قديم 09-03-2008, 05:48 AM   #1
-||[عضو VIP]||-
 
الصورة الرمزية ابو حسين
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: سوريا
المشاركات: 6,053
معدل تقييم المستوى: 20
ابو حسين is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى ابو حسين
افتراضي الى المصير نسير 000000000000


اكتشف وهـو يذهب الى مصيره ، انه في البهجة تماماً ، وانه يمص حلمة الثدي السماوي مستمتعاً بدفء حفاظات الليل ، واستطاع وهو يودع الضوء من رؤية نفسه في دائرة السحر التي يحملها (الاشيبو) الاحمر في يده ، يتمتع بطفولة مضمونة ، تمشي وتقع بالسعال والاسهال والحصبة ، وتبرعمت في عصا الصنوبر محفورات خضر لمراسيم ختانه المفدى بالذبائح ، وبمشاهد طفح الخجل العذري ، واحس وهو في مناخ قصره المظلل باغصان شجرة الشعائر بصفاء رأس أوصله الى نشوة حربية معززة بانتصارات مغليات البيبون والنعناع والحبق والحبة السوداء. كانت تلك هي امتع اوقاته واشدها تفاعلاً مع التعازيم لانه اكتشف ، وهو يذهب الى مصيره ، ان الموت اكثر مرحا مما قيل له.
لم يعثر احد على قبر هذه الحاجة التي تتعذب في عزلة روحه مثـل صحراء بـلا قوافل ، ولكنه مع التشخيص الاول لخبرة (اراد نانا) الطبية ، توصل بمساندة من مواهبه العسكرية ، الى الاهتمام بقيمة التعاطف البشري ، والى العثور على بئر الحزن الذي في قلبه. حاول الطبيب تأجيل نكبة الملك العاطفية عندما قال انها انسلاخات موسمية لثمرة التين البلعومية ، الا انه ابتسم متغلباً على تشنجات غثيانه الدوائي ، وشرح الامر للملك بأسلوبه الممتع الذي يستعمله مع عائلة القصر ، قائلاً ان للجسم الملكي العظيم بواباته واسواره الدفاعية التي دائما ما تخوض الحروب الغذائية ضد منتجات بلاد الاعداء من اللحوم والمزروعات ، ويحدث ان الشهية الملكية تلتهم في احتفالات النصر خروفا او دجاجة من دولة حاقدة او تفاحة ملوثة بالحسد ، فيقاتل هذا الغذاء المعادي للنيل من السلامة الملكية. وبعد استراحة صوتية قدم (اراد نانا) تشخيصه موضحا ان الثور المجنح الحارس للبعلوم قد دحر الطعام الاجنبي ولكن خدشا بسيطا اصاب البوابة والسور القائم في مؤخرة الفم.
في تلك اللحظة من بداية صبره ، شعر الملك بوجع الحقيقة ، وعرف أن ما كان يظنها نوبات زهد في ارتفاعات التاج ، هي في الحقيقة البداية الفعلية لتعايشه الابدي مع الخوف. اقترح (اراد نانا) تحوير الجمال الزائدة عن التجارة لاستخدامها وسائط نقل للاسعاف الفوري وطلب وهو يطحن زهرة البيبون الاستمرار في ايفاد اطباء نينوى الى ما وراء البحار الغربية للوصول الى الامراض الحديثة. اخرج من حزامه المنقوش بادوات العمليات الكبرى كيس اعشاب القصر وافرغه في دورق فخاري ثم اضاف مسحوق زهرة البيبون مع القليل من القرنفل اليابس وسكب على الخليط شراب الذرة ومزجه ثم وضع الدورق على النار قائلاً بان الطب في تطور ، وانه اكتشف بالامس ان بعض الامراض تنقلها الشياطين عن طريق الملامسة واستخدام ادوات المريض الخاصة. رفع الدورق وهو يتابع بابتسامته العلاجية الخالية من الاسنان ، قائلاً للملك انه بعد هذه الوصفة الساخنة لن تعترض المسالك الوعرة والجبال المتحاشكة نزول لقمته الى بيت الطعام. سكب (اراد نانا) عصير الاعشاب في قدح من العاج وبدأ بالتغرغر تبديداً لذكرى مخاوف الملك من ختانه المتأخر. نبعت الدموع من عيني الطبيب وتدحرجت على خديه المسلوخين بتجارب ابتكاراته الفاشلة لمستحضرات التجميل وبعلاجاته اليائسة لاضطرابات الدورة الشهرية ، ولكنه تمكن من العودة الى ابتسامة المهنة ، واستطاع التعبير عن امنياته بالشفاء.
