قديم 02-13-2015, 06:34 PM   #1
-||[عضو النادي الملكي]||-
 
الصورة الرمزية Mŕ.Ŕoỹ
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: LEBANON
العمر: 27
المشاركات: 27,085
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 36
Mŕ.Ŕoỹ is on a distinguished road
افتراضي رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ


الكاتب في سطور :
* فيتشيسلاف بيتسوخ من مواليد موسكو عام 1946م . أنهى كلية التاريخ بمعهد موسكو للتربية عام 1970م . كتب أول قصة عام 1973م ، وكانت بداية النشر عام 1978م . صدرت مجموعة القصصية الأولى عام 1983م بعنوان " ألف باء " . له عشر مجموعات منها " الأزمنة السعيدة " و " فلسفة موسكوفية جديدة " و " التنبـؤ بالمستقبل " .

رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ

ترجمة : أشرف الصبَّاغ
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
سونيا باروخودوفا متزوجة منذ عشر سنوات من لص بكنية فرعون . بدأ ذلك الفرعون كصاحب أول دار عرض سينمائى خاصة فى موسكو ، ولكنه أخذ يتطور بالتدريج حتى وصل إلى اللصوصية والإجرام نظرا لقصور النزعة التجارية ومحدوديتها لديه . كما أننا لا نستطيع أن نقول عن سونيا باروخودوفا أنها كانت تحب زوجها ، ولكنها على نحو ما ألفته وتقاربت معه خلال السنوات العشر . كانت أعماله ونشاطاته بالنسبة لها مجرد غرائب لا تزيد ، على سبيل المثال ، عن وظيفة غواص أو ساحـر قروى . وفى عام 1996م اشترى فرعون لسونيا باروخودوفا أتيليه لتصميم الأزياء . من هنا يمكن القول أنها بدأت تنهمك تماما فى مشاغلها الخاصة . فبعد أسبوع أو اثنين كوَّنت فريق عمل ، وموَّنت نفسها جيدا من مصانع الأنسجة بأرخص الأسعار ، وخاصة مما هو مسروق من مصنع " الخشخاش الأحمر " ، واشتركت فى مجلات نسائية لا تعد ولا تحصى ، وعقدت العزم فى جدية تامة على إعطاء أشهر خياط فى موسكو درسا لا ينساه .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
فى صباح 24 سبتمبر 1996م ، بالضبط ، بزغ فى ذهن سونيا باروخودوفا موديل فى غاية الروعة والجمال : قطع من الأقمشة المختلفة ، الألوان حمراء مائلة إلى الصفرة وبالذات البنفسجى مع القرمزى ، الظهر خال تماما من أى شئ ، بفتحة كبيرة عند الصدر تنزل بزاوية حادة إلى ما فوق السُّرة ، ومن فتحتى الأكمام يبدأ جناحان بطوايا وثنايا مثل جناحى الفراشة .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
تراءى هذا الموديل لسونيا باروخودوفا فى وقت مبكر فى المنام . إلا أنها عندما نهضت من الفراش لم تتوجه مباشرة إلى مكتبها لتوجع رأسها ، وإنما أسرعت لإجراء العمليات الصباحية الاعتيادية . بينما الموديل يقف طوال الوقت أمام عينيها بعذاب لذيذ . فى البداية راحت تتأمل نفسها ، وهى ما تزال بقميص النوم ، أمام المرآة الفينيسية العالية التى تعكسها بالكامل : فى الواقع لم يكن هناك أى داع للنظر فى المرآة : سونيا باروخودوفا تتمتع بقوام جيد ونِسَب ممتازة للجسد مع الوجه الرقيق الواهن الذى تتلألأ فيه عينان سلافيتان ورعتان . بعد ذلك أخذت حمَّاما ، ووقفت أمام المرآة القديمة : أنواع مختلفة من الكريم وسوائل التجميل ، والتدليك . بيد أن تدليك الوجه كان أصعب عملية ـ عموما فمن غير الممكن ، بعبارات رجالية ، وصف الجالسة أمام المرآة القديمة بدقة ووضوح إلا إذا أضعنا أربعين دقيقة كاملة . بعد أن انتهت سونيا باروخودوفا من زينتها الصباحية ، احتست أول كأس من الـ " بِرنو " ـ لسبب ما كانت تفضل الفودكا الفرنسية " برنو " من بين جميع المشروبات ، والتى كانوا يطلقون عليها أيضا تسميــــة " باستيس " . بعد ذلك ذهبت إلى المطبخ لتعد القهوة . هذا العمل البسيط تحول لديها إلى عملية طويلة مجهدة . ولكن هاهى رائحة القهوة المُتَحَدِّية ، المفرطة الحلاوة ، تنتشر فى الشقة . صبت سونيا باروخودوفا لنفسها فى فنجان من الخزف الثمين الذى كان شائع الاستعمال فى فرنسا وانجلترا وروسيا فى القرن الثامن عشر . وأقبلت أسوأ فترة خلال اليوم كله : حينما تبدأ الاتصال بالصديقات وهى تحتسـى القهوة ـ عندما تبدأ العمل .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
