قديم 04-30-2020, 07:24 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 55,816
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي الصوم جزء من نظام كامل للحياة


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( االصوم جزء من نظام كامل للحياة ))
إن رياضة الأجسام وتدريبها على أنواع التمارين ليست إلا وسيلة لتقويتها وتهيئتها لحسن القيام بوظيفتها في الحياة العملية، وليس التدرب على الرمي واستعمال السلاح وسيلة للتسلي، أو غاية في ذاتها وإنما هو وسيلة لرد الاعتداء والدفاع عن النفس والوطن، وكذلك العبادات ليست غاية في ذاتها وإنما هي نوع من الرياضة التي تعالج النفس من بعض نواحيها، وتربيها وتعدها لغايات أخرى، وقد جاءت هذه الفكرة واضحة في القرآن الكريم، ولم يكن الانحراف عن هذا الفهم إلا مظهراً من مظاهر الانحطاط في بعض العصور.
إن الآية التي تفرض عبادة الصوم في الكتاب المبين وردت في سورة مدنية هي (سورة البقرة)، وإذا أردنا أن نفهمها حق الفهم وجب علينا أن نقرأ ما سبقها وما تبعها من الآيات، وحينئذ تتجلى لنا حكمة هذه العبادة وتتبين لنا النتائج التالية:
1 - لقد تقدم آية الصوم في السورة نفسها آيات منها قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ [البقرة: 168] وبعد ذلك بثلاث آيات قوله أيضاً: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 172، 173] فهذه الآيات تدل على أن الصوم ليس هو الأصل في حياة الإنسان، بل الأصل إباحة الطعام، وإن قاعدة الفطرة الإنسانية السليمة هي في الأخذ مما سماه الله الطيبات، وجعله مستحقاً لشكر الإنسان له، ومن هنا يستنتج أن الكف عن الطعام أعني الصوم استثناء من القاعدة ودواء مؤقت لعلة تستوجبه ولحكمة تقتضيه، وأنه مقيد في حدود العلة أو الحكمة التي من أجلها فرض ووضع في موضعه من النظام الإنساني، ولذلك جاء في آية الصوم النص على تحديد زمنه ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 183، 184] ولذلك كان صوم الدهر أمراً مكروهاً في الإسلام، وقد نبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على ذلك بصراحة في قوله: ((من صام الأبد فلا صام ولا أفطر))، وفي رواية أخرى ((لا صام من صام الأبد)).
2 - لقد ورد قبل آية الصوم ببضع آيات آية تنص على قاعدة عامة في العبادات، وأنها ليست مقصودة في ذاتها، بل هي جزء من نظام عام ولا قيمة لها في ذاتها إذا أهملت بقية أجزاء هذا النظام وعطلت؛ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
تحدد هذه الآية حقيقة البر وتنفي ما يفهمه الناس من أن البر والصلاح هو بمجرد إقامة بعض الشعائر فتقول أن البر ليس في التوجه إلى جهة معينة إشارة إلى استقبال القبلة في الصلاة وهذا المعنى وارد في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37] وقوله: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 19]
ثم تعدد الآية عناصر البر وهي:
1 - الإيمان بالله وحسابه وما يتبع ذلك.
2 - بذل المال في وجوه عديدة ذكرها.
3 - إقامة الصلاة.
4 - الوفاء بالعهد.
5 - الصبر في كل الأحوال وخاصة في الشدة والحرب.
وقد ختمت الآية بما يؤكد معناها وفكرتها الأساسية ذلك أنها وصفت المستجمعين لهذه العناصر بالصدق والتقوى على سبيل الحصر وكأنها نفت هذه الصفة عن غيرهم ممن يكتفون بظاهر العبادات.
وأما ما جاء بعد آيات الصوم من آيات فقد تضمنت أموراً اجتماعية خطيرة، الأمر الأول منها: النهي عن أكل الأموال بالباطل ويدخل تحت هذا العنوان جميع أنواع المظالم المالية: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].
والأمر الثاني: القتال في سبيل الله رداً للمعتدين: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190] وحماية لحرية العقيدة حتى لا يفتن المؤمن عن إيمانه ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 193].
والأمر الثالث: الإنفاق في سبيل الله: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195] والهلاك هنا على ما فسره كثير من الصحابة هو البخل عن الإنفاق في سبيل الله وخاصة في الجهاد ومقاتلة العدو.
هذه هي الآيات التي أحاطت بآيات الصوم وتضمنت هذا المعنى الهام وهو أن الصوم ليس عبادة مستقلة مقصودة لذاتها وإنما هي جزء من نظام له أجزاء أخرى وليست منفصلة عن النظام الاجتماعي فالعدالة الاجتماعية والامتناع عن الظلم في الأموال والقتال في سبيل صد العدوان وحماية العقيدة وبذل المال في سبيل المصلحة العامة وخاصة في سبيل صد الاعتداء هي الغايات المقصودة من تربية النفس على كف الشهوات وإمساكها عن الملذات وترويضها على التضحية بها في سبيل ما هو أعظم منها
