قديم 02-02-2016, 01:58 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 46,971
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي الإيثار والأثرة


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( الإيثار والأثرة ))
الشيخ عبد الله بن محمد البصري
شرع الإسلام للمجتمع أن يقوم على المحبة والوئام والتعاون والتكافل، فبعد أن كان الناس في الجاهلية أعداء متناحرين يعيشون في شحناء وبغضاء وخصام، أشرقت شمس الحضارة الإسلامية لينعم بدفئها الجميع، وظهرت المحبة التي غرسها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، تلك الصور العظيمة من الإيثار والمحبة والتكافل الاجتماعي التي عجزت الدنيا أن تأتي بمثلها إلا في الإسلام وبالإسلام.

إن الإيثار خلق عظيم، وصف به القرآن رجالاً عظماء أطهار -رضوان الله عليهم-، وجدير بالسالكين أن يقتدوا بهدي السلف الصالح، وأن نقيم مجتمعنا على المحبة والوئام والسلام والإيثار، وأن نخلع من نفوسنا بذور الأثرة والشقاق والخصام، لننعم ببركات السماء والأرض.

لقد بلغ الصحابة -رضوان الله عليهم- في الإيثار والمحبة أعلى المراتب، وتجاوزوا به حد المساواة بالنفس، إلى درجة تفضيل إخوانهم، وتقديمهم على أنفسهم. وقد أثنى الله عليهم بذلك ف‍ي كتابه الكريم، فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الحشر:9].

لقد بلغ الصحابة -رضي الله عنهم- هذه المرتبة العظيمة من المحبّة والإيثار بفضل ما كان يحثّهم عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويرغّبهم فيه من المحبّة والأخوة والإيثار. فعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الأشْعَرِيِّينَ، إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِيْنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءِ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».(صحيح البخاري: 2354).

إن الإيثار هو تقديم الإنسان غيره على نفسه فيما هو في حاجة إليه من أمور الدنيا، وتقابله الأثرة، وهي: استبداد الإنسان بالشيء وتسلطه عليه دون غيره. فالإيثار أعلى درجات المعاملة مع الناس، وأسوأ درجات المعاملة الأثرة. وإن الإيثار يرفع المجتمع إلى قمة الأمن؛ لأن أفراده ارتفعوا عن حظوظهم الدنيوية، وآثر بها كل فرد أخاه، فهو لا يفكر في أخذ حقه كاملاً فضلاً عن التفكير في الأثرة وحب النفس.

وما من شكٍّ أن هجرة الصحابة الكرام من مكَّة إلى المدينة، واستقبال الأنصار لهم من أجمل الأمثلة وأصدقها على المناصرة والتعاون على مدى التاريخ. فالمؤمنون في مكَّة، وعلى الرغم من كثرة الفقراء بينهم، وتهديد كفرة قريش لهم بأنهم إذا أرادوا الهجرة إلى المدينة، فإنه لن يُسمح لهم بأخذ أي شيء ممَّا يملكون من متاع الدنيا، وبالمفهوم العصري (مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة) فقد أصرُّوا على الهجرة من دار الجهل إلى دار العلم والإيمان، حيث النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضوان الله -عزَّ وجل- وطاعته.

وكان استقبال أهل المدينة لهم عجيباً فريداً، فقد فرحوا بمقدمهم وسعدوا به، ولم يكتفوا بتقديم المساعدات والإعانات لهم فحسب، بل اتخذ كلُّ واحد من الأنصار أخاً له من المهاجرين، وقاسمه ماله، وبهذه الصورة سطع وميض الإيمان الفعلي، ليربط القلوب بمحبَّة متينة متماسكة، ظلَّت نموذجاً يُحتذى إلى يومنا هذا.

ولقد أفرز المجتمع الإسلامي نماذج رائعة من التضحية والبذل، وصلت إلى حدِّ الإيثار على النفس وهو شيء نادر الوجود، يحتاج تحقيقه إلى سموٍّ روحي عظيم، فعَنْ أَبِي الْجَهم بْنِ حُذَيفَةَ الْعَدَوِيّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ الْيَرمُوكِ أَطْلُبُ ابْنَ عَمِّي، وَمَعِيَ شَنَّة مِنْ مَاءِ وَإِنَاء فَقُلتُ: إِنْ كَانَ بِهِ رَمَاقٌ سَقَيْتُهُ مِنْ الْمَاءِ وَمَسَحْتُ بِهِ وَجْهَهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ يَنْشِغُ، فَقُلتُ: أَسْقِيَكَ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: آه فَأَشَارَ ابْنُ عَمِّي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرِو بْنُ الْعَاصِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَسْقِيَكَ فَسَمِعَ آخَر يَقُولُ: آه فَأَشَارَ هِشَامٌ أَنْ أَنْطِلِقَ بِهِ إِلَيهِ، فَجِئْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتْ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى هِشَامٍ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتْ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ عَمِّي فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ. (الجهاد لأبن المبارك: 116).

