قديم 08-31-2020, 04:26 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 72
المشاركات: 70,733
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي رحمة النبي بالمؤمنين في الصلاة


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

(( رحمة النبي بالمؤمنين في الصلاة ))

لقد كانت رحمة النبي صلَّ الله عليه وسلم بالمسلمين في جانب الصلاة واضحة جَلِيَّة ظهرت في مواقف عديدة في حياته صلَّ الله عليه وسلم، وقد جمعنا بين القرآن والصلاة في مبحث واحد لشدة ارتباطهم، كما أن الصلاة قد يُعَبَّر عنها بالقرآن، مثل قول الله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، قال ابن كثير رحمه الله: "يعني صلاة الفجر"[1].
صور من يسر الإسلام في الصلاة

لقد كان رسول الله صلَّ الله عليه وسلم يحب الصلاة حبًّا لا نستطيع وصفه بألسنتنا أو بأقلامن، ولكن ننقل وصفه هو لهذا الحب..
قال: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ"[2].
ومع هذا الحب العميق للصلاة إلا أن النبي صلَّ الله عليه وسلم كان رحيمًا بأمته فلم يُرِدْ منهم الإكثار في هذا الجانب حتى لا يملُّوا.
دَخَلَ النَّبِيُّ ‏‏صلَّ الله عليه وسلم ‏فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ:‏ ‏"مَا هَذَا الْحَبْلُ؟!" قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ‏ ‏لِزَيْنَبَ، ‏فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ‏ صلى الله عليه وسلم: "‏لا. حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ"[3].
وهذا التوجيه والتعليم يفعل رسول الله صلَّ الله عليه وسلم مع واحدة من أعظم نساء الأرض، فهي أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنه، وقد يُطلَب منها ما لا يُطلَب من عامة النساء، ولكنها القاعدة التي لا خلاف عليها: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ"..
لقد كان رسول الله صلَّ الله عليه وسلم حريصًا على أن يظل العبد مربوطًا طيلة حياته بربه ، فلا يكسل في لحظة، أو يُفرِّط في أخرى؛ ولذلك كان يحب العمل الدائم ولو كان قليل، فهذا أصلح للعبد وللمجتمع..
قال رسول الله: "وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ"[4].
وكان رسول الله صلَّ الله عليه وسلم يخشى على أمته من عدم التوازن فتضيع حقوق الأسرة والمجتمع إذا صرف العبد وقته كله في الصلاة والقرآن، ولذلك كان ينصح المكثِرِين بالتقليل والتخفيف، ومِنْ أشهر وأجمل مواقفه ما حدث مع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
لقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من الصَّوَّامين القَوَّامين، فكان يقوم كل ليلة بالقرآن فيختمه كاملاً!! وقد كان يظن هذا هو الأفضل والأعظم، فدار بينه وبين رسول الله صلَّ الله عليه وسلم حوار يستفسر فيه عبد الله عن كَمِّ القراءة الأمثل..
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: ‏"اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا رَخَّصَ لِي"[5].
فنحن في هذا المثال نشاهد شابًّا قويًّا هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يجادل رسول الله صلَّ الله عليه وسلم ليصلي أكثر، وليقرأ القرآن كاملاً في أقصر مدة ممكنة، وعلى الجانب الآخر يجادله رسول الله صلَّ الله عليه وسلم ليخفف عنه ويرحمه! قد نتعجب من حرص رسول الله صلَّ الله عليه وسلم على التقليل من عبادة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، ولكن عند التدبر بعين الرحمة تجد أن الرسول صلَّ الله عليه وسلم حريص على استمرارية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في طريق العبادة دون كسل ولا فتور ولا إرهاق شديد، وحريص على زوجته وأسرته أن يأخذا حقهما منه، وحريص كذلك على المجتمع أن يصبح عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عضوًا فاعلاً فيه يعمل وينتج ويُعلِّم ويجاهد ويتزاور..
إن رسول الله صلَّ الله عليه وسلم حريص على أن يعيش عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حياة متوازنة، وذلك رحمة به ورحمة بمجتمعه صلَّ الله عليه وسلم تزداد وضوحًا وجلاءً عندما يكون الأمر خاصًّا بعموم الأمة، فإن هذا الدين لم ينزل لمجموعة معينة من الناس دون غيرهم، إنما نزل للكبير والصغير، والرجل والمرأة، والقوي والضعيف، والغني والفقير، وغير ذلك من أصناف في داخل الأمة الواحدة..
إنه يفهم أحوال الناس وظروفهم، ويرحمهم لأجل ذلك، ولا يريد أن يأتي الرجل صلاة أو صلاتين ثم ينقطع كُلِّيَّةً بعد ذلك، بل هو ينظر برحمة إلى حالته ويُقدِّره، ومثل هذا الموقف حدث مع معاذ بن جبل ، وهو صحابي جليل، وقريب جدًّا من قلب الرسول ، وكان كثيرًا ما يمدحه ويُثني عليه، ولكن هذه الدرجة القريبة من قلب رسول الله لم تكن لتصبح مبررًا لأن يطيل معاذ في الصلاة فيقسو بذلك على المأمومين.
إن القسوة مرفوضة، حتى لو كانت في عبادة الصلاة !!
يحكي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا الموقف فيقول: "أَقْبَلَ رَجُلٌ ‏بِنَاضِحَيْنِ ‏وَقَدْ ‏جَنَحَ اللَّيْلُ ‏فَوَافَقَ ‏مُعَاذًا ‏يُصَلِّي[6]، فَتَرَكَ ‏نَاضِحَهُ ‏‏وَأَقْبَلَ إِلَى ‏مُعَاذٍ‏ ‏فَقَرَأَ بِسُورَةِ ‏الْبَقَرَةِ ‏‏أَوْ‏ ‏النِّسَاءِ ‏فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ ‏مُعَاذًا ‏نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلَّ الله عليه وسلم ‏فَشَكَا إِلَيْهِ‏ ‏مُعَاذًا؛ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ صلَّ الله عليه وسلم: "يَا مُعَاذُ،‏ أَفَتَّانٌ‏ أَنْتَ‏؟!! ‏أَوْ أَفَاتِنٌ؟!! ‏-‏ثَلاثَ مِرَارٍ- فَلَوْلا صَلَّيْتَ ‏بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، ‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا‏، ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؛ ‏فَإِنَّهُ ‏يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ"[7].
إن رسول الله صلَّ الله عليه وسلم في هذا الموقف يُعلِّم الأئمة أن يرحموا المصلين في المساجد، ولا يشقُّوا عليهم بكثير صلاة أو قيام، وهذه هي الرحمة في قمة صورها..
إنه يسعد صلَّ الله عليه وسلم بالإمام الذي يقرأ بالشمس والليل أكثر من سعادته صلَّ الله عليه وسلم بالإمام الذي يقرأ بالبقرة والنساء!!
أَلا فَلْيَفْهَمِ المسلمون دينهم!!
وألا فليعرف العالم رحمة رسول الله صلَّ الله عليه وسلم!
ومثله ما حدث منه صلَّ الله عليه وسلم في قيام رمضان..
صَلَّى رَسُولَ اللَّهِ صلَّ الله عليه وسلم ‏ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِصلَّ الله عليه وسلم‏، ‏فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ ‏ ‏رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" ‏وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ"[8].
إن رسول الله صلَّ الله عليه وسلم يعلم أن الله عز وجل يفرض على عباده ما يشاء في الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ولكنه صلَّ الله عليه وسلم يعلم أيضًا أن الله تعالى قد جعل الأسباب، ولا يريد أن يكون هو سببًا لمشقة تحدث للمسلمين، وقد شدَّد بنو إسرائيل على أنفسهم فشدد الله عليهم، وما قصة البقرة بخافية[9]، ولذلك آثر رسول الله صلَّ الله عليه وسلم أن يصلِّي قيام رمضان منفردًا لكي يرحم المسلمين بتقليل الفروض عليهم!
إن المرء لا يملك عند رؤية هذه المواقف وأمثالها إلا أن يقول ما قاله رب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
د. راغب السرجاني
طريق الإسلام.
§§§§§§§§§§§§§§§
[1] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 3/75.
[2] النسائي (3940)، وأحمد (14069)، ومالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (523) بلفظ "وجعل قرة.."، والحاكم (2676)، وقال الألباني: صحيح (3098) في صحيح الجامع، وفي السلسلة الصحيحة (3291).
[3] البخاري: كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة (1099)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصره، باب أمر من نعس في صلاته (784)، والنسائي (1643)، وأبو داود (1312)، وابن ماجة (1371)، وأحمد (12005)، وابن خزيمة (1180)، وابن حبان (2492).
[4] مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (2818)، والنسائي (762)، وأبو داود (1368)، وأحمد (25512).
[5] مسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوَّت به حقًّ، أو لم يفطر العيدين والتشريق، وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم (1159)، والترمذي (2946) واللفظ له، وقال: حسن صحيح، وأبو داود (1390)، والنسائي (2400)، والدارمي (3486).
[6] يصلي صلاة العشاء بالناس، وكان ذلك متأخرًا في هذا اليوم.
[7] البخاري: كتاب الجماعة والإمامة، باب من شكا من إمامه إذا طَوَّلَ (673)، مسلم: كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء (465)، النسائي (835)، وأبو داود (790)، وابن ماجة، وأحمد (14346).
[8] البخاري: أبواب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب (1077)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصره، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التروايح (761)، وأبو داود (1373)، وأحمد (25485)، وابن حبان (2542).
[9] راجع سورة البقرة الآيات 67-71.

