قديم 08-28-2019, 03:27 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 33,952
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي مساوئ الحسد


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

(( مساوئ الحسد ))


الحسد بوابة للآثام، وبضاعة اللئام، وهو في الغالب داءٌ ينشأ من ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، وقلة الفَهم لمعاني الأسماء والصفات.



فالحاسد لو كان عنده إيمان قوي بقضاء الله وقدره، ما حسد الناس على ما قضاه الله وقدره، ولو كان عنده علم وفَهم لاسمي الله العليم والحكيم، ما حسد؛ لأن الله حكيم في قضائه وقدره وعليم بخلقه، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القلب لا يدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما يُنجِّسه من الكِبْر والحسد"[1].



بل إن الحاسد يبارز ربه في خمسة أمور:

أولًا: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.

ثانيًا: أنه ساخط لقِسمة ربه، كأنه يقول: ربي لمَ قسمت هذه القسمة؟

ثالثًا: أنه ضَادَّ الله بفعله؛ أي: إن فضل الله يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضل الله تبارك وتعالى.

رابعًا: أنه خذل أولياء الله أو يريد خِذلانهم وزوال النعمة عنهم، وهذا من الخِذلان.

خامسًا: أنه أعان عدوه إبليس[2].



وقد أجمل الماورديُّ مساوئ الحسد في أربعة أمور:

1- حَسَرات الحسد وسِقام الجسد، ثم لا يجد لحسرته انتهاء، ولا يؤمل لسقامه شفاء، قال ابن المعتز: "الحسد داء الجسد".



2- انخفاض المنزلة وانحطاط المرتبة؛ لانحراف الناس عنه ونفورهم منه، وقد قيل في منثور الحِكَم: "الحسود لا يسود".



3- مَقْتُ الناس له، حتى لا يجد فيهم محبًّا، وعداوتهم له، حتى لا يرى فيهم وليًّا، فيصير بالعداوة مأثورًا، وبالمقت مزجورًا.



4- إسخاط الله تعالى في معارضته، واجتناء الأوزار في مخالفته؛ إذ ليس يرى قضاء الله عدلًا، ولا لنعمه من الناس أهلًا [3].



وقال الجاحظ مؤكدًا هذه المساوئ: "الحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، ويفسد الودَّ، علاجه عَسِر، وصاحبه ضَجِر، وهو باب غامض، وأمر متعذَّر، فما ظهر منه فلا يُداوى، وما بَطَنَ منه فمداويه في عناء"[4].



ثم قال: "ولو لم يدخل - رحمك الله - على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مَضَضِه[5]، ووسواس ضميره، وتنغيص عمره، وكَدَرِ نفسه، ونَكَد لذاذة معاشه - إلا استصغاره لنعمة الله عنده، وسخطه على سيده بما أفاد الله عبده، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وألَّا يرزق أحدًا سواه - لكان عند ذوي العقول مرحومًا، وكان عندهم في القياس مظلومًا"[6].



5- الشحناء، والبغضاء، المقاطعة، والهجر، والغيبة والنميمة، وأذية المؤمن بغير حق، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك كله، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا...))[7].



6- الظلم والعدوان، كما في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته؛ فإنهم لما رأوا ما ليوسف عند أبيه من المكانة والمنزلة والفضل حسدوه على ذلك، فدبروا له تلك المكيدة النكراء؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ [يوسف: 7 - 9].



فقد "ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله: ﴿ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ [يوسف: 8، 9]، فبيَّن تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له"[8].



فقد "كان يعقوب قد كلِف بهما لموت أمِّهما، وزاد في المراعاة لهما، فذلك سبب حسدهم لهما، وكان شديد الحبِّ ليوسف، فكان الحسد له أكثر، ثم رأى الرؤيا فصار الحسد له أشد"[9].



7- تفكك المجتمع وانتشار الجرائم، كالسرقة والقتل، كما في قصة ابني آدم: هابيل وقابيل؛ فقد كان الحسد الدافعَ وراءَ أوَّل جريمةٍ على الأرض، على ما ساقه الله من فضل وإكرام لعبده الذي قرَّب إليه قربانًا فتقبَّله منه، إشارةً إلى رضاه عنه، فحسده أخوه على ذلك الفضل[10].


[1] مجموع الفتاوى، لابن تيمية: 13/242.

[2] يُنظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 20/ 260.

[3] أدب الدنيا والدين، للماوردي، ص: 273.

[4] الرسائل، للجاحظ: 3/ 3 - 4.

[5] توجُّعه.

[6] الرسائل، للجاحظ: 3/ 5.

[7] رواه مسلم من حديث أنس.

[8] مفاتيح الغيب، للرازي: 3/ 646.

[9] النكت والعيون، للماوردي: 3/ 9.

[10] للمزيد يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 3/ 73.


alukah
§§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشكلتي مع الغيره هيفاء الموسى منتدي علم النفس و منتدى حل المشاكل الاجتماعية 10 11-06-2018 09:31 AM
قاموس لغة الجسد يوسف البرق منتدي التنمية البشرية و تطوير الذات 3 10-22-2018 07:19 AM
نستر الجسد و نعري الروح !!! حمد الحيرا المنتدي العام 3 09-14-2017 10:35 AM
الغرام اللي جعل وسط الجسد روحين امينة اروى قسم المنقول من الخواطر 5 02-13-2015 10:09 PM
تعابير الجسد ،، لغة الجسد ،، نصائح للمقبلات على الزواج محمص القلوب منتدي عالم المرأة 1 12-30-2013 09:26 PM


الساعة الآن 01:23 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.