قديم 06-27-2013, 10:11 PM   #1
-||[عضو VIP]||-
 
الصورة الرمزية ابحث عن ذاتي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2013
العمر: 31
المشاركات: 5,985
مقالات المدونة: 10
معدل تقييم المستوى: 14
ابحث عن ذاتي is on a distinguished road
منقول من يعقوب بن اسحاق الكندي الى ارسطو وافلاطون


سددك الله بدرك الحق ، وأعانك على نيل مستوعراته .

انه سالت ، أسعدك الله بطاعته ، أن اختصر لك قولا في النفس ، وآتي على الغاية التي إليها جرى الفلاسفة في ذلك ، مع اختصار لكتاب أرسطو في النفس .

ولست آلو جهداً في استعمال البلوغ إلى محابّك ، و المبادرة إلى ما سألت ، بتلخيص كافٍ ، و فحصٍ شافٍ ، إن شاء الله تعالى ، وبه القوة ، فأقول :

إن النفس بسيطة ، ذات شرف وكمال ، عظيمة الشأن ، جوهرها من جوهر البارئ ، عز وجلّ ، كقياس ضياء الشمس من الشمس .

وقد بُيِّن أن هذه النفس منفردة عن هذا الجسم ، مباينة له ، وان جوهرها جوهر إلهي روحاني ، بما يُرى من شرف طباعها ، ومضادّاتها لما يعرض للبدن من الشهوات والغضب .

وذلك أن القوة الغضبية قد تتحرك على الإنسان في بعض الأوقات ، فتحمله على ارتكاب الأمر العظيم ، فتضادّها هذه النفس ، وتمنع الغضب من أن يفعل فعله ، أو أن يرتكب الغيظُ وتِرتَه ، وتضبطه كما يضبط الفارسُ الفرس ، إذا همَّ أن يجمح به ، أو يمدُّه . وهذا دليل بيِّن على أن القوة ، التي يغضب بها الإنسان ، غير هذه النفس التي تمنع الغضب أن يجري إلى ما يهواه ، لأن المانعَ ، لا محالة ،غيرُ الممنوع ، لأنه لا يكون شيء واحد يُضادّ نفسه .

فأما القوة الشهوانية فقد تتوق ، في بعض الأوقات ، إلى بعض الشهوات ، فتفكّر النفس العقلية في ذلك أنه خطأ ، وانه يؤدي إلى حال ردّية ، فتمنعها عن ذلك و تضادّها . وهذا أيضاً دليل على أن كل واحدة منهما غير الأخرى .

وهذه النفس التي ، هي من نور الباري ، عزّ وجل ، إذا هي فارقت البدن ، علمت كلَّ ما في العالم ، ولم يخف عنها خافية .

والدليل على ذلك قول أفلاطون ، حيث يقول ان كثيراً من الفلاسفة الطاهرين القدماء ، لمَّا تجردوا من الدنيا ، وتهاونوا بالأشياء المحسوسة ، وتفرَّدوا بالنظر والبحث عن حقائق الأشياء ، انكشف لهم علم الغيب ، و علموا بما يخفيه الناس في نفوسهم ، واطَّلعوا على سرائر الخلق . فإذا كان هذا هكذا ، والنفس بعد مرتبطة بهذا البدن ، في هذا العالم المظلم الذي لولا نور الشمس لكان في غاية الظلمة ، فكيف إذا تجرَّدت هذه النفس ، وفارقت البدن ، وصارت في عالم الحق ، الذي فيه نور الباري سبحانه ؟

ولقد صدق أفلاطون في هذا القياس ، وأصاب به البرهان الصحيح .

ثم أن أفلاطون أتبع هذا القول بأن قال
: فأما من كان غرضه ، في هذا العالم ، التلذذ بالمآكل و المشارب المستحيلة إلى الجِيَف ، وكان أيضا غرضه في لذة الجماع ، فلا سبيل لنفسه العقلية إلى معرفة هذه الأشياء الشريفة ، ولا يمكنها الوصول إلى التشبه بالباري سبحانه .

