للمغرب الأقصى الذي لم يكن خاضعا للدولة العثمانية، والذي لم تدخر جهدا في تقسيمه إلى دول عند أول سانحة:

عندما اندلعت ثورة الريف الأولى بقيادة عبد الكريم الخطابي في العشرينات ضد الاحتلال الاسباني في الشمال بشكل أساسي، اقترحت فرنسا على الخطابي إنشاء جمهورية في الريف مستقلة عن المغرب، وكاد الخطابي أن يدخل في المخطط، إلا انه استدرك واقترح الاستقلال ثم الوحدة، مع المغرب الباقي. أدى الأمر إلى تصفية الثورة، وفشل المخطط الفرنسي الأول الذي أعقبه مشروع الظهير البربري عام 1930 التقسيمي والذي فشل بدوره.

وعندما خاض الشعب المغربي معركة الاستقلال ضد فرنسا، تنازلت فرنسا عن قسم من المغرب عارضة مشروع تقسيمه إلى ثلاث دول: الدولة الأولى وهي المغرب الحالي من حوض المتوسط في الشمال إلى أغادير في الجنوب، ودولة في المنطقة الصحراوية الشرقية والغربية تشمل الساقية الحمراء ووادي الذهب وتندوف، وتكون عاصمتها تندوف، ودولة ثالثة في موريتانيا.

وقد استطاعت فرنسا تحقيق ثلثي المخطط، حيث ساعدت على قيام دولتين هما المغرب موريتانيا الأولى 1956 والثانية 1959-1960، وبقي الثلث الأخير معلقا إلى الظروف الملائمة، انتظارا لمجيء قوة ملائمة تحمل المشروع وتتبناه.

ب-التنافس الفرنسي-الاسباني: يكشف هذا التنافس أسباب قبول فرنسا بوجود اسبانيا في الصحراء. فقد لعبت فرنسا دورا كبيرا في دفع اسبانيا نحو الجنوب، وفي جميع الاتفاقات كانت فرنسا تعمل قدر المستطاع على إبعاد اسبانيا عن الوسط وعن حدود السنغال. حيث أن وجود اسبانيا على الساحل الجنوبي-الغربي لمحيط الأطلسي لم يكن يزعج المصالح الفرنسية كثيرا. ويكفي أن نذكر بموقف فرنسي واحد للتدليل على هذه السياسة:

عندما كانت فرنسا تخوض معركة سياسة مع اسبانيا أثناء مفاوضات عام 1904، التي أسفرت فيما بعد عن اتفاق سري تقسيمي للمغرب، اقترح السفير الفرنسي في لندن السيد كامبون على وزير خارجية بلاده آنذاك «دلكاسي Declasse» الذي كان يفاوض اسبانيا، أن يتنازل لاسبانيا في وادي الذهب والساقية الحمراء وليس في الوسط. وقد جاء في رسالة أرسلها السفير إلى الوزير بتاريخ 18 نيسان/ابريل 1904 ما يلي: «مما لا شك فيه أن الحكومة الاسبانية غير راضية عن اقتراحاتنا بخصوص شمال المغرب، وستطالب بلا شك بتوسع ترابي في الجنوب من ناحية سوس على ما يظهر، محاولة من وراء ذلك أن تنال أهم مركز وهو أغادير، ومن الصعب إرضاء هذا المطلب، إلا أنه ليس هناك مانع، على ما اعتقد، أن نسمح لها ببعض الامتيازات ما بين وادي درعا ورأس بوجدور...».

ج-السياسة الدفاعية: انسجاما مع (أ) و(ب) سارت فرنسا في سياسة متعددة الأشكال. ففي سنوات الستينات، كانت تعيد ترتيب أوضاعها في المنطقة بعد خروجها من الجزائر. فعملت على تعزيز مواقعها في تونس والمغرب وموريتانيا والسنغال لتطويق التأثير الثوري الجزائري. كما كانت أحيانا تمتنع عن التصويت وأحيانا تصوت في الأمم المتحدة لصالح قرارات إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية، وذلك انسجاما مع علاقاتها بالدول الحليفة، وخاصة المغرب وموريتانيا. ولكن ذلك لا يعني إطلاقا معارضتها للمشروع الاسباني، إذ أنها داخلة في عملية البحث والتنقيب عن الفوسفات، وللشركات الفرنسية أسهم كبيرة في هذه الاستثمارات. هذا إضافة إلى إستراتيجيتها القائمة على أساس منع قيام دولة قوية على المدخل الغربي لافريقيا حتى وإن كانت حليفة لها. وهذا ما يفسر تعاطفها مع الموقف الاسباني، ودعمها للموقف الموريتاني في أواخر الستينات.

وفي السبعينات اضطرت إلى تغيير وجهة سيرها أكثر من مرة، وذلك لعدة أسباب جوهرية:

1-علاقتها الثنائية بدول المنطقة، وحرصها على أن لا تفقد حليفا على حساب الآخر.

2-وجود اسبانيا في الصحراء الذي يعطي ضمانات لفرنسا أكثر من أي حليف آخر، وخاصة في مرحلة اشتداد الصراع الدولي والنضال التحرري في القارة الافريقية، عدا وجود كل من اسبانيا وفرنسا في حلف واحد يملك إستراتيجية عسكرية واحدة فيما يتعلق بالأمن الأوروبي وبحماية المصالح الامبريالية في افريقيا بشكل خاص.

3-حرب تشرين 1973/أكتوبر وأزمة النفط، وارتباط الاقتصاد الفرنسي بشكل كبير بالنفط العربي وباليد العاملة العربية الخ. أحرج كل ذلك الموقف الفرنسي المؤيد لقيام دولة صحراوية مستقلة، أي تأييد المشروع الاسباني.

4-ازدياد علاقتها الاقتصادية مع الجزائر وتحسين هذه العلاقات، مما وضع الموقف الفرنسي أمام خيارات صعبة، فأما أن تؤيد الجزائر وتخسر المغرب، والعكس بالعكس.

اختارت فرنسا عدم التدخل المباشر، وترك الأمور تسير كما هي مطروحة على أساس معادلة الصراع العربي-الاسباني من ناحية، والجزائري-المغربي من ناحية ثانية. هذا الموقف يضمن لها نتائج ايجابية مهما كان شكل التسوية بين الأطراف المعنية. فإذا تراجع المغرب أمام المشروع الاسباني، تكون فرنسا قد حققت حلمها في تقسيم المغرب وقيام دولة غير عربية في اضعف الحالات تحول دون تقوية ووحدة المغرب العربي، وتكون قاعدة أمامية للدفاع عن المصالح الامبريالية، والتي تشكل المصالح الفرنسية أهمها على الإطلاق. وإذا كانت النتيجة عكس ذلك تكون فرنسا قد حافظت على علاقتها الجيدة مع العالم العربي، بل تستطيع الدخول إلى هذا العالم بشكل واسع، سواء للحلول مكان الولايات المتحدة او مكان الاتحاد السوفياتي. من ناحية ثانية، إذا انتصر الموقف الجزائري على الموقف المغربي، تكون فرنسا ضد ضمنت مصالحها في الجزائر، وتحقق حلمها بقيام دولة، وأخيرا لا تخسر المغرب لأنها لم تدعم الموقف الجزائري علنا. وإذا كانت النتيجة عكس ذلك، تكون علاقتها بالمغرب وموريتانيا قوية، يزيدها قوة حاجة هذين البلدين لها في مواجهة الجزائر، وفي نفس الوقت تكون قد حافظت على علاقتها الجيدة مع الجزائر.

وأخيرا، فإن بقاء الصراع مكشوفا، والدول في حالة استنزاف، يترك الموقف الفرنسي أمام احتمالات نتائجها ايجابية في كل الحالات. إذا طالما أن الاستنزاف قائم، طالما أن الدول المتصارعة تتسابق للحصول على الدعم الفرنسي. طبعا الاستنزاف له حدود، إذ عندما يصل إلى مستوى يهدد فيه أحد الكيانات، فان فرنسا لا تتأخر في التدخل السياسي والعسكري لمصلحة هذا الكيان. وهذا ما حصل عامي 1977-1978 عندما تدخلت فرنسا عسكريا لحماية النظام الموريتاني من هجمات البوليزاريو.

وضع هذا الموقف فرنسا في موضع جيد بالنسبة للوساطة بين كافة الأطراف، حيث بدأت تلعب دور المقرب لوجهات النظر، والباحث عن تسوية عادلة تحفظ مصالح كل الأطراف خاصة وأن المشروع الاسباني قد انتقل من يد اسبانيا إلى يد الجزائر، وبالتالي فلا حرج فرنسيا تجاه اسبانيا، وقد برز هذا الموقف بوضوح عندما حاولت فرنسا معالجة الأزمة الموريتانية.

ففي العام الماضي، تداركت فرنسا موقفها، واستوعبت مسألة هامة، وهي أن الاستنزاف إذا استمر سوف يقضي على موريتانيا التي يتمتع فيها النفوذ الفرنسي بمواقع شبه مطلقة. لذلك بدأت تتحرك باتجاه إيجاد مخرج يحفظ الاستقرار في موريتانيا المحاذية للسنغال والمغرب والجزائر والصحراء، وفي نفس الوقت، إقناع المغرب والجزائر بحل وسط يجعل مصالحها بمنأى عن أي خطر.

ضمن هذا السياق، نفهم الانقلاب الموريتاني الذي جرى في صيف 1978 والمدعوم من فرنسا، والتقارب بين فرنسا والبوليزاريو، والزيارات المكثفة لمسؤولين جزائريين لفرنسا، ولجوء المغرب دائما إلى فرنسا في الفترات الحرجة، وأخيرا مشروع التسوية التي أبرزتها بشكل غير مباشر أوساط وزارة الخارجية الفرنسية والتي تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل الأطراف، والتي تباحث حولها الرئيس الفرنسي مع وزير خارجية الجزائر أواخر العام الماضي، ومع الملك الحسن الثاني أثناء زيارته لباريس (1).

تشترط المعلومات الأولية حول هذه التسوية اعتراف المغرب بالبوليزاريو، وكذلك موريتانيا، وإعطاء حق تقرير المصير للصحراويين داخل المنطقة التي استلمتها موريتانيا على أساس قيام اتحاد كونفدرالي بين هذا الإقليم وموريتانيا.

ولكي يوافق المغرب والجزائر على هذه التسوية، التي وافقت عليها موريتانيا بشكل شبه علني، تقترح فرنسا تعديلا في الحدود من ناحية بيرموغرين بحيث يصبح للجزائر حدود مشتركة مع هذا الإقليم، أو يعطي المغرب للجزائر منفذا على الأطلسي إذا فشل المشروع الأول. أما المغرب فتقدم له فرنسا ضمانات بأن وجود نوع من الحكم الذاتي الصحراوي لن يؤدي إلى تهديد الأمن الاستراتيجي للمغرب، إذ أن فرنسا سوف تساهم مباشرة في حماية هذه الكونفدرالية.

يكمن الهدف الأساسي لهذا المشروع-التسوية في عملية الدفاع عن الإستراتيجية الفرنسية التي ترى ضرورة سحب موريتانيا من الصراع المغربي-الجزائري، وسبب ذلك خوف فرنسا من فقدان الموقع الموريتاني، وذلك بسبب خطر حدوث تناقضات داخلية قبلية في موريتانيا، تؤدي إلى حالة عدم استقرار في بداية الأمر وإلى تمزيق الدولة الموريتانية فيما بعد، الأمر الذي يهدد مباشرة المصالح الفرنسية سواء الاقتصادية (الحديد) أم الإستراتيجية (الإشراف على المحيط الأطلسي، وعلى افريقيا الفرنسية وعلى شمال افريقيا وجنوبها).

- من ناحية ثانية، يندرج الموقف الأميركي في سياق استنزافي غير باحث عن حل جدّي، وهو بهذا المعنى يتطابق مع الموقف الفرنسي، ويتجاوزه أحيانا حسب نظرية الصراع الاستراتيجي الأميركي-السوفياتي للسيطرة والنفوذ في القارة الافريقية.

يتقاطع هذا الموقف في خطين أساسيين:

1-منع قيام أية وحدة مستقبلية بين الدول العربية في شمال افريقيا، والحفاظ على المشاكل والتناقضات بين الأطراف المحلية الأمر الذي يساعدها على الحفاظ على مصالحها أطول فترة ممكنة. وهي لا تستطيع تأييد أي من الجزائر والمغرب، لأن لها مع الجزائر علاقات اقتصادية متينة (الغاز) وكذلك مع المغرب (الفوسفات).

هذا يعني، أن الولايات المتحدة تقيس موقفها من الصحراء ومن الصراع الجزائري-المغربي على مقياس مصالحها الاقتصادية. فهي تؤيد السياسة الجزائرية ولا تؤيدها في نفس الوقت. تؤيدها، لأنها تعمل على قيام دولة ثالثة بين المغرب وموريتانيا والجزائر، وتزيد في وضع الصعوبات أمام وحدة المغرب العربي وتعزز النزعة الإقليمية. ولا تؤيدها، لأن السياسة الجزائرية وإن أدت إلى قيام دولة، فقد تمهد الطريق لمجيء الاتحاد السوفياتي إلى افريقيا الغربية، مما يجعل الاتحاد السوفياتي في وضع هجوم استراتيجي متفوق من ناحية القرن الافريقي والغرب الافريقي، وتعزّز نفوذ الجزائر محليا وفي العالم الثالث (افريقيا خاصة).