ـ كاتيا ، أنتِ ؟
ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
ـ كيف تسير أمورنا ؟
ـ أحضروا لتوهم حرير البطانات والزراير والشيفون .
ـ وماذا بخصوص ثوب تلك العِرْسَة ؟
ـ نعمل الآن فى خياطة العُرِّى .
ـ وماذا ...
ـ حضروا أيضا لإصلاح المكوتين ، ورغم ذلك فالاثنتين فى غاية السوء ، تعملان الآن بالكاد .
ـ تخلَّصتِ منهم ؟
ـ طبعا !
ـ والآن نأتى إلى المهم ... واقفة أم جالسة ؟
ـ واقفة .
ـ إذن اجلسى . ابتكرتُ اليوم موديل فى غاية الفنتازيا ـ وراحت سونيا باروخودوفا تصف التفاصيل الدقيقة لموديلها الفنتازى الرائع .
ـ معنى ذلك أن هذا الوغد سيكتئب ـ قالت كاتيرينا وهى تقصد الخياط الموسكوفى الشهير .
ـ بمناسبة الحديث عن الأوغاد : كيف تسير أمورك مع صاحبك المحاسب ؟
ـ بشكل سئ ! ففضلا عن أننى لا أحبه ، فهو يعانى أيضا من مرض البول السكرى ...
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، وفى النهاية وضعت سونيا باروخودوفا السماعة وبدأت تدخن سيجارة . أخذت تجول هنا وهناك وهى تقترب حثيثا من مكتبها . وتجدر الإشارة هنا إلى أن مكتبها كان رائعا ، مغطى بالجوخ الإنجليزى ، ومزيَّن بالبتـولا الكاريلية ، بدرابزين عند الحواف ، ويقف على ـ لا ينبغى القول قائمتين ، وإنما ـ رجلين مفتولتين . على المكتب توجد أدوات التحبير ، وتمثال نصفى من الجبس لنابليون ، ولمبة كيروسين برونزية جميلة بغطاء من الزجاج المعتم . راحت سونيا باروخودوفا تجول هنا وهناك ، ويتولَّد بداخلها تدريجيا ذلك الإحساس السعيد جدا الذى لا تعرفه ، رغم أنه متوتر أحيانا ، إلا الطبائع الفنية ، وتحديدا عندما : هه ، هه ، سوف تتشكل صيغة السعادة . ومن فرط هذا الإحساس تبدأ دغدغة ما فى البطن ، ويندفع الدم إلى اليدين ، وينبض عصب ما فى الدماغ بحذر . جلست فترة طويلة ، أو قصيرة ، خلف مكتبها وهى تثنى قدمها اليمنى تحتها ، فتحت قنينة الحبر الصينى ، نشرت مجموعة الألوان المائية ، تناولـت قلما ، تنهدت مرتين بثقل ، وبدأت العمل فى موديلها الفنتازى الرائع . سار العمل فى البداية بشكل جيد . ولكن الحمية تبددت تدريجيا ، وقضت سونيا باروخودوفا الساعتين التاليتين جالسة على الرسم الكروكى من أجل التظاهر بالعمل ليــس إلا ، وذلك بسبب الانجذاب الطبيعى نحو العمل الإيجابى . إلا أنها نهضت من خلف المكتب فى أسوأ حالاتها المزاجية ، واحتست كأسا أخرى من الـ " برنو " ثم مَزَّتْ بقطعة ليمون مغطاة بحبات ملح كبيرة . وجلست إلى الهاتف .
ـ كاتيا ، أنتِ ؟
ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
ـ هناك شئ ما يحدث لى ، لا شئ يتحقق ...
ـ أهم شئ ألا تتوترى . تذكرى دائما ما كانوا يعلمونه لنا فى المدرسة : يوجد دائما فى الحياة مكان للتطور ـ يلزم فقط هذا الـ ... الـ ... دأب !
ـ فى سنوات المدرسة كنتُ أذهب حافية القدمين ، وكنتُ أحصل دوما على درجات الامتياز .
ـ هه ، أ ترين ! كنتِ متفوِّقة ، ولذا فأهم شئ ـ أن تكونى دؤوبة .
ـ ولكن ماذا بخصوص ثوب تلك العِرْسَة ؟
ـ أخذته لتوها .
ـ كانت سعيدة ؟
ـ وأية سعادة !
ـ وكيف لا ! فهى التى يجب أن تلبس الخيش وتتمنطق بالحبال ، سَعَّروها بثمن أكبر وأقاموا لها قصرا مثل قصر الأليزيه .
