قديم 08-29-2019, 04:35 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 54,515
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي الذوقُ منهجُ حياة


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( الذوقُ منهجُ حياة ))


كثيرًا ما نقولُ - نحن المغاربةَ - بالدَّارِجة المغربية في الأوساط الشَّعبية: "هَذَاكْ غَلاَّقْ مَشِي ذَوَّاق"، إذْ في هذا التَّعبير إشارةٌ واضحةٌ إلى أن ما يهُمُّ الشخص هو ملءُ البطن بالطعام، وإسكات صُراخ الأمعاء، ودفع المعِدة إلى الدوران، ولا يهمُّه من ذلك تذوُّق الأكل، وتمييز الأطعمة والتلذذ بها، ونقول الكلامَ العاميَّ نفسَه فيمن لا يُحسن اللِّباس، انطلاقًا من اختيار الألوان التي تناسب بَشْرَتَه، وانتقاء الثياب التي تليق بمظهره وحالته بحسب الأمكنة والمناسبات، وكل ما يهمه - هو الآخر - من ذلك كلِّه هو ستر العورة، أما التناسقُ والانسجامُ والخروجُ بمظهر لائقٍ أمام الناس، فلا يهمه ذلك مطلقًا، أليس من حق الآخرين علينا أن يرونا بمظهر جميل؟ والمظهر الجميل ليس - بالضرورة - أن تلبسَ لِباسًا ذَا ثمنٍ باهظٍ؛ فلطالما كان الجمالُ في البساطة، ما نحتاجه - إذًا - هو ذوق رفيع، أما اللِّباسُ النفيسُ لا يصنع مظهرًا رفيعًا؛ فالشَّخصية بحضورها هي التي تصنع مظهرًا جميلًا؛ فكن جميلًا بأخلاقك، وكلُّ ما ترتديه بعد ذلك يكون جميلًا.



فالذوقُ منهجُ حياةٍ، فمن يحترم الحياة ويتذوَّقها، لا يمكن أن يرميَ بالقُمامة في قارعة الطريق، فيعرض نفسه للسخرية من الآخرين، ولا يمكن أن يصرخ في الأماكن العامة بصوت عالٍ؛ فيكون صوته نشازًا يُؤْذِي أسماع الناس، أليس الذوق منهجَ حياة نتربى عليه، ونربي عليه أبناءنا؛ فكن متذوقًا.



الذوق في حياتهم:

لقد كانت الحياة العربية عند أجدادنا مبنية على الذوق، وما دامت الأمة العربية أمةً شاعرةً بامتياز؛ فقد تذوق أجدادُنا الأدبَ العربيَّ شعرًا ونثرًا، وقديمًا قال الشاعر ابن أُمامة اللَّخْمي:

لَقَدْ عَرَفْتُ المَوتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ *** إِنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ



وقال أبو حيان التوحيدي في (الإمتاع والمؤانسة): "إن النَّظْمَ قد سبق العَروضَ بالذوق، والذوق طِباعِيٌّ".



يشير ما ذكره أبو حيان التوحيدي إلى أن العرب قالت الشعرَ سَليقة، اعتمادًا على الذوق الشعري؛ لأنَّ الشعراءَ الفُحُولَ لم يعرفوا العَرُوضَ، ولم يدرسوه دراسةً معرفيةً، وآخرُ شاعرٍ فَحْلٍ كان في القرن الثاني الهجري هو (ابن هَرْمة)؛ لأن العروض - باعتباره علمًا - قد استنبطه الخليلُ بن أحمد الفراهيدي في وقتٍ لاحقٍ (يذهب ابن هشام إلى أن العرب كانوا يعرفون كيف يُقطِّعون الشعر، ويمتحنون وزنه).



فالنقدُ العربيُّ القديمُ كان مبنيًّا على الذوق التأثُّري، ودونك ما قاله مثلًا ربيعة بن حذار الأسدي، حين وصف شعرَ الزِّبرقان بن بدر: "أما أنت يا زبرقانُ، فشعرُك كلَحْمٍ أُسْخِنَ، لا هو أُنْضِجَ فَأُكِل، ولا تُرك نيِّئًا فيُنتفع به"، فهذا رأيٌ نقديُّ مؤسَّسٌ على الذوق يكتفي بطرح الحكم، ولا يتجاوز ذلك إلى التفسير، وكم مرة نُعجب بأشياءَ معينة دون أخرى، والسبب هو الذوق المرهف، وليس بالضرورة أن يعتمد هذا الذوق على معايير محددة؛ لأنه في بعض الأحيان عندما يُطلب منك تفسيرَ ذلك وتسويغه، فإنك لا تجد تفسيًرا يقتنع به غيرك؛ إنه الذوق وكفى.