تؤيد المغرب ولا تؤيده. تؤيده، لأن المغرب إذا حقق مشروعه فإن ذلك يعزز موقع القوى المحلية الصديقة للغرب، ويبعد خطر التدخل السوفياتي عن أبواب أوروبا البحرية. ولا تؤيده، لأن حصول المغرب على مساحات كبيرة غنية بالثروات الطبيعية، سوف يجعل منه دولة قوية غير مضمون ولاؤها باستمرار، ومثل أثيوبيا مازال مائلا أمام السياسة الأمريكية. أضف إلى ذلك أن المغرب هو أهم منتج للفوسفات في العالم، وتختزن أراضيه اكبر احتياط للفوسفات فإذا أضيف فوسفات الصحراء فإن ذلك سيعطي للمغرب مكانة اقتصادية شبيهة بالنفط السعودي (2)، مما يعطي للمغرب ورقة ضغط قوية يمكن استعمالها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أدخلت الفوسفات في أساس برنامجها الزراعي الوطني.

2-يتحدد الموقف الأمريكي من الصحراء على ضوء الحاجة العسكرية الإستراتيجية للحلف الأطلسي عامة، وللولايات المتحدة الأمريكية خاصة. فالولايات المتحدة، التي خسرت قواعدها في الجزائر ومصر وليبيا، تحتاج إلى قواعد أخرى لتأمين الحماية للحليف الأوروبي، ولمراقبة التحركات السوفياتية على مداخل العالم العربي وافريقيا. فإذ أضفنا خسارة الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية في المستعمرات البرتغالية، وحاجتها إلى نقل هذه القواعد إلى مكان آخر قريب (يظهر أن الصحراء هي الأنسب) ونقل قاعدة ويلس من ليبيا إلى الجزر الخالدات، إضافة إلى أهمية القواعد العسكرية في هذه الجزر، لأدركنا أهمية الصحراء العسكرية على مدخل افريقيا، وممرات النفط... وفي هذا المنطق يبدو أن أنسب حل للولايات المتحدة الأمريكية هو قيام دولة ضعيفة، ولكن مهيأة لتكون قاعدة أمامية على مفترق الطرق والبري والبحري بين افريقيا وأوروبا والعالم العربي، وعلى نقطة الاتصال البري بين عرب شمال افريقيا، وبين هؤلاء والمدخل البحري للقارة الافريقية من ناحتي البحر الأحمر والقرن الافريقي.

بهذا المعنى، نفهم سبب التأييد الأمريكي لاسبانيا طيلة الخمسينات والستينات، ومغزى المعاهدات العسكرية الأمريكية-الاسبانية وخاصة معاهدتي 1954 و1970، ومدى أهمية اسبانيا العسكرية بالنسبة للحلف الأطلسي، وكيف أن تأييدها لقرارات الأمم المتحدة كان يدخل في مخطط تنفيذ المشروع الاسباني مباشرة، وليس أي شيء آخر.

كشفت أحداث السبعينات وتطوراتها تغييرا نوعيا في الموقف الأمريكي دون أن يتناقض مع إستراتيجيتها الأساسية... ففي فترة اشتداد أزمة الشرق الأوسط ومأزق الحلف الأميركي-الإسرائيلي بعد حرب تشرين/أكتوبر، وفتح ملف المواد الأولية، وبروز الهجوم الاستراتيجي السوفياتي في القرن الافريقي والبحر الأحمر، كانت الولايات المتحدة تقيس خطواتها انسجاما مع التطور المتسارع للأحداث. فقد كانت تريد توجيه عدة ضربات وكسب عدة جولات في نفس الوقت: تمرير اتفاقية سيناء، ضرب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، سحب الجزائر من المشرق، إسقاط بومدين (البديل المحتمل لجمال عبد الناصر في افريقيا والعالم الثالث)، إبعاد الاتحاد السوفياتي، ترتيب الوضع المتفجر في افريقيا الجنوبية، ضمان السيطرة على ممرات النفط ومنابعه، منع استعمال الفوسفات المغربي في سياسة معادية، الخ.

على قاعدة هذه الأهداف، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحرك بشكل غير بارز بالنسبة لموضوع الصحراء، وذلك بالتنسيق شبه التام مع التحرك الفرنسي، دون أن يحرم ذلك البيت الأبيض من اتصالات خاصة تتمحور حول تأييد المغرب والجزائر في آن واحد: استمرار الاستنزاف بينهما دون السماح باختراق التوازن المطلوب من قبل أحدهما. بهذا المعنى، تقدم الولايات المتحدة الأمريكية ضمانات للجزائر في فترة التفوق المغربي (عام 1976) وتقبل بتحسين الوضع العسكري المغربي في فترة الهجوم العسكري الصحراوي-الجزائري (عام 1979). وبهذا المعنى أيضا يتصارع المغاربة والجزائريون والصحراوين في الداخل ويتسابقون لكسب التأييد الأمريكي في الخارج، فيدخلون بشكل واع إلى الصراع الدولي ويخضعون لتوازناته فيستقرون في المأزق وينتظرون الفرج الدبلوماسي.

قرارات الأمم المتحدة بين المبادئ والتوازنات

انسجاما مع هذه الوضعية المتشابكة (علاقات ثنائية، مصالح اقتصادية، مواقع إستراتيجية، تنافس دولي، البحث عن دعائم خارجية، اللعب على التناقضات، ازدواجية بالتحالفات، الخ). دخلت حكومات المغرب العربي إلى الساحة الدولية لمعالجة مشكلة عجزت عن حلها فيما بينها.

بدأت المواجهة الأولى في أروقة الأمم المتحدة بمبادرة من الحكومة المغربية بادئ الأمر، التي فتحت المعركة الدبلوماسية ضد اسبانيا بهدف تحقيق عدة أمور:

1-استرجاع ايفني والساقية الحمراء ووادي الذهب وتوحيدها مع المغرب بعد جلاء القوات الاسبانية عنها.

2-الاستجابة لمطلب شعبي عريض كان الحكم يردّ عليه تارة بالسلب (تجميد حرب التحرير ومطاردة قيادة جيش التحرير) وتارة بالإيجاب (من خلال تبنّي المطلب والظهور بمظهر الحريص على وحدة التراب الوطني). ولكي يتجاوز القصر عقدة الطلب الشعبي المستلزم بالضرورة مواجهة مغربية-اسبانية على أرض الواقع، لجأ إلى المجال الدبلوماسي ليخوض معركة هادئة تتجاوز حساباتها شكليات استعادة المناطق المحتلة.

3-إبعاد خطر الجزائر وموريتانيا (الأولى لخلاف الحدود وحرب الرمال 1963، والثانية بسبب كونها تجزئة للتراب المغربي وغير شرعية وغير معترف بها من قبل حكومة الرباط) الذي كان يقوم على قاعدة تحرك موريتاني يطالب بدوره بالصحراء الغربية، مدعوم ضمنا من الجزائر، حليف الستينات.

لذلك، فإن تسوية أحد هذه الأمور كان كافيا لتعديل المواجهة الدولية وتغيير وجهة سيرها. إن مراقبة قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن تعكس هذه المعادلة بوضوح. ففي فترة الحل المتناقض وغير الملح بالنسبة لكل الأطراف (اسبانيا، المغرب، وموريتانيا) كانت قرارات الأمم المتحدة عامة ومنسجمة مع المبادئ المتعارف عليها. وتشهد قرارات الستينات على ذلك:

- انطلاقا من القرار رقم «1514»، الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 14-12-1960، الذي يدعو إلى القضاء على كافة أشكال الاستعمار «وتحويل السلطة في البلدان غير المستقلة في اقرب الآجال إلى شعوب هذه البلدان دون شرط تقييد إرادتهم في التعبير بكل حرية، ودون النظر إلى المعتقد أو اللون أو الجنس...»- البند الخامس- ويعتبر أن «كل محاولة تستهدف تحطيما جزئيا أو كليا للوحدة الوصية أو السيادة الترابية للبلد المستعمَر متعارضة مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة». -البند السادس- فإن موقف الجمعية العامة كان دائما يدور حول المطالبة بوضع حد نهائي للاستعمار الاسباني في إقليم الصحراء، ويطالب بحق تقرير المصير لسكان هذا الإقليم.

هذا الموقف كان يعبر باستمرار عن ميزان القوى السياسي داخل الجمعية العامة، سواء كان الموقف يتعلق بقضايا الاستعمار بشكل عام، أو كان يتعلق بالقرارات التي تدعو اسبانيا إلى الانسحاب، أم القرارات المتعلقة بحق تقرير المصير.

ففي القرار رقم «2072» الصادر عن الدورة الـ 20 للجمعية العامة بتاريخ 16-12-1965، تدعو الجمعية العامة اسبانيا، بوصفها الجهة المعنية، إلى وضع حد نهائي لسيطرتها الاستعمارية في منطقتي ايفني والصحراء الاسبانية، كما تدعو إلى ضرورة البدء بالمفاوضات المتعلقة بقضايا السيادة في هاتين المنطقتين.

وفي القرار رقم «2229» الصادر عن الدورة الـ 21 للجمعية العامة بتاريخ 20-12-1966، تذكر الجمعية العامة اسبانيا بعدم تنفيذها والتزامها للقرار السابق، وتؤكد في البند الأول على «الحق الثابت لشعوب ايفني والصحراء الاسبانية في تقرير المصير وفقا للقرار رقم «1514» الصادر عن الجمعية العامة»،وتدعو في البند الرابع اسبانيا «إلى تحديد الكيفيات الملائمة وفي اقرب وقت ممكن لتنظيم استفتاء يكون تحت إشراف الأمم المتحدة، وطبقا لمطامح سكان الصحراء الاسبانية وبالتشاور مع الحكومات المغربية والموريتانية وجميع الأطراف الأخرى المعنية، وذلك من أجل تمكين سكان الإقليم من ممارسة حقهم في تقرير المصير بكل حرية».

وفي القرار رقم «2354» الصادر عن الدورة الـ 22 للجمعية العامة بتاريخ 19-12-1968، يتم الفصل بين قضيتي ايفني والصحراء الغربية.

بالنسبة لإقليم ايفني، يطالب القرار الحكومة الاسبانية بإنهاء الاستعمار والبدء بالمحادثات مع الحكومة المغربية حول عملية نقل السلطات.

بالنسبة لإقليم الصحراء، يطالب القرار بنفس الموقف الذي نص عليه القرار السابق، والذي يدعو إلى إجراء الاستفتاء، وحق تقرير المصير، والتشاور مع حكومتي المغرب وموريتانيا وبقية الأطراف المعنية.

يعكس هذا القرار تأثير الاتفاق المغرب-الاسباني على نص القرار نفسه. فالقسم الأول أتى بعد تسوية بين البلدين تنسحب بموجبها اسبانيا من إقليم ايفني الذي يعود إلى المغرب دون معارضة الجزائر وموريتانيا. والقسم الثاني يعكس استمرارية الخلاف. بينما القرار الذي سبقه يبين انصياع الأمم المتحدة لمنطق الصراع الجهوي نفسه، فتجمع في قرار واحد بين الاستفتاء، والتشاور مع المغرب وموريتانيا وحق تقرير المصير للصحراويين.

بمعنى آخر، يخضع الأول لمنطق الصراع المغربي-الموريتاني، ويخضع الثاني لمنطق الاتفاق المغربي-الاسباني، ولمنطق التنافس المثلث في شمال افريقيا. والنص لا يخفي ذلك.

بعد التذكير بمضامين القرارات السابقة، ينص هذا القرار في القسم الأول على ما يلي:

«1-تؤكد من جديد الحق الثابت لشعب الصحراء الاسبانية في تقرير المصير طبقا للقرار 1514 للجمعية العامة.

2-تصادق على الفقرة المتعلقة بإقليم ايفني التي تضمنها تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بدراسة الوضعية فيما يتعلق بتطبيق التصريح الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، وتتبنى الإجماع المصادق عليه في 14 أيلول/سبتمبر 1967 من طرف اللجنة الخاصة.

3-تطلب من القوة المديرة أن تتخذ فورا الإجراءات اللازمة للتعجيل بتصفية الاستعمار من ايفني، وأن تضبط مع الحكومة المغربية، بالنظر لمطامح السكان الأصليين، تراتيب تحويل السلطات طبقا لأحكام القرار 1514 للجمعية العامة.

4-تدعو القوة إلى مواصلة الحوار الذي شرع فيه مع الحكومة المغربية قصد تنفيذ أحكام الفقرة 3 أعلاه.

5-ترجو اللجنة الخاصة مواصلة دراستها للوضعية في إقليم ايفني، وتقديم تقرير في هذا الشأن إلى الجمعية العامة في دورتها الثالثة والعشرين».

وعكس القسم الثاني نشأة الأطراف المعنية، وإشراك المغرب وموريتانيا إلى جانب اسبانيا والصحراويين في عملية التحضير للاستفتاء. وقد جاء في هذا القسم ما يلي:

«1-تؤكد من جديد الحق الثابت لشعب الصحراء الاسبانية في تقرير المصير طبقا للقرار 1514 لجمعية العامة.

2-تصادق على الفقرة المتعلقة بإقليم الصحراء الاسبانية التي تضمنها تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بدراسة الوضعية فيما يتعلق بتطبيق التصريح الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، وتتبنى الإجماع المصادق عليه في 14 أيلول/سبتمبر 1967 من طرف اللجنة الخاصة.