ـ بالضبط ، بالضبط .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
ـ اسمعى ، أ لم يتصل بك صاحبك المحاسب ؟
ـ اتصل ـ ولكن ما الفائدة ؟ إنه للعام الثالث لا يفعل شيئا سوى الاتصال .
ـ ثلاث سنوات ـ فترة طويلة للكلاب ، ولكنها للإنسان ـ لا شئ .
بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، ثم خرجت سونيا باروخودوفا لتشم الهواء فى البلكونة . ولحسن الحظ أن الوقت كان نهاية سبتمبر والطقس صيفى : كان دافئا وجافا رغم تجهمه . غير أن علامات نعاس مقبل قد بدأت تعلن عن نفسها : شئ ما ناعس فـى الهواء ، الضوء خامل وضعيف ، الأوراق على الشجر صارت قاتمة وبدأت تفوح بروائح التحلل ، وفى بلكونة البيت المقابل ردد الجار المجنون كلمات بذيئة وهو يمد يده فى اتجاه سوق تيشينسكى ، وطائر الدِغْنَاش يجلس على الإفريز رغم أن موسمه لم يحن بعد . فجأة امتد شعاع شمس من خلال غشاوة السماء الغائمة فأحدث تأثيرا عذبا للغاية فى نفس سونيا باروخودوفا : شعرت كما لو أن صيغة السعادة سوف تتحقق فى التو واللحظة من تلقاء نفسها ، وستبدأ دغدغة ما فى البطن ن ويندفع الدم حارا إلى اليدين ، وينبض عصب ما فى الدماغ بحذر . فى تلك اللحظة أضاء وجهها بابتسامة كما لو كانت نابعة من الداخل ، فعادت ثانية إلى مكتبها .
بعد ساعة كان الرسم الكروكى لموديلها الفنتازى الرائع جاهزا فى خطوطه العامة . وصارت سونيا راضية عن نفسها تماما ، واحتست لفرط سعادتها كأسا كاملة من البِرنو . بعد ذلك جلست إلى الهاتف وأخذت تفكر بمن تتصل لتخبره عن نجاحها .
ـ كاتيا ، أنتِ ؟
ـ أنا فعلا ، تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
ـ يبدو أن الهاتف يعمل بشكل سئ ...
ـ غدا سآمر عمال التليفونات بإصلاحه .
ـ ولكن إذا حضروا سكارى ؟
ـ سأطردهم ، وسأرفع على شركتهم قضية فى المحكمة !
ـ ولكن محاكم هذه الأيام يمكن أن نسميها ...
ـ طُز فيها كلها ...
ـ هذا صحيح فعلا .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ، وفى ختام الحديث وجهت سونيا باروخودوفا الدعوة إلى كاتيرينا للذهاب إلى أحد المطاعم الصغيرة كى تحتفلا بميلاد موديلها الفنتازى الرائع . ولكن كاتيرينا اعتذرت بحجة أنهم ، بين اللحظة والأخرى ، سيحضرون إلى الأتيليه مساطر الرسم . وضعت سونيا باروخودوفا سماعة الهاتف وأخذت تفكر طويلا ماذا ترتدى . وفى نهاية المطاف وقع اختيارها على حذاء شمواه بلون أخضر فاتح ، وثوب محتشم من الكشمير الأسود ، وشال اسكتلندى بلون أخضر غامق .
خرجت من المنزل فى الساعة الرابعة بعد الظهر . جلست فى سيارة تاكسى وانطلقت إلى مطعمها الصغير . من حسن حظها أن السائق كان كثير الكلام فراحا تبادلان الحديث طوال الطريق عن هذا وذاك .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
ـ أ تعرفون ... أنه أحيانا تجول برأسى فكرة غير سارة ـ قال السائق فى معرض حديثه ـ فعلى سبيل المثال ، توجد دوله اسمها أوروجواى حيث من الممكن أن يكون فيها إناس كثيرين رائعين لا يعرفون عنى أى شئ ، وأنا نفسى لا أعرف عنهم شيئا ، ولن أعرف أبدا ، وكأنهم غير موجودين ! وهذا أمـر فظيع ، أولا ـ لأن الحياة تبدو فى هذه الحالة غير مُعاشة كليا ، وثانيا ـ لأننى أنا نفسى وبدرجة ما أصبح غير موجود ـ وأتساءل : كيف يمكن العيش ؟!
كان المطعم خاليا تماما من الزبائن : فقط نادلان يرتديان ثياب أوبرالية ، وبدا أنهما كانا ينامان واضعين رأسهما على قبضاتهما . طلبت سونيا باروخودوفا قدحا من البرنو وزجاجة شمبانيا وسلطة وجمبرى وكستليته نمساوية ، وكان الحلو عبارة عن آيس كريم من الفراولة . سيطرت عليها حالة عاطفية من تأثير الشمبانيا ، وشعرت برغبة فى الحديث .


