قديم 10-11-2017, 10:41 AM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 42,486
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي أمة واحدة وشعوب شتى


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

(( أمة واحدة وشعوب شتى ))

أحمد الجوهري عبد الجواد

ودولة الإسلام التي تسكن خاطري دولةٌ واحدة، متَّسعة الأرجاء والأركان، شاسعةُ المساحات والعمران؛ لكنها تعود إلى مركز واحد يجمعها، وخليفةٍ واحد يحكمها، ومدينةٍ واحدة ترأسها.

تمتدُّ إلى سائر المعمورة، وتشمل جبالًا وهضابًا، ووديانًا وسهولًا، وبحارًا وأنهارًا، وبلادًا وأقطارًا؛ لكنها أمةٌ واحدة، عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا.

فيها الأبيض والأسود والأحمر، فيها العرب والعجم، فيها البدوُ والحضر، فيها كلُّ فئام الناس؛ لكنها أُمَّةٌ واحدة، تدين بالإسلام، وتتوجَّه إلى الكعبة، وتَقرأ القرآن، وتقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام.

هي عدة أقطار ودول، وبلدان شتَّى وقرًى، وشعوب مختلفة ولغات كُثُر، لكن لا حدود تفصل بينها، ولا قوميات تجزِّئها، ولا نعرات تحكمها، ولا حزبيات تقسمها، لكلٍّ منها خصائصُ وعادات ومزايا؛ لكنها جميعًا تلتزم الإسلام دينًا، ولا تشتمل على عادة تخالفه، والرسولَ قائدًا، ولا ترى ميزات تتنكب بها عن طريقه، والقرآنَ شريعةً، ولا تتميَّز بما يضادُّه أو يصادمه.

شعوبها أصناف وألوان وأشكال، عُمَّال وزُرَّاع وصُنَّاع وعلماء، أثرياء ومتوسطون وفقراء، لا يبغي بعضُهم على بعض، ولا ينظر بعضهم ببغض إلى بعض، ولا يحتقر بعضهم بعضًا؛ لكنهم إخوةٌ متحابُّون، متعاونون متآزرون، تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمَّتِهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم[1].

لقد قرأتُ في كتب التاريخ عن أمتي أمةِ الإسلام أنَّ الخليفة هارون الرَّشيد وقف يخاطب السحابة في كَبِد السماء، ويقول لها: أيتها السحابةُ، أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجُك[2]، وهذه العبارة تفيض بالتعبير عن الحالة التي عليها دولةُ هذا الخليفة وقتئذٍ من الاتساع، وكذلك تعبِّر عن مدى التمكُّن والشعور بالسيطرة؛ لأنه أينما أمطرت هذه السحابة من الأرض، وحيثما دفَعَت بها الرياح ووجَّهتها، فسوف تمطر في أرضٍ يحكمها، وتفيض بالخيرات على بقعة من سلطانه، وسيأتيه منها الزكاةُ أو الخراج.

فيا له من شعور بالعزَّة والكرامة، ويا له من تمكُّن يبعث في النفس الثقةَ والطمأنينة! فأيُّ ازدهار حازه هذا الخليفة المظلوم في التاريخ والواقع الإسلاميِّ؟!
ودولة كهذه لا شكَّ أنها دولةٌ يعتزُّ بها أبناؤها، ويحترمها جيرانها، ويهابها أعداؤها، ومن ثَمَّ رأينا هذا الخليفة الكريم في هذه الدولة العظيمة يبعث برسالة إلى نقفور ملك الروم لما خرَق العهد الذي كان بينه وبين المسلمين يقول له فيها: "من هارون الرشيد أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، إنَّ الجواب ما ترى لا ما تسمع، والسلام على مَن اتَّبع الهدى"، وأصل هذه القصة أن دولة الروم اضطرت أمام ضربات الدولة الإسلاميَّة في عهد هارون إلى طلب الهدنة والمصالحة، فلجأت "إيريني" وكانت ملكة الروم إلى عقد صلح مع الرشيد، مقابل دفع جزية سنوية، وكان ذلك عام (181هـ = 797م)، وظلت هذه المعاهدة ساريةً حتى نقَضَها إمبراطور الروم، الذي خلف إيريني في سنة (186هـ = 802م)، وكان اسمه نقفور، وأرسل إلى هارون الرشيد رسالةً يهدِّده فيها، ويقول: "من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب: أمَّا بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرَّخ - هو طائر خرافي يعرف بالقوة - وأقامت نفسها مقام البَيْدق - هو أضعف قطعة في لعبة الشطرنج - فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أضعافه إليها، لكن ذلك لضعف النساء وحمقِهن، فإذا قرأتَ كتابي هذا، فاردُد ما حصل لك من أموالها، وافتدِ نفسَك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك".

فلما قرأ هارون الرشيد الرسالةَ غضب غضبًا شديدًا؛ حتى لم يقدر أحدٌ أن ينظر إليه، وتفرَّق جلساؤه، وحار وزراؤه، فدعا الرشيد بدَواة وكتب إلى نقفور ملك الروم ردًّا على رسالته يقول: "من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابَك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام على من اتَّبع الهُدى".

ثم شخص من يومه، وسار حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم، وخرب وحرق، فطلب نقفور الموادعة على خراجٍ يؤدِّيه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك[3].