إن الإيثار الذي حصل بين المهاجرين والأنصار وما فيه من تضحيات سيبقى شامة في جبين التاريخ ومرجعًا نقيس به صدق أُخوتنا ومعيارًا دقيقًا للدعوات الصادقة، إنهم جيل اختارهم الله لنصرة دينه، جيل الفتوحات وجيل قصم الله به ظهور القياصرة والأكاسرة والملوك. فأين نحن من منهج الرسول في العبادة؟ ومنهج السلف الصالح، ثم أين نحن من أبجديات الأخوة؟ وهل وصلنا إلى درجة الإيثار والتضحية؟!

إن الإيثار حال الرخاء والسعة شيء محمود ولكن المقياس الحقيقي للإيثار هو الإيثار عند الحاجة ومع الرغبة في الشيء، وصدق القائل: "إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئاً! ولا تتعارض مع رغائب النفس.. بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحقيقها.. أما في الشدة -أو في الطمع- فهنا تُختبَر الأخوة الاختبار الحق، الذي يتميز فيه الإيثار وحب الآخرين.. من الأثرة وحب الذات، التي قد تخفى على صاحبها نفسه في السلام والأمن، فيظن نفسه (أخاً) محققاً لكل مستلزمات الأخوة!" (محمد قطب - واقعنا المعاصر 2/ 30)

إن المجتمع الذي يوجد فيه من يُؤثِر غيره على نفسه كما يوجد فيه من يزهد فيما عند غيره ويقتنع بما يؤتيه الله ويفضّل أن يُنفِقَ على نفسه من كَسْب يده، إنّ هذا المجتمع جدير بأن يعيش في أمن واستقرار، يظله الحب والتعاون والوئام.

يجب أن يكون في صرح المجتمع الإسلامي العالمي ركن لرعاية فئة المهاجرين في سبيل الله، وهم الَّذين يُضطرون إلى مغادرة أوطانهم وترك أموالهم وممتلكاتهم نصرة لدين الله؛ وذلك لتعويضهم وشدِّ عزائمهم.

إن المسلم يساعد أخاه المسلم؛ بقدر إمكانياته بيده، بماله، بجاهه ولا يضيق به مؤثراً السكينة وقد أخلد إلى الراحة.. بينما نجد غيره من إخوته تؤرقهم الهموم، وتقض مضاجعهم المحن.. وبإمكانه أن يمسحها بشيء من الإيثار ولو على حساب راحته.

هل تفكرت في حالك، تتقلب في نعم الله، تنغم بطعامك الهنيء وشرابك اللذيذ، ونومك الهادئ الدافئ في ليالي الزمهرير، هل تفكرت في المنكوبين والمحرومين والمشردين، فبحثت عن سبل لإيصال بعض ما أنت فيه من خير لهم، وآثرتهم بشيء من طعامك وشرابك وهندامك؟! إن النعمة التي خوَّلها الله للعبد سيسأله عنها فيم وضعها؟ فكيف إذا سُئل العبد يوم القيامة إن فلاناً المسلم كان في ضائقة وكان بإمكانك مساعدته، وخذلانك له في هذه الحاجة قد ألجأه إلى رشوة أو سرقة، أو ربما ارتكب جرائم، ليحصل على حقه، إنك لو سعيت له ببعض ما أنعم الله عليك ربما قضيت مصلحته، ويسَّرت أمره وحلت دون لجوئه إلى الشر. وكم من شاب قد ينحرف عن دينه لقضاء مصالحه عن طريق غير المسلمين إذا ساعدوه في المال لإنهاء دراسته!

إن الأثرة آفة الإنسان وغول فضائله، إذا سيطرت نزعتها على المرء محقت خيره ونمت شره، وحاصرته في كل صنائعه، وجعلته محصورًا في نطاق ضيق خسيس، ولا يعرف فيه غير شخصه، ولا يشعر بفرح أو حزن إلا لما يحسه من خير أو شر لنفسه.

هذا الصنف من الناس وقع في عبودية الذات، ولا يحصل منه الخير أبدًا، يعامل الناس في حدود ما يصل إليه عن طريقهم، لا يعرف إلا تحقيق آماله هو ولو على حساب الآخرين، وهذا عنوان الكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس، وهذا بريد التعاسة، نسأل الله السلامة والعافية.

ومن أجل الحث على التخلق بخلق الإيثار، وضعنا بين يديك أخي الخطيب الكريم مجموعة خطب منتقاة توضح أهمية الإيثار ودوره في بناء صرح الأخوة في المجتمع المسلم، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في الأقوال والأعمال.
منقول.
******


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
انتصار ساحق ومذل على فرقة السحالي بقياده انجل ,ذا وزرت .الكنج.الولد اللطيف »The-wizard« منتدي النكت و الطرائف - ضحك و فرفشة 6 04-29-2009 09:40 PM


الساعة الآن 08:33 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.