في المساء ، اعلن مكتب اخبار الملك عن عتق الف اسير سياسي لصالح مركز البحث الدوائي ، لكن الشمس جاءت بنتائج غير طيبة مما اضطر الملك التائه بين موائد الصباح الى الابتعاد عن مسافة الحديث الهادئ. صمد (اراد نانا) المحمول على عربة اخماد الانقلابات امام عواصف التوبيخ حتى آخر شتيمة ، ثم تساءل بصوت ماكر وهو يدافع عن وصفته :
- ماذا فعلت بعد وجبة العشاء يا مولاي ؟
انتفخ رأس الملك تحت طوق الذهب ، وراح يحرك بؤبؤيه بحثا عن رأي.تزاحمت الافواه على اذنيه. استرجع لونه وهو يقول :
- شربت الشاي.
وضع (اراد نانا) كفه الايمن في زيق ثوبه وقال :
- هذا هو السبب .. لقد لوثت ماء البيبون المقدس يا مولاي.
اعد الطبيب كمادات سريعة لدحر حرارة الملك الذي تقندل باحمرار مفاجيء مما دفع الحراس للتعاون لنقله الى دار الاستراحة من القرارات الصعبة. استجاب الجميع لامر اقوى اصبع في العالم وتركوا الملك مع طبيبه. ظهرت البقعة الجلدية السمراء بين الحاجبين ، مستجيبة للبرودة ، وعاد الفم المنكمش الى حدود الابتسامة. خلط (اراد نانا) وصفة جديدة من الورد ماوي والحبة الحلوة واشواك الكعوب ونقعها في حليب الماعز. عجز الملك عن تحديد اتجاهات زحف الدبيب تحت فروة رأسه وهو يتحدث بصعوبة عن ضرورة تقدم العلم الطبي في الايام القليلة القادمة كي يستطيع الاستعداد لحملاته التأديبية السنوية والاستمرار في احتلال ما تبقى من العالم. استخدم (اراد نانا) صلاحيات وظيفته من قانون علاقات الملك الشخصية ، وقال بقلب حجري :
( الاجدى ان تعمل على اعادة احتلال نفسك يا مولاي ). اخذ (اراد نانا) جرعة تجريبية من النقيع الجديد. اختفت ملامحه للحظة لتتشكل مع ابتسامة منحوتة ، ضربها في وجهه ازميل الخوف من شناعة المذاق. اكمل الملك شرب الدواء باستكانة كاهن مستجد وهو على ثقته الجديدة بقدرة الطعم المر على التوازن مع حزن اول خسارة لحرب شخصية. استلم الطبيب الاسرى وذهب الى عيادته تاركا الملك مع دائه بلا اية واجبات اضافية سوى الاستمرار في الانتظار الى ابعد جرعة دواء ، واقصى غرغرة تعقيمية
في الصباح ، وضعت القيود في معصمي (اراد نانا) وسحل مثل تيس مشاغب من سريره الى عربة مكافحة الانقلابات. مر بعشرات الصفعات وبمختلف انواع الركلات الى ان دخل علـى الملك المتمتع بحياته الذي قال بدبلوماسية سوداء :
- فشلت وصفتك يا طبيبي رغم انني لم اشرب بعد وجبة العشاء غير الماء.
