قديم 09-06-2010, 09:31 PM   #1
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية captive bird
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: اللاذقــ سوريا ــية
العمر: 29
المشاركات: 609
معدل تقييم المستوى: 12
captive bird is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر AIM إلى captive bird إرسال رسالة عبر Yahoo إلى captive bird
العلم والبوذية: جسور مرنة بين علم الكون وعلم العقل


[SIZE="7"]السلام عليكم[/SIZE]

اولا :اعتذر بسبب طول الموضوع
ثانياً : اتمنا للجميع الاستفادة

1- هل من أرضيّة للحوار؟

كعالم فلك يدرس تكوين المجرّات وتطوّرها، يثير عملي أحيانا أسئلة عن المادّة والفضاء والزّمان. وكفيتنامي المولد نشأ على التقليد البوذي، فإنّي كلّما واجهت هذه المفاهيم لم أجد بدّا من التّساؤل عن الكيفيّة التي كان بإمكان البوذيّة أن تتعامل معها وعن المقارنة التي يمكن أن تنعقد بين نظرتها للواقع والنظرة العلميّة. غـير أنّني لم أكن واثقا إذا كان لمثل هذه الأسئلة معنى ما. لقد كنت ملمّا بالبوذيّة وثمّنتها كفلسفة عمليّة توفّر دليلا لمعرفة الذات، والترقّي الرّوحي والنموّ بالإنسان إلى منزلة أفضل. لذلك، وفي حدود معرفتي، كانت البوذيّة بالأساس طريقا إلى الاستنارة، مقاربة تأمّليّة تمدّ بالنّظر إلى الدّاخل بشكل أساسي، عكس النظرة الخارجيّة للعلم. وفضلا عن هذا فإنّ العلم والبوذية يملكان طرائق مختلفة جذريا في تمحيص الواقع. في العلم، يلعب الذهن والعقل أدوارا رئيسة. ومن خلال القسمة والتصنيف والتحليل والمقارنة والقيس يصوغ العلماء القوانين الطبيعية بلغة الرياضيات العالية التجريد. إنّ الحدس ليس بغائب عن العلم غير أنّه لن يكون مجديا إلا إذا أسند بصياغة رياضية منسقة وأثبت بالملاحظة والتحليل.

من ناحية أخرى فإنّ الحدس أو بالأحرى التجربة الداخلية، هي التي تلعب دورا رياديّا في المقاربة التأمّليّة؛ وبدلا من تجزئة الواقع، فإنّها تهدف إلى فهمه في إطاره الكلّي. إنّ البوذيّة غير مجدية في استعمال أدوات القيس ولا تعتمد على نوع من الملاحظات المعقّدة التي تشكل أساس العلم التجريبي. إنّ مقولاتها نوعيّة أكثر منّها كميّة. لذلك لم أكن متيقّنا أصلا من جدوى المواجهة بين العلم والبوذية. كنت أخشى ألا يكون للبوذية شيء تقوله عن طبيعة الظواهر لأنّ ذلك ليس محض اهتمامها، فيما تكمن هذه المشاغل في قلب العلم.

في صائفة 1997، التقيت البوذي الفرنسي الراهب ماتيو ريكارد في جامعة أندورا حيث كنّا نحاضر معا. لقد كان الشخص المثالي لمناقشة هذه المسائل. لقد كان مجرّبّا كعالم ( فهو يملك شهادة الدكتوراه في البيولوجيا من معهد باستور بباريس)، لذلك فهو ملمّ بالطريقة العلميّة، غير أنّه متضلّع في البوذيّة نصوصا وفلسفة، وهو الذي كان قد غادر الحقل العلمي ليصبح راهبا بوذيّا في النيبال منذ 30 سنة. لقد كانت لنا نقاشات ممتعة أثناء جولاتنا الطويلة في المناظر الملهمة لجبال البيرينيه. كانت حواراتنا دائما مثرية بشكل متبادل. وأنتجت أسئلة جديدة، ووجهات نظر أصيلة وخلاصـات غير متوقّعة تستدعي مزيدا من الدّراسة والتوضيح، وهـي لا تزال كذلك إلى الآن.

سوف أناقش فيما يلي المسائل الرئيسة التي انقسمنا حولها أحيانا والتقينا حولها أحيانا أخرى. لقد ولد كتاب (The Quantum and the Lotus Crown ) (2001) من تلك التبادلات الوديّة بين عالم فلك أراد أن يضع معرفته العلميّة في مواجهة مع جذوره الفلسفيّة البوذيّة وعالم غربي أصبح بوذيّا وقادته تجربته الشخصية إلى مقارنة هذين المقاربتين.

بنهاية حواراتنا، ينبغي أن أقرّ بأنّ إعجابي بكيفية تحليل البوذية لعالم الظواهر قد ازداد إلى حدّ بعيد. لقد فكرت البوذية بعمق وبشكل موغل في الأصالة في طبيعة العالم. غير أنّ الأهداف النهائيّة لمواصلة المعرفة ليست هي نفسها بالنسبة للعلم والبوذية. إنّ غاية العلم هي استجلاء عالم الظواهر؛ أما في البوذية فإن المعرفة تحصل أساسا لغايات علاجية. إنّ المقصد ليس إدراك العالم المادي بذاته بل تحرير ذواتنا من المعاناة التي يسبّبها انشدادنا المفرط إلى الحقيقة الظاهرة للعالم الخارجي. بفهم الطبيعة الحقيقية للعالم المادي، نجلي غشاوات الجهل ونفتح الطريق للتنوير.

إنّني لا أهدف من هذه الورقة إلى جعل العلم يبدو أمرا ملغزا، أو إلى تبرير إعادة مواءمة البوذية مع اكتشافات العالم. إنّ العلم مكتف بذاته على وجه كامل وهو يحقق جيّدا غايته المحدّدة دون حاجة إلى دعم فلسفي من البوذية أو أي دين آخر. إنّ البوذية دين تنوير؛ وسواء كانت الأرض هي التي تدور حول الشمس أو العكس فإنّ هذا لن يكون له أي أثر على أساسها الفلسفي.

