قديم 08-08-2020, 09:29 AM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 54,362
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي تأملات في اسمه تعالى (الواسع)


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

[ تأملات في اسمه تعالى (الواسع) ]
سبحان ربي الغني المغني، سبحان ربي (الواسع) العليم، سبحان ربي ذي الجلال والإكرام، مالك الملك، عظيم الجاه واسع السلطان، تبارك اسمُه وتعالى جَدُّه ولا إله غيره، وسِع كرسيُّه السموات والأرض، لا يحيط بعلمه ولا بذاته ولا بملكه أحدٌ من خلقه، وقد أحاط هو بكل شيء علمًا، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، يعطي من يشاء فيغنيه، ويُعَلِّم من يشاء فيصير فقيهًا حكيمًا، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فإذا كان بعض خلقه - بفضله سبحانه - يُوصَف بأنه عريض الثراء، عظيم الجاه، وواسع العلم والمعرفة، فكيف بملكه وجاهه وعزه وسلطانه وعلمه وغناه؟ لذلك نجد هذا الاسم الجليل يعبر عن كمال صفاته وأفعاله وتمامها، فلا تخلو صفة من صفاته، ولا فعل من أفعاله من أن تضاف إلى هذا الاسم الجليل للتعبير عن هذا الكمال، فتقول: واسع المغفرة، واسع العلم، واسع الكرم، وهكذا.

والواسع مشتق من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم، وكيفما قُدِّر وعلى أي شيء نزل، فالواسع باللفظ المطلق هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إن نُظِرَ إلى علمه فلا يمكن تصوره، وتنفد البحار لو كانت مدادًا لكلماته، وإن نُظِرَ إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته، فهو واسع في علمه فلا يَجهَل، وواسع في قدرته فلا يَعجَل، لا حدود لغناه، ولا تُعَدُّ عطاياه، إفضاله شامل، ونَواله كامل، وهو واسع الصفات والنعوت، واسع العظمة والسلطان والملكوت، وواسع الفضل والإحسان والجود، ما وصف نفسه بهذا الوصف إلا ليُكثِر العباد من سؤاله، ويطلبوا الغِنى والقوة منه وحده دون سواه.

ما للعباد عليه حق واجب
كلا ولا سعيَ لديه ضائعُ
إن عُذِّبُوا فبعدله أو نُعِّمُوا
فبفضله وهو الكريم الواسعُ


وقد ورد اسمه تعالى (الواسع) في القرآن الكريم تسع مرات، اقترن في سبع منها باسمه تعالى العليم، ولعل في هذا ما يشير إلى أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواء أكان هذا العطاء رحمة، أو مغفرة، أو مُلكًا، أو مالًا، أو علمًا، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه - فضلًا عن كونه عن كمال العلم - فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة، وفي هذا نجد أن اسمه (الواسع) سبحانه جاء مضافًا إلى المغفرة مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]، وجاء مقترنًا باسمه الحكيم مرة واحدة كذلك في قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130]؛ [انظر: مفهوم الأسماء والصفات لسعد بن عبدالرحمن ندا].

ولا شك أن إدراك العبد لمعنى هذا الاسم الجليل بصورة صحيحة، والعيش في ظلاله والتخلق به، يحبب إليه البذل والعطاء والكرم ونبذ البخل والشح؛ لأن الله تعالى (الواسع) كثير العطاء، سيخلفه فيما ينفق وسيعوضه ويزيده من فضله وكرمه، فخزائنه لا تنفد، وجوده لا ينقطع، وعطاياه لا تتوقف؛ فهو القائل: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، فكل نعمة تزيد بالشكر والثناء والرضا عن الله، وهو القائل جَلَّ وعلا: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]، ويلاحظ أن الآية الكريمة قد جمعت بين اسمه تعالى (الواسع) واسمه تعالى (العليم)؛ وذلك لإبراز كرم الله ومضاعفته التي لا حدود لهما، فإنه واسع العطاء واسع الغِنى واسع الفضل، على أن سعة عطائه لا تقتضي أن يحصل عليها كلُّ مُنْفِق، فهو وحده الذي يعلم من تصلح له هذه المضاعفة، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله لا يناقض حكمته، بل يضع فضله في موضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.

ويُرْوَى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما؛ ذلك أن رسول الله صل الله عليه وسلم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، حَثَّ الناس على الإنفاق في سبيل الله، وكان الجيش يومئذٍ بحاجة إلى الجهاز، فجاءه عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال عثمان بن عفان: "عليَّ جهاز من لا جهاز له"، فجهَّز الجيش بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وقيل: إنه جاء بألف دينار ذهبًا، فصبَّها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلِّبُها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))؛ [انظر: أسباب النزول للواحدي]، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يتسابقون في البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله؛ لإيمانهم بأن الله تعالى خزائنه لا تنفد، وعطاؤه لا ينقطع، وليس المال ولا الجاه هو أعظم ما يُعطى ويُمنح، ولكن الإيمان والسكينة والرضا والثبات على الحق، بل إن ما يزويه ويمنعه عن عباده هو عين الإحسان والفضل والكرم، فمكانة المرء وقربه من ربه تكون على قدر بعده عن الدنيا وشواغلها.

