قديم 08-21-2019, 04:54 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 33,945
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي خطبة الفرح: حقيقته وأسبابه وأنواعه


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
[(خطبة)الفرح: حقيقته وأسبابه وأنواعه ]

الفرح
حقيقته وأسبابه وأنواعه[1]

الفرح تلك الكلمة الناعمة التي تتشنف لسماعها الآذان، ويتسع بما تحتويه الجَنان.

والفرح روضة أنيقة، مكلَّلة بالمشاهد المسرِّة التي يأسر النفوسَ جمالها، ويسبي المرءَ عبيرُها ورونقها، والفرح واحة فيحاء، يتنقل فيها صاحبها فيجد في أرجائها ما يسعده ويبهجه، ويريحه ويعجبه.

والفرح غاية من الغايات الإنسانية، فكل إنسان عاقل يحب أن يكون فرحًا مسرورًا، بعيدًا عما يكدر نفسَه من الأحزان الممِضَّة، والغموم المنغِّصة، والهموم المُقلقة.

إن الأفراح قوارب إنقاذ من تلاطم أمواج الحياة بالآلام والمكدرات التي إن لم تغرق راكب الحياة إلى أعماق الموت فإنها توجعه وتفجعه، فتأتي المسرات حينئذ لتنشله من يد الفناء أو العناء، فيصحو على شاطئ السلامة فرحًا مسرورًا.

عباد الله، لقد عشنا يوم الأضحى وأيام التشريق أيامَ أفراح ومسرات؛ فلذلك سنتحدث اليوم -بعون الله - عن الفرح.


فما معنى الفرح أيها الأحباب؟

الفرح معناه: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية[2]، وهذا بسبب إقبال كثير من الناس على الدنيا وشهواتها؛ فلذلك كان الفرح باللذات البدنية كثيرًا، وغدا الفرحون بها كثيرين، وإلا فهناك فرح باللذات الروحية، كما سيأتي.

إن المتأمل في هذه الحياة الدنيا يجد أنها غير خالصة في أفراحها ولا أتراحها، بل هي ممزوجة بهذه وبتلك، ففيها مسرات، وفيها مكدرات؛ لأن الله تعالى جعلها نموذجًا مصغَّرًا من حياة الآخرة، فمسراتها تذكر بالجنة، ومكدراتها تذكر بالنار.

والناس في الدنيا - غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم، كلهم يعيشون ذلك العيش المزيج دون أن يكون لهم شيء دائم من حزن الدنيا أو فرحها، وإن تفاوتوا في مقدار كل منهما.

معشر المسلمين، إن الله تعالى بحكمته وعلمه جعل الفرح في الدنيا ناقصًا غير تام، ومؤقتًا غير مستمر، وهذا له حكمته البالغة، وغايته الحميدة؛ إذ إن فرح الدنيا إذا دام وزاد أنسى صاحبه فرح الآخرة، وألهاه عن الاستعداد له. وفرح الدنيا لو دام على بعض الناس لأنساهم أهل البلاء والأسى، ولكن حينما يحزن العاقل أحيانًا بسبب بعض المنغصات الحياتية؛ فإنه سيذكر من يمرون بتلك الحال، فيتعبد لله بإذهاب ذلك الضيق عنهم، وهذا من أعظم العبادات.

قال رسول الله صل الله عليه وسلم: (وأحب الأعمال إلى الله عز وجل: سرور تدخله على مسلم؛ تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني: مسجد المدينة - شهرًا) [3].