غير أنّه ولأنّ كلا منهما ينشد البحث عن الحقيقة ويستعمل مقاييس الصحّة والدقة والمنطق لبلوغها فإنّه لا ينبغي أن تؤدّي نظرة كلّ منهما للعالم إلى تناقض معيق بل إلى تكامل متناغم على الأرجح. لقد عبّر فرنر ايزنبرق عن هذا الأمر بشكل بليغ " إنّني أعتبر الطموح إلى تجاوز التناقضات بما يتضمّن أيضا توليفا بين الفهم العقلاني والتجربة الصوفيّة للوحدة، أعتبر هذا أسطورة منطوقة أو غير منطوقة ليومنا وزماننا الرّاهن". سوف أناقش فيما يلي المفاهيم البوذية للترابط (جزء2)، والفراغ (جزء3) واللاثبات (جزء4)، وكيف تجد كل هذه صدى في العلم الحديث. سأبيّن كيف أنّ البوذيّة ترفض فكرة مبدأ إنسي (الجزء الخامس)؛ وأخلص أخيرا (الجزء6) إلى أنّ العلم والروحانية نمطان متكاملان من المعرفة ينبغي أن يسيرا جنبا إلى جنب لكي لا ننسى إنسانيتنا.

2- الترابــط

2-1 البوذية وترابط الظواهر

يشكل " ترابط الظواهر" أحد المبادئ المركزيّة للبوذية. لا شيء يوجـد بشكل متـلازم أو أنّه علّة وجوده بذاته. فلا يتحدّد شيء إلا من خلال أشياء أخرى ولا يوجد إلا من خلال العلاقة التي يقيمها مع الآخرين. بعبارة أخرى يظهر هذا لأنّ ذلك موجود. إنّ الترابط أمر جوهري لتجلي الظواهر.

وفي البوذية، يسمّى إدراك الظواهر المستقلة بمعزل عن أسبابها وشروطها حقيقة نسبيّة أو "وهما". إنّ تجربتنا البوذية تجعلنا نعتقد بأنّ الأشياء تملك استقلالا حقيقيّا وموضوعيّا كما لو أنّها وجدت بذاتها أو أنّ لها ذوات مستقلة تماما. غير أنّ البوذيّة تؤكّد أنّ هذا السبيل لرؤية الظواهر ليس إلا بناء ذهنيّا وعلى الأصحّ فإنّها تتبنّى مفهوم السببيّة المتبادلة" لا يحدث أمر إلاّ لأنّه على ارتباط بعوامل أخرى. لا يمكن لأيّ شيء في الكون أن يظهر إلا لأنّه موصول بغيره مشروط ومشتـرط بدوره. إنّ كيانا موجود بمعزل عن الكيانات الأخرى، هو كيان متعين بشكل ثابت ومستقل لا يقدر أن يؤثر على أي شيء أو أن يؤثر على نفسه. إنّ البوذيّة إذن تنظر إلى العالم كسيل واسع من أحداث موثوقة ببعضها وتسهم في إنتاج بعضها بعضا. إنّ طريقة إدراكنا لهذا السّيل تبلور بعضا من ملامح هذا العالم غير القابل للتجزئة، وتولّد بالتالي الوهم القائل بأنّ هناك كيانات مستقلّة منفصلة بوجه كامل عنّا. إنّ هذه الظواهر هي بكل بساطة ظواهر تتنزّل ضمن بعض الملابسات. ولا تعني هذه النظرة أنّ البوذيّة تنكر الحقيقة التقليدية- الحقيقية التي يدركها عامّة النّاس أو تلك التي يلتقطها العالم بأجهزته - وهي لا تعني أنّنا نطعن في قانون السبب والنتيجة، أو قوانين الفيزياء والرياضيات، إنّها تقرّ ببساطة أنّه إذا حفرنا بما يكفي من العمق فثمّة فرق بين طريقة رؤيتنا للعالم والطريقة التي هو عليها.

إنّ أكثر مظاهر الترابط ضمنيّة تستهـدف العلاقة بين " أساس تعيـين" الظاهرة و"تعيينها". إنّ " أسس تعيين" الشيء تحيل إلى موقعه وحجمه وشكله ولونه وأي من خصائصه الظاهرة الأخرى. معا، تتضمن هذه الأسس " تعيين" الشيء، وهو بناء ذهني يصبغ وجودا مستقلا ومميزا على ذلك الشيء. من خلال تجربتنا اليومية، حين نشاهد شيئا ما فإنّ ما يشدّ انتباهنا ليس وجوده الأسمى بل تعيينه. ولأنّنا نعيشها فإنّ البوذية لا تقول بأنّ هذا الشيء غير موجود وهي لا تقول أيضا بأنّ هذا الشيء يملك حقيقة ذاتيّة. لذلك فهي تخلص إلى أنّ هذا الشيء موجود (مجتنبة بذلك النظرة العدمية التي غالبا ما ينسبها الغربيون باطلا إليها)، إلاّ أنّ هذا الوجود متوقف على غيره بشكل محض. إنّ ظاهرة تفتقر إلى الكينونة الذاتية رغم أنّها ليست منعدمة بشكل كامل. وهي تقدر بالتالي على أن تفعل وتمارس وظيفتها بناء على قوانين السببيّة.

