قديم 06-28-2019, 06:00 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 35,042
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي قسمة المواريث


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

((قسمة المواريث))
قسمة المواريث
كما بينها الله تعالي في سورة النساء
إن الحمد لله
نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا
مَن يَهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبده ورسوله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ
إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾
[آل عمران: 102]

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء
وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾
[النساء: 1]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
[الأحزاب: 70-71].

أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسوله
محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها
وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون
إن من سور القرآن الطوال: سورة النساء
هذه السورة الكريمة التي سلكت أسلوب التفصيل
في ذكر الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية
خاصة ما يتعلق بالأسرة المسلمة.
ومن تلك الأحكام التي أطالت الحديث عنها
بل انفردت في تفصيل مسائلها دون غيرها من سور القرآن الكريم
- أحكام المواريث وقسمة التركات فذكرت في ذلك إحدى عشرة
ما بين آيات قصيرة وآيات طويلة.ومما لا ريب فيه أن المال قوام الحياةوسبيل إلى تحقيق المصالح ودفع المكاره فيها
ولا قيام للعيش الكريم إلا بذلك
والإنسان إذا مات لم يعد بحاجة إلى ذلك المال
فماذا يصنع بماله بعد وفاته؟
تعالوا لننظر التصرف فيه في الماضي والحاضر عبر الأمم:

أما قبل الإسلام في حياة أهل الجاهلية
فقد كانوا يورِّثون الأقوياء ويحرمون الضعفاء
فمال التركة كان يتوزَّعه الأبناء الكبار ويمنعه النساء
والأبناء الصغاروكانوا يورثون بالتبني والحلف
فلما جاء الإسلام لم يقر هذا الظلم
قال بعض المفسرين:
"وكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوة إلا إذا كان الأبناء ذكورًا
فلا ميراث للنساء لأنهم كانوا يقولون:
إنما يرث أموالنا من طاعن بالرمح، وضرب بالسيف
فإن لم تكن الأبناء الذكور ورث أقرب العصبة:
الأب ثم الأخ ثم العم وهكذا وكانوا يورثون بالتبني
وهو أن يتخذ الرجل ابن غيره ابنًا له، فتنعقد بين المتبني والمتبنى جميع أحكام الأبوة، ويورثون أيضًا بالحلف
وهو أن يرغب رجلان في الخلة بينهما فيتعاقدا أن دمهما واحد
فلما جاء الإسلام
لم يقع في مكة تغيير لأحكام الميراث بين المسلمين
لتعذُّر تنفيذ ما يخالف أحكام سكانها
ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين - المشركون - بمكة، صار التوريث بالهجرة، فالمهاجر يرث المهاجر، وبالحلف، وبالمعاقدة، وبالأخوة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار
ونزل في ذلك قوله تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾
[النساء: 33]
وشرع الله وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية سورة البقرة، ثم توالد المسلمون ولحق بهم آباؤهم وأبناؤهم مؤمنين، فشرع الله الميراث بالقرابة، وجعل للنساء حظوظًا في ذلك، فأتم الكلمة، وأسبغ النعمة، وأومأ إلى أن حكمة الميراث صرفُ المال إلى القرابة بالولادة وما دونها"
وأما في العصر الحاضر لدى غير المسلمين، فالاشتراكية والرأسمالية في ذلك على طرفي نقيض؛ فالاشتراكية لا تعمل بنظام التوريث للأقارب، والرأسمالية أتاحت للمرء الحرية في أن يوصي بماله من بعده لمن يشاء، فظهر مَن وقف ماله على كلبه أو هرَّته أو عشيقته، وحرَم أقاربه منه!

