قديم 11-15-2020, 12:02 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 54,900
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي التوحيد في سورة يس


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
((التوحيد في سورة يس ))
د. أمين الدميري.
معنى "يس": قال الإمام الطبري: هو قسمٌ أقسم الله تعالى به، وقيل: هو مفتاح كلام افتتح الله به كلامه، وقيل غير ذلك.

أمر الله رسوله صل الله عليه وسلم أن يحكي لقومه الذين كذبوا به وبالقرآن وبالبعث - قصةَ أصحاب القرية الذين كذبوا الرسل الذين أُرسلوا إليهم، وقصة الرجل المؤمن الذي دعا قومه إلى التصديق بالرسل فقتلوه، أما القرية فقد ذكر المفسرون أنها أنطاكية، وليس المهم تحديد اسم القرية، لكنها قرية، وأما الرسل فقد كانوا ثلاثة بعثهم عيسى عليه السلام إلى هذه القرية للدعاء إلى الله تعالى وعبادته وتوحيده، لكن أهل القرية كذبوا هؤلاء الرسل بدعوى أنهم بشر وليسوا ملائكة، وأن الله لم يرسلهم وأنهم يكذبون على الله، والعجيب أنهم قالوا ذلك بلا حجة ولا دليل: قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ.[يس: 15]، ومع أن دعوة الرسل كانت بالحسنى والرفق، وأنهم مبلغون رسالة الله تعالى - فإن القوم تطاولوا عليهم، وهدَّدوهم بالقتل والعذاب الأليم، وهذا عجيب لأن التوحيد تكرهه الكثرة من الناس، ويكرهه الملأ في كل زمان ومكان، وتكرهه الملوك والرؤساء؛ لأنه يصطدم بمصالحهم ويزعزع عروشهم، ونُظمهم الوثنية الوضعية، لذا فهم يتشاءمون من دعوة التوحيد ويتوعدون الموحدين.

والإيمان بالله إذا دخل القلب لم يعد للحياة الدنيا قيمة فيه ولا وزن، فهذا رجل مؤمن آمن بهؤلاء الرسل وخاف عليهم لَما سمع تهديد قومه لهم، فأعلن عن نفسه وصدع بكلمة الحق، ودعا قومه أن يصدقوا الرسل ويتَّبعوهم، وقيل: هو حبيب النجار، لكن القرآن عرفه بأنه "رجل"، وتلك أول الصفات، والدعوة وتبليغ الرسالة لا يقوم بها إلا الرجال، وما أندر الرجال الذين يحملون هم الدعوة ويُضحون من أجلها، وما أكثر الذين تحمل الدعوةُ همَّهم، فهم عبء عليها ثقيل، وهم إما دخلاء على الدعوة - لا يعرفون قواعدها وفقهها، فهم محسوبون دعاة، والحقيقة أنهم حاطبو ليلٍ، فالتبست عندهم الأمور وتداخلت الأولويات، وتناسوا فقه المرحلة، ولم يُوصِّفوها، فصارت عندهم الأهداف وسائلَ والوسائل أهدافًا، وانشغلوا بالأدنى دون الأعلى، [فشُعَبُ الإيمان أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وتلك خريطة التكاليف.. ]، وتركوا واجب الوقت - وإما طلاب دنيا؛ كسمعة أو شهرة، أو رياسة أو قداسة، وإما طلاب مال، لكن الداعي القدوة والمثال هو المتجرد من أغراض الدنيا، وهو الأحق بالاتباع؛ لذا كانت إشارة المؤمن الناصح الأمين لقومه، وهو صاحب القصة - حبيب النجار - لما قال لقومه: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ. [يس: 21]، فالدعوة إذا كانت بأجر دنيوي، فقدت تأثيرها، وكم من دعاة رددوا ما يُملى عليهم وضلَّلوا الناس، وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو أن النبي صل الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتَّخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير على، فضلوا وأضلوا).

وفي حديث ثوبان: (وإنما أخاف على أُمتي الأئمة المضلين)؛ أخرجه مسلم في كتاب الفتن - باب هلاك هذه الأمة (8/171)، وقد ابتُلي الناس بأمثال هؤلاء المضللين، وندر نقيضهم من أمثال حبيب النجار، وقد حكى القرآن ورسم لنا معالم الدعوة وبيَّن منهجها في هذه القصة كما يلي:

1) السعي الجاد الصحيح: على الداعي أن يسعى ويبذل الجهد قدر استطاعته، ولا يكل ولا يسكت مهما كان الثمن، وأن يتحمل المشاق والتضحيات، وتجلى ذلك في: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى .[يس: 20].

2) البدء بالأقربين مع التودد وحُسن القول: أن يبدأ الدعوة لقومه وأهله، وأن يُحسن لهم القول: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . [يس: 20].