ولم يكن الفرح تامًّا في الدنيا بل كان ناقصًا، ثم يأتي ما ينقصه أو يذهبه؛ لأن الفرح إذا زاد فقد لا تتحمله كل النفوس، فهناك نفوس إذا اشتد عليها الفرح أُغمي عليها، وقد تموت نفوس أخرى من شدة الحزن، وقد حصل هذا وهذا في واقع الناس؛ قال الشاعر:

فَلاَ تُنْكِرَنَّ لَهَا صَرْعَةً *** فَمِنْ فَرَحِ النَّفْسِ مَا يَقْتُلُ [4]

فالشيء إذا زاد عن المقدار أفضى إلى ضده؛ كما قال الشاعر:

ولجُدْتَ حتى كِدْتَ تَبخَلُ حائِلًا *** للمُنْتَهَى ومنَ السُّرورِ بُكاءُ[5]

وحينما جعل الله تعالى الحياة الدنيا تسير على جناحي الفرح والترح دون أحدهما؛ كان من أغراض ذلك أن تعتدل أفعال المرء ومواقفه في طيرانه على فضاء هذه الحياة؛ فإن الإنسان لو غلب عليه الفرح لسما عن واقعه ولن يستطيع حينئذ أن يعتدل في أعماله وأقواله، ولا في مواقفه وأحواله؛ فالواقع يشهد بأن بعض الناس عندما تهيج أمواج الفرح في نفسه فإنه قد يتكلم بكلام لا يشعر به، وقد يعمل أعمالًا يندم عليها بعد ذلك، وقد يتوقف عن بعض وظائف حياته، بل عن طعامه وشرابه أحيانًا؛ لأن فرط الفرح أغلق عليها منافذ تلك الشؤون.


أيها الأحبة الكرام، إن أسباب الفرح في الدنيا كثيرة، بعضها مقدر، وبعضها الآخر مكتسب،

فمن الأشياء التي يفرح لأجلها الإنسان: وصوله إلى غاية محبوبة ينشدها؛ كعرس أو وظيفة أو شهادة العلمية.


ومنها: السلامة من مصيبة على النفس أو المال أو الأقارب، والشفاء بعد المرض، والنجاة بعد خوف الهلكة.


ومنها: البشارة بشيء محبب إلى النفس؛ كحصول ولد، وفوز بشيء مرجو، وقدوم مسافر محبوب، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "لما قدم النبي صل الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم"[6].

ومن أسباب الفرح أيضًا: نيل مرغوب، أو الظفر بمطلوب؛ كحصول على مال عيني أو نقدي، أو انتصار على عدو، أو الانتهاء من عمل كان يُرجى الفراغ منه.

وعلى المسلم في هذه الأسباب وغيرها: شكر الله تعالى وفعل ما يحبه؛ لأن بعض المسلمين يتجاوزون حدود الله في أفراحهم، فيقعون فيما يغضبه، فتتحول المسرة إلى مضرة، والفرحة إلى ترحة، وليس فعلهم ذلك من شكر الله تعالى على نعمه التي كانت سببًا لفرحهم وإدخال السعادة عليهم.

فبعضهم إذا فرحوا شربوا الخمر، ورقصوا على أصوات الغناء، وتركوا الصلوات، وتعدوا بفرحهم على هدوء الآخرين وسلامتهم، وما بهذا أُمر الفرِح، ولا إلى هذه الأعمال كانت غايةُ السرور يا عباد الله.

أيها المسلمون، إن الإنسان حينما تنزل بساحته الأفراح، وترفرف فوق رأسه المسارُّ، فإنها تنتج له أنواعًا من الخيرات، فهو عندما يفرح يتأثر بذلك بدنُه، وذهنه، ونفسيته؛ فالأفراح تبعث على النشاط والحركة والإنتاج المثمر، بخلاف تراكم الأحزان التي تدخل صاحبها إلى كهوف الخمول والقعود عن العمل النافع.

والأفراح تعين على صحة البدن، وتعالج كثيرًا من الأمراض؛ إذ كم مرض يتضاعف لكثرة الغموم، وكم من جسم صحيح يعتلُّ بسبب شدة الهموم.