قالت للنادل الذى يحمل الكستليتة النمساوية :
ـ إذا كان بالأتوبيس رجل عجوز ، وأردتَ أن تبدأ معه الحديث ، فماذا تفعل فى مثل هـذه الحالات ؟
ـ أنا لا أركب الأتوبيس .
ـ لنفترض أن هذه الحادثة قد وقعت ...
ـ من الممكن أن أقول له ، يا والدى ...
ـ ولكن ، تصوَّر ، هذه الكلمة فى انجلترا غير موجودة ! الكلمة طبعا موجودة ، ولكنهم لا يستخدمونها . رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
ـ إذن فماذا يقولون ؟
ـ إذا كنتَ زبونا فهم يقولون لك : يا سيد .
ـ ولكن إذا كنتُ أنا الخادم ؟
ـ إذن فأنت الذى يجب أن يقول : يا سيد . ولكن أن تقول : " أنتِ ، يا أمى ، لا تتدافعى هكذا " ـ فهذا غير موجود لديهم . كما أن الأطفال الإنجليز لا يقولون أبدا للرجال الغرباء ، يا عمى .
ـ إذن فلمن يقولون ، يا عمى ؟
ـ فقط إذا كنتَ أخا لأبيهم .
خرجت سونيا باروخودوفا من المطعم فى حالة نشوة روحية عالية سببها فى المقام الأول الشمبانيا والنادل اللطيف . علاوة على أن اليوم كان صحوا : قد تكون الشمس حامية ، ولكنها مع ذلك تشرق بنفس الحنان والشجن الذين يطل بهما عجوزان لطيفان . كان الهواء راكدا ، ولكن لسبب ما كان شعر المارة منتفشا . وفى المنتزه أشعل الكناسون أوراق الشجر المتساقطة التى نشرت روائح التوابل ، وأشاعت شعورا بالقلق ، وأثَّرَت على الحالة النفسية مثل النبيذ . سارت سونيا باروخودوفا ببطء فى اتجاه شارع ميخافايا . ذَرَّت عينيها فى مواجهة الشمس وفكَّرَت فى حياتها التى هى فى واقع الأمر غاية فى الروعة .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
بيد أنه فى الفترة الأخيرة بدأ يسيطر عليها هاجس مزعج : ذلك الوجود السعيد ، المأمون ، الهادئ جدا ، يمكن أن نسميه ما نشاء ـ شذوذ ، حلم ، إحساس الأحاسيس ، ولكنه ليس الحياة بالمعنى الصحيح للكلمة . فالحياة الحقيقية هى شئ ما سرى ، مجهول ، رهيب ، هى ذلك الألم الفظيع الذى ، إضافة إلى ذلك ، يسحر ويجتذب .
أخذت سونيا باروخودوفا تتجول فى المحلات ما يقرب من الساعة : اشترت زوج من الأحذية السوداء اللامعة ، زجاجة عطر ، قفازين من جلد الجدى ، طقم من الفرش العمودية للرسم ، علبـة شيكولاته ، باقة من زهور البنفسج ، كيس نقود من الخرز . وقبل انتهاء يوم العمل ذهبت إلى الأتيليه . لم تكن كاتيرينا موجودة ، فراحت تراقب ـ فى تشتت ـ كيف تعمل الفتيات وتتفحص بدقة خياطة أحـد الفساتين ، ودخَّنت سيجارة ثم انصرفت عن طريق الباب الخلفى للأتيليه .
كانت الساعة حوالى السابعة مساء حينما ركبت سونيا باروخودوفا سيارة التاكسى منطلقة إلى منزلها . فى هذه المرة كان السائق قليل الكلام . فراحت تسأله :
ـ هل صحيح أنهم سيرفعون أسعار الوقود ثانية ؟
وهذا صامت .
وبعد فترة تقول له :
ـ هؤلاء الحمقى سيدفعون الشعب إلى ثورة روسية رابعة !
وهذا صامت .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
