قديم 12-30-2019, 07:11 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 45,925
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي فوائد من طريق الهجرتين



بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( فوائد من طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم ))
فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ​​​​​​​
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:
فمن كتب العلامة ابن القيم رحمه الله المهمة: كتاب "طريق الهجرتين وباب السعادتين"؛ فهو يتكلم عن قواعد في سلوك المسلم والسير إلى الله عز وجل، والمقصود بالهجرتين: هجرة العبد إلى الله سبحانه بالمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والخوف والرجاء، وهجرته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتابعته والتأسي به في كل شؤونه، والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه.

والمقصود بالسعادتين: سعادة العبد في الدارين: الدنيا والآخرة.
وقد اشتمل الكتاب على فوائد، انتقيت شيئًا منها، أسأل أن ينفع بها ويبارك بها.

كل من تعلق بشيء غير الله انقطع به أحوج ما كان إليه:
كل من تعلق بشيء غير الله انقطع به أحوج ما كان إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: 166]؛ فالأسباب التي تقطعت بهم هي العلائق التي كانت بغير الله ولغير الله ... فكل عمل باطلٌ إلا ما أُرِيد به وجهه، وكل سعي لغيره فباطل.

من ملك المال:
وجود المال في يد الفقير لا يقدح في فقره، إنما يقدح في فقره رؤيته لمَلَكَتِه، فمن عوفي من رؤية الملكة لم يتلوث باطنه بأوساخ المال وتعبه وتدبيره واختياره، وكان كالخازن لسيده الذي ينفذ أوامره في ماله، فهذا لو كان بيده من المال مثل جبال الدنيا لم يضره.

ومن لم يُعافَ من ذلك، ادَّعت نفسه الملكة، فتعلقت به النفس تعلقها بالشيء المحبوب المعشوق، فهو أكبر همه ومبلغ علمه، إن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط، فهو عبد الدينار والدرهم، يصبح مهمومًا به ويمسي كذلك، فيبيت مضاجعًا له، تفرح نفسه إذا ازداد، وتحزن وتأسف إذا فات منه شيء، بل يكاد يتلف إذا توهمت نفسه الفقر، وقد يُؤثِرُ الموت على الفقر.

والأول مستغنٍ بمولاه المالك الحي الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وإذا أصاب المال الذي في يده نائبة، رأى أن المالك الحق هو الذي أصاب مال نفسه، فما للعبد وما للجزع والهلع؟ فله الحكم في ماله؛ إن شاء أبقاه، وإن شاء ذهب به وأفناه، فلا يتهم مولاه في تصرفه في ملكه، ويرى تدبيره هو موجب الحكمة، فليس لقلبه بالمال تعلقٌ، ولا له به اكتراث؛ لصعوده عنه وارتفاع همته إلى المالك الحق، فهو غنيٌّ به وبحبه ومعرفته وقربه منه عن كل ما سواه، وهو فقير إليه دون ما سواه، فهذا البريء عن رؤية الملكة الموجبة للطغيان؛ كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]، ولم يقل: "إن استغنى"، بل جعل الطغيان ناشئًا عن رؤيته غِنى نفسه ... والمقصود أن الاستغناء عن الله سبب هلاك العبد وتيسيره لكل عسرى، ورؤيته غنى نفسه سببُ طغيانه، وكلاهما منافٍ للفقر والعبودية.

الغني العالي:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَضِ، ولكن الغنى غنى النفس))، ومتى استغنت النفس استغنى القلب ... وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغني الحميد، الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غنيَّ سواه، فالغِنى به هو الغِنى في الحقيقة ولا غنى بغيره البتة، فمن لم يستغنِ به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحضره كل سرور وفرح، والله المستعان.

غنى النفس:
قال رحمه الله: غنى النفس ... استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا لله وأمره، وإيمانًا به، واحتسابًا لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلبًا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهربًا من ذمهم وازدرائهم، وطلبًا للجاه والمنزلة عندهم، فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد منه، وأنه أفقر شيء إلى المخلوق.

فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليلُ غناها؛ لأنها إذا أذعنت منقادةً لأمر الله طوعًا واختيارًا ومحبةً وإيمانًا واحتسابًا، بحيث تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة)).

الفقير المتخلي عن الدنيا تعففًا:
الفقير حقًّا ... المتخلى من الدنيا تظرفًا، والمتجافى عنها تعففًا، لا يستغني بها تكثرًا، ولا يستكثر منها تملكًا، وإن كان مالكًا بهذا الشرط لم تضره، بل هو فقير غِناه في فقره، وغنيٌّ فقره في غناه.

ومِن نَعْتِهِ أنه يعمل على موافقة الله في الصبر والرضا والتوكل والإنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه.