2-2- اللافصل في الميكانيكا الكميّة

ثمّة مفهوم يشبه بشكل لافت مبدأ الترابط في البوذية وهو مفهوم اللافصل في الميكانيكا الكمية والذي يرتكز على الفكرة التجريبيّة الشهيرة التي اقترحها أينشتاين، وبودولسكي وروزن (أب ر) سنة 1935؛ بعبارات بسيطة تتمّ التجربة كما يلي، تصوّروا جزيئا يتحلل تلقائيا إلى فوتونين أ و ب. يقتضي قانون التماثل أنّ يتحرك الفوتونان في وجهات متقابلة فإذا اتجه "أ" شمالا سوف نلتقط "ب" جنوبا. يبدو هذا الأمر عاديا تماما، غير أنّ هذا يعني نسيان الجانب الغريب في الميكانيكا الكمية. تستطيع الجزيئات أيضا أن تظهر كموجات. فقبل أن يمسك بها اللاقط ظهر "أ" كموجة لا كجزيء، لم يكن لهذه الموجة مكان محدّد لذلك كان من الممكن أن يوجد "أ" في أي اتجاه. لم يتحول"أ" إلى جزيء إلا بعد أن تمّ التقاطه و"علم" بذلك أنّه يتّجه شمالا؛ لكن، لو لم "يعرف" "أ" قبل التقاطه أي وجهة اتخذتها، فكيف تكهن "ب" بما كان "أ" يفعله وهيأ سلوكه على هذا الأساس حتى يتمّ التقاطه في نفس الوقت وفي الوجهة المقابلة؟ إنّ هذا مستحيل إلا إذا كان "أ" قادرا على إعلام "ب" فورا بالوجهة التي اتخذها. غير أنّه وكما قال أينشتاين " إنّ الله لا يرسل إشارات تلغرافية" ولا توجد " حركة أشباح على مسافة ما". لذلك فقد استنتج أنّ الميكانيكا الكمية لم توفر وصفا كاملا للواقع وأنّه ينبغي على "أ" أن "يعلم" الوجهة التي كان سيتخذها و"يخبر" "ب" قبل أن ينفصلا. بالنسبة إليه لا بدّ أن تكون هناك "متغيرات خفية" وبالتالي فلا بدّ أنّ الميكانيكا الكمية غير كاملة.

ورغم ذلك فإنّ أينشتاين كان مخطئا. ففي سنة 1964، صمّم جون بال نظرية رياضيّة سمّيت "مبدأ اللاتساوي" والتي يمكن اختبارها تجريبيّا لو كان للجزيئات فعلا تغيّرات خفيّة. وفي سنة 1982، أجرى آلف أسبكت سلسلة من التجارب على أزواج من الفوتونات فوجد أنّ مبدأ اللاتساوي عند بال قد تمّ دائما خرقه. لقد كانت الميكانيكا الكميّة على حقّ أمّا أينشتاين فكان على خطأ. في تجربة آسبكت، كان الفوتونان "أ" و "ب" على بعد 12 مترا من بعضهما، غير أنّ "ب" كان دائما " يعرف" وبشكل فوري ما كان "أ" بصدد فعله، وكان يردّ الفعل على هذا الأساس. وفي آخر تجربة أنجزت من قبل نيكولاس جيزين، تمّ فصل الفوتونين على مسافة 10 كيلومترات، غير أنّ سلوكهما كان مترابطا تماما. سوف يكون هذا غريبا إلا إذا فكّرنا مثل أينشتاين أنّ الواقع يمكن قطعه وحصره داخل كلّ فوتون.

تنتهي المشكلة فقط إذا أقررنا بأنّه في اللحظة التي يتفاعل فيها "أ" و"ب" مع بعضهما فإنّهما يغدوان جزءا من حقيقة غير قابلة للفصل (يصف الفيزيائيون ذلك بأنّهما منشبكان) مهما تباعدت بينهما المسافة، وحتّى لو كانا على طرفي نقيض من الكون. إنّ "أ" ليس بحاجة إلى إرسال علامة ما لـ"ب" لأنّهما يتقاسمان نفس الحقيقة. وهكذا تلغي الميكانيكا الكميّة كلّ فكرة المحليّة وتوفّر نظرة شمولية للفضاء. إنّ مفاهيم من قبيل "هنا" و"هناك" تصبح بلا معنى لأنّ "هنا" مماثلة لـ"هناك". إنّ ذلك هو الذي يسمّيه الفيزيائيون باللاتمفصل. إذن تبدو الظواهر " مترابطة" في مستوى ما دون الذرّة بعبارة بوذيّة.

2-3- نواس فوكو والترابط في الكون

ثمّة تجربة فيزيائيّة ممتعة وشهيرة تظهر أنّ التّرابط لا ينحصر في عالم الجزيئات بل ينطبق أيضا على الكون كلّه. تلك هي تجربة النواس التي أجراها ليون فوكون سنة 1851 لإثبات دوران الأرض. إنّنا اليوم على إلمام جيّد بسلوك النواس، فبمرور الزّمن تتغيّر الوجهة التي يتأرجح فيها. وإذا ما وضع على القطب الشمالي أو الجنوبي فإنّه سيقوم بدورة كاملة خلال أربع وعشرين ساعة. وفعلا استنتج فوكو أنّ النواس كان دائما يتأرجح في اتجاه واحد وأنّ الأرض هي التي تدور. على أنّ لغزا ظلّ قائما ولم يفهم بوضوح إلى يومنا هذا. لنفترض أنّ النواس قد شدّ إلى بناية وهي بدورها مشدودة إلى الأرض. تحملنا الأرض بسرعة 30كم/ث حول الشمس، وهي بدورها تحلّق في الفضاء بسرعة 230كم/ث في مدارها حول مركز المجرّة Milky way يتّجه نظامنا الشمسي نزولا إلى نظام أندروميدا بسرعة 90كم/ث.