كان أول شئ فعلته سونيا باروخودوفا بمجرد عودتها إلى البيت أن أخذت حمَّاما ، وارتدت فستانها الأسود القصير من دون أى شئ تحته ، ثم خرجت لتشم الهواء فى البلكونة دون أن تتنبه إلى خطر الإصابة بنوبة برد . كانت الشمس تحط فوق أسطح المنازل فى أزقة كوزيخينسكى ، وفاحت فى الجو رائحة حريق ما . وفى المنزل المقابل صاح الجار المجنون بكلمات بذيئة وهو يمد يده فى اتجاه سوق تيشينسكى ، وعلى الأفاريز راحت طيور الحمام الأزرق العرجاء تتمخطر . تنهدت سونيا باروخودوفا بشجن وعادت إلـى الغرفة . صبت لنفسها كأسا من البرنو وجلست إلى الهاتف .
ـ كاتيا ، أنتِ ؟
ـ تصوَّرى ! ـ جاء الصوت غير واضح كما لو كان من مسافة بعيدة .
ـ لم تصلحى الهاتف بعد .
ـ أ لم نتفق على إصلاحه غدا !
ـ أين كنتِ حوالى الساعة السابعة مساء ؟
ـ ذهبتُ لأتفقَّد بعض أنواع الدانتيللا الجيدة .
ـ وكيف الحال ؟
ـ كان من الممكن عدم الذهاب من أصله .
ـ وهذا التيس ، أ لم يتصل بكِ ؟
ـ أى تيس ؟
ـ صاحبك المحاسب ، ناقص النمو هذا .
ـ اتصل قبل موعد الإغلاق بقليل .
ـ وماذا يرى ؟
ـ يرى أننى حمقاء ، ومن الممكن قيادتى عبر سلك التليفون باعتباره أقصر مقود موجود . الشئ الهام هو أننى لا أنوى بأى حال من الأحوال الزواج منه .
ـ بسب البول السكرى ؟
ـ لا ، ولكننى ببساطة لن أتزوج من مجرد غراب .
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
بعد ذلك تحدثتا ما يقرب من نصف الساعة حول الموضوعات النسائية العامة ثم وضعت سونيا باروخودوفا السماعة واقتربت من النافذة المفتوحة . كانت المساء قد ولج بيسر وهدوء فى الليل ، والنجوم لم تظهر بعد ، ولكن السماء كانت قد اكتست بذلك اللون الأحمر القانى الثقيل الذى ينبئ ، كما هو مألوف ، بظهور النجوم فى الطقس الغائم . تلك السماء فيها شئ ما يقبض النفس ويُلَمِّح إلى أمر ما . استولى على سونيا باروخودوفا ثانية هاجس بأنها تمتلك انطباعا سطحيا عن الحياة الإنسانية ـ على الأقل لا تعرف عنها كل شئ . بذلت جهدا شديدا لطرد هذه الفكرة غير اللازمة من رأسها . تجوَّلَت قليلا فـى الغرفة ، ثم جلست خلف المكتب وأخذت تدير لمبة الكيروسين القديمة الموجودة تحت الغطاء الزجاجى المعتم . وفى تمهُّل وحذر رفعت الغطاء ، فصلت الجزء الملئ بالكيروسين ،
رواية قصة زوجة فرعون | للكاتب فيتشيسلاف بيتسوخ
رفعته فوق رأسها وسكبت كل ما فيه على نفسها . فاحت ، على الفور ، فى الغرفة رائحة دكان المواد الكيميائية . وبدون وعى عادت سونيا باروخودوفا إلى طفولتها فى مدينة إيجيفسك ، فى بيت صغير مكوَّن من طابقين ، وفى أسفله يبيعون أشياء كثيرة من بينها الكيروسين على وجه الخصوص . تناولت علبة الثقاب ، أخذت تحك الأعواد فى محاولة لحرق الثياب التى ترتديها . ولكن إما أن الكيروسين كان مغشوشا ، أو أنه يشتعل بشكل سئ فى الهواء ، مما اضطرها إلى إشعال أكثر من نصف العلبة قبل أن تعلق ألسنة اللهب الوردية بفستانها الأسود فى بطء وتثاقل وتُحدِث دخانا كريها . وعندما بدأ شعرها يطقطق على رأسها ، راودتها فكرة : ها هى الحيـاة الأخرى ، الرهيبة والعظيمة بلا حدود ، تنتهى هى الأخرى بلا رجعة .
أخذ جلد سونيا باروخودوفا يحترق سريعا ، ودون أن تعى راحت تركض نحو الدرج . ظلت لبضع ثوان تتلفت حولها فى ضراوة ووحشية ، ولكن وعيها كان يتلاشى ، فسقطت على الدرج وأخذت تتدحرج إلى أسفل دون أن تفكَّر ، وإنما كانت تشعر على نحو ما ، أنها الآن تعرف كل شئ .