والأفراح تقرِّب الإنسان من الناس، وتُعينه على حسن التعامل معهم، والصبرِ على ما يصدر عنهم من مكروه، أما إذا طوَّقَ الحزنُ المرء فإن سينكفئ على نفسه، ويبتعد عن مخالطة الناس، ويسوء خلقه معهم، ولا يحتمل ما يكره منهم، بل قد يؤدي حزنه الشديد حينئذ إلى الجناية عليهم وعلى نفسه.

أيها الإخوة الكرام، إن الفرح ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواع، فهناك فرح مذموم، وفرح مباح، وفرح محمود، ولهذا قال تعالى عن المشركين: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ [غافر: 75]، فقوله: (بغير الحق) يشير إلى أن هناك فرحًا بحق وهو الفرح المشروع: المباح والمحمود.


فالفرح المذموم هو كل فرح بما يغضب الله تعالى ولا يرضيه من الأعمال والأقوال الباطنة والظاهرة، ومن صور الفرح المذموم: الفرح بالكفر وأعماله، والفرح بحصول مكروه على المسلمين من هزيمة وشدة حال، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ [آل عمران: 120].

ومن صور الفرح المذموم: الفرح بمعصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة أمره؛ قال تعالى: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81].


ومنها: الفرح بالأعمال السيئة والإعجاب بها؛ قال تعالى: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 188].

ومنها كذلك: الفرح المؤدي إلى الأشر والطغيان والعصيان، مع نسيان حق الله من الطاعة والشكر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76]؛ يعني: الأشِرين البطِرين.

وقال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44].


ومن صور الفرح المذموم: الفرح المفرط بلذات الدنيا الذي يؤدي إلى الإعراض عن الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26].


فهذا النوع من الفرح يجب على الإنسان أن يبتعد عنه؛ إذ لا يحل له أن يفرح بما يكون معصية لله تعالى ورسوله؛ لأن فرحه بذلك يدل على قلة إيمانه أو عدمه.

وأما النوع الثاني من أنواع الفرح، فهو الفرح المباح الذي لا يتعلق به ذم ولا مدح، إلا إذا أدى ذلك الفرح المباح إلى عمل محظور، فيكون فرحًا محظورًا، أو إلى عمل مبرور فيكون فرحًا مبرورًا.

ومن أمثلة الفرح المباح: الفرح بالعافية، وبرؤية المطر وسماع صوت الرعد لمن يرجو الغيث حين الجدب، والفرح بالأيام التي ترتاح فيها النفوس؛ كأيام الإجازة.

والفرح بنيل الإنسان مأربًا من مآرب الحياة؛ كنجاح في دراسة أو وظيفة أو تجارة، وغير ذلك.

أيها المسلمون، وأما النوع الثالث من أنواع الفرح، فهو الفرح المحمود، وهو كل فرح بما يحب الله تعالى ويرضى من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهذا الفرح هو نصيب الروح، فكما أن للأبدان أفراحًا، فللأرواح أفراح كذلك.

وهذا الفرح هو فرح المؤمنين ونعيم قلوبهم، وجنتهم في هذه الدنيا، وسرورهم الذي ينسيهم أتراح الدنيا وعناءها، ويلهيهم عما يلتهي به أهل الدنيا من زينتها وشهواتها، وهو سعادتهم التي توصلهم إلى السعادة الأبدية في دار النعيم الخالد.

هذا الفرح هو الفرح بطاعة الله تعالى، وبما جاء من عنده من الهدى والنور؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ [الرعد: 36].

ومن صور هذا الفرح: الفرح بإتمام العبادات، خصوصًا إذا كان فيها بعض العناء والمشقة كالصيام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)[7].

وكم تغمر المؤمنَ السعادة والجذل عقب صلاة خاشعة أقامها، وحجة مبرورة أداها، وختمة متدبَّرة فرغ منها، وصدقة خالصة أوصلها إلى أهلها، وأوراد شرعية قام بها، وعلوم نافعة نالها!

ومن هذا الفرح بعيدي الفطر والأضحى؛ لأنهما جاءا بعد طاعات عظيمة في رمضان وثلاث عشرة من ذي الحجة، وعلى رأس تلك الطاعات: أداء ركنين من أركان الإسلام وهما صوم رمضان والحج؛ عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (ما هذان اليومان؟)، قالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر)[8].

