قديم 03-18-2021, 02:07 PM   #1
مراقب عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2015
الدولة: إيطاليا
العمر: 71
المشاركات: 55,681
معدل تقييم المستوى: 10
معاوية فهمي إبراهيم is on a distinguished road
افتراضي شرح حديث سعد(( اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا ))


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
شرح حديث سعد: (( اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا ))
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صل الله عليه وسلم ستةَ نفر، فقال المشركون للنبي صل الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله صل الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52]؛ رواه مسلم.

قال سَماحة العلَّامةِ الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:

ذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:

"كنا مع النبي صل الله عليه وسلم ستة نفر"، وهذا في أول الإسلام في مكة؛ لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام؛ أسلَمَ وأسلَمَ معه جماعة.

ومن المعلوم أن من أول الناس إسلامًا أبا بكر رضي الله عنه، بعد خديجة وورقة بن نوفل، وكان هؤلاء النفر ستة، منهم ابن مسعود رضي الله عنه، وكان راعي غنم فقيرًا، وكذلك بلال بن أبي رباح، وكان عبدًا مملوكًا، وكانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يجلسون إليه، ويستمعون له، وينتفعون بما عنده، وكان المشركون العظماء في أنفسهم يجلسون إلى النبي صل الله عليه وسلم، فقالوا له: اطرد عنا هؤلاء، قالوا هذا احتقارًا لهؤلاء الذين يجلسون مع النبي صل الله عليه وسلم.

فوقع في نفس النبي صل الله عليه وسلم ما وقع، وفكَّر في الأمر، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52]، نهاه الله عز وجل أن يطرد هؤلاء وإن كانوا فقراءَ، وإن لم يكن لهم قيمة في المجتمع، لكن لهم قيمة عند الله؛ لأنهم يَدْعون الله بالغداة والعشيِّ، يعني صباحًا ومساءً، يدعونه دعاءَ مسألة، فيَسألونه رضوانه والجنة، ويَستعيذون به من النار.

ويدعونه دعاءَ عبادة، فيعبدون الله، وعبادةُ الله تشتمل على الدعاء، ففي الصلاة مثلًا يقول الإنسان: ربِّ اغفر لي، ربنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وما أشبه ذلك، ثم إن العابد أيضًا إنما يعبد لنَيل رضا الله عز وجل.

وفي قوله: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52] تنبيه على الإخلاص، وأن الإخلاص له أثر كبير في قَبول الأعمال، ورفعة العمال عند الله عز وجل، فكلما كان الإنسان في عملِه أخلَصَ، كان أرضى لله، وأكثر لثوابه، وكم من إنسان يصلِّي وإلى جانبه آخرُ يصلي معه الصلاة، ويكون بينهما من الرفعة عند الله والثواب والجزاء كما بين السماء والأرض؛ وذلك لإخلاص النية عند أحدهما دون الآخر.

فالواجب على الإنسان أن يحرص غاية الحرص على إخلاص نيته لله في عبادته، وألا يقصد بعبادته شيئًا من أمور الدنيا؛ لا يقصد إلا رضا الله وثوابه؛ حتى ينال بذلك الرفعة في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى في آخر الآية: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ ﴾ [الأنعام: 52]، يعني ليس عليك شيء منهم، ولا عليهم شيء منك، حسابُ الجميع على الله، وكل يُجازى بعمله.

﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 52]، الفاء هذه التي في (فَتَكُونَ) تعود على قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ)، لا على قوله: (مَا عَلَيْكَ)، فعندنا هنا في الآية فاءان: الفاء الأولى (فَتَطْرُدَهُمْ)، وهذه مرتَّبة على قوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾، و﴿ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ مرتَّبة على قوله: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾؛ يعني فإنْ طرَدتَهم فإنك من الظالمين.

ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان ينبغي له أن يكون جليسه من أهل الخير، الذين يدعون الله صباحًا ومساءً يريدون وجهه، وألا يهتم بالجلوس مع الأكابر، والأشراف، والأمراء، والوزراء، والحكام؛ بل لا ينبغي أن يجلس إلى هؤلاء إلا أن يكون في ذلك مصلحة، فإذا كان في ذلك مصلحة؛ مثل أن يريد أن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر، أو يبيِّن لهم ما خفي عليهم من حال الأمة، فهذا طيب، وفيه خير.

أما مجرد الأنس بمجالستهم، ونيل الجاه بأنه جلس مع الأكابر، أو مع الوزراء، أو مع الأمراء، أو مع وُلاة الأمور، فهذا غرضٌ لا يُحمَد عليه العبد، إنما يحمد على الجلوس مع من كان أتقى لله؛ من غنيٍّ وفقير، وحقير وشريف، فالمدار كله على رضا الله عز وجل، وعلى محبةِ مَن أحَبَّ الله.

وقد ذاق طعمَ الإيمان من والى من والاه الله، وعادى من عاداه الله، وأحَبَّ في الله، وأبغَضَ في الله.


نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك، وأن يَهَبَ لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: «شرح رياض الصالحين» (3/ 90- 93).

§§§§§§§§§§§§§§§§§§§


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
معاوية فهمي إبراهيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فتاوى لتوضيح الجائز من الممنوع فى الأسماء المستعارة للأعضاء هدوء المشاعر المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 10 11-28-2016 01:56 PM
فضل العلم وشرف أهله عايش غريب المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 23 07-10-2013 05:52 PM
يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ abdulsattar58 المنتدي الاسلامي (الشريعة و الحياة) 18 10-04-2012 06:56 PM
وصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته أسير الروح منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 19 06-22-2012 12:16 PM
اميرة الاحساس (( امورة الادرن )) تحت المجهر $$$ الحب الخالد $$$ منتدي أخبار الأعضاء والمشرفين (أستراحة الأعضاء) 47 05-29-2012 03:06 PM


الساعة الآن 04:21 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.