ثم أن أفلاطون قاس القوة الشهوانية التي للإنسان بالخنزير ، والقوة الغضبية بالكلب ، والقوة العقلية التي ذكرنا بالملك ، وقال: من غلبت عليه الشهوانية ، وكانت هي غرضه وأكثر همته ، فقياسه قياس الخنزير ؛ ومن غلبت عليه الغضبية ، فقياسه قياس الكلب ؛ ومن كان الأغلب عليه قوة النفس العقلية ، وكان أكثر أدبه الفكر والتمييز ومعرفة حقائق الأشياء والبحث عن غوامض العلم ، كان إنسانا فاضلا قريب الشبه من الباري سبحانه ، لأن الأشياء التي نجدها للباري ، عزّ وجلَّ ، هي الحكمة والقدرة والعدل والخير والجميل والحق ، وقد يمكن للإنسان أن يدبّر نفسه بهذه الحيلة ، حسب ما في طاقة الإنسان ، فيكون حكيماً ، عادلاً ، جواداً ، خيِّراً ، يؤثر الحق والجميل ...

فإن النفس ، على رأي أفلاطون وجلَّة الفلاسفة ، باقية بعد الموت ، جوهرها كجوهر الباري ، عزَّ وعلا ، في قوَّتها – إذا تجرَّدت – أن تعلم سائر الأشياء كما يعلم الباري بها ، أو دون ذلك برتبة يسيرة ، لأنها أُودعت من نور الباري ، عزَّ وجلَّ .

وإذا تجرَّدت ، وفارقت هذا البدن ، وصارت في عالم العقل فوق الفلك ، صارت في نور الباري ، ورأت الباري عزَّ وجلَّ ، وطابقت نوره وجلَّت في ملكوته ، فانكشف لها حالاً علم كل شيء ، وصارت الأشياء كلها بارزةً لها كمثل ما هي بارزة للباري عزَّ وجلَّ. لأنَّا إذا كنا ، ونحن في هذا العالم الدنس ، قد نرى فيه أشياء كثيرة بضوء الشمس ، فكيف إذا تجرَّدت نفوسنا ، وصارت مطابقة لعالم الديمومة ، وصارت تنظر بنور الباري ؟ فهي لا محالة تنظر بنور الباري كلَّ ظاهر وخفيّ ، وتقف على كلّ سر وعلانية .

وكان افسقورس يقول : (( إن النفس إذا كانت ، وهي مرتبطة بالبدن ، تاركة للشهوات ، متطهِّرة من الأدناس ، كثيرة البحث والنظر في معرفة حقائق الأشياء ، انصقلت صقالة ظاهرة واتحد بها صورةٌ من نور الباري ، يحدث فيها و يكامل نور الباري ، بسبب ذلك الصقال الذي اكتسبه من التطهر . فحينئذ يظهر فيها صور الأشياء كلها ومعرفتها ، كما يظهر صور خيالات سائر الأشياء المحسوسة في المرآة إذا كانت صقلية . فهذا قياس النفس : لأن المرآة إذا كانت صدئة ، لم يتبين صورة شيء فيها بتةً ، فإذا زال منها الصدأ ظهرت و تبيَّنت فيها جميع الصور ؛ كذلك النفس العقلية ، إذا كانت صدئة دنسة ، كانت على غاية الجهل ، ولم يظهر فيها صور المعلومات ، وإذا تطهَّرت و تهذَّبت – وصفاء النفس هو أن النفس تتطهر من الدنس ، وتكتسب العلم – ظهر فيها حالاً صورة معرفة جميع الأشياء ، وعلى حسب جودة صقالتها تكون معرفتها بالأشياء .

فالنفس ، كلما ازدادت صقالاً ، ظهر لها و فيها معرفة الأشياء .

وهذه النفس لا تنام بتة ، لأنها في وقت النوم تترك استعمال الحواس ، وتبقى محصورة ، ليست بمجردة على حدتها ، وتعلم كل ما في العوالم ، وكل ظاهر وخفي . ولو كانت هذه النفس تنام ، لما كان الإنسان – إذا رأى في النوم شيئا – يعلم أنه في النوم ، بل لا يفرِّق بينه و بين ما كان في اليقظة .

وإذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة ، رأت في النوم عجائب من الأحلام ، وخاطبتها الأنفس التي فارقت الأبدان ، وأفاض عليها الباري من نوره ورحمته ، فتلتذُّ حينئذ لذة دائمة ، فوق كل لذة تكون بالمطعم و المشرب والنكاح والسماع والنظر والشم واللمس ، لأن هذه لذَّات حسية دنسة تعقب الأذى ، وتلك لذة إلهية روحانية تعقب الشرف الأعظم . والشقي المغرور الجاهل من رضي لنفسه بلذات الحس ، وكانت هي أكثر أغراضه ، ومنتهى غايته .

وإنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر ، الذي يجوز عليه السيارة ، ليس لنا مقام يطول . وأما مقامنا ومستقرُّنا الذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف ، الذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت ، حيث تقرب من باريها ، وتقرب من نوره ورحمته ، وتراه رؤية عقلية لا حسية ، ويفيض عليها من نوره ورحمته . ))
، فهذا قول افسقورس .

فأما أفلاطون فقال ، في هذا المعنى : (( إن مسكن الأنفس العقلية ، إذا تجرَّدت ، هو كما قال الفلاسفة القدماء ، خلف الفلك ، في عالم الربوبية ، حيث نور الباري .))

(( وليس كل نفس تفارق البدن تصير من ساعتها إلى ذلك المحل ، لأن من الأنفس من يفارق البدن ، وفيها دنس وأشياء خبيثة ، فمنها ما يصير إلى فلك القمر فيقيم هناك مدة من الزمان ، فإذا تهذَّبت ونقيت ارتفعت إلى فلك العطارد فتقيم هناك مدة من الزمان ، فإذا تهذبت ونقيت ارتفعت إلى فلك كوكب فتقيم في كل فلك مدة من الزمان . فإذا صارت إلى الفلك الأعلى ، ونقيت غاية النقاء ، وزالت أدناس الحس و خيالاته وخبثه منها . ارتفعت حالاً إلى عالم العقل ، وجازت الفلك ، وصارت في أجلِّ محلّ و أشرفه ، وصارت حالاً بحيث لا تخفى عليها خافية ، وطابقت نور الباري ، وصارت تعلم كل الأشياء ، قليلها وكثيرها ، كعلم الإنسان باصبعه الواحدة ، أو بظفره ، أو بشعرة من شعره ، وصارت الأشياء كلها مكشوفة بارزة لها ، وفوّض إليها الباري أشياء من سياسة العالم تلتذُّ بفعلها ، والتدبير لها . ))

ولعمري لقد وصف أفلاطون ، وأوجز ، وجمع ، في هذا الاختصار ، معاني كثيرة .

ولا وصلة إلى بلوغ النفس إلى هذا المقام و الرتبة الشريفة ، في هذا العالم ، وفي ذلك العالم ، إلاَّ بالتطهير من الأدناس . فإن الإنسان ، إذا تطهَّر من الأدناس ، صارت نفسه حالاً صقيلة تصلح ، وتقدر أن تعلم الخفيَّات من الغيوب . وقوة هذه النفس قريبة الشبه بقوة الاله ، تعالى شأنه ، إذا هي تجرَّدت عن البدن ، وفارقته ، وصارت في عالمها الذي هو عالم الربوبية .

و العجب من الإنسان كيف يهمل نفسه ، ويبعدها من باريها ، وحالها هذه الحالة الشريفة !

وقد وصف أرسطاطاليس أمر الملك اليوناني الذي تحرَّج بنفسه ، فمكث لا يعيش و لا يموت أياما كثيرة ، كلما أفاق أعلم الناس بفنون من علم الغيب ، وحدَّثهم بما رأى من الأنفس والصور والملائكة ، وأعطاهم في ذلك البراهين . و أخبر جماعة من أهل بيته بعمر واحد واحد منهم ، فلما امتحن كلُّ ما قال ، لم يتجاوز أحد منهم المقدار الذي حدَّه له من العمر . و أخبر أن خسفاً يكون في بلاد الأوس ، بعد سنة ، وسيل يكون في موضع آخر بعد سنتين ، فكان الأمر كما قال .


وذكر أرسطاطاليس أن السبيل في ذلك أن نفسه إنما علمت ذلك العلم لأنها كادت أن تفارق البدن ، وانفصلت عنه بعض الانفصال ، فرأت ذلك . فكيف لو فارقت البدن على الحقيقة ؟ لكانت قد رأت عجائب من أمر الملكوت الأعلى !