3-تدعو القوة المديرة ان تضبط في اقرب وقت ممكن، وتمشيا مع مطامح السكان الأصليين للصحراء الاسبانية، وبتشاور مع الحكومتين المغربية والموريتانية وأي طرف آخر معني –ان تضبط تراتيب تنظيم استفتاء يجري تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة، قصد تمكين السكان الأصليين لهذا الإقليم من ممارسة حقهم في تقرير المصير بكل حرية، ولهذا الغرض عليها:

أ-أن تهيئ الجو السياسي الملائم لكي يجري الاستفتاء على أسس من الحرية الكاملة والديمقراطية والنزاهة، مع السماح بعودة المبعدين إلى الإقليم.

ب-أن تتخذ كل الإجراءات اللازمة حتى تضمن ألا يشارك في الاستفتاء سوى السكان الأصليين للإقليم.

ج-أن تمتنع عن أي عمل من شأنه أن يؤخر عملية تصفية الاستعمار من الصحراء الاسبانية.

د-أن تمنح كل التسهيلات اللازمة لبعثة من الأمم المتحدة حتى تستطيع أن تشارك فعليا في تنظيم وإجراء الاستفتاء.

4-ترجو الأمين العام أن يقوم فورا بالتشاور مع القوة المديرة واللجنة الخاصة، بتعيين البعثة الخاصة المنصوص عليها في الفقرة 5 من القرار 2229 للجمعية العامة، وان يعجل بإرسالها إلى الصحراء الاسبانية حتى توصي بإجراءات عملية تتعلق بالتطبيق الكامل لقرارات الجمعية العامة، وخصوصا لتقرر إلى أي حدّ تشارك هيئة الأمم المتحدة في تحضير ومراقبة الاستفتاء، وان تقدم في اقرب وقت ممكن تقريرا إلى الأمين العام الذي يحيله إلى اللجنة الخاصة.

5-ترجو اللجنة الخاصة مواصلة دراستها للوضعية في إقليم الصحراء الاسبانية وان تقدم تقرير في هذا الشأن إلى الجمعية العامة في دورتها الثالثة والعشرين».

سوف تتكرر هذه المضامين حرفيا في نصوص القرارين التاليين:

- القرار رقم «2428» الصادر عن الدورة الـ 23 للجمعية العامة بتاريخ 18-12-1968، الذي يكرر حرفيا ما ورد في القرار السابق حول ايفني والصحراء.

- القرار رقم «2591» الصادر عن الدورة الـ 24 للجمعية العامة بتاريخ 16-12-1969، الذي يتأسف من كون اسبانيا قد أهملت إجراء المفاوضات حول الاستفتاء، ويكرر حرفيا ما ورد في القرار السابق حول الصحراء.

بعد انسحاب اسبانيا من ايفني، غيرت القرارات بعض عباراتها وتمحورت حول تقرير المصير:

ففي القرار رقم «2711» الصادر عن الدورة الـ 25 للجمعية العامة بتاريخ 14-12-1970، يجري تكرار ما ورد في القرار السابق مع إضافة بعض النقاط ذات الدلالة السياسية الهامة.

في البند الثالث، يكرّر الأسف لعدم الالتزام بموضوع الاستفتاء، وفي البند الرابع يعتبر أن استمرار الوضع الاستعماري داخل الصحراء سوف يؤخر حالة الاستقرار في منطقة شمال غربي افريقيا، وفي البند الخامس يتأسف القرار على الأحداث الدامية التي وقعت في الصحراء في شهر حزيران/يونيو عام 1970 ويدعو اسبانيا إلى اتخاذ الإجراءات العملية من اجل تنفيذ مشروع الاستفتاء.

في البند الثامن ينص القرار على موقف جديد للجمعية العامة حيث يؤكد «اعترافها بشرعية الكفاح الذي تخوضه الشعوب المستعمرة من اجل ممارسة حقها في تقرير المصير، وباختيارها الحر وتدعو جميع الدول ان تقدم لها جميع المساعدات الضرورية». وأخيرا في البند التاسع تدعو الجمعية العامة، بإلحاح، اسبانيا إلى احترام وتطبيق القرارات الصادرة عن الجمعية العامة.

والقرار رقم «2983» الصادر عن الدورة الـ 27 للجمعية العامة بتاريخ 14-12-1972، نص حرفيا على ما ورد في القرار السابق، ولكنه تضمن موقفين جديدين. ورد الموقف الأول في البند الثاني وينص على أن الجمعية العامة «تؤكد شرعية الكفاح الذي تخوضه الشعوب المستعمرة، وتضامنها ومساندتها لسكان الصحراء في كفاحهم الذي يخوضونه من اجل ممارسة حقهم في تقرير المصير والاستقلال، وترجو من جميع الدول تقديم المساعدات المعنوية والمادية الضرورية لهذا الكفاح».

الموقف الثاني ورد في البند السابع وينص على «مسؤولية الأمم المتحدة في جميع المشاورات. الرامية إلى تمكين سكان الصحراء الاسبانية في التعبير عن إرادتهم بكل حرية».

أما القرار رقم «3162» الصادر عن الدورة الـ 28 للجمعية العامة بتاريخ 14-12-1973، فقد حافظ على نفس المضامين التي وردت في القرارات السابقة وخاصة قراري 1970 و1972. وجدد تعلق الجمعية العامة وتمسكها بمبدأ تقرير المصير.

غير أن فتح الملف الصحراوي كاملا من قبل المغرب في مواجهة اسبانيا ادخل الأمم المتحدة في مأزق وغير مضمون قراراتها.

حيث أن القرار رقم «3292» الصادر عن الدورة الـ 29 للجمعية العامة بتاريخ 13-12-1974، كان يعكس بداية مرحلة جديدة في مواقف الأمم المتحدة من قضية الصحراء، إذ تضمن عددا من النقاط التي تعكس طبيعة الخلافات السياسية داخل الأمم المتحدة وفي المنطقة المعنية حول موضوع تقرير المصير والحقوق التاريخية.

بعد ان يؤكد هذا القرار حق تقرير المصير لسكان الصحراء، يعلن، آخذا بعين الاعتبار تصريحات وزيري خارجية المغرب وموريتانيا أمام الجمعية العامة بتاريخ 2-10-1974، والتصريحات التي أعلنها ممثلو هذين البلدين والمتعلقة بكونهما المعنيين بمصير هذا الإقليم، وبعد الاستماع إلى وجهات نظر كل من ممثلي اسبانيا والجزائر في الجمعية العامة، بعد هذا كله يعلن هذا القرار عن نقل الموضوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وذلك لاستشارتها ومعرفة رأيها حول السؤالين التاليين:

1-هل كانت الصحراء الغربية -الساقية الحمراء ووادي الذهب- عند استعمارها من طرف اسبانيا أرضا بدون سيد؟

وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال الأول سلبية.

2-فما هي العلاقات القانونية التي كانت لهذا الإقليم مع كل من المملكة المغربية والمجموعة الموريتانية؟

انسجاما مع هذا الموقف تطلب الجمعية العامة في البند الثالث «تأجيل الاستفتاء المزمع تنظيمه في الصحراء الغربية» وذلك بانتظار الرأي الذي ستعطيه محكمة العدل الدولية.

وبذلك تكون الأمم المتحدة قد نقلت الخلاف إلى مستوى قانوني يخفف عنها أعباء التناقضات الدولية، ويفتح صفحة جديدة في المواجهة الدبلوماسية التي ستؤدي بدورها إلى مزيد من الارتباك والعمومية في قرارات المنظمة الدولية.

ضمن هذا الإطار صدر القرار رقم «3453» الصادر عن الدورة الـ 30 للجمعية العامة بتاريخ 10-12-1975، بعد حدوث بعض التطورات الأساسية منها إبلاغ محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري للجمعية العامة بتاريخ 16-10-1975، وتقرير البعثة الخاصة وبعثة الاستقصاء التي زارت في 3 أيار/مايو المنطقة واجتمعت بكل الأطراف المعنية، وبعد صدور قرارات مجلس الأمن الثلاثة. تضمن هذا القرار قسمين «أ» و«ب»:

- أ-في البنود 1 و2 و3 من هذا القسم، تكرر الجمعية العامة نفس المضامين الواردة في القرارات السابقة. في البند الرابع «تسجل الجمعية العامة بارتياح الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية»، كما تسجل، في البند الخامس، بارتياح «تقرير البعثة الدولية لتقصي الحقائق في الصحراء الغربية لسنة 1975 وتتبنى النتائج الصادرة عن مهمة هذه البعثة والقائلة بوجوب اتخاذ الإجراءات لإتاحة الفرصة لجميع الصحراويين الأصليين في أن يقرروا مستقبلهم بكل حرية وفي جو من السلام والأمن طبقا للقرار رقم 1514».

وفي البند السابع «تطلب الجمعية العامة من الحكومة الاسبانية بوصفها الدولة المديرة، وطبقا للملاحظات ونتائج محكمة العدل الدولية، اتخاذ جميع الإجراءات الفورية والضرورية وبالتشاور مع جميع الأطراف المعنية والمهتمة من أجل تمكين جميع الصحراويين الحقيقيين من ممارسة حقهم الذي لا جدال فيه لتقرير مصيرهم بصورة كاملة حرية تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة». يعني هذا القسم باختصار التمسك بتقرير المصير.

- ب- يتناول هذا القسم الجانب المتعلق باتفاقية مدريد الثلاثية. في هذا القسم يعلن القرار في البند الأول عن «اخذ علم الجمعية العامة بهذه الاتفاقية»، وفي البند الثاني عن «تمسك الجمعية العامة بحق تقرير المصير لجميع الصحراويين الأصليين وفقا للقرار رقم «1514» وفي البند الثالث عن «تمني الجمعية العامة على الأطراف الموقعة على اتفاقية مدريد في 14-11-1975 احترام تطلعات السكان الصحراويين»، وفي البند الرابع «تتمنى الجمعية العامة من الإدارة المعنية إجراء اللازم بشكل يسمح لسكان الصحراء الأصليين بممارسة حقهم في تقرير المصير عن طريق المشاورات الحرة والمنظمة وبحضور مراقب من منظمة الأمم المتحدة يختاره الأمين العام». يثبت هذا القسم بشكل او بآخر اتفاقية مدريد ويتناقض مع القسم «أ».

وفي القرار رقم 45-31 الصادر عن الدورة الـ 31 للجمعية العامة بتاريخ 1-12-1976، تأخذ الجمعية العامة علما بالقرار الصادر عن مؤتمر رؤساء وحكومات منظمة الوحدة الافريقية الذي يقول بعقد مؤتمر خاص لإيجاد حل عادل ودائم لمشكلة الصحراء الغربية وتقرر وضع هذه القضية على جدول أعمال الدورة الـ 32. أي انسحاب مهذب بعد انفجار الصراع، وتحويل الموضوع تدريجيا إلى أروقة منظمة الوحدة الافريقية. الأمر الذي برز بوضوح في القرار رقم 22-32 الصادر عن الدورة الـ 32 للجمعية العامة بتاريخ 28-11-1977، الذي يتضمن إعادة تأكيد الجمعية العامة لتمسكها بمبدأ تقرير المصير، ويذكر بالاجتماع فوق العادي الذي قررت عقده منظمة الوحدة الافريقية، وبعد أن تتمنى إيجاد حل عادل ودائم للمشكلة وفق ميثاق الأمم المتحدة، تقرر الجمعية العامة نقل القضية ووضعها على جدول أعمال الدورة الـ 33.

تجدر الإشارة إلى ان نسبة التصويت على جميع هذه القرارات كانت تعبر عن ميزان القوى الدولي وعن موقف جميع الأطراف، ولذلك فإن التحولات التي طرأت على القرارات، والتي كانت تعكس تطورات القضية خارج إطار الأمم المتحدة، من الممكن ملاحظتها من خلال ملاحظة التغير في المواقف الدولية التي عبرت عنها عمليات التصويت.

فالقرار رقم 2072 (1965) حاز على موافقة مائة دولة ومعارضة اثنتين (اسبانيا والبرتغال) وامتناع 4 دول عن التصويت (الولايات المتحدة الأمريكية، انكلترا، فرنسا وافريقيا الجنوبية).

والقرار رقم 2229 (1966) حاز على موافقة 105 أصوات ومعارضة صوتين ( اسبانيا والبرتغال) وامتناع تسع دول عن التصويت (الولايات المتحدة الأمريكية، افريقيا الجنوبية، فرنسا، بلجيكا، الدومينيكان، هندوراس، أورغواي، انكلترا).

والقرار رقم 2354 (1967) نال موافقة 113 صوتا، بدون معارضة من أية دولة، ومع امتناع ثلاث دول عن التصويت هي اسبانيا والبرتغال وافريقيا الجنوبية.

وقد عكست عبارات القرار نفسها على عملية التصويت، الأمر الذي لفت نظرنا فأوردنا النص بالتفصيل.

هذا النوع من التصويت تكرر في القرار رقم 2428 (1968) حيث وافقت 114 دولة وامتنعت اسبانيا والبرتغال وافريقيا الجنوبية عن التصويت ولم تعارض أية دولة. كذلك القرار رقم 2591 (1969) فقد صدر بموافقة 110 دول وبدون أية معارضة، مع امتناع 5 دول عن التصويت (اسبانيا، البرتغال، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا.).

نفس الشيء ينطبق على القرار رقم 2711 (1970) مع تعديل في نسبة الممتنعين والمشاركين. فقد نال القرار موافقة 86 دولة، بدون أصوات مضادة، ولكن مع امتناع 12 دولة عن التصويت (اسبانيا، البرتغال، انكلترا، فرنسا، بلجيكا، النمسا، ايطاليا، اليونان، الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا، نيوزلندا، كندا).

منذ هذه الفترة بدأت سياسة الأصوات تتغير، وبدأت تنكشف سياسة التداخل الدولي والحسابات الخاصة في عمليات بيع وشراء التأييد أو المعارضة.