تتحرّك المجموعة المحليّة للـمجرّات والتي تشكّل قالاكسي وأندروميدا أكثر أعضائها ثقلا بسرعة 600كم/ث . تحت تأثير جاذبيّة الدوران لمجموعة فيرجو ومجموعة هيدرا- سنتورس الضخمة. تتّجه هذه المجرّة نزولا إلى الجاذب الكبيرGreat Attractor والذي تساوي كتلته ما يعادل عشرات آلاف المجرّات. إنّ كلّ هذه الكتل والحركات محليّة. غير أنّ نواس فوكو لا يعبأ على ما يبدو بكلّ هذا بل ينتظم مع بقيّة الكون، مع أكثر مجموعات المجرّات التي نعرفها بعدا. لذلك فإنّ ما يحدث هنا على الأرض يتحدّد بفعل الكون الشاسع كلّه. إنّ ما يحدث على كوكبنا البالغ الصّغر مرتهن بكلّ البنى الموجودة في الكون. لماذا يتصرّف النواس على ذلك الوجه؟ لا ندري. اعتقد أرنست ماش أنّ ذلك الأمر قد يفسّر بنوع من الحضور الكلّي للمّادة وتأثيرها. حسب رأيه فإنّ العلاقة التبادليّة بين مستوى التأرجح لنواس فوكو ومجموعات المجرّات النّائية تنبع من أنّ العالم النّائي هو المسؤول عن عطالة النواس. وبالتالي عن حركته، عبر حركة تفاعليّة ملغزة لم يحدّدها. مرّة أخرى فإننا مدفوعون إلى خلاصة تشبه كثيرا مفهوم البوذية عن الترابط، أنّ كلّ جزء رهين بكلّ الأجزاء الأخرى.

3- الفراغ: غياب الحقيقة الذاتيّة

يقودنا مفهوم الترابط مباشرة إلى فكرة الفراغ أو الخلاء لدى البوذيّة، والتي لا تعني العدم (كما يعتقد أحيانا باطلا من قبل الغربيين) بل غياب الوجود الذاتي. ولأنّ كلّ شيء مرتبط بكلّ شيء، فلا شيء يتحدّد بذاته أو يوجد بذاته. إنّ فكرة الخصائص الذاتيّة التي توجد بذاتها لابدّ أن نلقي بها جانبا. مرّة أخرى، تملك الفيزياء الكميّة شيء بالغ الشبه لتقوله. حسب بور وهايزنبرغ لم يعد ممكنا الحديث عن الذرّات والالكترونات كوحـدات حقيقيّة بمواصفات جدّ محدّدة مثل السّرعة والموقع. ينبغي أن ننظر إليها كجزء من عالم يشكل من الاحتمالات لا من الأشياء أو الوقائع. إنّ طبيعة المادة والضوء نفسها أضحت خاضعة لعلاقات الترابط. إنّها لم تعد مستقلة بذاتها بل قد تتغيّر بسبب تفاعل بين الملاحظ والشيء الذي هو موضوع الملاحظة. لم يعد للمادّة والضوء وجود ذاتي لأنّهما تملكان طبيعة مزدوجة: فهما تظهران إمّا كموجات أو جزيئات حسب أداة القيس. إنّ معطيات الجزيء والضوء غير قابلة للفصل بل تكمّل بعضها بعضا. إنّ هذا هو الذي اصطلح عليه بور بـ" مبدأ التكامل". إنّ الظاهرة التي نسمّيها"جزيء" تصبح موجة حين لا نكون بصدد مشاهدتها. غير أنّه ما إن تتمّ عملية القيس، حتى تبدأ بالظهور كجزيء مجدّدا.

أن نتحدّث عن الحقيقة الذاتيّة لجزيء، أو عن حقيقته حين يكون غير مرئي أمر عديم المعنى لأنّنا لا نستطيع أبدا إدراك مغزاها. ليس مفهوم الذرّة " سوى صورة ملائمة تساعد الفيزيائيين على تركيب الملاحظات المتعدّدة عن عالم الجزيء ضمن نسق متجانس ومعقول. لقد تحدّث بور عن استحالة الذهاب أبعد من نتائج التجارب والقياسات: أثناء وصفنا للطبيعة ليست الغاية هي الكشف عن الأصل الحقيقي للظواهر، بل رصد العلاقات، في حدود الإمكان، بين الجوانب المتعدّدة لتجربتنا".

لا توجد إلاّ العلاقات بين الأشياء أمّا الأشياء بذاتها فلا. لقد عدّلت الميكانيكا الكميّة بشكل جذري مفهومنا للشيء، بجعله خاضعا للقيس أو بعبارة أخرى بجعله حدثا. فوق هذا وضعت الضبابيّة الكميّة Quantum Fuzziness حدّا صارما لمدى الدقّة التي نقيس بها الأشياء. ثمّة دائما درجة من عدم اليقين حول موقع الجزيء أو سرعته. لقد فقدت المادة جوهرها.

4- اللاثبات لبّ الواقع

في البوذية، يتّصل مفهوم الترابط بشكل وثيق بعدم ثبات الظواهر. تميّز البوذيّة بين نمطين من عدم الثبات. ثمّة أوّلا عدم الثبات بمعناه الجليّ. تغيّر الفصول، انجراف الجبال، الانتقال من الشباب إلى الشيخوخة، مشاعرنا المتبدّلة. ثمّ هناك التحوّل الخفيّ: ففي كلّ لحظة متناهية الصّغر، يتغيّر كلّ شيء موجود ظاهريّا. لا يتشكّل الكون من وحدات صلبة ومميّزة غير أنّه يشبه سيلا واسعا من الأحداث والتيارات الدينامية التي ترتبط كلّها ببعضها وتتفاعل بشكل دائم. إنّ هذا المفهوم عن التحوّل الأبدي والشامل يتناغم مع علم الكونيات العصري. لقد ولّى زمن السماوات الثابتة عند أرسطو وكون نيوتن الجامد. كلّ شيء يتحرّك، يتغيّر ولا يثبت على حال، من أصغر ذرّة إلى الكون كلّه بما في ذلك المجرّات والنّجوم والإنسانيّة. إنّ الكون يتمدّد بفعل الدفعة الأولى التي تلقاها من انفجاره الأصلي. يمكن وصف هذه الطبيعة الديناميّة من خلال معادلات النّسبيّة العامّة. مع نظريّة الانفجار الكبيرBig Bang أضحى للكون تاريخ. إنّ له بداية وماض وحاضر ومستقبل. سوف يموت في حريق جهنّمي أو في تجمّد ثلجي.

