قديم 07-23-2017, 06:48 AM   #1
== مراقب عام ==
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 68
المشاركات: 12,272
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي تفسير قوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقاراً


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
تفسير قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً)

دعا نوح ـ عليه السلام ـ أولُ رسول إلى أهل الأرض إلى تعظيم الله ـ عز وجل ـ فقال لقومه:
"مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا"
[نوح: ٣١]
أي: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته؟!
كما دعا خاتم النبيين والمرسلين نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تعظيم الله ـ تعالى ـ وتقديره حق قدره،
كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ هذه الآية يوماً على المنبر:
"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"
[الزمر: ٧٦]،
ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول هكذا بيده يحركها، يُقْبِل بها ويُدْبِر
« يمجِّد الربُّ نفسه: أنا الجبّار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم »
فرجف برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنبر، حتى قلنا: لَيَخِرَّنَّ به .

وإذا كان تعظيم الله ـ عز وجل ـ هو سبيل المرسلين فقد ظهر في الآونة الأخيرة ما ينقض ذلك؛
إذ استفحل التطاول على ربنا ـ عز وجل ـ والانتقاص من جناب مقام نبينا الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
والاستخفاف بالدين وشعائره وحرماته، وصارت هذه «الردة المغلَّظة» في مؤلفات وروايات ومجلات،
وعبر قنوات ومواقع شبكات المعلومات. وتولّى كبر ذلك فئام من كفرة الغرب ومنافقي هذه الأمة وزنادقتها،
كما نفر طائفة من المحتسِبين من أجل مدافعة هذا الفساد العريض والكفر الصريح.

وفي غمرة الانفتاح وانكباب المعلومات بعُجَرها وبُجَرها، ووفرة وسائل الاتصال وكثرتها؛
فإن بعض المُتديِّنة والمتسننة ـ فضلاً عمن دونهم ـ قد تساهلوا في اقتناء مؤلفات الزندقة والضلال،
والاطلاع على روايات الكفر البواح، واعتادوا الدخول إلى مواقع إلكترونية تدعو إلى الردّة والانسلاخ من الإسلام والسنة،
فأفضى بهم ذلك إلى استمراء سماع ومشاهدة الكفر والشرك والضلال، وهان عليهم التفوّه به ونشره،
وتوسعوا في ذلك بدعوى الرصد والمتابعة لسبيل المجرمين.
فربما حذّر بعضهم من السحر، وضمّن هذا التحذير مشاهد مصورة للكفر المغلّظ الواقع من السحرة الأفاكين وأذنابهم،
مثل: كتابة المصحف بدم الحيض، وتعليق هذه الصور الشنيعة في بيوت الله تعالى!

وقد يعمد البعض إلى بيان ضلال الرافضة وزندقتهم، فينقل طعنهم في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ صوتاً وصورة،
ومن ذلك: قذفهم أم المؤمنين عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق ـ رضي الله عنهما ـ بما برّأها الله منه.
مع أن التحذير متحقق دون الولوج في هذا المضيق،
بل إن معاينة وسماع هذه المشاهد «الكفرية» في هذا السياق لا ينفك عن مفاسد متعددة؛
إذ إن الإفراط والإدمان في سماع ومشاهدة الردة المغلّظة ـ كالاستهزاء بالله ـ تعالى ـ وسبّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
وتضليل الصحابة رضي الله عنهم، والتهكم والانتقاص من شعائر وحرمات الشرع المطهّر ـ قد يؤول بأقوام إلى ضعف الغيرة الإيمانية،
ورقّة الدين، وتهوين شأن هذه النواقض، فلا يتمعّر وجهه غضباً لله ـ عز وجل ـ كما يجب،
بل ربما علق القلب بشيء من ذلك الضلال، فالشُّبَهُ خطّافة، والقلوب ضعيفة؛ فواغوثاه بالله!

إن الإيمان بالله مبني على تعظيم الله وإجلاله، قال ـ سبحانه ـ:
"وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً *
أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً *
إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً"
[مريم: ٨٨ -93].
قال الضحاك بن مزاحم في تفسير قوله ـ تعالى ـ:
"تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ": «يتشققن من عظمة الله عز وجل» .
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآيات:
«اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، وفزعت السموات والأرض،
وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة، فاستعرت جهنم،
واكفهرت الأرض حين قالوا: اتخذ الله ولداً»
وقد سار سلف الأمة على سبيل الإجلال والتعظيم لله ـ عز وجل ـ وآياته وشعائره، فقال الإمام سفيان بن عيينة:
«سمعت من جابر الجعفي (رافضي هلك سنة ٧٢١ه) كلاماً خشيت أن يقع عليّ وعليه البيت.
ولما ناظر الإمام الشافعيُّ حفصاً الفردَ (أحد المتكلمين) قال الشافعي: «لقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه» .
وناظر الإمام أحمد القائلين بخَلق القرآن، فكـان مما قاله ـ رحمه الله ـ:
«ما رأيت أحداً طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم،
لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيءٍ مَا يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه..».