فالقرار رقم 2983 (1972) كان بداية ملفتة للنظر. أبدته 84 دولة، وصوتت ضده اسبانيا، البرتغال، افريقيا الجنوبية، كوستاريكا، نيكاراغوا، باناما وباراغواي، وامتنعت الدول التالية عن التصويت: الولايات المتحدة، فرنسا، اليونان، ايطاليا، النمسا، بلجيكا، الأرجنتين، بوليفيا، البرازيل، كندا، تشيلي، كولومبيا، اكوادور، سلفادور، جزر الفيجي، هايتي، ايرلندا، لوكسمبورغ، مالطا، المغرب، البلاد المنخفضة، البيرو، تركيا، الاورغواي، فنزويلا. كما تغيبت 12 دولة عن التصويت هي: برباد، كاميرون، مصر، غينيتا الاستوائية، غامبيا، الأردن، لاوس، فيليبين، سنغافورة، تونس، ترينتي وتوباغو.

أما القرار رقم 3162 (1973) فقد نال موافقة 108 أصوات، بدون معارضة ومع امتناع 22 دولة عن التصويت من بينها فرنسا، اسبانيا، البرتغال، بلجيكا، ألمانيا الغربية، الولايات المتحدة، انكلترا... ما لبث التأييد أن انخفض في العام التالي أثناء التصويت على القرار رقم 3292 (1974) إذ وافقت عليه 87 دولة فقط، ولم تعارضه أية دولة، كما امتنعت 43 دولة عن التصويت. وهذا أول قرار توافق عليه الدول التي أخذت سياسة المعارضة أحيانا والامتناع أحيانا أخرى، وخاصة اسبانيا والبرتغال وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وهو القرار الذي نقل الموضوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي.

أكثر هذه العمليات الفاتا للنظر كانت عملية التصويت على القرار رقم 3458 أثناء الدورة الثلاثين (1975) الذي عكس موقفا مزدوجا ومتناقضا وشهد عمليتي تصويت، كانت كل منهما تستهدف التعبير عن وجهة نظر احد الأطراف، كما كانت تجسد موازين القوى المغربية-الجزائرية على الساحة الدولية. خاصة وان التصويت على القرار يأتي في أعقاب صدور أي محكمة العدل الدولية، والتوقيع على اتفاقية مدريد الثلاثية، والتنسيق المغربي-الموريتاني، وأخيرا انفجار الصراع المغربي –الجزائري.

التصويت على البند المتعلق بحق تقرير المصير لسكان الصحراء انتهى لصالح الجزائر بنسبة 88 صوتا مقابل 41 (امتناع عن التصويت) و15 (غياب عن التصويت).

أما التصويت المتضمن موافقة على اتفاقية مدريد الثلاثية فقد انتهى لصالح المغرب بنسبة ضئيلة، إذ صوّتت مع القرار 56 دولة، وصوتت ضده 42، مع امتناع 24 دولة وتغيب 12.

وبينما وقفت 24 دولة افريقية ودول الكتلة الاشتراكية وعدد لا بأس به من دول جنوب شرق آسيا والهند، إضافة إلى فرنسا وألمانيا الغربية وانكلترا ومعظم الدول الأوروبية الأخرى إلى جانب القرار (أي إلى جانب الجزائر وتقرير المصير) وقفت معظم الدول العربية على الحياد ولم تصوّت على البند الأول وخاصة: تونس، مصر، السودان، الأردن، العراق، السعودية، البحرين، الإمارات العربية، عمان، قطر. كما تغيبت عن التصويت كل من موريتانيا، المغرب، اليمن الشمالية، ليبيا الشمالية، ليبيا، وسوريا.

بالمقابل وافقت 11 دولة افريقية على البند الثاني وغالبية الدول العربية أيدت الحلف المغربي-الموريتاني، الذي واجه تصويتا مضادا بـ 42 صوتا (مقابل ولا صوت ضد) في عملية التصويت الأولى. (2).

باختصار، عكست عمليات التصويت موازين القوى على ارض الواقع، وكشفت حسابات ومناورات جميع الأطراف، بحيث يمكن الاستنتاج، من كل ذلك أن قرارات الأمم المتحدة لم تكن فاعلة إلا بمقدار عكسها لموازين القوى، وبالتالي فإن اللجوء إلى الساحة الدولية لم يكن سوى تغطية لتسويات تجري في المنطقة وبين الأطراف المعنية. وعندما وصلت الأمم المتحدة إلى حالة من التوازن تهدّد دائما باندلاع خلافات حادة في داخلها قررت تحويل القضية إلى منظمة الوحدة الافريقية منذ 1976.

وإذ تخرج القضية من منظمة عالمية إلى منظمة افريقة يكون ميزان القوى قد مال لصالح الجزائر التي حصلت على تأييد أكثر من نصف الدول الافريقية، ولكن رغم ذلك، ستبقى قرارات المنظمة الافريقية أيضا مجال اختيار لميزان القوى والضغوطات الداخلية والخارجية.

حدود الحل الافريقي

شكل التحويل المذكور تعديلا في ميزان القوى الدبلوماسي-الدولي، ودفع الأمور نحو مزيد من التعقيد. وبينما كان المغرب يواصل سياسة الأمر الواقع بتعزيز تواجده في الصحراء الغربية وبالتحرك الدائم للحفاظ على حياد أوروبا الغربية خاصة ودعم الدول العربية والإسلامية، كانت الجزائر، ومن ورائها البوليزاريو، تركز على الانتصارات الدبلوماسية... ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه الجزائر طرح معارضتها ميدانيا لغياب مطالب مباشرة لها، يصبح المجال الدولي المتمحور حول قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق تقرير المصير الإطار الوحيد الذي تضع الجزائر فيه كل ثقلها. يلتقي مع هذا الاتجاه الوضع الذاتي لجبهة البوليزاريو، التي، وإن قررت مصيرها بإعلان الجمهورية الصحراوية، لم تستطع بسط سيطرة فعلية على منطقة محررة، رغم عملياتها «الضخمة». ذات الخسائر المرتفعة لدى الطرفين المغربي والصحراوي، وبالتالي فإن الضغط الدبلوماسي والإعلامي ينبغي ان يؤدي إلى محاصرة «الأمر» المغربي. وتبعا لذلك، فإن تحالف الجزائر-البوليزاريو سينقل المعركة من الأمم المتحدة إلى منظمة الوحدة الافريقية ودول عدم الانحياز حيث تستطيع الجزائر الحصول على قرارات تدخل المغرب في عزلة دولية، تحلم من ورائها الجزائر دفع المغرب إلى تسوية تأخذ بعين الاعتبار حجم الجزائر ودورها الفاعل في شمال افريقيا، وتعطي للبوليزاريو قطعة صحراوية لتقيم عليها نوعا من الاستقلال السياسي. طبعا دون أن يلغي ذلك قدرات الجزائر الهائلة في سحب موريتانيا وتحييد فرنسا وتغيير موقف اسبانيا، وأخيرا تعبئة الشارع الأوروبي ضد المغرب بعقد صفقة مع الأحزاب الشيوعية الأوروبية للدفاع عن حقوق الشعب الصحراوي المشروعة. (4)

من ناحية منظمة الوحدة الافريقية، سارت الأمور باستمرار لمصلحة الجزائر والبوليزاريو وان كان ذلك بدون نتائج ملموسة ماديا. فالا طار المبدئي-القانوني للمنظمة المذكورة يعطي الجزائر حرية الحركة أكثر مما يعطي للمغرب، الذي كان يضطر لتحسين وضعه إلى بذل جهود والمخاطرة بتحالفات تاريخية (مصر). بهذا المعنى يكون المبدأ المؤسس لنشاط المنظمة عامل الدعم الأول لتحرك الجزائر، وخاصة من حيث قيامه على قاعدة احترام الحدود التي أقامها الاستعمار الأوروبي قبل رحيله. ووسط احترام صارم لوضعية التجزئة الاستعمارية في افريقيا، يصبح الرهان الجزائري رابحا، بينما يدخل المغرب في رهان «افريقي» تكاليفه باهضة.

على قاعدة هذه المعادلة الدقيقة انتقل الصراع بكل جوانبه إلى افريقيا، فتأثر بها واثر بتوازناتها. أما القرارات فقد رافقت التطورات تماما كما رافقتها مقررات الأمم المتحدة، وللمسألة حيز تاريخي خاص.

بناء على طلب الحكومة الجزائرية في مؤتمر القمة العربي الأول عام 1964 جرى نقل قضية الصحراء من جدول أعمال جامعة الدول العربية إلى جدول أعمال منظمة الوحدة الافريقية، التي أخذت على عاتقها معالجة هذه المشكلة، ودعم دول المغرب العربي في مواجهة اسبانيا. وفي فترة لاحقة، بعد عام 1975، انتقل موقف منظمة الوحدة الافريقية من قضية تهم مجموع القارة الافريقية في مواجهة الاستعمار الأوروبي إلى قضية يدور حولها الخلاف بين أعضاء هذه المنظمة.

لذلك، فإنه من الضروري التمييز بين موقف منظمة الوحدة الافريقية من قضايا النضال التحرري الذي تخوضه شعوب القارة ضد الاستعمار، وخاصة في المناطق التي لا تزال تحت السيطرة الاسبانية والبرتغالية، (وهذا الموقف عبّر دائما عن إجماع كافة الدول الأعضاء دون خلافات تذكر) وبين موقف المنظمة من قضية داخلية تهم الأعضاء فيما بينهم، وهنا تكون السياسات الخاصة لكل بلد، وطبيعة التحالفات والارتباطات صاحبة الموقف النهائي للمنظمة من هذه القضية، والتي عبرت عن نفسها في مؤتمر ليبرفيل عام 1977، حيث حاولت معظم الدول التهرب من اتخاذ موقف.

وفق هذا السمار، عبرت مواقف منظمة الوحدة الافريقية مرحلتين: في المرحلة الأولى كانت قرارات المنظمة تطالب بتصفية فورية للاستعمار الاسباني، وفي المرحلة الثانية كانت تنقسم فيها المواقف بين مؤيد لوجهة نظر الجزائر ومؤيد لوجهة نظر المغرب، وكانت القرارات تعكس غلبة فريق على آخر:

- أثناء انعقاد مؤتمر وزراء منظمة الوحدة الافريقية في أديس أبابا في الفترة الواقعة بين 31 تشرين الأول/أكتوبر إلى 4 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1966، أصدرت المنظمة قرارا يتعلق بالصحراء الواقعة تحت الاحتلال الاسباني يحمل الرقم CM-82 يطالب بالتحرير الفوري لكل الأراضي الافريقية الواقعة تحت الاحتلال الاسباني -ايفني، الصحراء المسماة «اسبانية» غينيا الاستوائية وفرناندوبو- ويطلب من اسبانيا الشروع بتنفيذ مطلب الحرية والاستقلال لكل المناطق المذكورة أعلاه، وتصفية كل ما يهدد بالخطر السلام والأمن في افريقيا.

- أثناء انعقاد مؤتمر وزراء منظمة الوحدة الافريقية في أديس أبابا بين 28 آب-أغسطس و6 أيلول/سبتمبر عام 1969، أصدرت المنظمة قرارا يحمل الرقم CM-RES 206.

يؤكد هذا القرار شرعية النضال الذي تخوضه شعوب القارة من أجل الحرية والاستقلال، ويقرر وضع قضية الصحراء الاسبانية على جدول أعمال مؤتمر رؤساء دول وحكومات الوحدة الافريقية حيث تطالب المنظمة اسبانيا بتنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم «2428» المتعلق بالصحراء المسماة اسبانية.

- في مؤتمر وزراء المنظمة المنعقد في أديس أبابا بين 27 شباط/فبراير و6 آذار/مارس عام 1970، أصدرت المنظمة القرار رقم CM-209 الذي تؤكد فيه قرار الأمم المتحدة رقم «2428» -آب/أغسطس عام 1970 وأثناء انعقاد مجلس وزراء منظمة الوحدة الافريقية في أديس أبابا أيضا، صدر القرار رقم CM-234 الذي ينص مطالبا اسبانيا بإلحاح «أن تطبق بدون تأخير، الإجراءات المتعلقة بلوائح الجمعية العامة حول الحق المشروع لسكان الصحراء المسماة اسبانية في تقرير المصير».

- أثناء انعقاد مجلس وزراء المنظمة في الرباط في شهر حزيران/يونيو 1972، أصدرت المنظمة القرار رقم CM-272 الذي يعلن في البند الأول عن تأييد المنظمة وتضامنها مع سكان الصحراء، وفي البند الثاني يلزم اسبانيا بتهيئة مناخ حرّ وديمقراطي لكي يتمكن شعب هذا الإقليم من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال...

وفي البند الثالث يدعو القرار جميع الدول الأعضاء لكي تبذل جهودها مع الحكومة الاسبانية لإجراء الاستفتاء في أقرب وقت ممكن طبقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

- أثناء انعقاد مجلس وزراء المنظمة في أديس أبابا بين 17 و24 أيار/مايو 1973، أصدرت المنظمة القرار رقم CM-RES 301. ينص هذا القرار حرفيا على نفس مضامين القرار السابق ويضيف دعوة للامم المتحدة لكي تتحمل مسؤولياتها تجاه هذه المشكلة، وذلك بعد أن يدين القرار في البند الأول المماطلة الاسبانية.

- أثناء انعقاد مجلس وزراء المنظمة في مقديشيو بين 6 و12 حزيران/يونيو 1974، صدر عن المنظمة القرار رقم CM-(XX111) .