إنّ كلّ بنى الكون، الكواكب والنّجوم والمجرّات ومجموعات المجرّات هي في حركة أبديّة وتسهم في مشهد تعبيري كوني ضخم: إنّها تدور حول محاورها ومداراتها، تنحدر نحو بعضها بعضا أو تتناءى عن بعضها بعضا، إنّ لها أيضا تاريخ. إنّها تولد وتبلغ سنّ الرّشد ثمّ تموت. للنّجوم دورات حياة تغطي ملايين أو بلايين السنين. يتحكّم التحوّل أيضا في عالم المادّة أو ما دونها. تستطيع الجزيئات أن تغيّر طبيعتها:الكوارك يمكن أن يغيّر عائلته أو "مذاقه". البروتون يمكن أن يتحوّل إلى نيوترون يرسل شحينات موجبة أو سالبة. إنّ المادّة أو نقيضها تبيدان بعضهما لتتحوّلا إلى طاقة صرفة. أمّا الطاقة الكامنة في حركة الجزيء فيمكن تحويلها إلى جزيء آخر أو العكس بالعكس. بعبارة أخرى، يمكن لصفات الشيء أن تتحوّل إلى شيء. بسبب الكمّ غير المؤكّد للطاقة، يمتلئ الفضاء المحيط بنا بعدد لا يمكن تخيله من الجزيئات " الافتراضية"، ذات وجود طيفي سريع الزوال. بظهورها الدائم و اختفائها ومن خلال حلقات حياتها اللامتناهية في القصر تشكل هذه الجزيئات صورة مثالية لعدم الثبات.

5- هل ثمّة مبدأ إنسيّ؟

رغم عوامل الالتقاء الملفتة التي أوجزناها سابقا، ثمّة مجال قد يدخل البوذية في نزاع مع علم الكونيات الحديث. إنّ هذا يعني أنّ الكون كانت له بداية وصمّم إلى أعلى درجة تسمح بظهور الحياة والوعي.

5-1- شبح كوبرنيكوس

منذ القرن السادس عشر، تقلّصت منزلة الإنسان في الكون إلى حدّ بعيد. ففي سنة 1543، قوّض نيكولاس كوبرنيكوس الأرض من أساسها كمركز للكون وارتدّ بها إلى مجرّد كوكب يدور حول الشمس. ومنذ ذلك الوقت، ما انفكّ شبح كوبرنيكوس يخيّم علينا. فلو لم تكن الأرض مركز الكون- هكذا اعتقد أجدادنا- لكانت الشمس كذلك. لقد تمّ الكشف بعدئذ أنّ الأرض ليست سوى نجم طرفيّ ضمن مئات مليارات النّجوم التي تشكّل نظامنا الشمسي. إنّنا نعرف الآن أنّ الميلكي واي MilkyWay هي واحدة فقط من بضعة مئات مليارات المجرّات في الكون المنظور، بشعاع يصل حوالي خمسة عشر مليار سنة ضوئيّة. ليست الإنسانيّة سوى حبّة رمل في شاطئ الكون الشاسع. لقد دفع انكماش موقعنا في العالم بالفيلسوف الفرنسي بلاز باسكال إلى إطلاق صيحة يأس في القرن التاسع عشر" إنّ الصّمت الأبدي للفضاء اللامحدود يرعبني".

لقد وجدت هذه اللوعة صدى لها بعد ثلاثة قرون عند عالم البيولوجيا الفرنسي جاك مونو في كتابه :" الصدفة والضرورة" Chance and Necessity (Knopf New York 1971) " أخيرا يعرف الإنسان أنّه وحيد في الكون الشاسع الذي لا يرحم والذي خرج منه إلى الوجود بمحض الصدفة". كما وجدت صدى عند عالم الفيزياء ستيفن وانبرغ الذي لاحظ "بقدر ما يبدو الكون عصيّا على الفهم، بقدر ما يبدو أيضا فاقدا للمعنى" (In the First three minutes, Basic Books, New York 1977)

5-2- المبدأ الإنسي

إنّي لا أعتقد أنّ الحياة البشريّة والوعي انبثقا بمحض الصدفة في عالم عديم الشفقة، ففي ما أرى، إذا كان الكون بهذا الاتساع فلأنّه تطوّر بهذا الوجه لكي يسمح لنا أن نكون هنا. لقد اكتشف علم الكونيات أنّ الشروط التي تسمح للذكاء بالظهور تبدو مشفّرة ضمن مواصفات كلّ ذرة ونجم ومجرّة في كوننا وفي كلّ القوانين الماديّة التي تحكمه. يبدو أنّ الكون قد رتّب بشكل جيّد لينتج ملاحظا ذكيّا يستطيع تقدير النظام والانسجام في صلبه. هذه المقولة هي أساس " المبدأ الإنسي" المشتق من اللاتنية "أنثروبوس" وتعني " إنسان". لنقم ملاحظتين: أولا، إنّ عبارة "إنسي" غير ملائمة في الحقيقة، لأنّها تعني أنّ الإنسانيّة تخصيصا كانت غاية تطوّر الكون. بالتأكيد، تنطبق القرائن الإنسيّة على أيّ شكل من الذكاء في الكون. ثانيا، إنّ التعريف الذي أعطيته آنفا لا يهمّ إلاّ النسخة " القويّة" من المبدأ الإنسي.