0 تبليغ
0 أعلن عن بدء المسابقة الاروع في برق
0 احتضار ورقة
0 ديوكوفيتش يفتح النار على منظمي بطولة كأس ديفيز
0 ما حجبه الله عنا كان أعظم قصة تستحق القراءة
0 استقالة
0 طائرات إف-16 إماراتية تتمركز في الأردن لضرب "داعش"
0 سواريز: مسؤولو "فيفا" عاملوني أسوأ من الهوليجانز
0 مستر روي عاد لكم
0 ابطال الانمي
0 غآرفي..القط الغآضب..!
0 «إريكسون» الأولى في حلول تكنولوجيا المعلومات خلال 2014
0 مبروك الالفيه الثانيه لجيهان جوجو
0 كاتبة الروايات مبروك الاشراف
0 آخر كلام.. محمد كوفى يوقع للزمالك موسما إضافيا اليوم
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

اضغط هنا لتكبير الصوره

اضغط هنا لتكبير الصوره

اضغط هنا لتكبير الصوره
تابع معنا أجدد مواضيع المنتدى اضغط هنا
Mŕ.Ŕoỹ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-13-2015, 09:46 PM   #2
-||[كبار الشخصيات في المنتدى]||-
 
الصورة الرمزية *نور*
 
تاريخ التسجيل: Jan 2015
المشاركات: 1,435
معدل تقييم المستوى: 7
*نور* is on a distinguished road
افتراضي


يعطيك العافيه


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
*نور* غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2015, 03:27 PM   #3
-||[عضو فعال]||-
 
تاريخ التسجيل: Jun 2015
العمر: 50
المشاركات: 12
معدل تقييم المستوى: 0
د لولو is on a distinguished road
افتراضي


تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تحط


التوقيع
روايتي واقيقه 90 حدث لي حقيقه اقرواها يشري جرحتني ياجرااااااااااااااح بزمان جرح
جرح جرحني وجرا الجرح مجروح
عسق عشثني وعاشق العشق معشوق
حبني حبن وحباب حب مغرو
د لولو غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 10:45 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.