ولا تعجبْ إنْ وجدتَ العلَّامةَ الأديبَ والمحقّقَ المصريَّ الكبيرَ (محمود شاكر) يعتمد على "المنهج الذوقي" في قراءة التراث العربي الإسلامي؛ لأنه منهج لا يتعسَّف على النصوص العربية؛ إذ يقول في مقدمة كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا): "إن منهجي في تذوق الكلام شعرًا ونثرًا، وأخبارًا تُروى، وبيانًا عن عِلْمٍ مُستخرج، وكلامًا قاله الناس في الأمس البعيد، وكلامًا يقوله الناس في هذا اليوم القريب - منهج متراحب متشعب الأنحاء كما حدثتك آنفًا، وهو مُطبَّق تطبيقًا بيِّنًا في كل ما كتبه هذا القلم الذي أكتب به الآن إليك، مطبق هذا المنهج في مقالاتي التي نشرتها في الصحف والمجلات قديمًا وحديثًا، سواء كان ما كتبته بحثًا، أو نقدًا، أو تعبيرًا عن ذاتِ نفسي في كل منحًى من مناحي القول والبيان، أو تعليقًا على أصول الكتب القديمة التي نشرتها وخرجتْ للناس، وإن شئتَ أن تعلم، فاعلم أنك واجدٌ منهجي في تذوق الكلام في مقالاتي القديمة والحديثة التي لم أنشرها بعدُ في كتاب يُقرأ اليوم، وأنت واجده أيضًا في كتابي (أباطيل وأسمار)، وكتابي (برنامج طبقات فحول الشعراء)... كنت قديمًا قد تذوقت - فيما أتذوق من الشعر العربي - بيانًا حافلًا غزيرًا في أبيات الشمَّاخ الثلاثة والعشرين، تذوقتُها غائصًا في دلالة ألفاظها وتراكيبها ونَظْمها، بل غُصتُ تحت تيار معانيها الظاهرة، وفي أعماق أحرفها، وفي أنغام جَرْسِها، وفي خَفَقات نبضها، وفي دَفْقها السَّارب المتغلغل تحت أطباقها، فأثرتُ بهذا التذوق دفائنَ نظمها ولفظها، واستدرجت خباياها المتحجِّبة من مكامنِها، وأمطتُ اللِّثام عن أخفى أسرارها المُكتَّمة، وأَغْمَضِ سرائرها المُغيَّبة...".



فأين نحن من ذوق الأديب والشاعر محمود شاكر؟ وهل يتذوق النقاد وطلابُ الجامعات وتلامذةُ المدارس الشعرَ العربيَّ، مثلما تذوَّقه أحدُ علماء العربية الكبار: محمود شاكر رحمه الله؟

فالذوقُ ثقافةٌ، ولا تُعاشرُ نصوصَ الأدب سنين عددًا، إلا وينمي ذوقُك، يقول العلَّامةُ ابنُ خلدون في (مقدمته): "اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها: حصول مَلَكَةِ البلاغة للِّسان... وهذه المَلَكَةُ إنما تحصُل بممارسة كلام العرب، وتَكرُّرِه على السمع، والتفطُّن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان؛ فإن هذه القوانين إنما تفيد علمًا بذلك اللسان، ولا تفيد حصولَ الملكة بالفعل في محلها".



هل يمرض الذوق؟

يقول الشاعر أبو الطيِّب المتنبي في مهاجمة خصومه:

وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مريضٍ *** يَجِدْ مُرًّا بِهِ المَاءَ الزُّلالا



نعم؛ قد تمرض الأذواق في ظلِّ تفشي الفوضى الشاملة: فوضى الأرواح، وفوضى اللباس، وفوضى الحركة، فالذوق جِبِلَّة، وفطرة تُصقل، ومن تدنَّست فطرته لا ذوق له؛ فالذوق موطنه الكَيْف لا الكم، وسُكناه القلب لا العقل، وتكفيكَ أخي القارئ - وأنا لا أشك في تذوقك للحياة قِيْدَ أُنملة - إطلالةٌ عُجلى على "فيسبوك"، و"يوتيوب"، و"تويتر"، وغيرها، لترى العجب العُجاب؛ فتتساءل هل مرِض الذوق وفسد إلى هذا الحد؟ وأنت تعاين أعلى نسب المشاهدة والتفاعل تحصل عليها الفيديوهات الماجنة، والأغاني الرديئة، والمنشورات الفارغة.



فمن لم تكن عنده ملكة الذوق، فلن تكون اختياراته صائبة في حياته؛ فالاختيار أساسه الذوق السليم، والذوق بلاغة، والبلاغة ذوق وتذوق، والذين اعتادوا أسلوبًا واحدًا في الحياة غالبًا ما يكونون قليلي الذوق. فالذوق يمرض ويتلاشى ويموت إن لم يجد اهتمامًا؛ فالذوق كالطفل الصغير يحتاج إلى العناية، فالذوق يهرب من رتابة الحياة وتَكراراتها المُمِلَّة إلى تعدد الخيارات؛ فالذين ألِفوا طعامًا واحدًا لا يمكن بأي حال أن يكونوا متذوقين، فآفة الذوق ضيق الاختيار.

[1] مقالٌ مُهْدًى لأستاذي الدكتور محمد بوحمدي حفظه الله.
§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة لا حياة لمن تنادي معاوية فهمي إبراهيم منتدي القصص و الحكايات - الأدب الشعبي 2 08-29-2019 05:34 PM
أخر لحظات في حياة الرسول معاوية فهمي إبراهيم منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 1 10-26-2018 04:36 PM
نقاء حياة معاوية فهمي إبراهيم منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 31 11-24-2016 07:38 PM
خلي العذول موطي الرأس منكوس.... من الحلقه 1 و2 و3 و4 الخ....يتبع جميع الحلقات دموع ..الورد قسم الروايات المكتملة 81 09-23-2016 11:48 PM


الساعة الآن 08:40 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.