قديم 05-18-2014, 05:20 AM   #1
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية خالد ابو الدهب*
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: Cairo Egypt
المشاركات: 749
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 8
خالد ابو الدهب* is on a distinguished road
افتراضي تفسير قوله تعالى: (حم... عما أنذروا معرضون)


تفسير قوله تعالى: (حم... عما أنذروا معرضون)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: حم [الأحقاف:1]، سبق أن تكلمنا مراراً عن الحروف المقطعة التي تأتي في أوائل السور فلتراجع تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الأحقاف:2-3]، أي: بالحكمة وإقامة العدل في الخلق. وَأَجَلٍ مُسَمًّى ، أي: لتقدير أجل معين لكل منها، لينهيه إذا هو بلغه وهو يوم القيامة. وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ، (عما أنذروا) من هول ذلك اليوم. (معرضون)، لا يؤمنون، أي: معرضون مولون لاهون غير مستعدين له.

استحقاق الله تعالى للعبادة وحده لا شريك له
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الكلمة: مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الأحقاف:3]: صيغة الجمع في قوله تعالى: (مَا خَلَقْنَا)، للتعظيم، (إلا بالحق) أي: إلا خلقاً متلبساً بالحق، فالباء تدل على التلبس، كما تقول: سبحان الله وبحمده، أي: أسبح الله متلبساً مع ذلك بحمده، فكذلك هنا (إلا بالحق) أي: ما خلقنا السماوات والأرض إلا خلقاً متلبساً بالحق، والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبساً بالحق: أنه خلقهما لحكم ظاهرة ولم يخلقهما باطلاً ولا عبثاً ولا لعباً، فمن الحق الذي كان خلقهما متلبسان به: إقامة البرهان على أنه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، ثم أقام البرهان على أن الله هو الإله الواحد بقوله بعد ذكل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، فتلبس خلق السماوات والأرض بالحق واضح جداً من قوله تعالى: (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ))، إلى قوله تعالى: (( لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ))، بعد قوله تعالى: (( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ))؛ لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى: (لا إله إلا الله)، هو أعظم الحق. فبدأ الآيات بقوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، ثم ذكر ما يبرهن على أنه لا إله حق إلا الله، فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، إلى قوله تعالى: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، فهذا مظهر من مظاهر تلبس خلق السماوات والأرض بالحق، أي: أن يكون في خلقهما وفي الآيات المبثوثة فيهما دلالة على توحيد الله سبحانه وتعالى، وأنه لا إله حق إلا هو سبحانه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، وهذه أول صيغة أمر في القرآن الكريم: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22]، وقد تضمنت هاتان الآيتان معنى لا إله إلا الله؛ لأن قوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، هذا هو قسم الإثبات، وهو ما يدل عليه قوله: (إلا الله)، أما قسم النفي فهو في قوله: (( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ))، وهو ما يدل عليه قوله: (لا إله)، فقوله: ( واعبدوا ربكم ) فيه معنى الإثبات في لا إله إلا الله، وقوله: ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه. وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بناء [البقرة:21-22] .. إلى آخر الآية، وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بأعظم الحق الذي هو: إقامة البرهان القاطع على توحيده جل وعلا. ومن كثرة الآيات القرآنية الدالة على إقامة هذا البرهان المذكور القاطع على توحيده جل وعلا ومن استقراء القرآن الكريم علم أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج لا يصح أن يعبد بحال. والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً؛ كقوله سبحانه وتعالى في هذه الآية في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، فقوله: ( الذي خلقكم ) يدل على أن المعبود هو الخالق وحده. وقوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، يعني: أن خالق كل شيء هو المعبود وحده، وهو وحده الذي يستحق العبادة. وفي سورة النحل لما ذكر تعالى فيها البراهين القاطعة على توحيده جل وعلا في قوله: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل:3]، إلى قوله: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، أتبع ذلك مباشرة بقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، وذلك واضح جداً في أن من يخلق غيره هو المعبود، وأن من لا يخلق شيئاً لا يصح أن يعبد؛ ولهذا قال تعالى بعد ذلك: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل:20]، وقال في الأعراف: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:191]، وقال في الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، فمن لا يقدر أن يخلق شيئاً لا يصح أن يكون معبوداً بحال. وقال تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى:2]، كذلك في أول سورة الفرقان لما بين تعالى صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق أن يعبد، قال في صفات من يستحق العبادة: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2]، وقال في صفات من لا يصح أن يعبد: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان:3]، والآيات في ذلك كثيرة جداً، وكلها تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، يعني: أنه خلقهما لكي يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما آية وعلامة وبرهاناً على أعظم حقيقة في الوجود وهي: أن لا إله حق إلا الله سبحانه وتعالى. فهذا أحد معاني قوله تعالى في أول هذه السورة الكريمة: (( مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ))، أي: خلق متلبس بالحق، لحكم عظيمة، أعظمها وأجلها: أن يكون خلق السماوات والأرض دليلاً وبرهاناً للناس على أنه لا إله إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يعبد إلا من يخلق.