توجهت ابتسامات الاعجاب الى منصة العرش ، ولكن (اراد نانا) باغت الملك بسؤال :
- ماذا تناولت في وجبة الفطور ؟
استخدم الملك اصابعه وهو يعدد :
-قعنون من البر يخلطه سمن من اطياب البقر وعسلا من حضرموت.
ارتجف صوت الملك وهو يتابع :
- وشربت الشاي.
غابت الابتسامات عن الوجوه وظهرت واسعة على شفتي (اراد نانا) الذي قال :
- تشرب الشاي مع الفطور وتريد لوصفتي ان تنجح ؟!
وفي دار الاستراحة من القرارات الصعبة ، اعترف الملك بشكوكه الامنية ، فلا شيء احزن من احساس المرء انه بلا قوة ، تحدث عن ذلك الفـاعل الخفي ، صاحب لعنة المرض ، الذي يتمتع بأقل الاوجاع شأنا. هذا الفاعل السوي يدرك تماما ان الفخ الحقيقي هو طبيب بارد وحظ طائش. اظهر (اراد نانا) بشائره ، واعلن للملك عن نجاح اختبارات مفعول الحبة السوداء. قال هذا ثم اسقط حبة واحدة في كف الملك الذي لم يكن قد عرف المقاييس الفلسفية والفيزيائية للحجوم ، وكان وقتها يتعامل مع الاشياء وفق الحجم الاكبر انطلاقاً من منطق ان الفارس الشجاع هو ذلك الذي يبدو اضخم من حصانة ، لذلك حافظ على مخزون الامبراطورية من الاسرى ولم يقل شيئاً. اجرى (اراد نـانا) عملية الطحن والسلق بسعادة ، واثبت للملك ان هذه الحبوب الشبيهة بخراء الفئران تتمتع بمكانة كهنوتية وعشبية في آن واحد ، وانه عالج بها اغلب الامراض المعروفة ، وان الاسرى الذين اخرجهم الطاعون والجدري وامراض القلب من خدمة مجد الامبراطورية يتمتعون الان بعافية الحبة السوداء وينتظرون في حوش القصر ان يطل عليهم الملك من شباك انتصاره ليمنحهم بركة العودة الى اعمالهم العمرانية المميتة. نهض الملك وذهب ليشاهد آلاف الرؤوس الهاتفة متجمعة على امتداد بصره ، متوحدة في عريها الخاضع ، ينتشر ذلها على هكتارات القصر. خطف قدح الغرغرة وامر طبيبه ان يسحب جموع الاسرى الى عيادته. ابتلع (اراد نانا) غرغرته التجريبية المحبوسة في فمه ، واسرع في الخروج دون ان يخفف عذاب الملك النفسي من ذكرى ختانه المتأخر. اخذ الملك جرعة من السائل الاسود وعلى صوت الغاءات الخارجة من حلقة ، بدأ يفكر بضرورة ترشيد التجمهر الاحتفالي...............
.يتبع (حلقات) بعون الله


التوقيع
ليست مشكلتي ان لم يفهم البعض ما اعنيه
وليست مشكلتي ان لم تصل الفكره لأصحابها
هذه قناعتي ..وهذه افكاري...وهذه كتاباتي بين ايديكم
اكتب ما اشعر به ... واقول ما أنا مؤمن به
ليس بالضروره ما اكتبه يعكس حياتي ... الشخصية
هي في النهاية.... مجرد رؤيه لأفكاري..
تخاطب من يمتلك عقلاً و وعياً كافياً ...