§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة معاوية فهمي إبراهيم ; 08-31-2020 الساعة 05:00 PM
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-16-2020, 08:00 AM   #2
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية driss78
 
تاريخ التسجيل: Jul 2020
الدولة: ♦️المملكة المغربية♦️
العمر: 42
المشاركات: 157
مقالات المدونة: 1
معدل تقييم المستوى: 2
driss78 is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى driss78 إرسال رسالة عبر Yahoo إلى driss78
افتراضي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك اخي الكريم
وجزاك الله خيرا


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

اضغط هنا لتكبير الصوره
driss78 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-16-2020, 09:22 AM   #3
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 72
المشاركات: 70,733
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي


اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة driss78 اضغط هنا لتكبير الصوره
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك اخي الكريم
وجزاك الله خيرا


شكراً لك لتصفحك موضوعي أخي الفاضل driss78 دمت بتوفيق الله و رعايتهِ.


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذه عن المذاهب الاربعه ممدوح ألمطيري المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 15 01-10-2021 07:23 PM
أبرز علماء الإسلام معاوية فهمي إبراهيم منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 2 11-15-2019 09:12 AM
استدامة المصلي الصلاة في مكان المكتوبة معاوية فهمي إبراهيم المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 1 11-06-2019 04:39 PM
نصائح عامة وشاملة Broken hearts منتدي طب - صحه - غذاء - الطب البديل - اعشاب - ريجيم 6 12-03-2011 12:12 AM


الساعة الآن 04:41 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.