قديم 05-05-2020, 05:12 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 70
المشاركات: 43,308
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي الصوم وإخلاصُ النية


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( الصوم وإخلاصُ النية ))

النيةُ أساسُ قبول العملِ، ولا عملَ إلا بإحْضار النية، فالأعمالُ الصالحةُ والطاعاتُ التي يُتقرب بها إلى الله تعالى - منَ الصلاةِ والصيام والحج والعُمْرة - تحتاجُ إلى إحْضار النية الصادقة والإخلاص لله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانتْ هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه))؛ متفق عليه.
وللنية مكانةٌ عظيمةٌ وشأنٌ رفيعٌ في حياة المسلم، فهي التي تُميزُ العادات من العباداتِ، وتفرِّقُ بين عبادةٍ وأخرى؛ يقولُ الإمام ابن رجب المتوفي 795هـ رحمه الله: "وأما النيةُ بالمعنى الذي يذكرهُ الفقهاء، وهو: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، فإن الإمساك عن الأكلِ والشرْبِ يقعُ تارة حِمْية، وتارةً لعدم القُدرة على الأكلِ، وتارة تركًا للشهوات للهِ عز وجل، فيحتاجُ في الصيامِ إلى نيَّةٍ؛ ليتميز بذلك عنْ ترك الطعام على غير هذا الوَجْهِ، وكذلك العباداتُ؛ كالصلاةِ والصيامِ، منْها نفلٌ، ومنْها فرضٌ، وكذلك الصدقةُ تكونُ نفلًا، وتكونُ فرضًا"؛ (جامع العلوم والحكم؛ ابن رجب الحنبلي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وابراهيم باجس، مؤسسة الرسالة بيرت 1999م ج 1، ص 85).
ويشترطُ النية في صوم الفريضة، وأن تكونَ من الليل وقبل طلوع الفجر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصيَامَ مِنْ الليْلِ، فَلا صِيَامَ لَهُ))؛ سنن النسائي، 2334.
والمعنى أنه مَن لَم ينْوِ الصيام ويعزم على فعله من الليل، فلا صيام له، والنية محلها القلب، فلا يجوزُ النطق بها، وليستْ لها كلمات محددة؛ كأنْ يقول الإنسانُ: نويتُ أنْ أصومَ كذا، وليست لها ألفاظ خاصة كالتي نجدُها على إمساكية رمضان في بعض الدول: "وبصوْم غدٍ نويتُ من شهر رمضان"، فإن هذه الكلمات لا أصلَ لها ولا سند، بل يقولُ أهل العلم: إن التلفظ بالنية بدعةٌ وأمرٌ مُحدثٌ في الدين، يجبُ اجتنابه، لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والنية في الصوم أن يخطر على قلب المسلم أنه يصوم غدًا، أو يعزم بقلبه أنهُ صائمٌ غدًا، والراجح عند أهل العلم أن نية واحدة تكفي لشهر رمضان كله، فلا يلزم تجديد النية لكل يوم من أيام رمضان، إلا إذا انقطع بسبب سفرٍ أو مرضٍ، أما صومُ التطوع فلا يشترط له النية، بل يمكن للمسلم أن يصومه متى شاء، لعمل النبي صلى الله عليه وسلم؛ (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الثريا 2003م ج19 ص 177).
والمطلوب من الصائم إخلاص النية لله تعالى وحده، واجتناب الرياء والسمعة والشهرة والتصنع، وغيرها من الأعمال التي تبيدُ العمل الصالح وتُضعف الإخلاص؛ لأن "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملًا يُثقله ولا ينفعه"؛ كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله؛ (الفوائد، ابن القيم، تحقيق، محمد عزير شمس، بإشراف بكر عبدالله أبوزيد، دار عالم الفوائد، ص 66).
فالرياء والتصنع يقتل روح العبادة، ويهدمُ صرح الإخلاص، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بإخلاص العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، وفي الحديث القدسي: "أنا أغنَى الشُّركاءِ عن الشركِ، مَن عمِل عملًا أشركَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشركَه"؛ (صحيح مسلم، 2985).
ونظرًا لِما يشتمل عليه الصوم من سرٍّ بين الله تعالى وبين عبده، لا يطَّلع عليه أحدٌ، فإن الله تعالى خصَّ الصوم بإضافته إليه تشريفًا وتعظيمًا، فقال في الحديث القدسي: "الصومُ لي وأنا أَجزي به، يدَع شهوتَه وأكلَه وشُربَه من أجلي"؛ (صحيح البخاري: 7492).
يقول القرطبي: "وإنما خصَّ الصوم بأنه لَهُ - وإنْ كانت العباداتُ كلها له - بأن الصومَ سرٌّ بين العبد وبين ربه لا يظهرُ إلا له، فلذلك صار مختصًّا به، وما سواهُ من العباداتِ ظاهرٌ، ربما فعلَه تصنعًا ورياءً، فلهذا صار أخصَّ بالصوم من غيره"؛ (الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق د.عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة 2006م ج 3 ص 123).
فما أحوَجنا إلى إخلاص النية وتصفيتها من جميع شوائب الشرك والرياء في هذا الشهر الكريم، الذي هو فرصة تدريبية سنوية لتهذيب النفس وسموها وتربيتها، وتعويدها على الإخلاص، وتقوية صِلتها بربها، والتخلص من الأمراض القلبية والرُّوحية!
يقولُ الإمام ابن القيم رحمه الله: "لا يجتمعُ الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمعُ الماء والنار، والضبُّ والحوتُ، فإذ حدَّثتْك نفسُك بطلبِ الإخلاص، فأقبلْ على الطمع أولًا، فاذْبَحْه بسكين اليأس، وأَقْبِلْ على المدحِ والثناء، فازهَدْ فيْهما زُهْدَ عشَّاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقامَ لك ذبحُ الطمع والزهد في الثناء والمدح، سَهُل عليك الإخلاص"؛ (فوائد الفوائد: 421).
منابر النور.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أثر الصوم في النفوس معاوية فهمي إبراهيم منتدي الخيمه الرمضانيه 1 05-05-2020 04:58 PM
الصوم جزء من نظام كامل للحياة معاوية فهمي إبراهيم منتدي الخيمه الرمضانيه 1 05-05-2020 04:57 PM
الصوم الحقيقي وصوم المريض معاوية فهمي إبراهيم منتدي الخيمه الرمضانيه 1 05-05-2020 04:54 PM
تقرير عن بيجو 5008 – 2015 – Peugeot 5008 Mŕ.Ŕoỹ منتدي السيارات 3 07-26-2017 09:43 AM


الساعة الآن 05:31 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.