ثمّة أيضا نسخة "ضعيفة" لا تشترط النيّة المسبّقة في تصميم الطبيعة. إنّ هذا يكاد ينحدر إلى لغو إذ أنّ مواصفات الكون لا بدّ أن تتطابق مع الوجود البشري وأنا لن أذهب بعيدا في مناقشتها. ما هو الأساس العلمي للمبدأ الإنسي؟

إنّ الطريقة التي تطوّر بها كوننا اعتمدت على نمطين من المعلومة:

1- شروطه الأصلية؛ مثل مجمل الكتلة ومحتوى الطاقة الكامنة فيه، نسبة التمدّد الأصليّة لديه.

2- حوالي 15 ثابتا فيزيائيّا: ثابت الجاذبية، ثابت بلانكPlanck، كتل الجزيئات الأوّليّة، سرعة الضوء إلخ... إنّنا نستطيع قيس قيمة هذه الثوابت بدقّة متناهية، لكنّنا لا نملك نظرية للتكهّن بها. ببناء" نماذج كونية" ذات شروط أصليّة مختلفة ومتحوّلة وذات ثوابت فيزيائيّة اكتشف علماء الفلك أنّ هذه الأمور تحتاج إلى درجة قصوى من التصميم الجيّد: فلو كانت الثوابت الفيزيائيّة والشروط الأصليّة على درجة صغيرة من الاختلاف فقط، ما كنّا وجدنا هنا لنتحدّث عنها.

لنتأمّل، مثلا الكثافة الأصليّة للمادّة في الكون، تملك المادّة قوّة جذب مضادّة لقوّة التمدّد من البيق بانغ Big Bang تبطئ نسبه تمدّد الكون. فلو كانت الكثافة الأصليّة مرتفعة أكثر من اللزوم، لتداعى الكون على ذاته بعد فترة قصيرة نسبيّا، مليون سنة، قرن أو حتّى سنة بناء على الحجم الحقيقي للكثافة. كانت هذه المدّة الزمنيّة ستغدو قصيرة جدّا لتقدر النّجوم على إنجاز كيميائها النووي وإنتاج عناصر ثقيلة وأساسيّة للحياة مثل الكربون.

من ناحية أخرى، لو كانت الكثافة الأصليّة للمادّة منخفضة أكثر من اللزوم، ما كانت لتكون هناك جاذبيّة كافية تسمح بتكوّن النّجوم. وهكذا لا نجوم، لا عناصر ثقيلة وبالتالي لا حياة!! كلّ شيء رهين بتوازن بالغ الدقّة. كان لا بدّ من ضبط الكثافة الأصليّة عند نسبة دقيقة هي 10$-60$ . إنّ هذه الدقّة المذهلة تشبه مهارة الرّامي الذي يصيب هدفا قطره سنتمترا مربع على بعد 15 مليار سنة ضوئيّة، في حافة الكون المنظور! إنّ دقّة التصميم الجيّد تتنوّع حسب خصوصيّة الثابت أو الشرط الأصلي. ولكن في كلتا الحالتين، فإنّ أدنى تغيير يجعل الكون قاحلا، خاليا من الحياة والوعي.

5-3- صدفة أم ضرورة

كيف نفسّر هذا التصميم الجيّد الخارق للعادة؟ يبدو لي أنّنا نواجه خيارين مختلفين: كان هذا التصميم نتيجة الصدفة أو الضرورة (إذا اقتبسنا عنوان كتاب مونو). إذا اخترنا الصّدفة، يجب إذن أن نفترض وجود عدد لانهائي لعوالم أخرى متوازية بالإضافة إلى عالمنا ( هذه العوالم المتعدّدة تشكّل ما يسمّى أحيانا تعدّد العوالم). سيكون لكلّ من هذه العوالم مزيجه الخاصّ من الثوابت الماديّة والشروط الأصليّة. غير أنّ لمنا هو الوحيد الذي ولد بذلك المزيج الذي مكّنه من التطوّر وخلق شروط الحياة. كلّ الآخرين خاسرون وليس من رابح سوى عالمنا. إذا لعبت اليانصيب لعدد غير محدود من المرّات فلا مفرّ من أنك ستربح في النهاية الجائزة الكبرى.

من ناحية أخرى، إذا رفضنا فرضية العوالم المتوازية وتبنينا فرضية كون واحد هو كوننا، فيتوجّب أن نفترض وجود مبدأ للخلق كيّف تطوّر الكون بشكل جيّد. كيف نقرّر؟ إنّ العلم لا يقدر على مساعدتنا كي نختار بين هذين الخيارين. وبالفعل ثمّة بعض السيناريوهات العلميّة المختلفة تسمح بوجود عوالم متوازية. على سبيل المثال، افترض هيو أفيريت، لتجاوز التوصيف الاحتمالي للعالم في الميكانيكا الكميّة، افترض أنّ الكون انشطر إلى نسخ مطابقة لذاته تساوي ما يكفي من الإمكانات والخيارات التي يمكن تصوّرها. قد تختلف بعض العوالم فقط بسبب موقع إلكترون واحد داخل ذرّة واحدة، أمّا العوالم الأخرى فقد تكون مختلفة اختلافا جذريّا ولن تكون ثوابتها الفيزيائيّة وشروطها الأصليّة وقوانينها الفيزيائيّة متماثلة.