فقل للباكين ، ممن طبعه أن يبكي من الأشياء المحزنة ، ينبغي أن يُبكى و يكثر البكاء على من يهمل نفسَه ، و ينهك من ارتكاب الشهوات الحقيرة الخسيسة الدنيَّة المموهة التي تكسبه الشره ، و تميل بطبعه إلى طبع البهائم ، ويدع أن يتشاغل بالنظر في هذا الأمر الشريف ، و التخلّص إليه ، ويطهِّر نفسه حسب طاقته . فإن الطهر الحق هو طهر النفس ، لا طهر البدن ...

ومن فضيلة المتعبد لله ، الذي قد هجر الدنيا ولذاتها الدنِّية ، ان الجهال كلهم – إلاَّ من سخر منهم بنفسه – يعترف بفضله ، ويجلّه ، ويفرح أن يطلع منه على الخطأ .

فيا أيها الإنسان الجاهل ، ألا تعلم أن مقامك في هذا العالم إنما هو كلمحة ، ثم تصير إلى العالم الحقيقي ، فتبقى فيه أبد الابدين ؟! وإنما أنت عابر سبيل في هذا الأمر ، إرادة باريك عزَّ وجلَّ. فقد علّمته جلّة الفلاسفة ، واختصرناه من قولهم ان النفس جوهر بسيط .

فتفهّم ما كتبت به إليك تكن سعيداً ، أسعدك الله تعالى في دنياك وآخرتك .


ابحث عن ذاتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2013, 03:33 PM   #2
-||[عضو نادي الامرآء]||-
 
الصورة الرمزية د/روليان غالي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
الدولة: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان.."Holy land"..من المحـيط الى الخليج
العمر: 35
المشاركات: 17,034
مقالات المدونة: 5
معدل تقييم المستوى: 26
د/روليان غالي will become famous soon enough
افتراضي


شكرا لك اخي الكريم على هذا المقال
ولا اخفيك انه فاجأني ...
تحياتي الك


0 5 نصائح تجميليَّة قد تغيِّر حياتك
0 عادات مزعجة لطفلك .. كيف تتعاملين معها؟؟
0 احاديث آيات قرآنية وآثار مترجمة الى الالمانية
0 أهداف سيلتك 2-1 برشلونة [07/11/2012]
0 برشلونة تكرم الجندي الصهيوني شاليط!
0 فن السرعة في القراءة . قواعد ذهبيه في فن السرعة في القراءة . فنون القراءة السريعه
0 أفضل 10 رياضيين عالميين في عام 2012
0 8 مشكلات للشعر نساعدك فى حلها
0 زيدان المستقبل
0 جدل حول حقيقة صورة حديثة منشورة للرئيس الموريتاني
0 حوار مفتوح مع ضيف الاسبوع: الاستاذ شريف باشا (اشرف لطفي)
0 بالوتيللي يحول سيارته البينتلي لمدرعة عسكرية!
0 أهمّ 25 لغة في العالم
0 الاقسام الرياضية
0 7 أمور افعليها أو تجنبيها بماكياجكِ في أول لقاء مع حبيبكِ
التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»
اضغط هنا لتكبير الصوره
اضغط هنا لتكبير الصوره
د/روليان غالي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2013, 06:26 PM   #4
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية قيثارة العرب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2013
الدولة: الوطن العربي
المشاركات: 189
معدل تقييم المستوى: 8
قيثارة العرب is on a distinguished road
افتراضي


رووووووووووووووعة

مشكوووووووووووور

معلومات جدا" رائعة


قيثارة العرب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
علماء الحديث الطيب. منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 18 10-02-2020 04:29 PM
رواية نَكَهَــآتْ مِنْ عَلقَمْ الْدُنْيِـــآ..!! للكاتبة: دَمعَةْ يتيِمةْ سمية ناصر منتدي الروايات - روايات طويلة 137 04-09-2017 05:51 PM
صفات الرسول ih_sun منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 8 08-03-2013 10:39 PM
آخبآر جديدهـ « من الصحف اليومــيه ..(( متجدده يومياً .. «●】 الكاتب عمر المنتدى السياسي والاخباري 110 07-14-2013 10:52 AM


الساعة الآن 07:02 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.