بعد أن يعلن اهتمام المنظمة بتطورات الوضع في الصحراء، يكرر هذا القرار نفس مضامين القرار السابق.

- أثناء انعقاد الدورة الـ 12 لمؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الافريقية في كمبالا بين 28 تموز/يوليو وأول آب/أغسطس عام 1975، صدر عن المنظمة القرار رقم AHG-(X11). بعد أن يعتبر القرار أن جلسة مجلس الوزراء الخامسة والعشرين، لم تتوصل بعد نقاش طويل إلى صيغة حل أو مطالبة مقبولة حول قضية الصحراء، وبعد أن يشير إلى أن القضية أصبحت بين يدي محكمة العدل الدولية في لاهاي، يقرر انتظار الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، ويطلب من اسبانيا الامتناع عن أي تحرك من شأنه أن يعرقل عملية تصفية الاستعمار في إقليم الصحراء.

- أثناء انعقاد الدورة الـ 26 لمجلس وزراء المنظمة في أديس أباب بين 23 شباط/فبراير وأول آذار/مارس 1976 قدّم رئيس مجلس الوزراء تقريرا حول الوضع في إقليم الصحراء جرت الموافقة عليه بالإجماع. تضمن هذا التقرير عددا من النقاط الهامة التي كانت تعكس عدم قدرة المنظمة على اتخاذ موقف موحد من قضية الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. بعد أن يعلن رئيس مجلس الوزراء أن شعب الصحراء الغربية قد أعلن عن قيام دولته الحرة والمستقلة، فإنه لم يعد واردا الاعتراف بحركة تحرير، آخذين بعين الاعتبار أن الشعب قد مارس حقه في تقرير المصير، وأعلن عن قيام دولته الحرة والمستقلة وذات السيادة، فإن أمر الاعتراف بهذه الدولة متروك لكل دولة على حدة، لكي تقرر بصفة فردية اعترافها أو عدم اعترافها بهذه الدولة. وإنه لم تجر العادة في أن تقدم منظمة دولية على قرار الاعتراف بدولة جديدة.

- أثناء انعقاد الدورة الـ 27 لمجلس وزراء المنظمة في بورت لويس بين 24 و29 حزيران/يونيو عام 1976، صدر عن المنظمة مقطع يتضمن بعض النقاط المتعلقة بموضوع الصحراء، ولم يصدر عنها قرار خاص حول القضية. وهذا المقطع هو جزء من تقرير اللجنة (أ) التي طالبت برفض اتفاقية مدريد الثلاثية، وحق تقرير المصير للشعب الصحراوي. وقد اعتبرت هذه اللجنة أن الإقليم مازال تحت سيطرة الاستعمار، كما أدانت اللجنة محاولات التوسيع التي تجري في الإقليم.

ولما لم يتوصل مجلس الوزراء إلى صيغة اتفاق أحال القضية على مؤتمر رؤساء دول وحكومات المنظمة الذي انعقد بين 2 و5 تموز/يوليو في بورت لويس (جزر الموريس). وقد صدر مؤتمر القمة هذا قرار يذكر بالمبدأ المقدس لتقرير المصير، ويدعو جميع الأطراف المعنية والمهتمة ومن ضمنها شعب الصحراء الغربية للتعاون ومن اجل إيجاد حل عادل للقضية يضمن السلام والعدل وحسن الجوار، ويقرر أخيرا عقد جلسة خاصة على مستوى الرؤساء وبحضور شعب الصحراء الغربية من اجل إيجاد حل عادل ودائم لمشكلة الصحراء الغربية.

لكن الخلافات داخل المنظمة حالت دون اتخاذ موقف نهائي. فلم تنعقد هذه الجلسة وتم تشكيل لجنة حكماء افريقيا من رؤساء خمس دول افريقية لإيجاد صيغة حل مناسب وعندما قرت لجنة الحكماء تحديد موقفها بدعوة المغرب للانسحاب من الصحراء الغربية (اجتماع كانون الأول/ديسمبر 1979) انقسمت اللجنة وفشل مشروعها. وبذلك تم إجهاض الصيغة الافريقية بانقسام الأفارقة أنفسهم، مما أدخل الصراع الدبلوماسي في مأزق وأطال عمر الأزمة المغربية-الجزائرية بتشريع افريقي. من ناحية دول عدم الانحياز، كانت المعركة تدور داخل نفس الدائرة، ولم تخرج عن حدودها بشكل صريح إلاّ في آخر مؤتمراتها (مؤتمر هافانا) حيث مدحت الدول غير المنحازة المغرب لانسحابه من موريتانيا، وانتقدته لتواجده في الصحراء طالبة منه الانسحاب العاجل. وذلك ليتمكن الشعب الصحراوي من تقرير مصيره على أرضه. أما القرارات السابقة فقد كانت عامة وتدعم الأطراف المغربية في مواجهة اسبانيا الاستعمارية.

أهم قرارين صدرا عن مؤتمرات عدم الانحياز قبل اتفاقية مدريد، جاءا في فترة التنسيق الثلاثي بين حكومات المغرب العربي.

صدر القرار الأول في مؤتمر وزراء الخارجية الذي انعقد في جورج تاون من 8 إلى 11 آب/أغسطس 1972 وقد نص على ما يلي:

«أخذا بعين الاعتبار لتصميم البلدان غير المنحازة والذي تم تأكيده خلال المداولات على الحصول في اقرب الآجال على التحرير الشامل للقارة الافريقية.

تعبيرا عن أسفه للبطء الذي تتعمده اسبانيا في تصفية الاستعمار من هذه النقطة:

1-يعبر عن تضامنه مع سكان الصحراء الواقعة تحت السيطرة الاسبانية.

2-بطلب مرة أخرى من اسبانيا أن تهيئ جو الحرية والديمقراطية الذي يستطيع في ظله شعب هذا الإقليم ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال، ذلك في اقرب الآجال. وطبقا لميثاق الامم المتحدة.

3-يطلب من الدول الأعضاء المعنية مباشرة مضاعفة جهودها لدى الحكومة الاسبانية لجعلها تطبق القرار رقم 2711 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصا أحكامه المتعلقة بتنظيم استفتاء، في أقرب الآجال، قصد تمكين سكان الصحراء الواقعة تحت السيطرة الاسبانية من ممارسة حقهم في تقرير المصير بكل حرية طبقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتحت إشراف وضمان المنظمة الدولية».

صدر القرار الثاني عن مؤتمر القمة الرابع الذي انعقد في الجزائر من 5 إلى 9 ايلول/سبتمبر 1973، وقد جاء فيه ما يلي:

«ان المؤتمر الرابع لرؤساء دول أو حكومات البلدان غير المنحازة المنعقد في الجزائر من 5 إلى 9 أيلول/سبتمبر 1973،

- اهتماما بالغا منه بموقف الحكومة الاسبانية ونواياها بخصوص تصفية الاستعمار من الصحراء الواقعة تحت سيطرتها،

- وإذ يذكر بالقرار رقم 1514 الذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر سنة 1960 والذي يتعلق بالإعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة،

- وإذ يذكر بقرارات الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية والبلدان غير المنحازة المتعلقة بقضية الصحراء الواقعة تحت السيطرة الاسبانية:

1-يندد بالمناورة والمماطلات التي تحاول الحكومة الاسبانية أن تتلخص بواسطتها من التزاماتها وقرارات الهيئات الدولية، وذلك لتمديد وضع ينطوي استمراره على خطر حدوث توتر في المنطقة.

2-يعرب عن تضامنه الكامل مع سكان الصحراء الواقعة تحت السيطرة الاسبانية.

3-يؤكد من جديد تمسكه الثابت بمبدأ تقرير المصير وحرصه على أن يطبق هذا المبدأ في إطار يضمن لسكان الصحراء الواقعة تحت السيطرة الاسبانية التعبير عن إرادتهم بحرية مطلقة وصدق طبقا للقرارات المناسبة التي اتخذتها الأمم المتحدة بشأن هذه المنطقة»(5).

محكمة العدل الدولية والتفسير القانوني للهوية الوطينة

إن خضوع القرارات الدولية المذكورة آنفا لمنطق التوازنات الدولية، ولحركية الأحداث في الصحراء نفسها، وفي المغرب العربي عامة، قدم تبريرات موضوعية للطريق المسدود الذي وصلت إليه رهانات القوى المتصارعة. غير أن التحركات الدولية الأخرى، وخاصة قرار محكمة العدل الدولية، شكلت مجالا حيويا ليس فقط من اجل إصدار موقف ما، وإنما من حيث «عملية التحرك وقانونيته، لا سيما وأن النقاش الدولي تناول تاريخ منطقة النزاع والعلاقات السياسية والقانونية التي تربطها بالمغرب. وسواء كان القرار ذا تأثير فاعل على مجرى الأحداث أم لا، فإن مناقشات المحكمة تبقى وثيقة تاريخية ينبغي عدم إهمالها.

عندما وصل الحوار المغربي-الاسباني إلى نتيجة سلبية اتفق الطرفان على التحكيم «القانوني» الدولي. كان المغرب يستهدف من ورائه إثبات سيادته وملكيته، وبالتالي يتجاوز، في حال ثبوت ذلك، قرارات الاستفتاء وتقرير المصير ويسترجع الصحراء بدون قلق دولي ولا إزعاج جزائري أو صحراوي. وكانت اسبانيا ترى في المحاولة القانونية وسيلة تساعدها على تطويق مشروعية المطالبة المغربية وتعزّز خطتها الرامية إلى قيام دولة مستقلة في الصحراء الغربية. إذن، اتفق الطرفان على الصراع القانوني فأوعزا للأمم المتحدة بتبني الموضوع، وأرسلا قضاتهما إلى لاهاي مدججين بالوثائق: لقد أصبحت قضية الاستعمار بحاجة إلى نقاش قانوني، كما باتت عملية الحرية خاضعة لآراء جهابذة القضاة.

حاول المغرب في بداية الأمر إقناع اسبانيا بالموافقة على حكم محكمة العدل الدولية بغض النظر عن مضمونه، أي القبول بقرار إلزامي فرفضت اسبانيا الاقتراح القائم على حكم إلزامي.

وبسبب رفض اسبانيا لهذا الحكم، اتجه الطرفان نحو المحكمة طالبين رأيا استشاريا، بمعنى آخر، تقدم محكمة العدل الدولية وجهة نظرنا حول الروابط القانونية التي كانت قائمة بين الصحراء وكل من المغرب وموريتانيا ووفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 3292 الصادر بتاريخ 13/12/1974، الذي يطلب من المحكمة إعطاء رأيها بالنسبة للسؤالين التاليين:

1-هل كانت الصحراء الغربية -الساقية الحمراء ووادي الذهب- عند استعمارها من قبل اسبانيا أرضا بدون سيد؟

وفي حالة الاجابة السلبية:

2-ما هي الروابط القانونية التي كانت قائمة بين هذا الإقليم وكل من المملكة المغربية والمجموع الموريتاني؟ للرد على هذين السؤالين، عقدت محكمة العدل اجتماعات متواصلة استمرت طيلة الفترة الممتدة من 25 آذار/مارس إلى 30 تموز/يوليو 1975، وعلى مدار ثلاثين جلسة، وبمشاركة كبار الاختصاصيين في الحقوق والتاريخ والسياسة الدولية، الذين يمثلون كافة الأطراف المعنية بالمشكلة الصحراوية، باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.

في محاولة تحديدها لمضمون عبارة «أرض بدون سيد»، رأت المحكمة أن سيادة الاستعمار في منطقة ما تشترط انعدام كافة أشكال السيادة المحلية، الأمر الذي ينطبق على الصحراء الغربية التي «تسكن فيها قبائل أو شعوب ذات نظام اجتماعي وسياسي، وهي لا تعد أرضا بدون سيادة»، وان اسبانيا كانت بحاجة لضمان سيادتها إلى عقد اتفاقيات مع شيوخ القبائل المقيمة في منطقة الاحتلال.

أصرت المحكمة في معالجتها لهذه المسألة على نقطتين: تنص الأولى على انه «في فترة الاستعمار، كان يقطن الصحراء سكان، وهؤلاء بالرغم من أنهم رحل ومتنقلون فإنهم مقسمون، اجتماعيا وسياسيا، إلى قبائل يشرف عليها رؤساء مؤهلون لتمثيلها». وترفض الثانية ربط السيادة القبلية قانونيا بالسلطان المغربي أو بموريتانيا لأن هذا موضوع آخر مستقل. فالسيادة إذن للقبائل أو حسب ما جاء في كلمة القاضي الأمريكي ديلار:

«إن الإقرار بأن الإقليم لم يكن بلا سيد لا يعني أنه كان تحت سيادة دولة من الدول المعنية، نظرا لوجود قبائل مستقلة بالمنطقة تطبق نوعا من التنظيم الاجتماعي والسياسي».

الإشكالات المتأتية من معنى الروابط القانونية (روابط بين أشخاص، روابط إقليمية، روابط قبائل بالسلطة...) تحصر المشكلة بتحديد العلاقات القانونية. التي تربط الصحراء بالسيادة المغربية أو المجموع الموريتاني.

من ناحية أولى، عالجت المحكمة رأي المغرب القائم على البيعة بمفهوم قانوني-غربي يفصل الذين عن السياسة ويرفض الأخذ بالمواصفات السياسية السلطوية لمفهوم البيعة الإسلامي. لذلك فإن مبايعة بعض القبائل لسلطان المغربي لا تعني وجود سيادة سياسة بالمعنى الحقوقي والتملكي. ولكي تخرج المحكمة بإجابات محددة، عمدت إلى تحديد روابط السيادة بمسألتين:

تشترط الأولى وجود مراسيم سلطانية تثبت سلطة المغرب في الصحراء، وتشترط الثانية اعتراف دول أخرى بسيادة المغرب على الساقية الحمراء ووادي الذهب.