هكذا كان سلف الأمة يتورعون عن حكاية ضلالات المتكلمين، مع أن زندقة المعاصرين أشنع وأشنع من زندقة المتكلمين بمراحل،
فإن بين هاتين الزندقتين مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي،
فكيف يحلو للبعض أن يقتني كتب الردة وروايات الزندقة دون موجب شرعي؟!
لقد قرر ابن القيم أن الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، فلا ضمان في تحريق الكتب المضلة ومحقها .
فماذا يقال عن كتب الكفر والردة؟!

ومن طريف ما يُحكى في هذا المقام أن الأمير الصنعاني (ت ٢٨١١ه) أصابه داء أعيا الأطباء،
فجيء له بكتاب «الإنسان الكامل» لعبد الكريم الجيلي، وكتاب «المضنون به على غير أهله» لأبي حامد الغزالي .
قال الصنعاني:
«فطالعت الكتابين، ورأيت فيهما ما هو والله كفر لا يتردد فيه إيمان، فحرّقتهما،
ثم جعلت أوراقهما في التنور وخُبِزَ لي على نارهما خبزٌ نضيج، وأكلته بنيّة الشفاء من ذلك الداء،
فذهب ـ بحمد الله ـ ذلك الألم، ونمت الليل أو أكثره، وحمدت الله على نصرة دينه وعلى العافية».

ومع القناعة بأهمية معرفة سبيل المجرمين على سبيل التفصيل، واليقين بأن معرفة ذلك مما يزيد العبد إيماناً ورسوخاً،
إلا أن المقصود هو مجانبة الإفراط والتوسع في ذلك، فلا يشتغل كل من هبَّ ودبَّ بحيازة علوم (الزندقة) وموادها،
بل إنما يتولى ذلك عالم راسخ أو باحث ثقة ونحوهما، وبالقدر الذي تتحقق به معرفة الباطل، ومن أجل نقضه وهتكه،
كما أن مخاطبة العامة وتحذيرهم من زندقةِ ورِدّةِ كُتّابٍ وحَمَلة أقلام ينبغي أن يكون بحذر وقدر،
فالاسترسال بعرض باطلهم وزخرف قولهم وتزويق كلامهم قد يفضي بالعامة وأشباههم إلى انخداع وشكوك،
ويوقع في جرأة ورعونة في التفوّه بهذه الضلالات.
نسأل الله الثبات. "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"
[آل عمران: ٨].
*********







0 كنزك مدفون بداخلك
0 مفهوم الشباب في الإسلام
0 وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
0 ما احلى ثقتها بالله قصه واقعيه
0 اعرف عدوك" القاديانية وخطورتها على الاسلام"
0 العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ
0 ما حكم الأضحية وهل يجوز ذبحها خارج دولة المضحي
0 لماذا لا نكون مثلهم
0 قصة معلمة خمسينية سجدتُ لله شكراً في غرفة العمليات
0 حكم لبس البناطيل
0 ياصاحبــــــــــــي
0 حكم قطع الصلاة لأجل فتح الباب أو الرد على الهاتف
0 أضرار السبانخ
0 عذراً رمضان
0 من مقتطفات الحكم (٤٧)
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-23-2017, 03:56 PM   #3
== مراقب عام ==
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 68
المشاركات: 12,272
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي


اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يونس 1 اضغط هنا لتكبير الصوره
جزاك الله خيرا


مشكور والله يعطيك الف عافيه نورت الموضوع بمرورك العذب أخي يونس،وفقك الله.


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة معاوية فهمي إبراهيم ; 07-23-2017 الساعة 04:06 PM
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إذا توضأ العبد سراج منير المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 1 05-30-2017 10:57 AM
حق النبى على امته ابو اسامه _1 منتدى المواضيع المميزة 61 03-21-2017 08:24 PM
المواعظ الغالية أحبك ربي المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 11 02-02-2017 09:28 AM
لا حرج على الصائم Mŕ.Ŕoỹ منتدي الخيمه الرمضانيه 2 06-13-2015 12:59 PM
الجناس في القرآن الكريم وسام اليمني منتدي الأدب العالمي و روائعه 3 02-16-2015 03:50 PM


الساعة الآن 02:42 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.