وقد سلطت الآيات الكريمة الضوء على الأسباب التي تدعو كثيرًا من الناس إلى الشح والإمساك، وتجعلهم لا يبادرون إلى الإنفاق في سبيل الله، ورَدَّتْ ذلك إلى ضعف يقينهم وقلة إيمانهم بأن الله تعالى يُخْلِفهم ويضاعف لهم؛ ومن ثم حرصت تلك الآيات على إبراز هذه الصفة العظيمة لله عز وجل؛ وهي سعة عطائه وفضله وجوده، حتى يحفز ذلك الناس على البذل وعدم الإمساك والتقتير؛ قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268]، وقد قَدَّمَ اسم الشيطان مسندًا إليه؛ لأن تقديمه مُؤْذِن بذمِّ الحكم الذي سيق له الكلام وشؤمه؛ لتحذير المسلمين من هذا الحكم، وقد شَبَّهَ إلقاء الشيطان في نفوسهم توقع الفقر بوعد منه بحصوله لا محالة، ووجهُ الشبه ما في الوعد من معنى التحقق، والفحشاء هي كل أمر قبيح ومستبشع، وهذا ارتقاء في التحذير من الخواطر الشيطانية التي تدعو إلى الأفعال الذميمة، فوعْدُ الشيطان ليس سوى تخويف الناس من الفقر ليقبضوا أيديهم، وأما وعد الله تعالى فهو الوعد الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الواسع العليم الجواد الكريم؛ [انظر: التحرير والتنوير].

ويجسد هذا الاسم الجليل صفات القدرة والعظمة والمجد والسلطان، حتى يعرف العبد قدر ربه وسعة ملكه؛ فيحذر معصيته ويرجو رحمته، ومن يتأمل قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 115]، يجد الآية صريحة في أنه أينما ولَّى العبد من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة - فثَمَّ وجه الله، ويدل سياق الآية على أن المقصود منها بيان عظمة الرب تعالى وسعته، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي، فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾، فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما، ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما وَلَّى العبد وجهه فثَمَّ وجه الله، ثم ختم باسمين دالَّين على العظمة والإحاطة؛ فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾، فذكر اسمه الواسع عقيب قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ كالتفسير والبيان والتقرير له؛ [انظر: الأسماء والصفات للبيهقي].

ولكي ندرك حقيقة هذا الاسم الجليل ومعناه، فلننظر في هذا الكون الشاسع ولنتأمل بديع خلقه، وما أودعه الله من أرزاق وأقوات تَسَعُ خلقه جميعًا، وهي تدل على عظيم إحسانه وجميل مننه وعطائه، ساعتها سندرك أنه وحده هو الجدير بالالتجاء إليه، والفرار من كل شيء إلا منه؛ قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 47 - 50]، فإذا كانت السماء بهذا الاتساع، وقد بنيناها بقوة غالبة وقدرة كاملة، وزيناها بالنجوم، والأرض فرشناها ومهدناها، وجعلنا فيها من سبل العيش ما يكفل لكل مخلوق أن يعيش في راحة وسَعَةٍ، فلا مناص من الفرار والرجوع إلى خالق الكون ومدبر الأمر، الذي وسِعَ كرسيه السماوات والأرض، وأحاط بكل شيء علمًا وقدرة، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فلتهربوا إلى الله الذي هذه شؤونه بالإيمان والطاعة؛ كي تنجوا من عقابه وتفوزوا بثوابه، ولعل في الأمر بالإيمان وملازمة الطاعة بلفظ (الفرار) تنبيهًا على أن وراء الناس عقابًا يجب أن يفروا منه ويتوَقَّوْه بشتى السبل.

وربما تعكس آية الكرسي هذا المعنى بصورة أوضح؛ لذلك تعد أعظم آيات القرآن الكريم؛ يقول تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]، وآية الكرسيِّ هي أعظم آية في القرآن الكريم، وتشير الأحاديث إلى أن الكرسي مخلوق عظيم، والعرش أعظم منه، والمستفاد من ذلك كله الإشارة إلى عظيم قدرته؛ إذ لا يؤوده حفظ هذا الأمر العظيم، ولا يعييه على سعته وعِظمِهِ.