دافع القاضي اللبناني عمون عن وجهة نظر المغرب مؤكدا بالوثائق وجود سيادة للسلطان، وذلك من خلال الظهائر، تعيين الشيوخ، تحصيل الضرائب، القرارات العسكرية، ولاء قبائل التكنة للمخزن الشريفي، تمثيل الشيخ ماء العينين للسلطان المغربي في الساقية الحمراء، البعثات العسكرية إلى المنطقة، الخ. وبالتالي فإن الصحراء جزء من المغرب بفضل الروابط القانونية المضافة إلى العلاقات العرقية، الثقافية، والدينية.

رفض القاضي دي كاسترو الحجج المغربية ودافع عن موقف اسبانيا معتبرا أن ما سبق ذكره لا يقدم إثباتات كافية عن وجود سلطة فعلية للمغرب في إقليم الصحراء، وان قبائل التكنة وحدها كانت تعلن ولاءها للسلطان بينما القبائل الأخرى المتنقلة فإنها كانت مستقلة تماما. كما أن الشيخ ماء العينين لم يكن خليفة للسلطان، وإنما خصما له، ويمارس صلاحياته باستقلال تام عن المخزن. كما أن إرساليات المخزن لم تتعد منطقة السوس، وبأن حدود المغرب تقف عند وادي درعا فقط.

بالمقابل، دحضت موريتانيا أقوال المغرب واسبانيا معا. فمن ناحية أولى رفضت وجود سيادة كاملة لسلطان على عموم الصحراء، إذ أن قبائل تكنة كانت وحدها مرتبطة بعلاقات بيعة مع سلطان المغرب، أما القبائل الأخرى، خاصة الرقيبات، فقد كانت تابعة للمجموع الموريتاني. ومن ناحية ثانية، أكدت وجود علاقة مساواة بين السلطان والشيخ ماء العينين، يشوبها علاقات تحالف وليس علاقات بيعة. واجهت المحكمة التناقضات المذكورة باقتراحين: أولا، لم يمارس المغرب «السيادة الإقليمية على الصحراء الغربية، بينما تمكن السلطان، من جهة أخرى، من اكتساب سلطة على بعض قبائل الإقليم». ثانيا، لا تثبت الحجج المقدمة وجود ممارسة فعلية «لسلطة مغربية على الصحراء الغربية». بناء على هذين الاقتراحين وبعد مناقشتهما توصلت المحكمة إلى نتيجة مفادها أن «لا وجود لأية رابطة سيادة بين المغرب والصحراء الغربية، ولكن، وجدت رابطة ولاء قانونية بين السلطان وبين بعض السكان الرحل للإقليم، ولكن بعض السكان فحسب».

من ناحية ثانية، ناقشت المحكمة المعاهدات الدولية التي أبرمتها بعض الدول الاوروبية مع سلطان المغرب، والتي ذكرناها في الفصل الخامس، والتي يرتكز عليها المغرب في موقفه بوجود حقوق تاريخية معرتف بها للمغرب في الصحراء.

انتهت المناقشات الحادة إلى رأي نصّ على عدم ثبات «الاعتراف الدولي من طرف دول أخرى بالسيادة الإقليمية للمغرب على الصحراء الغربية في فترة الاستعمار الاسباني» رغم أن بعض الوثائق، وخاصة معاهدتي 1861 و1895، تشيران إلى «الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على بعض القبائل الرحل في الصحراء الغربية بواسطة شيوخ قبائل التكنة في منطقة وادي نون» فإذا كانت الوثائق المذكورة «تشير إلى وجود روابط قانونية لسيادة إقليمية بين الصحراء الغربية ودولة المغرب في الحقبة المعنية» فإن هذه الروابط تعني فقط «وجود قانوني ولائي بين السلطان، وبين بعض قبائل الصحراء الغربية... ومظاهر لنوع من السلطة او من النفوذ التي يملكها السلطان على تلك القبائل».

بالنسبة لروابط الصحراء بموريتانيا، ناقشت المحكمة مستندات قدمتها موريتانيا واسبانيا. قبل الرد على هذه المستندات، حدّدت المحكمة «تاريخية» المشكلة مؤكدة عدم وجود دولة موريتانية في الفترة المذكورة، وبالتالي فإن المحكمة»لا توجد أمام روابط قانونية لسيادة دولية، وإنما قبالة روابط من طبيعة أخرى».

وفق هذا السياق تحدث المندوب الموريتاني مفسرا المجموع الموريتاني بأنه يشكل «المجموع الثقافي والجغرافي والاجتماعي الذي كان موجودا في منطقة الصحراء الغربية». وانه يمتد جغرافيا من وادي الساقية الحمراء إلى نهر السنغال، ويضم موريتانيا الحالية وإقليم تيرس الغربية أو وادي الذهب، الذي كان يسمى آنذاك ببلاد غينغيتي. وحسب الحجج الموريتانية، كانت المنطقة المذكورة تعرف نوعين من التعليم السياسي: الامارات (وأهمها أربع وخاصة أدرار) وتجمعات قبلية ليست مكونة من امارات، وإن كل تلك القبائل والامارت الأربع كانت منفصلة ومستقلة عن المغرب، ولا يجعلها بالسلطان أي رابط قانوني أو ولاء.

ورغم خصوصية هذه المنطقة، التي وصفها المندوب الموريتاني بأنها ليست دولة، ولا فدرالية ولا كونفدرالية، وليست لها شخصية عالمية ولا سيادة دولية، ورغم تنوعها السياسي، فإنها تثبت «خصائص أمة مستقلة، وشعب مؤلف من قبائل، واتحادات قبائل، وامارات كانت تمارس سيادة مشتركة على بلاد غينغيتي» وبما ان وادي الذهب يشكل جزءا من موريتانيا، فان مندوبها يطالب المحكمة بالاعتراف بهذه الروابط القانونية.

انتقد القاضي الاسباني دي كاسترو ومقولة القاضي الموريتاني معتبرا وحدة بلاد غينغيتي مجرد «أسطورة وطنية جميلة»، رافضا ادعاءات موريتانيا القائلة بوجود «سلطة مشتركة للقبائل». وبعد أن يتحدث دي كاسترو عن التناقض القائم بين بلاد غينغيتي والمجموع الموريتاني، يشير إلى أن موريتانيا نفسها كانت تجمعا غير متجانس مركبا من قبائل وامارات مستقلة عن بعضها، تتعامل فيما بينها بفوضى وبدون نظام، باستثناء امارة أدرار «التي كانت منطقة متميزة ومستقلة عن باقي الجهات المجاورة سواء من وجهة النظر السياسية، او الاجتماعية او الاقتصادية...» ولما كانت الصحراء الغربية تضم «شعبا صحراويا متماسكا، ومتميزا عن الامارات الموريتانية... ولم يعتبر نفسه قط جزءا من بلاد غينغيتي أو المجموع الموريتاني» فان دي كاسترو يرفض ، بشدة وجود روابط قانونية بين المنطقتين المذكورتين.

حاولت المحكمة الخروج من الخلافات بتحليل يتناقض مع الحكم، ففتحت نقاشا حادا انتهى بتغليب السياسة على القانون. بعد أن تعتبر المحكمة أنه «في فترة الاحتلال الاسباني، لم تكن هناك، بين إقليم الصحراء الغربية وبين المجموع الموريتاني، لا رابطة سيادة ولا ولاء من طرف القبائل، ولا حتى مجرد علاقة اشتمال ضمن نفس الكيان القانوني» متميز عن مختلف الامارات والقبائل التي كانت تؤلفه تصل إلى حكم قضائي يقوم على انعدام وجود أية روابط قانونية بين الصحراء والمجموع الموريتاني، رغم أن «الترحال التي يعيش عليها اغلب سكان الصحراء الغربية ولّد بعض الروابط ذات الطابع القانوني بين قبائل الإقليم وقبائل الجهات المجاورة في بلاد غينغيتي». ولما كان سكان غينغيتي يملكون بعض الحقوق والملكيات في الأرض، فإن تلك الحقوق «شكلت روابط قانونية بين إقليم الصحراء الغربية والمجموع الموريتاني.

أعلنت المحكمة رأيها الاستشاري النهائي بتاريخ 16 تشرين أول/أكتوبر 1975، بإصدار قرار تفصيلي (ستين صفحة) يتضمن الإجابة على الأسئلة والتحليل والتصويت.

بالنسبة للسؤال الأول (هل كانت الصحراء الغربية بدون سيد لحظة استعمارها؟)

أجابت المحكمة بالرأي التالي: إن الصحراء الغربية -الساقية الحمراء ووادي الذهب- لم تكن أرضا بدون سيد لحظة اختلالها من قبل اسبانيا صدر الرأي بموافقة 13 قاضيا ومعارضة ثلاثة قضاة.

بالنسبة للسؤال الثاني (الروابط القانونية بين الإقليم وكل من المغرب وموريتانيا).

أجابت المحكمة أولا: «أن الوثائق والمعلومات المتوفرة لدى المحكمة تبرهن عن وجود روابط حقوقية وولاء بيعة بين ملك المغرب وبعض قبائل الصحراء، لحظة الاستعمار الاسباني». وذلك بموافقة 14 قاضيا ومعارضة اثنين (دي كاسترو ورودا) وأجابت ثانيا:

«تثبت نفس الوثائق والمعلومات وجود حقوق، منها ما هو متعلق بحقوق الأرض «تشكل الروابط الحقوقية بين المجموعة الموريتانية وإقليم الصحراء الغربية». وافق 15 قاضيا على هذا الرأي وعارضه القاضي الاسباني دي كاسترو.

بالمقابل، توصلت المحكمة إلى رأي آخر مفاده «إن الوثائق والمعلومات المتوفرة لديها لا تثبت وجود علاقة سيادة بين إقليم الصحراء الغربية من جهة وكل من مملكة المغرب والمجموعة الموريتانية من جهة ثانية. إن المحكمة لا تلاحظ وجود علاقات حقوقية من شأنها تعديل القرار رقم «1514» المتعلق بتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية وبشكل خاص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والشرعي لإرادة سكان الإقليم...»(6).

قبل أن يستفيق العالم من دهشة تناقضات الرأي الاستشاري، وقبل أن يدخل المغرب في مأزق انعدام علاقات السيادة والملكية، سارع الملك المغربي لتقديم رابط من نوع آخر، رابط شعبي، من خلال إعلانه، وبعد ساعات معدودة على صدور الرأي المذكور، عن «المسيرة الخضراء». أما اسبانيا التي أعيت نفسها في تقديم تاريخ «اسباني» للصحراء فإنها سرعان ما خنقت وثائقها القائلة بوجود شعب صحراوي بسيادة سياسة مستقلة عن المغرب وموريتانيا، وعقدت التسوية –الصفقة في مدريد بعد شهر واحد على إعلان نتائج السجال التاريخي- القانوني.

ومرة أخرى، تتحول القرارات الدولية إلى أضغاث أحلام، وإلى محاولات استهلاكية لضرورات الضغط وكسب الجولات الدبلوماسية، بينما حافظ منطق الأمر الواقع على غلبته. وعندما تحسم موازين القوى القائمة على ارض الصراع تناقضات الصراع نفسه، فإن فاعلية القرارات الدولية لا تتجاوز حدود كونها جانبا من جوانب الصراع فلا تشكل في بنيته العامة العامل الحاسم، وإنما يحدد الطرف القوي وحده العامل الحاسم الذي يستطيع بدوره إنهاء الإشكالات ووضع القرارات الدولية غير الملائمة على الهامش التاريخي لقضية تملك «وثائقها» الشعوب المعنية أولا وقبل كل شيء.



هوامش الفصل السابع ومراجع


1-ذكرت مجلة افريقيا الغد Demain l’Afrique تفاصيل هذا المشروع في عددها الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 1978.

2-يعترف المغرب بوجود احتياط فوسفاتي يبلغ حوالي 54 مليار طن، أي نسبة 71% من الاحتياط العالمي –عدا احتياط الصحراء المقدر بثلاثة مليارات طن- بينما يبلغ الاحتياط الأمريكي 5.4 مليار طن والاتحاد السوفياتي 2.9 مليار طن.

3-اعتمدنا في نقل النصوص ونسب التصويت والأسماء على ملفات الأمم المتحدة الموجودة في فرع باريس ذلك بعد ترجمتها عن النص الفرنسي.

4-زيارة جورج مارشيه الأخيرة للجزائر والتنسيق بين الأحزاب الشيوعية الفرنسي والاسباني والايطالي، والمهرجان الكبير الذي أقامته هذه الأحزاب مشتركة في باريس يوم 15/11/1979 شكل علامات بارزة لتحالف الجزائري-الشيوعي الأوروبي.

5-نقلا عن وثائق وزارة الخارجية الجزائرية.

6-اعتمدنا في عرضنا للرأي الاستشاري ولمناقشات محكمة العدل الدولية على نصوص الجلسات الخاصة الموجودة في أرشيف الأمم المتحدة في باريس. كما اعتمدنا كذلك على المراجع التالية:

- M.FLORy : «L’Avis de la cour international de Justice sur le sahara occidental», Annuaire Français du droit international 1975, pp.253-277

- Maurice Barbier : Le sahara occidental et le droit international, in «sahara occidental, un peuple et ses droit», pp.68-121, rapport et discussions.

المراجع والمصادر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-المراجع الصادرة باللغة العربية:

- ابن خلدون: المقدمة. تحقيق علي عبد الواحد الوافي، القاهرة 1965.