إن ديننا الإسلامي الحنيف قد ضبط نظام الميراث ضبطًا عادلًا، وقنَّن له قانونًا ثابتًا، وجعل له أحكامًا معلومة، فنظام الإرث في الإسلام نظام مالي مضبوط مفروغ منه، غير قابل للزيادة والنقصان، فقد تولَّى الله تعالى بعلمه وحكمته تبيينه بنفسه في كتابه، ولم يدع تقسيمه على أيدي البشر، ثم قام رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بتقسيم المواريث كما ذكر الله تعالى؛ ليكون ذلك هو النموذج العملي الأعلى للعمل بآيات الفرائض؛ كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم بعض الأقضية الفرضية التي كانت متمِّمة لما جاء في القرآن، وكلٌّ وحي من عند الله؛ فعن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأتِ ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبر فيكم

ومثل قوله عليه الصلاة والسلام:
(ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت الفرائض، فلأَولى رجل ذكر) يعني: لأقرب ذكر.

أيها الأحباب الفضلاء، حينما نتأمَّل نظام قسمة الميراث في الإسلام، فإننا نلاحظ الآتي:
أولًا: أنه جعل توزيعه داخل أسرة الميت وأقاربه؛ لأنهم أَولى بذلك من الأبعدين.

ثانيًا: أنه جعل له أسبابًا محددة لا تزيد، وهي النسب الصحيح، والمصاهرة، والولاء - كما كان سابقًا - فلا يدخل فيه ولد زنا، ولا مُتَبنى، ولا لقيط، ولا حليف.

ثالثًا: أنه جعل الأنصبة مقدرة، وتوزيعها على أهلها مقدرًا كذلك.

رابعًا: أنه رتب الزيادة والنقصان والحرمان من الإرث على حسب القرب والبعد من الميت.

خامسًا: أنه لم يعط الميراث لشخص واحد، بل جعله شركة بين الورثة حسب القرب والبعد.

سادسًا: أنه لم يُفرِّق في استحقاقه بين الذكورة والأنوثة، والصغر والكبر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والمتزوج وغير المتزوج، والبار والعاق، بل يُعطى الوارثُ حقَّه من الميراث: ذكرًا كان أم أنثى، صغيرًا أم كبيرًا، غنيًّا أم فقيرًا، صحيحًا أم عليلًا، متزوجًا أم غير متزوج، بارًا أم عاقًّا، إلا أنه منعه عند اختلاف الدين، وقتلِ الوارث مورثَه، فلا توارث بين مسلم ولا كافر، ولا إرث من مقتول لقاتله، والقتل المانع من الإرث هو ما أوجب قصاصًا أو دِيَةً أو كفارة، وما عدا ذلك لا يمنع.

وأما مسألة المفاضلة بين الذكر والأنثى
فليست كائنة في كل أبواب الإرث، بل هي حاصلة في باب واحد، وهو أن يكون الذكر والأنثى مشتركين ببنوة أو أخوة من أبوين أو أب، فهنا يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا من عدل الله تعالى وحكمته؛ فإن حاجة الذكور إلى المال أعظم من حاجة الإناث؛ فالذكور هم المكلَّفون شرعًا بالإعطاء والنفقة، وأما الإناث فإنهنَّ آخذات معطى لهنَّ؛ فالرجل هو من يدفع المهر، وهو المكلف بالنفقة على أهله في المطعم والمشرب والملبس والمسكن والدواء، وغير ذلك من نفقات الحياة.

ومع هذا فهناك مسائل كثيرة في غير هذا الباب ترث الأنثى فيها مثل الذكر؛ مثل موت الميت عن: بنت وأب، فللبنت النصف، والباقي للأب وهو النصف، ومسائل يكون للأنثى فيها أكثر من الذكر؛ مثل موت الميت عن بنت وأم وأب، فالبنت لها النصف والأم لها السدس، والأب له السدس فرضًا والباقي تعصيبًا؛ فما أحسن شرع الله وأعدله، وأقومه وأكمله!

أيها المسلمون
نعود إلى الآيات القرآنية التي ذكرها الله تعالى في سورة النساء في بيان قسمة المواريث، ونتأمل ما فيها من أحكام هذا الموضوع، وسنسوقها على حسب ترتيبها من السورة:

الآية الأولى قوله تعالى:
﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ
مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[النساء: 7].