ابو حسين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-03-2008, 04:16 PM   #2
-||[عضو VIP]||-
 
الصورة الرمزية ابو حسين
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: سوريا
المشاركات: 6,053
معدل تقييم المستوى: 20
ابو حسين is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى ابو حسين
افتراضي


لم يستطع المحافظة على بهاء يقظته اكثر من اسبوع. كان يصر على قطع المحاورات السياسية بفرك عينيه ، محاولا اظهار علامات النوم كي لا يتوصل الجواسيس الى حقيقة انه بدأ يحس بتورم في وجهه ، الا ان الاخطاء الجيبوليتيكية التي كان يرتكبها بلا رحمة اعطت للمتشددين فرصة إعداد المكائد ، واظهار استهتاره السياسي بمظهر الاستبداد والتعصب. كان يدير شؤون الامبراطورية وهو يتثاءب ، ويحك رقبته تدليكا للتشنجات التي تخشب جذور رأسه ، ناصحا بعدم النوم على الاثداء العالية ، ولكنه قتل اشاعة انه يشكو من ارق حربي ، عندما فشل يوم الخميس في تحديد مكان باب الخروج من قاعة العرش ، وشاهد الجميع كيف ان الملك داخ ولم يستطع العثور على اتجاهاته. شعر بالخوف للحظة ، ولكنه استعان بالسيف ليمسك بهيبته ، عندها انتفخ بالحزن لانه صار مثل قحبة عجوز. لازمه هذا الشعور الى وقت متأخر من عمره حتى تحول في النهاية الى حصاة سوداء في كبده ، وندم وهو يذهب الى مصيره على رفضه مد شبكة من المجاري الفخارية في الاحياء القريبة من سهام الاعداء ، وعلى قطعه مخصصات الارامل ، وعلى فرضه الضرائب التعجيزية على مستغلي الارصفة المدنية ، هذا اضافة الى تقليله المناسبات الاشورية ، والغائه العطل الرسمية ، وترشيقه الاحتفالات الشعبية ، واحتكاره الطحينية.
كان يحاول الاقتراب من سريره ، ويفتعل التقلبات الجوية مستهديا بخيال حدسه وليس بقراءات ديوك اهواء الريح ، ويجازف في فتح النوافذ للبعوض في غفلة من سكان القصر كي يتسنى له اختيار المكان المناسب للاجتماعات وممارسة وظيفته بلا حركة اضافية وبلا نقاشات تجفف بلعومه. كان يحب ان يبقى بالقرب من مكان النوم ، ومن طاسة الماء البارد والكمادات السرية. ومنه تعلم اصحاب الدخل المحروم اكل شوربة البرغل والعدس والبرمة واليخني وحامض الجبن العابص في حملة لتخليص شرف الفقر من غواية البروتين الحيواني معاديا بهذه النشاطات الابتسامة الطبية التي اعتقلتها عربة مكافحة الانقلابات وبقيت صامدة على وجه (اراد نانا) رغم اصدار الملك مرسوم تحريم الشاي. وفي وقفته الذليلة شرح الطبيب كيف ان الحبة السوداء تتجاوب مع المشروبات الساخنة ، وهي بهذا تختلف عن القبيلة البيبونية المغرورة ، واخيرا قال معالج القصر :
( لقد أسأت يا مولاي الىالسمعة الشفائية لهذه الحبةالمقدسة ).
في غرفة الفحص استعاد (اراد نانا) قدرته الخطابية وقال بحزم ان طب الحبة السوداء خرافة لابد من نسيانها ، وانه قام بتوعية الناس واجبر بأدلته المختبرية الكهنة على سحب احاديثهم التي يتاجر بها سوق العطارين ، وشرح للملك كيف استطاع التوصل الى استغلال معامل صناعة الخمور في استخلاص الزيوت من النعناع والكرفس والبصل والحوت والثوم والباذنجان ، ثم غاب للحظات وعاد ليدخل على الملك في حجرة المرض ومعه مجموعة من البسط والسجاد ، صناعة مدينة (محفورة) ونشرها امام الملك مظهرا الرسوم التشريحية لجسم الانسان. وبعد ان شرح له عمل الدورة الدموية والجهاز التناسلي والهضمي وكيفية قياس ضغط الدم وعدد دقات القلب ، اشار بخنصره الى نقطة حمراء تقع في بداية البلعوم ، وقال بصوت صحي :
- هذا هو بيت الداء يا مولاي.