- المهدي بن بركة: الاختيار الثوري، نشر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، 1975.

يحي بوعزيز: حقيقة مطالب المغرب الأقصى التاريخية حول الساقية الحمراء ووادي الذهب، منشور على الآلة الكاتبة، بدون تاريخ.

محمود حداد: الصحراء الغربية بين حق الوحدة وحق الانفصال.دراسات عربية، عدد 4، السنة الثانية عشر، شباط 1976.

- بوعلام بن حمودة: قضية الصحراء الغربية والقانون الدولي العام محاضرة لوزير العدل الجزائري، ألقيت بتاريخ 30-12-1975.

- شارل أندريه جوليان: افريقيا الشمالية تسير، القوميات الإسلامية والسيادة الفرنسية. ترجمة الحبيب الشطي وآخرين. الدار التونسية للنشر-تونس 1976.

- محمود مسعود الشابي: المغربي العربي على مفترق الطرق. دار الطليعة، بيروت 1973.

عبد الله العروي: تاريخ المغرب، محاولة في التركيب. ترجمة ذوقان قرقوط. المؤسسة العربية لدراسات والنشر-بيروت 1977.

- عبده عبد الغني: الطريق الثوري لتحرير الصحراء الغربية. منشورات ماسبيرو، باريس 1975.

محمد عنان: الصحراء المغربية، حقيقة وتاريخ، بيروت، 1975.

- علال الفاسي" –دائما مع الشعب. سلسلة الجهاد الأكبر.

-كي لا ننسى. سلسة الجهاد الأكبر.

-دفاعا عن وحدة البلاد. سلسلة الجهاد الأكبر.

-الكتاب الأحمر. منشورات بريتي، طنجة 1961.

-الحقيقة حول الحدود المغربية. منشورات بيريتي، طنجة 1961.

جلاك كشك: 8 أسئلة حول الصحراء. منشور على الآلة الكاتبة، الرباط 1978.

- روم لانودو: محمد الخامس. ترجمة ليلى أبو زيد. مطبعة الأنباء، الرباط، الطبعة الأولى، 1977.

محمد الغربي: الساقية الحمراء ووادي الذهب. دار الكتاب، الدار البيضاء، 1974.

- ستانلي لين بول: طبقات سلاطين السلام. الترجمة العربية –بغداد 1968.

- محمد العربي المساري: المغرب-اسبانيا في آخر مواجهة. بدون تاريخ.

- احمد الكوهن المغيلي: حول ظروف انشقاق حزب الاستقلال سنة 1959. مجلة الأساس، العهد الثاني، آذار 1978.

- أبو العباس أحمد: كتاب الاستقصاء في أخبار دول المغرب الأقصى. دار الكتاب،

- بن خالد الناصري: الدار البيضاء، 1955.

- «مناقشات حول تطور المجتمع المغربي» -منظمة 23 مارس، دار ابن خلدون، بيروت، بدون تاريخ.

- «نقد برنامج حزب التقدم والاشتراكية» (الحزب الشيوعي المغربي)، بقلم يساري، منشورات جريدة 23 مارس، الطبعة الأولى 1978.

- «الموقف الوطني الثوري من مسألة الصحراء الغربية». دار الكتاب، الطبعة الأولى، بيروت 1978.

- «الكتاب الأبيض حول موريتانيا»، وزارة الخارجية المغربية، الرباط 1960.

- «قضية الساقية الحمراء ووادي الذهب من الاستعمار الاسباني إلى الغزو الملكي الموريتاني». نشر قسم التوجيه والإعلام بحزب جبهة التحرير الوطني، الجزائر، بدون تاريخ.

- منشورات صادرة عن حزب الاستقلال:

- «صحراء المغرب» أعداد عام 1957.

- «العلم»، صحيفة الحزب باللغة العربية، أعداد عامي 1974-1975.

- «الساقية الحمراء ووادي الذهب جزء لا يتجزأ من المغرب، الحجج التاريخية والقانونية»، حزب الاستقلال، لجنة الدراسات والنشر، بدون تاريخ.

- «ورقة التعريف لكفاح حزب الاستقلال من أجل استكمال الوحدة الوطنية باسترجاع الصحراء المغربية»، آذار 1978.

- «الصحراء المغربية»، بحث أعدته اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال، بدون تاريخ.

- مقررات المؤتمر السادس للحزب، 12-14 كانون الثاني 1962.

- مقررات المؤتمر العام التاسع للحزب، 13-15 أيلول 1974.

- مقررات المؤتمر العاشر للحزب، 13-15 نيسان 1978، البيان السياسي، تقرير الأمين العام، تقرير عن الوحدة الترابية والسياسية الخارجية.

- منشورات صادرة عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:

- «انطلاقة 30 تموز/يوليو تجاوز لمخطط التجميد»، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. نشرة داخلية مطبوعة على الآلة الكاتبة، آب/أغسطس 1972.

- «من اجل سلم عادل ودائم بالمغرب العربي»، الشبيبة الاتحادية، بدون تاريخ.

- «كتاب خاص بمقررات المؤتمر الاستثنائي»، كانون الثاني 1975، الطبعة الثانية، الرباط، 1978.

- مقررات المؤتمر الوطني الثالث، 8-10 كانون الأول/ديسمبر 1978: مشروع التقرير الاقتصادي، التقرير العام، البيان السياسي العام.

- «أعداد جريدة «المحرر» الناطقة باسم الحزب، وخاصة العدد رقم 157 الخاص بالصحراء.

- «التحرير»، نشرة دورية باللغة العربية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فرع فرنسا.

- «التحرير»، نشرة دورية باللغة الفرنسية، عدد كانون الأول/ديسمبر 1976، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فرع فرنسا.

- «حول الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية: تحاليل وتحفظات»، باللغة الفرنسية.

- «الصحراء الغربية المغربية»، باللغة الفرنسية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فرع فرنسا.

- «تحرير الصحراء المغربية»، باللغة الفرنسية، الاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية. فرع تولوز-فرنسا.

- منشورات صادرة عن منظمة 23 مارس:

- «التقرير التوجيهي»، 1975.

- «الصحراء المغربية»، الجزء الأول والثاني، 1976.

- «موضوعات في التوجيه السياسي المرحلي»، تشرين الثاني/نوفمبر-كانون الأول/ديسمبر 1978.

- أعداد مجلة «23 مارس» الصادرة في باريس باللغة العربية.
- منشورات صادرة عن «الاختيار الثوري».

- من أجل إيجاد بديل تقدمي... بدون تاريخ.

- مشروع أرضية توجيهية، كانون الثاني/يناير 1978.

- أعداد مجلة «الاختيار الثوري»، الصادرة في باريس باللغة العربية.

- منشورات صادرة عن منظمة «إلى الأمام»:

- مجموعة أعداد نشرة «مغرب النضال»، الصادرة في باريس باللغتين العربية والفرنسية

- مجموعة أعداد نشرة «4 مايو»، باللغة العربية، باريس.

- مجموعة أعداد نشرة «طريق الثورة»، باللغة العربية، باريس.

- مجموعة أعداد نشرة «إلى الأمام»، باللغة العربية، باريس.

- مجموعة أعداد نشرة «الشرارة»، باللغة العربية، باريس.

- مجموعة أعداد نشرة «مغرب المقاومة»، باللغة الفرنسية، باريس.

- منشورات صادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب:

- مذكرة الوالي إلى الاتحاديين، كانون الثاني/يناير 1973.

- أعداد صحيفة «الصحراء الحرة»، باللغتين العربية والفرنسية.

- «مذكرة»: باللغة الفرنسية، صادرة بتاريخ 20 أيار/مايو 1976.

- مجموعات المقالات الصحفية الصادرة باللغة الفرنسية حول قضية الصحراء من 27-2-1976 إلى 30-8-1976، عن ممثليه أوروبا لجبهة البوليزاريو.

- أعداد مجلة «20 ماي»، الصادرة باللغتين العربية والفرنسية.

- مذكرة موجهة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة الثلاثون 1975، إصدار مكتب طرابلس، 20 أيار/مايو 1976.

- النص الكامل لكلمة محمد العزيز، الكاتب العام لجبهة البوليزاريو، في الذكرى الخامسة لاندلاع الثورة.

- النص الكامل لكلمة محمد عبد العزيز، الكاتب العام لجبهة البوليزاريو، في الذكرى الثانية لإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

- مقررات المؤتمر الثاني. إصدار مكتب طرابلس، 20 أيار/مايو 1976.

- وثائق ومقررات:

معاهدة السلام والتجارة الاسبانية-المغربية الموقعة بتاريخ 28 أيار/مايو 1767. باللغة العربية.

- معاهدة السلام والصداقة والملاحة والتجارة والصيد، الموقعة في مكناس بتاريخ 1 آذار/مارس 1799 باللغة العربية.

- معاهدة السلام والصداقة بين اسبانيا والمغرب، الموقعة في تطوان بتاريخ 26 نيسان/ابريل 1860. باللغة العربية.

- معاهدة الحماية الفرنسية على تونس: معاهدة باردو 12-5-1881 ومعاهدة مارسا 8-6-1883.

- المعاهدة البريطانية-المغربية حول امتلاك المغرب لمنشآت شركة «نورث وست افريكا» في طرفايا، الموقعة بتاريخ 13 آذار/مارس 1895.

- المعاهدة الفرنسية-المغربية الموقعة بتاريخ 28 أيار/مايو 1825، باللغة الفرنسية.

- المعاهدة الفرنسية-المغربية الموقعة بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر 1844، باللغة الفرنسية.

- معاهدة الحدود الفرنسية (الجزائرية)-المغربية، الموقعة في لالا مارنيا بتاريخ 18 آذار/مارس 1845، باللغة الفرنسية.

- بيان فرنسي-اسباني حول وحدة التراب المغربي، الموقع بتاريخ 3 تشرين أول/أكتوبر 1904. باللغة الفرنسية.

- المعاهدة السرية الفرنسية-الاسبانية، الموقعة في باريس بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 1904. باللغة العربية.

- المعاهدة الفرنسية-الألمانية حول المغرب، الموقعة بتاريخ 8 تموز/يوليو 1905، باللغة الفرنسية.

- وثيقة 7 نيسان/ابريل 1906 الصادرة عن مؤتمر الجزيرة الخضراء، باللغة الفرنسية.

- المعاهدة الفرنسية-الألمانية حول المغرب، الموقعة بتاريخ 9 شباط/فبراير 1909 باللغة الفرنسية.

- المراسلات الملحقة بالاتفاق الفرنسي-الألماني، الموقعة بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1911، باللغة العربية.

- المعاهدة الفرنسية-الايطالية حول المغرب وليبيا، 1912، باللغة الفرنسية.

- معاهدة الحماية الايطالية على ليبيا، معاهدة لوزان-اوشي، 27-10-1912.

- معاهدة الحماية الفرنسية على المغرب، الموقعة في فاس بتاريخ 30 آذار/مارس 1912، باللغة الفرنسية.

- المعاهدة الفرنسية-الاسبانية حول المغرب، الموقعة في مدريد بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1912، باللغة الفرنسية.

- البروتكول السري الفرنسي-المغربي، الموقع في باريس بتاريخ 20 تموز/يوليو 1901، باللغة الفرنسية.

- البروتكول الفرنسي-المغربي، الموقع في الجزائر بتاريخ 28 نيسان/ابريل 1902 باللغة الفرنسية.

- المعاهدة الفرنسية-الانكليزية حول المغرب ومصر، الموقعة بتاريخ 8 نيسان/ابريل 1904 في لندن. باللغة الفرنسية.

- البيان المشترك المغربي-الاسباني الموقع بتاريخ 7 نيسان/ابريل 1956، باللغة العربية.

- معاهدة ايفران المغربية-الجزائرية الموقعة بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير 1969، باللغة العربية.

- معاهدة الحدود المغربية-الجزائرية الموقعة بتاريخ 15 حزيران/يونيو 1972.

- اتفاقية مدريد المغربية-الموريتانية-الاسبانية، الموقعة بتاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1975. والتصريح الثلاثي الموقع في 14/11/1975.

- اتفاقية التعاون الاقتصادي بين المغرب وموريتانيا، الموقعة في الرباط بتاريخ 14 نيسان/ابريل 1976.

- اتفاقية الحدود الجديدة بين المغرب وموريتانيا، الموقعة في الرباط بتاريخ 14نيسان/ابريل 1976.

- القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والمتعلقة بالصحراء الغربية.

- القرارات الصادرة عن منظمة الوحدة الافريقية والمتعلقة بالصحراء الغربية.

- القرارات الصادرة عن مؤتمرات دول عدم الانحياز والمتعلقة بالصحراء الغربية.

- القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والمتعلقة بالصحراء الغربية.

- القرارات الصادرة عن مؤتمرات الدول الإسلامية والمتعلقة بالصحراء الغربية.

- القرارات الصادرة عن بعثة الاستقصاء التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

- القرار الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية. بتاريخ 16 تشرين الأول/نوفمبر 1975.

- القرارات الصادرة عن المؤتمرات الثنائية والثلاثية بين أنظمة المغرب العربي، على مستوى القمة وعلى مستوى اجتماعات وزراء الخارجية.

- إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

- دستور الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.

- البيان السياسي الصادر عن المؤتمر الثاني لجبهة البوليزاريو.

- برنامج العمل الوطني الصادر عن المؤتمر الثاني البوليزاريو.

- البيان السياسي الصادر عن المؤتمر الرابع لجبهة البوليزاريو.

- برنامج العمل الوطني الصادر عن المؤتمر الرابع لجبهة البوليزاريو.