ومن صور الفرح المحمود: الفرح بانتصار الحق وعزِّ المسلمين، وهزيمة الباطل وذل الكافرين، والفرح بظهور الطاعات وسطوح نجم أهلها، وقلة المعاصي وخفوت أصحابها.

ومن صور الفرح المحمود كذلك: الفرح بعلوِّ شأن الإنسان عند الله، كما حصل لأبي بن كعب رضي الله عنه؛ إذ سماه الله لرسوله في هذه القصة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأُبَي: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) قال: آلله سماني لك؟! قال: (الله سماك لي) قال: فجعل أُبَي يبكي[9].

عباد الله، إن هذا الفرح الأمدي الدنيوي بطاعة الله يسوق أهله المؤمنين إلى الفرح الأخروي الأبدي في جنات تجري من تحتها الأنهار.


في ذلك اليوم الذي تظلل المؤمنَ المسرات من كل أفق، وتتبسم له الأفراح من كل ناحية، ففيه يحصل فرحه الكبير يوم يلقى الله تعالى بطاعاته، فيفرح حينما يلقى ثوابها من الغني الكريم، كما قال تعالى: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [آل عمران: 169-170].

وكما قال رسول الله صل الله عليه وسلم في الحديث السابق: (للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)[10].

ويتم فرح المؤمنِ العظيمُ يوم يدخل الجنة، ويستقر في قصره المشيد، وينال رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم؛ قال النبي صل الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ: - يعني في أهل الجنة - إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:43][11].

فهل أنتم مستعدون عباد الله لهذا الفرح الأكبر، والسرور الأعظم؟ نسأل الله أن يعيننا على الفرح المحمود، حتى نصل به إلى هذا الفرح في اليوم الموعود، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعدُ:

فيا أيها المسلمون، كل واحد منا يحب أن يكون رفيق الأفراح، بعيدًا عن الأحزان والأتراح، فكيف نستطيع أن نصل إلى أن يقيم الفرح في نفوسنا ودورنا وما يتعلق بحياتنا الدنيوية؟


لهذا المطلب أسباب: على رأسها: ترسيخ جذور العقيدة الصحيحة، والعمل على زيادة الإيمان والحفاظ عليه من النقصان.

ومن أسباب الفرح: القيام بأوامر الشرع، والوقوف عند حدوده، وعدم التعدي على حرماته.

ومن أسباب الفرح كذلك: التعلق بالدار الآخرة، وعدم الاغترار بأعراض الدنيا.

ومنها: الرضا بما قسم الله تعالى للنفس من المال والجمال والعلم والقوة والجاه، وغير ذلك من أسباب الظهور في الدنيا.

ومن أسباب الفرح: الإحسان إلى الناس بتفريج كروبهم، والصدقة عليهم، وقضاء حوائجهم، والبعد عن ظلمهم قولًا أو فعلًا، ولله كم في هذا السبب من أثر يدخل على النفس الفرح والسرور، والسعادة والحبور!

ومن أسباب الفرح: ترك مجالسة أصحاب الأحزان والنظرة التشاؤمية للحياة، وعدمُ التحسر على الماضي السعيد، وتركُ التفكير في المستقبل المجهول الذي تحيط به الأفكار السلبية.



ومن الأسباب كذلك: الصبر على الكدر الذي يرافق المرء، فعقبى الصبر فرج وفرح؛ قال الشاعر:

والصبْرُ مثلُ اسمِهِ في كلِّ نائبةٍ *** لكنْ عواقبُهُ أحلى من العَسَلِ[12]



فهذه أجنحة الطيران إلى واحات الفرح الغنَّاء، والتحليق في آفاق السعادة والهناء، فاركب معنا لنصل وإياك إلى الفرح المنشود.