اقترب الملك من السجادة التي غطت جسد الطبيب. تلمس نعومتها وقال ببحة مرضية :
- اهذا هو ؟
- نعم يا مولاي .. التهاب في اللوزتين.
(تعنقش) الغضب على ملامح الملك الذي قال بانفعال :
- ذبحت نصف ما نملك من اسرى من اجل ان تقلب التين لوزا.
احمر رأس (اراد نانا) وكأن نولا سريعا نسجه مع السجادة ، فعاد لتوضيح الامر :
- كلا يا مولاي .. الانجاز الحقيقي يكمن في الزيوت الجديدة.
شرب الملك المدهون بلا حول من سلطة ولا قوة من جيش كميات كبيرة من زيت النعناع وخل التفاح وعصير الثوم. شعر بالخدر ينتشر في رقبته وحلقه وابتسم لهمس الطبيب الذي باح له باسرار امراض نساء (الترتانو) و(رب شاقي) و(الاباركو) ، واستراح لصوته المنـزلق بلا اعتراض من البغلم ، ودحرج بسخاء لذيذ اسطوانة موافقته على كتاب الطين المتضمن طلب استخراج الف اسير سياسي ، وقام بعد خروج الطبيب باول تجربة لتحديد مواقع الاجهزة الانسانية على مساحة جسده ، وباجراء اول عد له في حياته لنبضات قلبه.
تمرد الوجع على اخضرار الملك ، واخذ يستيقظ معه ، يرافقه الى العرش ، ويقاسمه السلطة. اكتفى بحاسة البصر وراح يمد نظرة حزينة مراقبا بحسده المدمر الذين يتكلمون بحرية ويمارسون وظائفهم بلا صداع. كان يبدد اوقات الدوام المسائي في الجلوس على سطح القصر والنظر الى يوميات الناس وهم على جهلهم الارادي بوظائف الكبد والغدة الدرقية ، متفكراً في شماتة صحتهم بآلامه الملكية ، متصيدا حكمة الامراض ، محاولا اقناع خوفه بان ما يحدث له يصيب ايضا الفلاح والمقاول والجندي ولا علاقة له بالسلطة التي في يده. اخذ يتكلم مع الالهة بقلبه معاتبا لانها لم تخلق له عدة ازواج من اللوزتين ، واربعة عقول ، وخمسة قلوب تمكنه من اداء واجباته بلا اجازات مرضية. وقبل ان يذهب الى مصيره بايام ، عثر في افعاله على محفزات هذا التفكير عندما اكتشف انه صار اكثر وعيـا وادق ملاحظة واوسع اهتماماً بصغائر الهموم ، وعرف أن الانسان بمكوناته اللحمية هو المنبع الاول لفكرة الحضارة ، وان نظام التشغيل الذاتي بدءا من الدورة الدموية وانتهاءً بمنظومة التخلص من الفضلات ، هو العالم الخارجي نفسه بدوله وتأريخه وحروبه واقتصادياته وسياسته. لم تكن هذه الاستنتاجات واضحة في مرحلة علاجه بالزيوت ، الا انها اخذت تتضح مع معرفته مراحل الهضم ، واكتشافه السري لافعال الغازات ، واستطاع في فترة وجيزة من الجهر بافكاره عندما قطع مناقشات مجلس الحرب بالقول : ( علينا ان نعرف كيف تعمل المثانة على طرح مياهنا الداخلية اذا اردنا اقامة المشاريع الاروائية على نهر الخوصر). ولكنه سرعان ما عاد بتصرفاته الى جهل ما قبل الالتهابات بحجة ان الاطباء يختلقون المحاذير فقط ولا يتكلمون عن قدرة الاجهزة البشرية على مقاومة العادات السيئة. حدث له هذا عندما تأكد تماما من فشل الزيوت في تحقيق النصر;