وقد فرض الصوم في السنة الثانية للهجرة في وقت كان القتال قد سمح به لصد الاعتداء وكان إنفاق المال ضرورياً لبقاء المجتمع الإسلامي الجديد لا مجرد صدقة على سائل أو فقير وكان الجو كله جو تضحية وجهاد بالنفس والمال، في مثل هذا الظرف بالذات فرض الصوم، وجعل عبادة أساسية من العبادات، ووضع في مكانه من هذا النظام العام المشتمل على الجهاد والإنفاق وبذل المال، ليكون تمريناً للنفس وتدريباً وتربية لها وترويضاً، لا لمجرد الزهد في طيبات الحياة. كما يؤكد هذا المعنى ما ورد من أن أحد الصحابة في أثناء إحدى المعارك مر بغار فيه ماء فحدثته نفسه أن يقيم فيه، ويصيب مما حوله من بقل ويتخلى عن الدنيا، ولكنه حين استشار النبي صلوات الله عليه قال له: "إني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفسي بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصغار - أي في صف القتال - خير من صلاته ستين سنة (مسند الإمام أحمد ج5 ص266)
وقد فرض الصيام على مرحلتين؛ كان في الأولى منهما على سبيل التخيير، إذ كان المرء مخيراً بين أن يصوم أو أن يطعم مسكيناً فيجزيء ذلك عنه كما روى ذلك البخاري في أحاديث متعددة عن الصحابة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ ثم كان في المرحلة الثانية فرضاً محتماً فنسخت هذه الآية بالآية التالية ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185] فلم يستثن إلا المريض والمسافر وذلك نفياً للحرج والتضييق ورغبة في التيسير وتكليف الإنسان بما يطيق من التكاليف ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
وقد تلت هذه الآية آية تذكر بأن الصوم عبادة تقرب من الله وتثير في النفس معاني الصلة به وتشير إلى أن الأصل في العبادات تفتح القلب وتوجهه إلى الله ومناداته ومخاطبته ودعائه واستشعار وجوده.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].
وهذه الآية الرائعة التي تصور حقيقة الدعاء وأنه ليس مجرد كلام بل يجب أن يسبق من قبل الإنسان باستجابة لله وتلبية وليس من المعقول أن تطلب من أحد أن يلبيك ويجيبك وأن لا تجيبه أنت إذا دعاك فلنستجب وليست هذه الاستجابة أمراً سهلاً فإنها تتضمن تنفيذ أوامر الله وانصراف النفس البشرية إلى تحقيق الرسالة التي أمره الله بالقيام بها وأداء الأمانة التي كلفه بها سواء في حياته الشخصية أو في حياته العامة بين بني جنسه من البشر لقد اشترط لتلبية الدعاء الإيمان به والاستجابة له ليصل البشر إلى الرشاد والسداد ليس الدعاء كلاماً مجرداً يعقبه إجابة الطلبات فإن لذلك ثمناً عظيماً إنه الفعالية التي يبذلها الإنسان في حياته في سبيل ما يرضي الله إنه الجهاد الذي أمر الله به في هذه الحياة، جهاد النفس وشهواتها، جهاد الأهواء الغالبة والملذات المستأثرة وجهاد الظلم ومكافحته، وجهاد الباغين المعتدين من الأعداء، جهاد إقامة العدل والدفاع عن الحق والفضيلة إن الدعاء الرخيص بمجرد رفع الأيدي وتحريك اللسان دون العمل لا يعدل شيئاً ولا يرجى منه نتيجة وإنما الدعاء بذل الجهد والتوجه إلى الله بالقلب والشعور وبالعمل والجوارح والاستجابة لدعوة الله ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7].
ذلكم رمضان في صورته الكاملة وفي المخطط العام لنظام الإسلام فإلى دعوة الحياة إلى معارك النصر إلى لقاء الله إلى جنات الخلد أيها المؤمنون.
°°°°°°°°°°°°°°°°


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الوجيز فى الميراث معاوية فهمي إبراهيم المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 1 12-24-2019 10:02 AM
تعودّت إني مآ اتكلم إذا زآد الآلم فيني . . الغدار34 قسم الروايات المكتملة 28 12-06-2013 01:23 PM
رواية لم أكن هكذا من قبل ولكن بحبك تاهت عناويني/ للكاتبة Golden Apple سمية ناصر منتدي الروايات - روايات طويلة 33 10-29-2013 06:02 PM
الرجل يحتاج أنثى تقوم بدور الحبيبة و الأم و الابنة .. باختصار يحتاج امرأة ذكية ! د/روليان غالي منتدى العروس 6 07-14-2013 08:41 AM
[لعبة] زمن المحاربين أول لعبة أونلاين باللغة العربية TheIllusionist منتدي تحميل العاب PCكمبيوتر-PlayStationبلايستايشن-PSP-Xbox-Nintendo 0 06-12-2012 05:18 PM


الساعة الآن 11:37 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.