قديم 10-01-2019, 09:16 AM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 35,015
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي اتباع الهوى


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( اتباع الهوى ))


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فمن الخصال المذمومة التي تلقي بصاحبها في مهاوي الردى، وتعمي بصيرته، فيصبح لا يفرق بين حق ولا باطل، ولا خير وشر: اتباع الهوى.



قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الفرقان: 43]. قال ابن كثير: "أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه[1] كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [فاطر: 8]".



وقال تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26].



وقد ذكر الله تعالى في كتابه حال هؤلاء المتبعين لأهوائهم، وأن الحال يصل بهم إلى أن يكونوا كالأنعام بل أضل، قال تعالى: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ [الفرقان: 44].



وإن من اتباع الهوى ما يفعله بعض الناس من البحث عن الرُّخَصِ المخالفة للشرع والفتاوى الشاذة، وزلات العلماء، ويلوون أعناق النصوص من أجل ذلك، وإذا كانت النصوص توافق أهواءهم رضوا وسَلَّمُوا ولم يجادلوا، وقد ذكر الله في كتابه هذا الصنف فقال: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُون * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِين * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون ﴾ [النور: 47-50].



لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعاً فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب[2].



والهوى يُعْمِي ويُصِمُّ صاحبه عن الحق، روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضي اللهُ عنهما قال: سمعت رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم يقول: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا[3]، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا[4] نُكِتَ[5] فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا[6] كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا[7]، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ"[8].



وقد نهى الله تبارك وتعالى نبيه عن اتباع الهوى، فقال سبحانه: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ﴾ [الشورى: 15]. وكان النبي صلى اللهُ عليه وسلم يتعوذ بالله من اتباع الهوى، فروى الترمذي في سننه من حديث قطبة بن مالك رضي اللهُ عنه قال: كان النبي صلى اللهُ عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ"[9].



وأخبر النبي صلى اللهُ عليه وسلم أن اتباع الهوى من المهلكات، روى البزار في مسنده من حديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: "المُهْلِكَاتُ ثَلَاثٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ"[10].



قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللهُ عنه: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُم: طُولُ الأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ"[11].



وقد وردت أقوال كثيرة عن السلف تحذر من تتبع زلات العلماء، والأقوال الشاذة، قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"[12]، وقال الإمام الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء (أي الأقوال النادرة) خرج من الإسلام"[13]، وقال عمر ابن الخطاب رضي اللهُ عنه: "ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ العَالِمِ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ"[14]، وقال ابن حزم الأندلسي: "وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله صلى اللهُ عليه وسلم"[15] اهـ.



وروى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: "دخلت على المعتضد بالله فدفع إِلَيَّ كتاباً فنظرت فيه فإذا قد جمع له من الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل واحد منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر - النبيذ - لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب"[16]. اهـ.



وقد شدد العلماء في الإنكار على من تتبع الرخص وشواذ الأقوال، حيث وصفوه مرة بأنه شر عباد الله كما ذكر ذلك عبد الرزاق عن معمر[17]، وتارة وصفوه بالفسق كما نص عليه ابن النجار، فقال: يحرم على العامي تتبع الرخص ويُفسق به[18]، وقال الغزالي: ليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع[19].



وبعض الناس إذا أراد أن يستفتي يسأل في كل مسألة من عُرِفَ بالتساهل فيها، والإفتاء بغير ما عليه جماهير العلماء، فإذا دُلَّ على العلماء الذين يفتون بالكتاب والسنة؛ قال: إن هؤلاء لا يعرفون إلا لغة التحريم، كل شيء عندهم حرام، فهذا وأمثاله اتخذوا دينهم لعباً ولهواً والله تعالى قال لنبيه صلى اللهُ عليه وسلم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [هود: 112]، ولم يقل كما أردت، قال ابن عبد البر رحمه الله: "أجمع العلماء على أن العامي لا يجوز له تتبع الرخص"[20].



قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"[21].



أما قول بعضهم: "ضع بينك وبين النار مُطَوَّع"، فهذا القول لا يكون صحيحاً إلا بسؤال أهل العلم المعروفين بالتقوى، وأن يكون القصد من السؤال معرفة الحق والعلم الذي يرضي الله تعالى[22].



ومن الأمثلة على تتبع زلات العلماء وترك ما قال به جمهور أهل العلم، ودلت عليه النصوص الصريحة: الذين يأخذون بقول من قال بإباحة الغناء، ويتركون من قال بتحريمه، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وجماهير أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين.



ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز حلق اللحية، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيحين وغيرها من الكتب الستة بالأمر بإعفائها، وهو قول جمهور أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين، بل لم يعرف حلق اللحية إلا في العصور المتأخرة.



ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز إسبال الثياب من غير خيلاء، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيح وغيره بتحريم ما أسفل من الكعبين من الإزار.



وما ذكرته غَيْضٌ مِن فَيضٍ، وَقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، أسأل الله تعالى أن يرزقنا التجرد للحق، وأن يبعدنا عن اتباع الهوى، وأن يجعلنا ممن يسارعون إلى تنفيذ أمر الله ورسوله راضين مسلمين.



والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

.alukah
§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ايهما اقدم اهرامات السودان ام مصر معاوية فهمي إبراهيم منتدى العلوم الكونيه والثقافات العامه 1 09-13-2019 04:58 PM
مشكلات الحدود العربية -العربية واحتمالات الحروب(1)مصر-السودان اشرف لطفى منتدي القضايا العربية و الاسلامية 5 11-05-2014 09:12 PM
تنظيم قطر في بلاد المغرب الإسلامي د/روليان غالي المنتدى السياسي والاخباري 0 02-16-2013 03:26 PM
أمير قطر يدعو إلى تدخل عسكري أجنبي د/روليان غالي المنتدى السياسي والاخباري 4 09-27-2012 02:39 AM


الساعة الآن 03:31 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.