إنّ السيناريو الآخر هو كون يتحرّك وفق نظام دوري ويحدث سلسلة لا متناهية من الانفجارات الضخمة والأصوات المدويّة Big Bangs and Big Crunches. فكلّما ولد الكون من رماده ليبدأ مجدّدا بانفجار ضخم يباشر من جديد المزج بين الثوابت الماديّة والشروط الأصليّة. الاحتمال الثالث هو النظريّة التي اقترحها أندري لندي والتي تقول أنّ كلاّ من التردّدات اللانهائيّة للزبد الكمّي الأساسي قد خلق كونا. عندئذ يصبح كوننا مجرّد فقاعة صغيرة جدّا في عالم ضخم يتكوّن من عدد لا محدود من الفقاقيع. لن يكون لأيّ من تلك العوالم حياة عاقلة، لأنّ ثوابتها الفيزيائيّة وقوانينها لن تكون ملائمة. مهما تكن هذه المفاهيم مثيرة للاهتمام، فإنّني لا أساند فكرة العوالم المتعدّدة. فأن تكون هذه العوالم غير مرئيّة وبالتالي غير قابلة للإثبات فإنّ هذا يناقض نظرتي للعلم.

يصبح العلم ميتافيزيقيّا حتّى لا يعود قابلا لامتحان البرهنة التجريبيّة. علاوة على هذا، تأمرنا شفرة أوكام بقطع كلّ الفرضيات غير الضروريّة: ما الجدوى من خلق سلسلة لا نهائية من العوالم المقفرة لمجرّد خلق عالم واحد واع بوجوده الذاتي؟ أثناء عملي كعالم فلك، يسعفني الحظّ أحيانا بالترحال إلى المراصد لتأمّل الكون ينتابني دائما شعور بالرهبة أمام نظام الكون وجماله وانسجامه ووحدته. يشق عليّ التفكير بأنّ كل ذلك البهاء إنّما هو نتاج لمجرّد صدفة.

إذا رفضنا فكرة العوامل المتعدّدة وافترضنا وجود عالم واحد هو عالمنا عندها يبدو لي أنه يتوجّب أن نراهن تماما مثل باسكال على وجود مبدأ خالق مسؤول عن التصميم الجيّد للكون. بالنسبة لي، هذا المبدأ ليس إله مشخصنا. إنّه على الأرجح مبدأ إحلالي شامل الحضور في الطبيعة غير مختلف عن ذلك الإله الذي وضعه أينشتاين وسبينوزا. يصف أينشتاين الأمر كما يلي:" إنّ العالم مسكون بمعنى السببيّة الكونيّة يأخذ شعوره الديني شكل انبهار مذهل إزاء الانسجام في قانون الطبيعة، الذي يكشف درجة من التفوق الذهني تغدو معها كلّ أواليات التفكير وأفعال الكائنات البشرية انعكاسا غير ذي معنى تماما"In the Quotable Einstein, 1996, ed, Alice Calaprice, Princeton : Princeton University Press, P151) وأضاف قائلا:" إنّي أؤمن بإله سبينوزا الذي ينكشف من خلال مصير الكائنات البشريّة وأعمالها" In the Quotable Einstein, 1996, ed, Alice Calaprice, Princeton : Princeton University Press, P147)

5-4- البوذية تنفي وجود مبدأ للخلق

إنّ الرّهان الباسكالي التي فرغت للتوّ من إيجازه يناقض المقاربة البوذيّة، التي تنكر وجود مبدأ للخلق (أو إله ساعاتيّ). إنّها تعتبر أنّ الكون لا يحتاج إلى تصميم لكي يوجد الوعي. بالنسبة لها، أي البوذية لقد وجدا معا في نفس الوقت، لذلك فهما لا يقدران على نفي بعضهما، إنّ تلاؤمهما وترابطهما المشترك هو الشرط الأوّلي لتواجدهما.

لست مرتاحا تماما لهذا التفسير. ففيما اعترف أنّ هذا الأمر قد يفسّر الصّميم الجيّد للكون فإنّه يبدو أقلّ جلاء بكثير أن تقدر البوذيّة على الإجابة عن أسئلة وجودية من النوع الذي طرحه لبنتز عن الكون :" لماذا هناك شيء ما عوضا عن لا شيء؟" و أودّ أن أضيف "لماذا وجدت قوانين الطبيعة على ما هي عليه لا على هيئة مختلفة؟" مثلا سيكون أمرا هيّنا تماما أن نتخيّل أنفسنا ونحن نعيش في عالم محكوم بقوانين نيوتن. غير أنّه ليست هذه هي الحالة- إذ أنّ قوانين الميكانيكا الكميّة والنسبيّة هي التي تحدّد الكون الذي نعرفه. تثير البوذية أيضا أسئلة أخرى. إذا لم نكن هناك فما كان الكون ليخلق. إذن ليس هناك من بداية أو نهاية. الشكل الوحيد لعالم يتطابق مع هذه الفكرة هو عالم دوري الحركة، تميّزه سلسلة لانهائية من الانفجـارات الضخمة Big Bangs والأصـوات المدويّة Big Crucnches.

غير أنّ سيناريو عالم يتهاوى ذات يوم على نفسه في صيحة مدويّة أمر بعيد عن الإثبات العلمي. إنّ كـلّ هذا مرتبط بحجم المادّة القاتمة في الكون وهذه مسألة غير معلومة إلى حدّ الآن. حسب آخر الملاحظات الفلكيّة، يبدو أنّ العالم لا يتوفّر على ما يكفي من المادّة القائمة لوقف تمدّده أو قلب مساره. إنّها على ما يبدو تشير إلى كون مسطّح سوف يتمدّد أزليّا ولن يتوقّف عن ذلك إلا بعد زمن لا نهائي. إذن يبدو أنّ وضعنا المعرفي الراهن يلغي فكرة الكون الدوري الحركة. أمّا عن تيّارات الوعي التي تزامن وجودها مع الكون منذ الذرات الأولى من الثانية التي تلت الانفجار الكبير Big Bang فإنّ العلم لا يزال بمنأى عن القدرة على تفحّص هذه المسألة. يعتقد بعض علماء البيولوجيا المختصّين بالجهاز العصبي أنّه لا حاجة لوعي مسترسل ومتزامن مع وجود المادّة وأنّ الأوّل يمكن أن ينبثق عن الثاني، هذا إذا تمّ تخطّي عتبة بعض التعقيدات.