3) التجرد من الأغراض الدنيوية: فلا ينتظر أجرًا أو ثوابًا دنيويًّا، وأن يتجرد من أغراض نفسه وهواه: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا [يس: 21]، فلا تكون الدعوة وسيلة للثراء واستغلالًا لعواطف الناس.

4) البصيرة: أن تكون الدعوة على بصيرة بمن يدعو إليه (الله عز وجل)، وما يدعو إليه (الإسلام)، ومن يدعوهم؛ بمراعاة أحوالهم، وبيئة الدعوة، وعلى الداعي أن يرشد ويدل بكل ما يملك من وسائل وأساليب وَهُم مهْتَدُونَ ، فهو مهتد وهاد هداية إرشاد ودلالة.

5) القدوة والمثال والفهم: أن يقيم الحجة ويقدم البراهين على توحيد الله، ويبدأ بإقرار الربوبية ويرتب عليها العبادة والألوهية: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: 22].

6) لا ينسى التذكير باليوم الآخر: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[يس: 22].

7) الجدال بالتي هي أحسن للتي هي أقوم: فعليه أن يستخدم أساليب الإقناع العقلية ويخاطب في المدعوين العقل والوجدان، فالعقل لا يقبل معبودًا غير الله، فهو الخالق من العدم على غير مثال سابق، وهو الذي يملك النفع والضر، والقادر صاحب القدرة النافذة، واللطيف لما يشاء، والغالب على أمره سبحانه.

8) الثقة في الله: ألا يخاف من كيد العبيد، ولا من بطش طواغيت الأرض؛ لأن دعوة الرسل وهي دعوة التوحيد تصطدم بمصالحهم؛ فهم يقاتلون من أجل بقائهم، ولا مانع عندهم من قتل الدعاة وإيذائهم، فليوطن الدعاة أنفسهم على تحمُّل المشاق؛ فطريق الجنة ليس مفروشًا بالورود، ولكن بالأشواك، ولكن عاقبته الجنة.

9) إعلان الدعوة واضحة لا لبس فيها ولا مواربة: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس: 25]؛ أي: اسمعوا سماع تعقُّل، فهذا هو الحق وهذا هو الطريق.

10) العمل من أجل الجنة: فيكون الداعي طالب آخرة:قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ [يس: 26]، ونلاحظ هنا تلك النقلة المكانية والزمانية، وكأن المكان قد طوى والزمان، فقد كان الحديث منذ لحظة مع القوم في أرض الدنيا في صورة حوار بين هذا المؤمن وبين قومه، ثم فجأة إلى مكان آخر وزمان آخر، ولم يأت لعملية اغتياله أو قتله ذكرٌ كأنه لا يزال حيًّا، والحوار مستمرًّا والدعوة مستمرة - وكأنها حلقة واحدة متصلة لا انقطاع فيها - وهكذا حياة الشهداء؛ إنهم أحياء فلم يأت للحظة استشهادهم ذكرٌ، كأنهم لم يموتوا وهم حقًّا لم يموتوا، فلا يزال اتصالهم بقومهم، ولكن الله العلي الأعلى هو الذي بلغ عنه نصيحته لقومه: ؟ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ . [يس: 26، 27]، يا للكرامة؛ البشر يبلغون عن الله، أما الشهداء منهم فالله يبلغ عنهم، إنها كرامة الشهادة ومكانة الشهداء فهم: ؟ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ,[آل عمران: 169 - 171].

والسورة الكريمة كلها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وجزاء الموحدين ومصير المكذبين، وبيان الصراط المستقيم، وهو عبادة الله تعالى وحده، وترك عبادة الشيطان والآلهة العاجزة القاصرة عن نصر عابديها أو إنقاذهم حين يصرخون بهم ويطلبون منهم؛ قال عز القائل: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ.[يس: 74، 75].
الألوكة.
§§§§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره

التعديل الأخير تم بواسطة معاوية فهمي إبراهيم ; 11-15-2020 الساعة 12:29 PM
معاوية فهمي إبراهيم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذه عن المذاهب الاربعه ممدوح ألمطيري المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 15 01-10-2021 07:23 PM
ترتيب سور القرآن الكريم حسب النزول معاوية فهمي إبراهيم المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 7 06-02-2020 12:38 PM
الصدقة في رمضان : فضلها كبير .. وأجرها عظيم معاوية فهمي إبراهيم منتدي الخيمه الرمضانيه 1 04-29-2020 08:17 PM
هل تعلم معنى اللهم أعتق رقابنا معاوية فهمي إبراهيم المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 1 12-29-2019 10:31 AM
((الفتيات والذئاب))........قصص واقعية Broken hearts منتدي القصص و الحكايات - الأدب الشعبي 2 11-27-2011 02:56 PM


الساعة الآن 09:02 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.