فهذه الآية الكريمة تمهيد وإجمال لما سيأتي تفصيله من الأنصبة في الآيات الآتية، وقد بيَّن تعالى في هذه الآية علة الميراث، وهي القرابة دون التفريق بين الرجال والنساء، وكثرة المال وقلته.

الآية الثانية: قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ
فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[النساء: 8].

إن النفوس البشرية مطبوعة على حب المال، وهي تعشق الاستحواذ عليه خاصة مال الإرث، فقدَّم الله هذه الآية بين يدي آيات توزيع التركة؛ ليكون ذلك دعوة إلى ترك الشح، وحثًّا على إكرام المحتاجين، ففيها الندب إلى إعطاء هؤلاء المذكورين على سبيل الاستحباب وإكرامهم بالمال والمقال، قال بعض العلماء: "هذا على الندب؛ لأنه لو كان فرضًا لكان استحقاقًا في التركة، ومشاركة في الميراث لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول، وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع"

الآية الثالثة قوله تعالى:
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾
[النساء:9].

وفي هذه الآية وعظ للأوصياء خصوصًا وللناس عمومًا بالإحسان إلى اليتامى؛ "أي: افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم؛ قاله ابن عباس"
قال بعض المفسرين:
"ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبدالملك، فجلسنا يومًا في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له: يا أبا بشر، ودي ألا يكون لي ولد، فقال لي: ما عليك، ما من نَسَمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحبَّ أو كرِه، ولكن إذا أردت أن تأمَن عليهم فاتَّق الله في غيرهم، ثم تلا الآية، وفي رواية: ألا أدلك على أمرٍ إن أنت أدركتَه نجَّاك الله منه، وإن تركت ولدًا من بعدك حفِظهم الله فيك؟ فقلت: بلى
فتلا هذه الآية:
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا ﴾
[النساء: 9] إلى آخرها"

الآية الرابعة قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[النساء: 10]
هذه الآية زاجرة زجرًا شديدًا للذين يظلمون اليتامى في أموالهم كمال الإرث، سواء كان الظالمون أوصياءَ أم غيرهم؛ حيث ذكرت المصير الأخروي المخزي لآكلي أموال اليتامى بالباطل.

عباد الله، ثم شرعت الآيات الكريمات من الخامسة إلى الثامنة في تفصيل أنصبة الوارثين وبيان أهل الميراث ومقدار ما يعطاه كل واحد منه، والدعوة إلى العمل بذلك، والوعيد الشديد لمن تجاوز حدود الله في هذا الأمر العظيم.

قال تعالى:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً
فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ
السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[النساء: 11].

و"هذه الآية ركنٌ من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر، حتى إنها ثُلُث العلم، ورُوِي نِصفُ العلم... وإذا ثبت هذا فاعلَم أن علم الفرائض كان جلَّ علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ولكن الخَلْقَ ضيَّعوه، وقد روى مطرف عن مالك: قال عبدالله ابن مسعود: من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج، فبمَ يَفضُل أهل البادية؟"

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك يوم أُحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، فقال: (يقضي الله في ذلك)، فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عمها، فقال: (أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن، وما بَقِي فهو لك)

والناظر في هذه الآية يرى أنها قد صُدِّرت بالوصية؛ دعوةً للاهتمام بموضوع الوصية، كما أنها أوصت الوالدين بالأولاد؛ لتبيِّن أن رحمة الله بهم أعظمُ من رحمة والديهم، كما أنه قد قدِّم ذكرُ الأولاد قبل غيرهم من الوارثين؛ لأنهم أقرب الناس إلى الميت، وقد اشتملت هذه الآية على بيان ميراث الأولاد - بنين وبنات - وميراث الولدَين، كما ذكرت أن ذلك الاستحقاق يكون بعد إخراج مال الوصية ومال الدين، وقد بيَّن أهل العلم أن هناك حقوقًا خمسة تتعلق بتركة الميت، وهي على النحو الآتي:
الأول: مؤونة تجهيز الميت من قيمة كفن وقبر، ونحو ذلك.
الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة كدينٍ برهنٍ.
الثالث: الحقوق المرسلة، وهي قسمان: حقوق للآدميين كدَين بلا رهنٍ، وإيجارات، وحقوق لله: كزكاة مال ونذر وكفارة.
الرابع: الوصية.
الخامس: الإرث.