6- العلم والروحانية: نافذتان على الواقع

لقد حاولت أن أبيّن أنّ هناك عوامل التقاء ملفتة بين وجهات نظر العلم الحديـث والبوذية. إنّ مفهوم الترابط الذي هو في صلب البوذية يجد صداه في كونيّة الواقع التي تدلّ عليها تجربة ( إ ب ر)على الصعيدين الذري وما دون الذري، وفي نواس فوكو ومبدأ ماخ على الصعيد الكوني. إنّ مفهوم البوذيّة "للفراغ" وغياب الوجود الذاتي، يجد مقابله العلمي في ثنائية طبيعة الضوء والمادة في الميكانيكا الكميّة. فلأنّ الفوتون هو موجة أو جزيء تبعا لطريقة مشاهدتنا له، فلا يمكن القول أنّه موجود كوحدة ذات وجود مستقل بذاته.

يجد مفهوم التحوّل صداه في مفهوم التطور في علم الكونيات. لا شيء جامد، كلّ شيء يتحوّل، يتحرّك ويتطوّر، من أدنى ذرّة إلى أكبر البنى في الكون. لقد توفّر الكون نفسه على تاريخ. لقد أشرت أيضا إلى مجال ممكن للاختلاف: ترفض البوذيّة فكرة بداية للكون ومبدأ خالق صمّم جيّدا مواصفات هذا الكون لكي تنبثق الحياة والوعي. إنّ عناصر الالتقاء التي ذكرتها آنفا ليست مفاجئة، إذ أنّ كلا من العلم والبوذيّة يستعمل مقاييس الدقة والأصالة للوصول إلى الحقيقة.

ولأنّ كلا منهما يهدف إلى تشخيص الواقع، فينبغي أن يلتقيا على أرضية مشتركة والا يلغيا بعضهما بعضا. ففي حين يمثل التجريب والتنظير المبني على التحليل الطرق الأساسيّة للاكتشاف في العلم، يعدّ التأمّل الأداة الأساسيّة في البوذيّة. كلاهما نوافذ تمكّننا من الإطلال على الواقع وكلاهما يصلح في مجال اختصاصه ويكملان بعضهما. فالعلم يكشف لنا المعرفة " التقليدية" إنّ غايته هي فهم عالم الظواهر ويمكـن لتطبيقاته التقنيّة أن تكون ذات أثر ايجابي أو سلبي على وجودنا المادي. غير أنّ التأمّل يهـدف إلى تطويـر ذواتنا الداخلية حتى نطوّر وجود كلّ إنسان. يستعمل العلماء أدوات أقوى من أيّ وقت مضى لإمعان النظر في الطبيعة. في المقاربة التأمّليّة، الوسيلة الوحيدة هي العقل. يلاحظ المتأمّل كيف تترابط أفكاره وكيف تقيّده هو. إنّه يفحص آليات الفرح والمعاناة ويحاول الكشف عن المسارات الذهنيّة التي تزيد من إحساسه بالسلم الباطني وتجعله أكثر انفتاحا على الآخرين لكي يطوّرهم.

كما أنّه يفحص المسارات التي لها أثر مدمّر لإلغائها. إنّ العلم يوفّر المعرفة لكنّه لا يجلب النموّ الذهني والتحوّل على النقيض من ذلك، يجب أن تؤدّي المقاربة الرّوحيّة أو التأمّليّة إلى تحوّل شخصي عميق في الطريقة التي ندرك بها العالم ونفعل فيه. فالبوذي بإدراكه أنّ الأشياء لا تملك حقيقة ذاتيّه، ينقص من تشبثه بها. وهذا بدوره ينقص من معاناته. بنفس الإدراك، يرتضي العالم أن يعدّ هذا الأمر تقدّما فكريّا يمكن استعماله في تقدّم علمه، دون أن يغيّر جوهريّا نظرته الأساسيّة للعالم والطريقة التي يعيش بها.

حين نواجه مسائل أخلاقية أو قيميّة كما في علم الوراثة، حيث أضحت ضاغطة أكثر من أيّ وقت مضى، يحتاج العلم إلى مساعدة الروحانيات كي لا ننسى إنسانيتنا. فكما عبّر أينشتاين عن ذلك بشكل جيّد " إنّ ديانة المستقبل ستكون ديانة كونيّة. سيكون عليها أن تتجاوز إله مجسّدا وأن تجتنب القوالب المنمّطة واللاهوت. بشمولها لكلّ من البعدين الطبيعي والروحي، سوف يتوجّب عليها أن ترتكز على المعنى الديني المستمدّ من تجربة كلّ شيء، طبيعيّا كان أم روحيّا، والذي يعتبر وحدة ذات معنى.



التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
captive bird غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-06-2010, 10:12 PM   #2
-||[عضو قادم بقوة ]||-
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 6
معدل تقييم المستوى: 0
الفلكي10 is on a distinguished road
افتراضي


يسلمووووووو
وجزاك الله الف خير على الموضوع


الفلكي10 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نظرية الانفجار العظيم /بواسطة /الطالبة فاتن حمزة البيرماني مصطفى جواد العم منتدى العلوم الكونيه والثقافات العامه 3 12-29-2018 05:52 PM
روايه ((لعنة جورجيت)) $$حبيب حبيبته$$ قسم الروايات المكتملة 42 03-27-2017 04:00 PM
المسلسلات السورية الرمضانية في رمضان 2008 احلى دنيا منتدي المسلسلات العالمية والعربية والبرامج التلفزيونية 1 06-20-2009 03:10 AM
العلم ووالدين LAMAAR المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 1 09-10-2008 09:36 AM


الساعة الآن 11:11 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.