قدرة الله تعالى على كل شيء وإحاطته بكل شيء علماً
وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به: تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، فمن الحق الذي تلبس به خلق السماوات والأرض: أن يعلم العباد ويستدلون بخلق الله تعالى السماوات والأرض وما بينهما على قدرته جل وعلا، وأنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، كما قال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، فلا شك أن هذه الآية مصرحة بمظهر من مظاهر هذا الحق الذي خلقت السماوات والأرض متلبسات به، فإن قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ)، ذكر بعده لام التعليل في هذا الخلق، فقال: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، وهذا من الحق الذي تلبس به خلق السماوات والأرض، فلام التعليل في قوله: (لتعلموا) متعلق بقوله: (خلق سبع سماوات) إلى آخر الآية، وبه تعلم أنه ما خلق الله السماوات السبع والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن إلا خلقاً متلبساً بالحق.

التكليف والابتلاء والجزاء
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به: تكليف الخلق وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7]، فمن الحق الذي تلبس بخلق السماوات والأرض: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، فلام التعليل في قوله: (ليبلوكم) متعلقة بقوله: (خلق السماوات والأرض)، فيكون قوله: (وهو الذي خلق السماوات والأرض)، إلى قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، يدل على أنه ما خلقهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. ونظير ذلك قوله تعالى في أول سورة الكهف: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]، وقال في أول الملك: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، وقال في آخر الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، أي: إلا ليعبدوني وحدي ولا يشركوا بي شيئاً. وسواء قلنا: إن معنى (إلا ليعبدون): إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم؛ لأن عبادتهم يحصل بها تعظيم الله وطاعته والخضوع له، كما قال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89]، وقال تعالى: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:38]، أو قلنا: إن معنى (إلا ليعبدون): إلا ليقروا لي بالعبودية ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي؛ لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعاً، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهاً. ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال، ولذلك بين الله سبحانه وتعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقاً متلبساً به جزاء الناس بأعمالهم. وقال في سورة النجم: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]، فقوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) أي: هو خالقهما وخالق ما فيهما، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). وهذا أيضاً إعلام منه عز وجل بأنه خلق ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الناس بأعمالهم، ويوضح ذلك قوله تعالى في سورة يونس: إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس:4]. لما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً -بغير حق- لا لحكمة التكليف ولا الحساب ولا الجزاء؛ أبدلهم الويل من النار بسبب ذلك الظن السيئ، قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]، فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثاً لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ضل في قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون:116]، تعالى وتنزه عن أن يخلق خلقه عبثاً، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116]. وهذا الذي نزه الله تعالى عنه نفسه نزهه عنه أولو الألباب من خلقه، كما قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191-191]، فمعنى: (سبحانك) تنزيهاً لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلاً لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء. وقوله تبارك وتعالى هنا في آية الأحقاف: (( مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ))، يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلاً ولا لعباً ولا عبثاً كما صرح بهذا المفهوم في قوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا [ص:27]، وفي قوله: (( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ))[آل عمران:191]، وفي قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الدخان:38-39]. وقوله: (( وَأَجَلٍ مُسَمًّى ))، هذا معطوف على قوله: (بالحق)، أي: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي: وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في أخريات سورة الحجر في قوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85]، وانظر كيف قرن خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق بقوله: ( وإن الساعة لآتية ) إشارة إلى ما ذكر هنا في هذه الآية: ( إلا بالحق وأجل مسمى ). وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمداً ينتهي إليه أمرهما، كما قال تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء:104]، وقال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، وقال تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:11]، وقال: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ [المزمل:14]، إلى غير ذلك من الآيات.