عباد الله، ما المطلوب منا بعد عرض هذا الموضوع، ليس المراد أن نأتي إلى هنا لنسمع ثم نلوي إلى حياتنا من غير عمل، فلا يكون لما نسمعه أثر في دنيانا، ليس هذا المقصود، بل المطلوب منا في هذا الموضوع أن نكون من أهل الفرح، ولكنه الفرح الذي شرعه الله وأحبَّه، ونحذر كل الحذر أن نفرح الفرح المذموم الذي يكون فرحًا بمعصية الله وما يسخطه.

وعلينا كذلك إذا أنعم الله علينا نعمةً، وجدنا بها الفرح أن نؤدي شكر الفرح، ومن ذلك:

شكر الله على ذلك، وعدم مجاوزتنا لحدود الله أفراحنا، وأن نسعى إلى إشاعة أسباب الفرح المشروع بين الناس، فنفرحهم كما أفرحنا الله تعالى، وألا نظهر الفرح متفاخرين عند المحزونين ومن يفقدون النعم التي أفرحتنا.

وأخيرًا أن نعتدل في فرحنا فلا نفرط فيه فنخرج عن الجادة؛ لعلمنا أن ذلك الفرح لن يدوم، وأنه مكتوب لنا قبل خلقنا، وما كتب لنا سيصل إلينا، فكما نعتدل في أحزننا التي نعلم أنها مقدرة علينا نعتدل كذلك في أفراحنا؛ لأن جميع ذلك مكتوب في الكتاب السابق، وإذا ترسخ هذا اليقين في قلوبنا صِرنا في راحة في كلا حالَينا: فرحنا وحزننا؛ قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22-23].

نسأل الله تعالى أن يصرف عنا كلَّ فرح يبعدنا عن قُربه، ويرزقنا من كل فرح يقربنا من رضوانه، هذا وصلوا وسلموا على النبي المصطفى.


[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في: 15/ 11/ 1440ه، 16/ 8/ 2019م.

[2] مفردات ألفاظ القرآن (2/ 182).

[3] رواه ابن أبي الدنيا والطبراني والأصبهاني، وهو صحيح.

[4] شرح ديوان المتنبي (1/ 473).

[5] شرح ديوان المتنبي (1/ 218).

[6] رواه البخاري.

[7] متفق عليه.

[8] رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وهو صحيح.

[9] متفق عليه.

[10] متفق عليه.

[11] رواه مسلم.

[12] ديوان كشاجم (ص: 422).
الألوكة.

**************


0 دعاء الأنبياء صلى الله عليهم وسلم في القرآن
0 تحويل قبلة المسلمين و كيف تعامل معها
0 كيف تتجنبي زيادة وزنك
0 فرنسا تقول إنها أحبطت عملا إرهابيا وتحتجز أربعة أشخاص
0 لأبذلن ما استطيع
0 السر في دعاء يوسف عليه السلام
0 نحو إحياء منهاج النبوة فوائد حديثية جامعة
0 زوج سيئ وزوجة صالحه
0 أعظم ما يقدمه الإنسان
0 وداعــــا يا سيـــد الشهـــور
0 مدونه جديده
0 نور السنة والتوحيد عند أهل
0 مشغول دوماً هذا يعني أن صحتك العقلية أفضل
0 دواوين الظلم
0 اداب المفتــــــــــــــي والمستفتي
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مباريات يوم الاحد + القنوات الناقلة عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 1 01-21-2011 11:04 PM
مباريات يوم السبت + القنوات الناقلة عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 2 11-20-2010 01:26 PM
مباريات يوم الاحد + القنوات الناقلة عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 3 11-13-2010 06:21 PM
مباريات يوم الاثنين + القنوات الناقلة عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 1 11-07-2010 03:16 PM
مباريات يوم الاحد + القنوات الناقلة عبدالرحمن حساني منتدي كرة القدم العالميه 1 11-06-2010 12:34 PM


الساعة الآن 05:47 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.