خاضع، متواضع، سليم القلب، سلس القيادة للحق، سريع القلب إلى ذكر الله، بريء من الدعاوى لا يدَّعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله، زاهد في كل ما سوى الله، راغب في كل ما يقرب إلى الله، قريب من الناس أبعد شيء منهم، يأنس بما يستوحشون منه، ويستوحش مما يأنسون به، متفرد في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود.

من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآه ذكَّرته رؤيته بالله، قد حمل كلَّه ومُؤنتَه عن الناس، واحتمل أذاهم، وكف أذاه عنهم، وبذل لهم نصيحته، وسبل لهم عرضه ونفسه لا معاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا ينقصه.

وصْفُهُ الصدق والعفة، والإيثار والتواضع، والحلم والوقار والاحتمال.
لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضًا ولا مدحة، لا يعاتب ولا يخاصم، ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقًّا، ولا يرى له على أحد فضلًا.

مقبل على شأنه، مكرم لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافر في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه.

قاعدة شريفة عظيمة القدر، حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه:
الله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه، ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده، وهو المعين على دفعه.

الله سبحانه خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقرُّ عيونُهم، ولا شيءَ يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحب إليهم من الإيمان به، ومحبتهم له، ومعرفتهم به.

العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه وأنسه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه، فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه - إلا الله سبحانه، ومن عَبَدَ غيره وأحبه - وإن حصل له نوع من اللذة والمودة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده - ففساده به ومضرته وعَطَبُه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي، الذي هو عذْبٌ في مبدئه، وعذاب في نهايته.

فحاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحَلِف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب - أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تُقاس به.



السعادتين, القيم, الهجرتين, طريق, فوائد, لابن, وباب


سلب النعم:
الله سبحانه ... قضى فيما قضى به أن ما عنده لا يُنال إلا بطاعته، وأنه ما استُجلِبت نعم الله بغير طاعته، ولا استُديمت بغير شكره، ولا عُوِّقت وامتُنعت بغير معصيته، وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة، فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنما أنت السبب في سلبها عنك؛ فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53]، فما أزيلت نعم الله بغير معصيته:
إذا كنت في نعمة فارْعَها *** فإن الذنوب تزيل النعم

فآفتُك من نفسك، وبلاؤك منك، وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك، وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك.
ولو شعرت بدائك، وعلمت من أين دُهيت ومن أين أُصبت، لأمكنك تدارك ذلك.

ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضت عمن أصل بلائك ومصيبتك منه، وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك منه، فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين وقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه: "يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك".

موقف العبد من البلاء:
إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن، فإن ردَّه ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه، وجمعه عليه، وطرحه ببابه - فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدة بتراءُ لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عُوِّض منها أجلَّ عِوَضٍ وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحه على بابه وقد كان عنه مُعْرِضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا.

وكانت البلِّية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه.
وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، وإن لم يردَّه ذلك البلاء إليه، بل شرد قلبه عنه، وردَّه إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، والتذلل بين يديه، والتوبة والرجوع إليه - فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء ردَّه إلى حكم طبيعته، وسلطان شهواته ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء، فبلِّية هذا وبالٌ عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة.

من عرف طريقًا موصلًا إلى الله ثم تركها:
من ... عرف طريقًا موصلة إلى الله ثم تركها، وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته، وقع في آبار المعاطب، وأودع قلبه سجون المضايق، وعُذِّب في حياته عذابًا لم يعذبه أحدٌ من العالمين، فحياته عجز وغمٌّ وحزن، وموته كَمَدٌ وحسرة، ومعاده أسف وندامة، قد فرط عليه أمره، وشتت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان، فلا لذة الجاهلين، ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يُغاث، ويشتكي فلا يُشكى، قد ترحلت أفراحه وسروره مدبرةً، وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته مقبلة، قد أبدل بأنسه وحشةً، وبعزه ذلًّا، وبغناه فقرًا، وبجمعيته تشتتًا.

ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله، ثم تركها ناكبًا عنها مكبًّا على وجهه، فأبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، ودُعي فما أجاب، وفُتح له فولَّى ظهره الباب.

فلو نال بعض حظوظه، وتلذذ براحاته وشهواته، فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد، وميادين الأنس، ورياض المحبة، وموائد القرب.

قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين ... قبر يمشي على وجه الأرض، فروحه في وحشة في جسمه، وقلبه في ملال من حياته يتمنى الموت ويشتهيه، ولو كان فيه ما فيه، حتى إذا جاء الموت على تلك الحال والعياذ بالله، فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم؛ بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق، وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه، وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.

فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه لزِمَهُ الشقاء والبؤس والبَخْسُ في أحواله وأعماله، وقارنه سوء الحال وفساده في دينه ومآله، فإن الرب تعالى إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وانكشفت أنوارها، وظهر عليها وحشة الإعراض، وصارت مأوًى للشياطين.

