قديم 11-05-2019, 04:29 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 35,987
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي ليس على أبيك كرب بعد اليوم


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
شرح حديث (( أنس: ليس على أبيك كرب بعد اليوم ))

عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: وَاكَربَ أَبَتَاهُ. فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ»، فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْرِيلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التُّرَابَ؟![1]؛ رواه البخاري.


قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما رواه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- لما ثقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه جعل يتغشاه الكرب؛ أي: من شدة ما يصيبه جعل يُغشى عليه من الكرب؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - يُشَدَّد عليه الوعك والمرض، كان يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.


والحكمة في هذا، من أجل أن ينال -صلى الله عليه وسلم- أعلى درجات الصبر؛ فإن الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله - عز وجل - لأنه لا صبر إلا على مكروه.



فإذا لم يُصَب الإنسان بشيء يُكره فكيف يُعرَف صبره؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين ﴾ [محمد: 31]؛ فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.



فجعل يتغشاه الكرب، فتقول فاطمة - رضي الله عنها - «وأكرب أباه»؛ تتوجع له من كربه؛ لأنها امرأة، والمرأة لا تطيق الصبر.



فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ»؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لما انتقل من الدنيا انتقل إلى الرفيق الأعلى، كما كان -صلى الله عليه وسلم- وهو يغشاه الموت يقول: «اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»[2]، وينظر إلى سقف البيت -صلى الله عليه وسلم-.



توفي الرسول - عليه الصلاة والسلام - فجعلت - رضي الله عنها - تَنْدِبُه، لكنه نَدْبٌ خفيف، لا يدل على التسخط من قضاء الله وقدره.



وقولها: «أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ»؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي بيده ملكوت كل شيء، آجال الخلق بيده، تصريف الخلق بيده، كل شيء إلى الله، إلى الله المنتهى وإليه الرُّجعى.



فأجاب داعي الله، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- إذا تُوفِّي صار كغيره من المؤمنين؛ يُصْعَد بروحه حتى تُوقف بين يدي الله - عز وجل - فوق السماء السابعة؛ فقالت: واأبتاه، أجاب ربًّا دعاه.



وقولها: «وَاأَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ» -صلى الله عليه وسلم- لأنه - عليه الصلاة والسلام - أعلى الخلق منزلة في الجنة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «اسْأَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنَ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ»[3].



ولا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلي درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها عرش الرب جل جلاله، والنبي - عليه الصلاة والسلام - في أعلى الدرجات منها.



قولها: «يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهٌ»؛ النعي: هو الإخبار بموت الميت، وقالت: إننا ننعاه إلى جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحًا ومساء.



فإذا فُقِدَ النبي - عليه الصلاة والسلام - فُقِدَ نزول جبريل - عليه الصلاة والسلام - إلى الأرض بالوحي؛ لأن الوحي انقطع بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-.



ثم لما حُمِل ودُفِن قال رضي الله عنها: «أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التُّرَابَ؟»؛ يعني: من شدة وَجْدِها عليه، وحزنها، ومعرفتها بأن الصحابة - رضي الله عنهم - قد ملأ قلوبهم محبة الرسول - عليه الصلاة والسلام.



فهل طابت؟ والجواب: أنها طابت؛ لأن هذا ما أراد الله - عز وجل - وهو شرع الله، ولو كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يُفدى بكل الأرض لفداه الصحابة رضي الله عنهم.



لكن الله - سبحانه - هو الذي له الحكم، وإليه المرجع، وكما قال الله تعالى في كتابة: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر: 30، 31].



الفوائد:

في هذا الحديث بيان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش، ويبرد، ويحتر، وجميع الأمور البشرية تعتري النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ».



وفيه: رد على هؤلاء القوم الذين يشركون بالرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعون الرسول - عليه الصلاة والسلام - ويستغيثون به وهو في قبره، بل إن بعضهم - والعياذ بالله - لا يسأل الله تعالى ويسأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- كأنَّ الذي يجيب هو الرسول - عليه الصلاة والسلام - ولقد ضلُّوا في دينهم وسَفَهُوا في عقولهم؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملك لغيره؟!



قال الله تعالى آمرًا نبيَّه: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ [الأنعام: 50]، بل هو عبد من عباد الله؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ [الأنعام: 50].



وقال الله - سبحانه - له أيضًا: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا ﴾؛ أي: هذه وظيفتي ﴿ مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ ﴾ [الجن 21-23].



ولما أنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، دعا قرابته -صلى الله عليه وسلم- وجعل ينادي إلى أن قال: «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»[4]؛ إلى هذا الحد‍! ابنته التي هي بضعة منه، والتي يريبه ما رابه يقول لها: لا أغني عنك من الله شيئًا.



فهذا دليل على أن من سواها من باب أولى.



ففيه ضلال هؤلاء الذين يدعون الرسول -صلى الله عليه وسلم- تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلى القبر، ويصمدون أمام القبر كصمودهم أمام الله في الصلاة أو أشد.



وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا باس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذيًا بالتسخط على الله عز وجل؛ لأن فاطمة ندبت النبي - عليه الصلاة والسلام - لكنه ندب يسير، وليس يَنُمُّ عن اعتراض على قدر الله عز وجل.



وفيه دليل: على أن فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنها بقيت بعد حياته -صلى الله عليه وسلم- بقيت فاطمة، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون؛ كما قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[5].



وهذا من حكمة الله - عز وجل - لأنهم لو وَرَّثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاؤوا بالرسالة يطلبون ملكًا يُورَث مِن بعدهم؛ ولكن الله - عز وجل- منع ذلك.



فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له، والله الموفِّق.



المصدر: «شرح رياض الصالحين».
§§§§§§§§§§§§§§§§§§§


0 قصة السامري والعجل
0 أفضل مكان لصلاة المرأة
0 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ
0 شرح حديث يــــــاوازن زن وأرجـــــــــــح
0 أحاديث فضل الشيب
0 مطوية (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)
0 تخيلتك يا رمضان إنسانــا ًوجئت أحادثك
0 كيف يحبك ثم يبتليك ؟؟؟؟؟؟ موضوع يخصك!
0 مـن قــصص الأذكــــياء؟
0 متى يُسِيئ أحدنا للإسلام
0 أهمية التمسك بالتقويم الهجري
0 من مقتطفات الحكم (٣٤)
0 معجزة في إسمك
0 وقفة مع آية \كنز الأموال
0 لاتعجبوا من هذا
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كيف أحذف المواقع التي قمت بزيارتها على النت معاوية فهمي إبراهيم منتدي الكمبيوتر واللاب توب Laptop والانترنت 1 11-06-2019 04:34 PM
كن ربانياً لا رمضانياً الإسلام رباني منتدي الخيمه الرمضانيه 3 04-10-2019 04:19 PM
لاجل الوعد &غروري ضروري& قسم الروايات المكتملة 123 04-07-2017 03:09 PM


الساعة الآن 04:29 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.