قديم 09-18-2017, 12:53 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 35,160
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي لا تشكو لغير الله همّك


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( لا تشكو لغير الله همّك ))
جهلان إسماعيل
وإذا عرتك بليةٌ فاصبر لها... صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم فإنما... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ
شاءت حكمة الله أن يبتلينا في هذه الدنيا بالمصائب والكوارث اختبارا لإيماننا به وبأقداره، وليمحص ما في قلوبنا من محبة له ورضى وتسليم بقضائه.
(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) الأنبياء 35
يختبر الله عباده بالشر تارة وبالخير تارة لينظر من يشكر ومن يكفر، من يرضى ومن يسخط ومن يصبر ومن يجزع.فالناس لا يتباينون إلا عند الابتلاءات و المحن فيظهر صاحب الإيمان القوي الذي لا تزلزله العواصف، ويظهر صاحب الإيمان الهش الذي يعبد الله على حرف، فيستقبل صاحب الإيمان القوي أقدار وابتلاءاته بالصبر والرضا والتسليم، لأنه يعرف أن هذه إرادة الله له وأن ما يحدث له يقع تحت بصر الله وسمعه، كما أن المؤمن القوي يعرف جيدا أن ما يحدث له من شر فهو من نفسه وما يصيبه من خير فهو من الله فيمضي قدر الله عليه وهو مأجور
(مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك) النساء 79
قال أبو جعفر: (ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه فمن نفسك يعني: بذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك)
وأما صاحب الإيمان الضعيف فإنه يجزع ويتسخط ويندب حظه بين الناس بأنه لا يستحق ذلك ويمضي قدر الله عليه وهو مأزور.
إن الحياة الدنيا جبلت على الكدر، كلها متاعب ومشاق، ولا تخلو حياة امريء من الإبتلاءات والمحن
جبلت على كدر وأنت تريدها... صفواً من الأقدار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها... متطلبٌ في الماء جذوة نار
ولو أن المرء شخص ببصره ليرى ويتفقد من حوله، لرأى العجب العجاب ولعاد بصره خاسئا وهو حسير.
كم من محب فقد حبيبه، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، يبيت باكيا ساهرا، لا يعرف للنوم طعما ولا للراحة طريقا.
كم من صاحب مال فقد ماله بين غمضة عين وانتباهتها بعد أن كان يرفل في النعيم والثراء، فعادا فقيرا عالة يتكفف الناس.
كم من مريض يتأوه ويتألم وربما لا يجد ما يتداوى به من شدة الفقر.
كم من سجين القي في السجن ظلما لا جريمة له إلا أن يقول ربي الله.
كم من قتيل قتل ظلما وعدوانا بدون ذنب أو جريرة بأيدي من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
كم من مدن خربت وكانت عامرة بقصورها وبساتينها بأيدي أعداء الملة.
وكم غريب حيل بينه وبين وطنه وأهله.
كم وكم وكم..... إن الابتلاءات لا تنتهي ولا حدود لها في هذه الدنيا، وقد أمرنا الله بالصبر الجميل
(فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) المعارج 5
يقول القرطبي:
(والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو.)
وماذا يستفيد المبتلى من الشكوى لأمثاله من البشر الذين لا يملكون له نفعا ولا ضرا وهل يليق بالمبتلى أن يشكو الخالق إلى المخلوق، أو يشكو الإله القادر إلى العبد الضعيف؟
بكى يعقوب عليه السلام على فراق ابنه يوسف عليه السلام ثمانين سنة أو ثلاث وثمانين سنة (تفسير الطبري) ولما لامه أبناؤه قال لهم:
(إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.) يوسف 86
يقول صاحب تفسير الوسيط:
(والمعنى: قال يعقوب لأولاده الذين لاموه على شدة حزنه على يوسف: إنما أشكو، «بثي» أى: همي الذي انطوى عليه صدري «إلى الله» - تعالى- وحده، لا إلى غيره، فهو العليم بحالي، وهو القادر على تفريج كربى، فاتركوني وشأنى مع ربي وخالقي. فإنى «أعلم من الله» أى: من لطفه وإحسانه وثوابه على الصبر على المصيبة «ما لا تعلمون» أنتم، وإنى لأرجو أن يرحمني وأن يلطف بي، وأن يجمع شملي بمن فارقنى من أولادى، فإن حسن ظني به- سبحانه- عظيم.)
قال الغزالي: (فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى الله تعالى فهو المبتلي والقادر على إزالة البلاء وذل العبد لمولاه عز والشكوى إلى غيره ذل وإظهار الذل للعبد مع كونه عبدا مثله ذل قبيح.) اهـ. من الإحياء.
وقال ابن الجوزي: (وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ الشَّكْوَى إِلَى الْخَلْقِ، وَالشَّكْوَى وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَاحَةٌ إِلا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ضَعْفٍ وَذُلٍّ وَالصَّبْرُ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةٍ وَعِزٍّ. اهـ. من الثبات عند الممات.)
إن الشكوى لله علامة من علامات صدق العبودية لله، وعلامة من علامات الإيمان بأقدار الله عز وجل، ولذلك فهي تثمر دائما رضى الله على العبد المبتلى ولطفه به، وربما يبدله الله بمحنته منحة ما كان يحلم بها في حياته، وأما الشكوى للناس فهي دليل على ضعف الإيمان وإنطماس البصيرة والجهل بالخالق الذي يقدر الأمور ويبتلي عباده.
********


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-18-2017, 07:51 PM   #3
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 35,160
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي


اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يونس 1 اضغط هنا لتكبير الصوره
اللهم رحمنا وقضي حوايجنا
جزاك الله خيرا

شكرا لمرورك على موضوعي وهذا شرف لي ووسام على صدري .


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة الكبائر سراج منير منتدي اناشيد و صوتيات ومرئيات اسلامية 9 07-15-2017 10:49 PM
موسوعة الحج سراج منير المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 7 07-14-2017 11:01 AM
فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه سراج منير المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 5 05-23-2017 03:35 PM
قصص عن فوائد الصدقة محمد المظبوط المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 4 09-05-2016 06:02 PM
21 سبباً للعتق من النار في رمضان fathyatta منتدي الخيمه الرمضانيه 3 06-18-2015 04:57 PM


الساعة الآن 09:05 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.