سبق (اراد نانا) عربة مكافحة الانقلابات ودخل على الملك في مخدعه بلا حياء ، وقال له انه الان فقط يستطيع القول ان طب الزيوت قد انقرض وانه جاء ليفرح قلب الملك ببشرى نهاية عصر الزلوع والشبرلخ والزعبور الازرق. وقبل ان يتمكن الملك من الوصول الى سيفه ، مد (اراد نانا) ذراعه وفتح كفه امام وجه الملك الملطخ بالكحل واحمر الشفاه ، والمبقع عند الانف والفم بافرازات عاطفية متيبسة. وقع بصره على حبة صغيرة تشع بياضا في كف الطبيب. اخذ الملك وضع الجلوس دون ان يستر عريه ، وسأله باندهاش جاهل :
- ما هذه ؟
رفع (اراد نانا) رأسه وهو يقول :
- الاسبرين يا مولاي .. حبة اسبرين .. لقد ساهم مرضك في دفع عجلة العلم الى مسافات شاسعة. بفضل آلامك يا مولاي ، استطاع الطب ان يتقدم ويحقق نصرا كبيرا على الامراض .. اننا الان بفضل عذابك نتطور في كل دقيقة ، وها هي معجزة التهاباتك تفتح لنا فتحا مباركا.
امسك الملك بكف (اراد نانا) وراح يتفحص الحبة باحثا بانفه عن رائحة ما :
- وما فائدتها يا طبيبي ؟
- تبتلعها .. بعدها يزول كل شيء.
احمرت عين الملك ، وهو يقول مهددا :
- اسمع يا (اراد نانا) .. سأسلخ جلدك ثم اسلقك لثلاث ساعات واتركك لشمس سطح القصر حتى تجف ، وبعدها اطحن لحمك واقدمه علفا لدود صيد الاسماك ، وهذا النوع من التعذيب يطلق عليه الطريقة البرغلية. أما عظامك المتبقية من عملية التمليخ ، فلن احترم منها غير جمجمتك التي سأضعها هنا تحت سريري لأتبول فيها عندما تحصرني الحاجة. هذا ما سأفعله بك يا (اراد نانا) اذا لم تصدق معي هذه المرة.
ربت الطبيـب بكفه الصغير علـى فخذ الملك العاري ،
وقال بشجاعة :
00000000000000000000000000000000000000000000000000 يتبع


التوقيع
ليست مشكلتي ان لم يفهم البعض ما اعنيه
وليست مشكلتي ان لم تصل الفكره لأصحابها
هذه قناعتي ..وهذه افكاري...وهذه كتاباتي بين ايديكم
اكتب ما اشعر به ... واقول ما أنا مؤمن به
ليس بالضروره ما اكتبه يعكس حياتي ... الشخصية
هي في النهاية.... مجرد رؤيه لأفكاري..
تخاطب من يمتلك عقلاً و وعياً كافياً ...
ابو حسين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-05-2008, 12:06 PM   #3
-||[عضو VIP]||-
 
الصورة الرمزية ابو حسين
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
الدولة: سوريا
المشاركات: 6,053
معدل تقييم المستوى: 20
ابو حسين is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى ابو حسين
افتراضي


اتفقنا يا مولاي.
