قديم 04-18-2020, 11:49 AM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 55,964
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي ماذا أعددت لرمضان؟


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

(( ماذا أعددت لرمضان؟))
إذا كانت مواسم الخيرات أقبلت، وسوق الصالحات قد نفقت، فإن اللبيب من يعمر بالحسنات أيامها، ويقضي في الطاعات شهورها وأسابيعها، ومهما شمر الفارس عن الساق، وأراد الفوز بالسباق، وألَّا يُعد في اللحاق - فإنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلًا، ولن يحصِّل منه دقيقًا ولا جليلًا، إلا إن كان من أصحاب المداومة على التدريب، المختلين بأنفسهم في الخلوات، المنقطعين عن السخافات، الزاهدين في الشهوات والملذات، المداومين على الطاعات، الذاكرين الله على كل الحالات.

فإذا كان المسلم على هذه الحال، سهل عليه اغتنام النفحات الربانية، والأيام المباركة الرمضانية، وأي فضل يبتغيه المسلم أعظم من العتق من النيران والفوز بالجنان؟ وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يستبشرون برمضان خيرًا، ويعظمونه قبل حلوله، وبعد انقضائه، فيسألون الله أن يبلغهم رمضان، ثم يسألونه شهورًا بعد ذلك أن يتقبل منهم ما كان فيه من صالح الأعمال، ويتجاوز عنهم ما كان فيه من تقصير وإخلال.

ولأن رمضان هو الشوط الأخير في السباق - أعني: سباق كل عام - فإنه لا يصبر على جهده إلا من ضمر جسمه بالصيام، وأتعب قدميه بالقيام، ووصل ليله بنهاره في تلاوة القرآن، أما من نام ملء جفنه، وأكل ملء بطنه، وجعل ليله مطيةً لشهواته، واتخذ نهاره سلمًا لخطراته، فمحال أن يحصِّل من رمضان ما يحصله الصالحون، أو يسبق في مضمار مِلؤه المتبتلون.

ومع هذا، فإن ربنا الغفور الرحيم، الجواد الحليم، اللطيف الكريم، لم يغلق بابه دون أحد، ولم يجعل عليه أيًّا من الحراس أو الرصد، بل قطع الأسباب بيننا وبينه إلا سببه؛ فقال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]، فحذف الوسائط حتى في الكلام، وبسط توبته للمذنبين من الأنام؛ فقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

فلا ييأس العصاة، ولا يقنط المذنبون، فإن ربنا سبحانه ((يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))[1]، فكيف من أقبل عليه تائبًا، وجاءه في فضله راغبًا، ولعذابه راهبًا، يتعرض لنفحاته، ويبكي ذنبه في سره وخلواته، يريد بذلك الاستعداد لشهر الغفران والرحمة والرضوان.

لكن الشيطان قد يوسوس للعبد فيقول: كيف تريد مسابقة قوم أسهروا ليلهم، وأظمؤوا نهارهم، جدوا واجتهدوا العام كله؟ أتراك تمشي في ذيلهم، بله أن تسبقهم؟

والجواب على هذا يسير، فإن المسافات إلى الله تقطع بالقلوب لا بالأبدان، وبإخلاص النية وصواب العمل، والله يضاعف لمن يشاء، وأن يصل المرء متأخرًا خير من ألَّا يصل، وما زال بيننا وبين الشهر الفضيل أيام يستدرك فيها المسلم بعض ما فات، ويجدد العهد بالباقيات الصالحات.

أي أخي، استعد لرمضان ولو بالقليل، فإن الله سبحانه يقول في الحديث القدسي: ((ومن أتاني يمشي، أتيته هرولةً))[2]، فلا تضيع هذه الأيام إن كان لا يمكنك التدرب على الصيام، فإنه يمكنك الاستعداد بالمحافظة على بعض الأذكار، آناء الليل وأطراف النهار، وملازمة الاستغفار، والمناجاة بالأسحار، وتلاوة القرآن بالعشي والإبكار، والمحافظة على بعض الركعات بالليل وإن قلت، فإن ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))[3]، والإقبال على الله بقلب يحمله الخوف والرجاء، مع صدق في المقال، وجودٍ بالمال، وعمل لحسن المآل.


و((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق))[4]؛ وتذكر قول ربنا: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، وقوله في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء))[5]، فليكن ظنك في الكريم حسنًا، ولا يحملك حسن الظن على التمادي في الضلال، والإخلاد إلى أهل الشمال؛ فإن الله يقول: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر: 49، 50].

والله أسأل أن يتولانا بفضله، ويعاملنا بعفوه لا بعدله، والحمد لله رب العالمين .
§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشركــــــــــس ShØShØ منتدى العلوم الكونيه والثقافات العامه 6 02-11-2019 01:44 PM
الطفل الخجول هنا عصبه منتدي علم النفس و منتدى حل المشاكل الاجتماعية 5 05-09-2012 05:49 PM
وجاءت سكرة الموت لفضيلة الشيخ محمد حسان عايش غريب المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 8 04-30-2012 03:39 AM
نَـزْعُ عربيّةِ الجزيرة العربيّة $$$ الحب الخالد $$$ المنتدى السياسي والاخباري 0 04-10-2012 09:01 PM
حتى رفاتك ترعبهم ياأبا عدى ستانلى المنتدى السياسي والاخباري 32 04-10-2012 02:14 PM


الساعة الآن 02:44 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.