ولقن هذا الملك بذلك درسًا لا يُنسى، وعاد إلى أداء الجزية صاغرًا، وذلك من فضل الله تعالى على دولة الإسلام؛ إذ خضع الروم أمام قوة المسلمين، وعزة نفوسهم.

ومِثلُ هذه الرسالة في قوتها وعزتها رسالةُ السلطان سليم الأول يُهَدِّد فيها إسماعيل الصفوي شاه إيران، قُبَيْل مهاجمته للبلاد الإيرانيَّة عام 920هـ؛ وذلك بسبب تجرُّؤ إسماعيل الصفوي على أهل السُّنَّة، وقَتْلِه الآلاف منهم، ثم نشر مذهبه في البلاد التابعة للخلافة العثمانيَّة: "بسم الله الرحمن الرحيم. قال اللهُ المَلِكُ العلَّام: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهي فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 275]، اللهم اجعلنا من الهادين غير المضلِّين ولا الضالِّين، وصلَّى الله على سيد العالمين محمد المصطفى النبيِّ وصحبه أجمعين"[4].

آه على هذا العزِّ الذي مضى، وخلَّانا لضالَّة الأرض تتكالب علينا، وتنهش فينا، وتتعاورنا من كلِّ ناحية، ولا حامي لنا!
إنَّ دولة الإسلام التي في خاطري دولةٌ لا تعرف الفرقَ بين ألوان البشر إلا للتفكُّر في آية من آيات الله، ولا تعرف الفرق بين ألسنةِ ولغات البشر إلا من أجل الوقوف على مظهرٍ من مظاهر عظمة الله، ولا تعرف الفرقَ بين الحدود والسدود المقامة بين أرضٍ وأرض، بين شعب وشعب، أما النعرات القوميَّة، وأصل أهل كلِّ بلد في الجاهليَّة من فرعونية وآشورية، فلا تعرفها ولا تأبه لها؛ إذ هي تعتبر الأُولى مساميرَ فُرقة، وتعتبر حميةَ جاهليَّة لا قيمة لها في الإسلام.

ومن ثَمَّ فكلُّ شبر في أرض الإسلام هو حقٌّ لكلِّ مسلم تنسُّم أجوائه، والمرور إليه، والتجوُّل عليه، إلا ما كان من حقِّ شخص، أو حمًى لقومٍ؛ لأن دولة الإسلام لا تعرف الحدود المصطنعة بين بلدانها، ولا تعرف تأشيراتِ السفر بين أقطارها، ونحو هذه الأمور التي تُفرِّق ولا توحِّد، وتمزِّق ولا تُجمِّع، وتهدم ولا تبني!

ومن الرسائل التي لاقت إعجابي في احترام الدول المجاورةِ لدولة الإسلام، لا لبطشها وقوتها؛ بل لعلمها وازدهار حضارتِها: تلك الرسالةُ التي بعث بها جورج الثاني ملك إنجلترا والنرويج والسويد إلى السلطان الأُموي هشام الثالث في الأندلس، وجاء فيها: "إلى صاحب العظمة، خليفة المسلمين، هشام الثالث الجليل المقام.... من جورج الثاني ملك إنجلترا والنرويج والسويد... بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقيِّ العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهدُ العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباسَ نماذج من هذه الفضائل... لتكون بدايةً حسنة لاقتفاء أَثَرِكم، لنشر العلم في بلادنا التي يُحيط بها الجهلُ من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنةَ شقيقنا الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز؛ لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف، وتكون مع زميلاتها موضع عنايةِ عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرُّم بقَبولها مع التعظيم والحب الخالص، من خادمكم المطيع جورج الثاني"[5].

هذه دولة الإسلام التي في خاطري، أمة واحدة وشعوب شتَّى، يعزُّ بها أبناؤها، ويعتزُّون بها، ويحترمها جيرانُها ويقدِّرونها، ويهابها أعداؤها ويخافونها؛ لأنها يدٌ واحدة تتكافأ دماءُ بَنِيها، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم.
بلَّغَنا اللهُ تحقيق ذلك الأمل في أرض الواقع، وجعلنا من أسباب تحقيقه، بفضله وكرمه، آمين!

[1] كما جاء في حديثٍ أخرجه أحمد (1/ 122)، وأبو داود (4530)، وغيرهما، وصححه الألباني.
[2] انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية: مدخل عمراني، مازن موفق هاشم‎ (ص35)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
[3] انظر: البداية والنهاية؛ لابن كثير (13 /369).
[4] انظر: الإسلام في آسيا الصغرى منذ الغزو المغولي؛ محمد نصر مهنا (ص246).
[5] انظر: الصحوة؛ محمد حمدان السيد (ص170).


رابط الموضوع: ط£ظ…ط© ظˆط§ط*ط¯ط© ظˆط´ط¹ظˆط¨ ط´طھظ‰
***************


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هجير قلبى عندك أسير لجل كل القلوب قسم الروايات المكتملة 77 02-13-2014 10:03 PM
حكم العمل بالحديث الضعيف elyasihsan منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 19 11-26-2012 04:22 PM
وصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته أسير الروح منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 19 06-22-2012 12:16 PM
هيتك لأمك بنت عبد الله 1 المنتدي العام 0 03-21-2012 10:25 AM


الساعة الآن 09:22 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.