وإنما قدَّم تعالى ذكر الوصية قبل الدين، مع أن ترتيبها بعده - كما سبق - لأسباب؛ منها: كون الوصية حظَّ مساكين وضعفاء، وأما الدين فهو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان، وله فيه مقال"

أيها الإخوة الكرام، ثم قال تعالى:
﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ
وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ
الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ
مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا
أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾
[النساء: 12].

وفي هذه الآية تَمَّ بيان أحكام ميراث الزوج والزوجة والزوجات، وميراث الإخوة لأم، والمتأمل في هذه الآية والآية التي قبلها يجد أمورًا مهمة منها:
الأول: أنه تعالى كرَّر ذِكر الأمر بإخراج مال الوصية ومال الدين قبل توزيع الإرث أربع مرات، فذكر ذلك عقب ميراث الأولاد والوالدين، وعقب ميراث الزوج من زوجته، وبعد ميراث الزوجة من زوجها، وبعد ميراث الإخوة لأم، وهذا يشير إلى وجوب الاعتناء بأداء الوصايا والديون قبل قسمة المواريث.

الثاني: ذكرت الآيتان الأنصبةَ الستة المقدرة في الإرث كلها، وبيَّنت أهلها، وهذه الأنصبة هي: الثلثان، والنصف، والثلث، والربع، والسدس، والثمن.

الثالث: ختمت الآية الأولى منهما بقوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
لبيان أن هذا التوزيع لمال الإرث مبني على علم الله المحيط بكل شيء وحكمته البالغة، فلا يسعنا إلا قبول ذلك والتسليم له، وختمت الثانية بقوله:
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾
فذكر "وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أن الأحكام المتقدمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعًا مثاره الجهل والقساوة؛ فإن حرمان البنت والأخ للأم من الإرث، جهل بأن صلة النسبة من جانب الأم مماثلة لصلة نسبة جانب الأب، فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم"
الرابع: ذكرت الآية الثانية تحريم الإضرار بالوصية
في قوله تعالى:
﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾
فلا يجوز للموصي أن يوصي وصية فيها إضرار بورثته
ومن صورها:
الوصية بالزيادة على الثلث دون رغبة الوارثين
ومنها الوصية لوارث من الورثة.

الخامس: ومن أجل التأكيد والحث على لزوم الأحكام التي ذكرتها
هاتان الآيتان، فقد ابتدأ الله الآية الأولى منهما
بالإيصاء المضاف إليه
فقال: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾
وختم الآية الثانية به كذلك، فقال:
﴿ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾
ولا يؤتى بالوصية إلا في الأمور التي ينبغي عدم التفريط فيها.

أيها الأحبة الفضلاء
لَمَّا كان بعض الناس لا يلتزم بالأوامر الشرعية إلا بذكر الثواب على فعلها، وذكر العقاب على تركها أو التحايل، فقد جاء ذكر الآيتين السابعة والثامنة عقب الآيتين الأوليين
فقال تعالى:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[النساء: 13]
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾
[النساء: 14]
والمعنى: "أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه، وفقْدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها"
فمن أطاع الله ورسوله في هذه الأحكام وغيرها
من شرائع الإسلام فهو من أهل الجنة
ومن عصاه فيها بأن جحدها وأنكرها وأوجب في الناس بديلًا عنها
ليكون شرعًا مكان شرع الله فقد كفر بالله
واستحق الخلود في نار جهنم.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم
ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم
فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

فضيلةالشيخ
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس.
§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 09:06 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.