الخوف:
قال رحمه الله: قد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، فجعل الخوف منه شرطًا في تحقق الإيمان.

وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44].

وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه؛ فقال تعالى عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ [الأنبياء: 90]؛ فالرغب: الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية.

وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: 50].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية))، وفي لفظ آخر: ((إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي))، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 28]، فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف ... ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفةً ازداد حياءً وخوفًا ورجاءً.
العبد إما أن يكون مستقيمًا، أو مائلًا عن الاستقامة.

فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة أمور:
أحدها: معرفة بالجناية وقبحها.
والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.
والثالث: أنه لا يعلم لعله يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.

فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوء عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علِم قبحَ الذنب، وعلم سوء مغبَّته، وخاف ألَّا يُفتح له باب التوبة، بل يُمنعها ويُحال بينه وبينها - اشتد خوفه، هذا قبل الذنب، فإن عمله كان خوفه أشد.

وأما إن كان مستقيمًا مع الله، فخوفه يكون مع جريان الأنفاس، لعلمه بأن الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا هو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أكثر يمينه صلى الله عليه وسلم: ((لا ومقلب القلوب، ولا ومقلب القلوب))، قال بعض السلف: "مَثَلُ القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن"، ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24].

فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كل حال.
فالخوف الأول ثمرةُ العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعَّال لما يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو.

الإيثار:
الدين كله في الإيثار، والفرق بين الإيثار والأثرة أن "الإيثار" تخصيص الغير بما تريده لنفسك، و"الأثرة" اختصاصك به على الغير.

الإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق.
فإن تعلق بالخلق، فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيِّع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضم لك دينًا، ولا يسُدُّ عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحدًا كائنًا من كان ... فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب؛ قال الله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]، فأخبر تعالى أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وُقيَ الرجل الشحَّ به، كان من المفلحين، وهذا إنما هو في فضول الدنيا.

فإن قيل: فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار؛ فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟ قيل: يسهله أمور:
أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها.

الثاني: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشح وكراهته له.

الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض ... فهو لخوفه من تضيع الحق والدخول في الظلم، يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة.

والإيثار المتعلق بالخالق أجلُّ من هذا وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضا غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذْلِ ذلك لغيره، وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره.

وعلامة صحة هذا الإيثار شيئان:
أحدهما: فعل ما يحبه الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه.
الثاني: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه.
فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار.
ومؤنة هذا الإيثار شديدة ... والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم صلاح العبد وسعادته إلا به، وإنه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه.

ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار، والذي يسهله على العبد أمور:
أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة، ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة.
الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًّا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته.
الثالث: قوة صبره وثباته.

والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين:
أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة، فلا يكاد يرى حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رآها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات.
الثاني: أن تكون القريحة وقَّادة دراكة، لكن النفس ضعيفة مهينة، إذا أبصرت الحق والرشد ضعُفت عن إيثاره.

من كانت قرة عينه في الصلاة فلا شيءَ أحب إليه وأنعم عنده منها:
قال رحمه الله: الصلاة ... محكُّ الأحوال وميزان الإيمان، بها يوزن إيمان الرجل، ويتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا شيء أقرُّ لعين المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها إن كان محبًّا ... فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغمٍّ حتى تحضُرَ الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة))، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون.

فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همَّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همَّها حتى يقضيَها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقارين شأن، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بهم إذا ائتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه، فسبحانه من فاضل بين النفوس، وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم.

وبالجملة، فمن كانت قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه وأنعم عنده منها، ويود أن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلِّي نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب، فهو دائمًا يثوب إليها، ولا يقضي منها وطرًا، فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل، الذي وزنه غير عائل.

شبكة الألوكة.
§§§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكتاب الأبيض جذور القضية الفلسطينية معاوية فهمي إبراهيم منتدي القضايا العربية و الاسلامية 1 11-22-2019 08:33 AM
اسباب سقوط الدوله الأمويه معاوية فهمي إبراهيم منتدي القضايا العربية و الاسلامية 1 11-05-2019 10:32 AM
روايه ((لعنة جورجيت)) $$حبيب حبيبته$$ قسم الروايات المكتملة 42 03-27-2017 04:00 PM
جميع احتمالات التأهل الى الدور الثاني لكل المجموعات في يورو 2012 MYRIAM منتدى الرياضة 4 08-09-2012 10:38 PM
قانون كرة القدم الدولي من الفيفا (كامل) sh.Madrid.kaka8 منتدي كرة القدم العالميه 2 09-08-2011 09:02 PM


الساعة الآن 05:09 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.