وحظ العبد من هذا الاسم الجليل وثمرة إيمانه به: أن يُعَظِّم ربَّه في قلبه وفي كل تصرفاته، فلا يتصرف تصرفًا لا يليق بذاته، فمن علم أنه تعالى هو الواسع رحمة وعلمًا وقدرة، جمع بين الخشية والرجاء، فكان بالخوف والرجاء في عموم أوقاته وأحواله، فقد بيَّن الله ذلك في كثير من آياته؛ فرحمته وسعت كل شيء وهو شديد العقاب، وهو الغفور الرحيم وعذابه الجد بالكفار ملحِق، وما دام الله يعطي العبد ويوسع عليه ويحسن إليه، فعلى العبد أن يوسع على العباد، وأن يعطيَهم على قدر كرم الله تعالى له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولم يكن عطاؤه مالًا أو طعامًا أو لباسًا فحسب، ولكنه كان دائم البِشْرِ والحفاوة بمن يقدُم عليه، وكان لا يضيق بضيوفه، بل يلقاهم ويستمع إليهم حتى لو أطالوا ومكثوا عنده وقتًا طويلًا، صلوات ربي وسلامه عليه.

وما أعظم قوله تعالى، وما أرجاه للعبد مهما كان ذنبه! فهو إلى جانب عفوه تعالى ومغفرته لا يساوي شيئًا؛ يقول تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم: 31، 32]، فالمؤمن تطيب نفسه وتهدأ روحه، حين يقف على حقيقة معنى اسمه تعالى الواسع، فقد وسِعَ العصاة بتوبته، ووسِعَ المذنبين بعفوه ورحمته؛ قال ابن عباس: "معناه: إلا ما ألموا به من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام، ثم يتوبون منه"، وهذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى؛ إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي.

ورحمة الله قريب من المحسنين والصالحين والمستغفرين والتائبين، فهي رحمةٌ مشروطةٌ وليست مطلقةً، فالكافر الذي يصرُّ على كفره، والظَّالم الذي لا ينتهي عن ظلمه - ليسوا مشمولين برحمة الله تعالى؛ لأنَّهم أصروا واستكبروا فاستحقوا العقاب والطرد؛ قال تعالى: ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156]، وقوله سبحانه: ﴿ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ﴾، يحتمل أن يريد بالعذاب الرجفة التي نزلت بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتمل وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخبر عن عذابه وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه، ويندرج في عموم العذاب أصحابَ الرجفة، وقوله سبحانه: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾؛ قال بعض العلماء: هو عموم في الرحمة، وخصوص في قوله: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾، والمراد: مَنْ قد سبق في علم الله أن يرحمهم، وقوله سبحانه: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا ﴾؛ [انظر: الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي].

وأكثر الناس إدراكًا لهذه الحقيقة هم المؤمنون به حقًّا وصدقًا؛ ولذلك لا يصيبهم اليأس ولا يقنطون من رحمة الله أبدا، وكيف ييأسون وربهم واسع المغفرة؟ وهو القائل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، فهم لا يقنطون ولا يُقَنِّطُون الناس من رحمة الله تعالى، بل يدعون دومًا للناس بالخير والهداية، كما أمرهم ربهم الغفور الرحيم واسع العفو عظيم المغفرة؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر: 7]، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، وقد توقفنا عند عدد منها في اسم الله تعالى (الغفور).

اللهمَّ يا غني يا مغنٍ يا مجيب يا واسع، وسِّع علينا من فضلك وجودك وكرمك، وأغننا بحلالك عن حرامك، وعلِّمنا ما ينفعنا، واصرفنا عما يلهينا عنك، زدنا في العلم والعمل، وارزقنا الإخلاص والصدق في القول والعمل، واجعلنا ممن استهداك فهديته، وممن دعاك فأجبته، وممن سألك فأعطيته، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك فيه، يا واسع السلطان يا عظيم الشأن، ارحم ضعفنا ولا تكِلْنا لأنفسنا طرفة عين، يا واسع الرَّحمة والمغفرة ارحمنا واغفر لنا ذنوبنا، وارزقنا قبل الموت توبة وإنابة، وبعد الموت راحة وغفرانًا.

§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذه عن المذاهب الاربعه ممدوح ألمطيري المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 15 01-10-2021 07:23 PM
القراءة الحداثية للنصّ القرآني : دراسة نظرية حول المفهوم والنشأة والسمات والأهداف driss78 المنتدي العام 3 07-10-2020 04:59 PM
١١ وريثاً شرعياً لميسي و رونالدو dvdpower منتدي كرة القدم العالميه 1 01-03-2020 10:44 AM
جرائم - فيديو فاطمة المغتصبة من قبلِ أبيها وأخيها - جريمة اغتصاب ياما ليالي منتدي اليوتيوب YouTube - فيديو و keek كيك 5 11-22-2011 12:44 PM


الساعة الآن 02:57 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.