- مقررات المؤتمر الوطني الخامس عشر 11-18 آب/أغسطس 1972، الصادرة عن فيدرالية الشرق العربي لاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

صحف ومجلات

- أنفاس، العدد المزدوج 7-8 كانون الأول/ديسمبر 1971-كانون الثاني/يناير 1972.

- المجلة الرسمية لمنطقة الحماية الفرنسية، عدد 34، تطوان، 31 آب/أغسطس 1934.

- مجلة الحرية، عدد 44، تطوان، 16 شباط/فبراير 1939.

- مجلة «افريقيا» -AFRIQA-الاسبانية، أعداد كانون الثاني/يناير-كانون الأول/ديسمبر 1973- مدريد.

- أعداد مجلة «المسيرة الخضراء».

- مجلة الحوادث، أعداد رقم 951 (31-1-1975)، 1051 (31-12-1976)، 1052 (7-1-1977).

- مجلة الدستور، عدد 9 أيلول/سبتمبر 1974.

- أرشيف جريدة «لوموند» الفرنسية حول الصحراء الغربية.

- أرشيف مجلة «جون افريك» الفرنسية حول الصحراء الغربية.

- أرشيف مجلة «افريقيا آسيا» الفرنسية حول الصحراء الغربية.

خطب رسمية:

- المجموعة الكاملة لخطب الملك الحسن الثاني، وزارة الإعلام، المملكة المغربية.

- المجموعة الكاملة لخطب الرئيس هواري بومدين. نشر وزارة العالم والثقافة، مديرية المطالعة العامة والوثائق.

المراجع الصادرة باللغة الأجنبية:

- ALENGRY Jean : Les relations Franco-Espagnoles et l’affaire du Maroc. Ed. Maurice D’Alligny, Paris 1920.

- ALLAIN Jean-Claude : Joseph Caillaux et la seconde crise marocaine ; 3 volumes, thèse de doctorat soutenue le 30 Nov, 1974.

- ATTILIO Gaudio : -Sahara espagnol, fin d’un mythe colonial ; Ed. Arrissala-Rabat, 1975.

- Les dossiers du Sahara occidental. Nouvelles éditions latines, Paris 1978.

- BABA MESKE Ahmad : Front Polisario, l’âme d’un peuple. Ed. Rupture, Paris, 1978.

- P. de BENTZMANN : «La pacification du Sahara occidental». In Revue d’Histoire des Colonies, 1935, PP. 249-284.

- CAUNEILLE J. et AZMP : L’Afrique occidentale espagnole (Tribus arabes et Berbères du Rio de Oro), CHEAM, Exposé du 20-7-1946.

- F. de la CHPELLE : -«Esquisse d’une histoire du Sahara occidental», Hesperis, XI, Rabat, 1930, pp. 35-95.

- Les Tekna du Sahara Marocain», com.Afr. 1934.

- CHASSANG Pierre : «Rio de ORO, la bataille du phosphate». in jeune Afrique, Nov. 1969.

- CORNEVIN M. :Histoire de l’Afrique contemporaine, de la deuxième guerre mondiale à nos jours. Ed .P.B.P. Paris, 2 ème édition, 1978.

- CUBILlO Antoino : «Apres le sommet algero-marocain : que sera l’avenir du sahara espagnol», in Africasie, Juin 1970.

- DESIRE-VUILLEMING : CHEIKH MA-AL-AININ et le Maroc, ou l’échec d’un moderne Almoravide», in Revue d’Histoire des colonies, Nov. 1958, pp. 2-60.

- DAURE-JOUVIN Christine : «Le Sahara occidental, un processus révolutionnaire dans l’Occident Arabe». In Temps Modernes, juillet 1977.

- FLORY M. :«L’Avis de la cour internationale de justice sur le Sahara occidental». In Annuaire Français du droit international, 1975, pp. 253-277.

- GARNIER Christine : «Opération Ecouvillon», in revue des deux Mondes, Nov. 1960, pp. 93-102.

- GARY G. : «Les accords franco-espagnols de 1902 a 1912», In revue des sciences politiques, Jan. Fév. 1913.

- GAUTIER E.F : la conquête du Sahara E.d. A.Colin, Paris, 1910

- GOYTISOLO Juan : Atlantic Sahara, TWO years later. ED. El.PAIS, Madrid, Mai 1978.

- GILLAUME Lejean: «Le Sénégal en 1859 et les routes commerciales du Sahara», in Revue contemporaine, 15 Oct. 1859, pp. 369-403.

- GUILLEN Pierre : L’Allemagne et le Maroc de 1870-1905. ED. P.U.F. Paris 1967.

- HASSAN II: Le défi. Ed. Michel Albin, Paris 1976.

- HINZ Manfred O. : Le droit a l’autodétermination du Sahara Occidental. P.D.W.Bonn, 1977.

JULIEN Charles-André : Histoire de l’Afrique du Nord : Tunisie, Algérie, Maroc. Ed. Payot, Paris 1931.

- LACOUTURE Jean : -«Les accords frontaliers algéro-marocain laissent en Suspens le problème de Tindouf», Le Monde, 10 Mars 1964, p.15.

- «Les revendications Sahariennes du Maroc», in Monde Diplolm. Mai 1958.

- LAROUI Abdallah : L’Algérie et le Sahara marocain, Ed. Serar, Casablanca, 1976.

- MAAZOUZI Mohamed : -L’Algérie et les étapes successives de l’amputation du territoire marocain. Dar al-Kitab, Casablanca, 1976.

- Tindouf et les frontières méridionales du Maroc. Dar al-Kitab, Casablanca, 1977.

- La Marocanité du Sahara central. Ed.Mithaq-al-Maghrib, Oct. 1978, Rabat.

- MARCHAT H.: «Les frontières sahariennes du Maroc» in Politique étrangère, 1957. pp. 637-651.

- MARTIN A.G.P. : «Les tribus nomades de l’Ouest et du Nord mauritanien, du Sahara espagnol et du Sud marocain», in CHEAM, N° 300, pp. 228-250.

- MASSIGNON Louis : «Eléments arabes et foyers d’arabisation, leur rôle dans le monde Musulman actuel (Mauritanie et Rio de Oro)», in Revue du Monde musulman, T. LVII, 1924, pp, 45-48.

- PAUTARD André : «Madrid tente de créer un Etat sous tutelle face aux revendications des trois pays voisins», in Le Monde Diplomatique, N° 197, Aout 1970.

- PECHOT L’Histoire de l’Afrique du Nord avant 1830. Ed.Gojesso, Alger 1919.

- PUIGAUDEAU Odette (du) : «Le passé maghrébin de la Mauritanie», ministère d’Etat chargé des affaires islamiques, Rabat 1962.

- ROGEZ Jaques : «Une économie malade de la guerre», in l’Economiste du tiers monde, N° 16, Jan.Fev. 1977.

- SALVY Georges :«Le grand jeu politique dans le désert», in Le Monde, 31-1-1976.

- TERRASSE HENRI :Histoire du Maroc, Deux Volumes ; Ed.Atlandides, Casablanca, 1949-1950.

- YATA Ali : Le Sahara Occidental marocain. Ed.Al-Maarif, Casablanca, 1972.

- ZARROUK C : «Enfin une frontière Algérie-Maroc», in jeune Afrique, 9 juin 1970.

- Sahara occidental, un peuple et ses droits. Colloque de Massy, 1 et 2 avril 1978, Ed. l’Harmattan, Paris.

- Sahara, Sebta, Mellilia, les Iles Jaffarrines. Ministère d’Etat charge de l’information, Rabat, 1974-1975.

- «********s diplomatiques, Affaires du Maroc», Ministère des affaires étrangères, France ; Volume N°5 (1901-1905) et Volume N°6 (1910-1912), IMP. National Paris.

- «Demain l’Afrique» ; N) 13, oct. 1978.

- The Struggle for Sahara, MERIP Reports, N° 45.

- Sahara occidental, Ed. Fédération international des droits de l’homme, Genève, 9-12-1976.

- La Lybie nouvelle, rupture et continuité. Ed. Centre national de la recherche scientifique, Paris 1975.

- The Moroccan Sahara and the reality behind Algeria’s attitude, oct 1976. pu. Ministère de l’information, Royaume du Maroc.

- Les provinces marocaines du Sud.Pu.du Ministère de l’information, Royaume du Maroc.

- La légitime décolonisation du Sahara occidental Atlantique et les Mennées des gouvernements d’Alger visant à l’hégémonie dans le Nord ouest Africain ; Ministère d’Etat chargé des affaires étrangères et de la coopération ; ******** des Nations-unis, N° E-cm.4-Sub.2-391-15 juin 1977.

- Tour sur la république arabe Saharienne démocratique F.L.N.Alger, 1978.

- La question du Sahara sous domination espagnole, ********s de ****. Ministère des Affaires étrangères, Alger.

فهرس

.مقدمة

.الفصل الأول: وعي الذات وإستراتيجية الغرب

- ملاحظات جغرافية وسياسية

- محطات الاتجاه الوحدوي ونشأة الدول

- تراجع المشروع الوحدوي وبدايات الانقسام

- في أصول تكون المغرب الأقصى

- إستراتيجية الغرب: من الاستعمار إلى التجزئة

- تشريع التجزئة والمسألة المغربية

.الفصل الثاني: حول الانتماء والتاريخ السياسي

- الصحراء الغربية: تعريف أولي

- البنية القبلية ومراحل التمركز

- الخصوصيات الاقتصادية وعلاقات السلطة

- حول الانتماء السياسي

- بدايات التاريخ المحلي

- الشيخ ماء العينين أو التجربة الوحدوية

- الصحراويون وجيش التحرير الوطني

.الفصل الثالث: البوليزاريو: الشعب الصحراوي أو جمهورية المنفى

- في أسباب الانكفاء الداخلي المعاصر

- الحزب المسلم وهزيمة المحاولة الأولى

- ولادة البوليزاريو وسياسة التأسيس

- أزمة المغرب العربي والمشروع الصحراوي

.الفصل الرابع: اسبانيا: الاستعمار الطويل الأمد

- من سقوط الأندلس إلى القرن التاسع عشر

- الصحراء بين الجمهوريين والملكيين

- الجدل المغربي-الاسباني وسياسة الإلحاق

- ثروة الصحراء وثروة المحيط

- النظرية الاسبانية حول تقرير المصير

.الفصل الخامس: الأنظمة والصحراء: أزمة القوميات الواعية

- صراعات الأنظمة وعقدة التجزئة

- الجزائر في مواجهة الحق التاريخي

- موريتانيا أو أزمة الأزمة

- المغرب ومنهجية الوحدة الوطنية

.الفصل السادس: القوى الوطنية المغربية وقضية الصحراء

- ملاحظات نقدية

- حزب الاستقلال ومغربية الصحراء

- موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

- الاختيار الثوري بين المسألة الوطنية ووحدة المغرب العربي

- الصحراء الغربية في أدبيات الشيوعيين والماركسيين-اللينينيين

.الفصل السابع: إشكالات القرار الدولي

- الصحراء الغربية وسط الصراع الدولي

- قرارات الأمم المتحدة بين المبادئ والتوازنات

- حدود الحل الافريقي

- محكمة العدل الدولية والتفسير القانوني للهوية الوطنية

.هوامش ومصادر الكتاب

- هوامش الفصل الأول

- هوامش الفصل الثاني

- هوامش الفصل الثالث

- هوامش الفصل الرابع

- هوامش الفصل الخامس

- هوامش الفصل السادس

- هوامش الفصل السابع

- المراجع والمصادر





0 الأرجنتيني كيمبس: ميسي يدين بالفضل لكريستيانو رونالدو
0 الاعداد في الصينية
0 حروف الجر في الاسبانية
0 اجمل اربعين مثل في العالم باللغتين الانجليزية والفرنسية
0 أين يقع مركز الانترنت ...؟؟
0 الجزائر تفعّل محور بكين ـ موسكو لقطع الطريق على التدخل العسكري في مالي!
0 مواضيع روليان غالي في المنتدى العام
0 ألفيش يرتكب مخالفات أكثـر من بيبي
0 الحجاب يحمي بريطانية غير مسلمة من مرض مزمن
0 درس عمل أوسمة ( للمنتديات ) + اوسمة للتصميم
0 الإبراهيمي : الأسد وإيران لا يزالون يراهنون على الحل العسكري
0 مليار و600 مليون مسلم يشكّلون 23 بالمائة من سكان العالم!
0 الأرقام باللغة العبرية
0 عبارات سياسية وإخبارية ألمانية
0 كيف تطبقين الماسكارا على الرموش السفلية؟

التعديل الأخير تم بواسطة د/روليان غالي ; 09-24-2013 الساعة 10:15 PM
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-26-2013, 01:30 PM   #20
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية shut up.
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
المشاركات: 154
معدل تقييم المستوى: 6
shut up. is on a distinguished road
افتراضي


وووووووووواو

مشكووره ع جماال صورك

واصلي جهوودك


التوقيع
~~~~~اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ~~~~~
........
......
....
..
.

اضغط هنا لتكبير الصوره
shut up. غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رواية أعد لي هويتي/ للكاتبة أنجال سمية ناصر منتدي الروايات - روايات طويلة 33 09-06-2013 09:39 AM
الأدب و الشعر السعودي lovelyhaneen قسم المسابقات الشعريه 7 06-09-2013 07:21 PM
التعريف بالقرآن الكريم ميشو707 المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 3 08-28-2012 11:21 PM
احصائيات القران علي فائق المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 9 12-11-2011 08:49 PM


الساعة الآن 05:57 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.