إعراض الكافرين عما أنذروا
قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، أي: معرضون عما أنذرتهم به الرسل، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، وقال في سورة يس: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، وقال أيضاً: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4]. والإعراض عن الشيء هو الصدود عنه وعدم الإقبال عليه، قال بعض العلماء: وأصله من العرض، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه جانب عنقه صاداً عنه، والإنذار: هو الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذاراً، فالإنذار نوع خاص من الإعلام؛ إذ هو إعلام مقترن بتهديد، والإنذار يأتي عاماً ويأتي خاصاً، فقد يأتي عاماً لكل الخلق، وقد يأتي خاصاً لخاصة الخلق، وهم المؤمنون والمتقون. وفي هذه الحالة إذا قصر الإنذار على المؤمنين والمتقين يكون لهم فقط؛ لأنهم هم الذين إذا أنذروا ينتفعون بهذا الإنذار، فكأنه ما أنذر سواهم. وإذا كان للكافرين فإنه لإعلامهم وتهديدهم؛ فهو إعلام مقترن بتهديد. قوله هنا: (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ))، ما: هنا إما أنها موصولة، وإما أنها مصدرية، فإذا قلنا: إنها مصدرية فيكون المعنى: والذين كفروا معرضون عن الإنذار. وإذا قلنا: إنها موصولة والعائد محذوف فيكون في غير القرآن: والذين كفروا عن الذي أنذروه معرضون؛ لأنها إذا كانت موصولة فلابد لها من عائد، وهو ضمير يكون في جملة الصلة يعود على الاسم الموصول، فقوله: (عما أنذروا) قال بعض العلماء: هي موصولة والعائد محذوف، أي: الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه وخوفوه من عذاب يوم القيامة، وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مطرد كما هو معلوم.



المصدر:
اسلام ويب


0 ازياء لإطلالة عصرية ....
0 ماأجمل أن أعشقك دون أن اراكى
0 اشتقتلك في وقت انا كنت ابنساك
0 اجمل صور محافظ للرجال
0 لا تُشْهِدْنِي على جَوْر
0 احذية للعرائس
0 بالصور كيفية تزيين الصالون بلمسات صيفية عصرية
0 اوض نوم على احدث جوده للعروس قمة الروعه 2015
0 السيسى cc يكتسح الاصوات فى الاردن بـ 10505 صوتا و لصباحي 282 صوتا فقط
0 أطوار خلق الإنسان في القرآن
0 جوجل تعتزم توسيع Project Tango ليشمل الحاسبات اللوحية
0 : طريقة عمل المكرونة مع السجق الرائعة
0 موسوعات طبية لكبار الأطباء في مختلف التخصصات بالسعوديه [ خذ نسختك]
0 وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين
0 فإذا هم مبصرون
التوقيع
خالد ابو الدهب*

اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
خالد ابو الدهب* غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-24-2014, 05:42 PM   #2
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 33
المشاركات: 17,075
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 25
د/روليان غالي will become famous soon enough
افتراضي


جزاك الله كل خير اخي خالد

بوركت الانامل


0 غرف طعام ملؤها الإبتكار!
0 كوالكوم تكشف عن ساعتها الذكية Toq Smartwatch
0 8.ارسال رسالة خاصة للاعضاء
0 عـ لى الهواء مباشرا احتراق الساحر العالمي واين هوتشين
0 مقطوعات من البرمجة العصبية,nlpمجموعة دورات,دكتور أمين رمضان,المرونة,الحكمة,مقطع فيديو
0 الاحـــــتــرام
0 بعض الكلمات العبرية الاكثر استعمالا
0 الاستفهام في الروسية
0 7 الأسرار لا يبوح بها الرجل للمرأة
0 نقل المدونات الى قسم الدواوين
0 دروس تعلم اللغة الفارسية (الدرس الحادي عشر)
0 الادوات في الصينية
0 قصة عجيبة
0 فتح قسم جديد خاص بالقضية الفلسطينية
0 فن السرعة في القراءة . قواعد ذهبيه في فن السرعة في القراءة . فنون القراءة السريعه
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لمحت في شفتيها طيف مقبرتي تروي الحكايات أن الثغر معصية خيالات مجنونه قسم الروايات المكتملة 119 10-16-2016 11:56 AM
خلي العذول موطي الرأس منكوس.... من الحلقه 1 و2 و3 و4 الخ....يتبع جميع الحلقات دموع ..الورد قسم الروايات المكتملة 81 09-23-2016 11:48 PM
تفسير قوله تعالى : {لاَ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} ابن بطوطة المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 2 03-12-2016 06:27 PM
صفات العلماء المعتبرين وصفات الرؤوس الجّهال د/روليان غالي المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 6 05-04-2014 07:27 PM
قلوب تنزف عشق ،، ( رواية طويلة ) إِنْكِسَآرْ قسم الروايات المكتملة 32 10-10-2013 11:39 PM


الساعة الآن 05:35 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.