دبت العافية في القصر وظهر الملك وهو في كامل عدة مستلزمات الخروج في عملية عسكرية ، ورغم ان البحة بقيت ملازمة لصوته طوال اهتماماته بالامور الادارية ، الا ان قوته الخفية والمتمثلة بشخصية ذلك الظل القوي الذي يسقطه غيابه في أرجاء نينوى ازدادت فعالية في الايام التي تلت حتى صار ذلك الظل اكثر هيبة من لحمه ودمه. عاد وزنه ليستقر على بدانة ما قبل المرض ، وقام بتوسيع جناح الحريم ، واستحدث العديد من الاحتفالات الشعبية ، ودخل في اربعة حروب ، ونجح في الغاء سبع معاهدات ، وقد لاحظ بلا ندم غياب تلك الافكار عن حجرة رأسه ، واهمها علاقة الغذاء بالطاقة. عاش الملك مع الاسبرين حياة مستقرة المعنويات رغم ما كان ينتابه من جزع كلما زال عنه المفعول. ساعده ضيق الوقت على مسح ذاكرة المرض ، واكتشف من سهولة قراراته الجديدة انه كان يمارس السلطة قبل الالتهاب بالخواطر فقط ، وانه كان يعتمد في تمشية امور الامبراطورية على الشجاعة والفحولة. الشيء الوحيد الذي وجده يستحق التفكير هو خطورة ترك الامراض بلا علاج ، فالوعي الذي مر به اثناء مرضه يدل على ان الافكار تنطلق من الرأس بحرية عندما يكون الجسم معلولاً ، وبما انه اصيب بالتهاب في اللوزتين ، فهذا يعني ان الذين يعانون من سوء التغذية والربو وامراض الرئة هم على درجة عالية من الحكمة ، وانه بمرضه المتواضع هذا لا يستطيع التكهن بالافكار العظيمة التي تدور الان في رؤوس طبقة الشارع الذين تتوفر لهم أكثر منه فرصة الاصابة بالسرطان وتشمع المعدة. وقبل ان يذهب الى مصيره بساعة ندم على فوارق الزمن وشجب اهماله للكثير من القضايا المهمة ، ولكنه كان يعرف اكثر من مشجعيه انه الان أشد عداوة من أي وقت لشهوة العودة الى الوراء.
دلت هيئة (اراد نانا) على ان امورا تفتقر الى اللطف قد جرت في عربة مكافحة الانقلابات. لم تساعده القاعة الرياضية التي جمعته بالملك على تحصيل الاطمئنان ، فقد اظهرت المعدات الغريبة والبعيدة تماما عن فن الحيوية والنشاط عداءا غريزيا للكمال الجسماني. ابتلع الطبيب ريقه واخذ يمارس مهنته محاولا افهام الملك ان الاكثار من المسكنات يمنح المرض مناعة دفاعية ، وقال ايضا : ( الدواء يا مولاي مستحضر يؤثر على صحتك ، واستهلاكه خلافا للتعليمات يعرضك للخطر. اتبع بدقة وصفة الطبيب وطريقة الاستعمال المنصوص عليها في الرقم الطينية ، ولا تكرر صرف الدواء دون وصفة مني ).
تجاوبت ملامح الملك مع هذا التحذير ، وتحولت مظاهر الغضب الى احمرار وخجل ، ولكن (اراد نانا) انقذ الموقف باخراجه للكبسولة وعرضها بلونيها الابيض والاخضر امام انظار الملك الذي سأله بلهفة :
- ما هذه ؟
اعاد (اراد نانا) ترتيب ملابسه بحركة بطيئة منتقما ببروده من الرجل بعد ان فتح كلامه ثغرة ندم في وجدانه الملكي وقال :
- العلم في تطور يا مولاي .. نحن نتقدم بفضل مرضك المقدس. واليوم يسرني ان ازف اليك بشرى اختراعي للامبسلين .. والامبسلين هو مضاد حيوي قاتل للجراثيم يؤثر على غالبية الجراثيم موجبة الغرام ، ومن الجراثيم موجبة الغرام يا مولاي المكورات العنقودية والعصوية والجمرية ، ويؤثر الامبسلين على الجراثيم السالبة مثل المستديمة النزلية والمنقلبة الرائقة والمشوكة القولونية.
تساءل الملك بوجل :
- وجراثيمي هل هي سالبة ام موجبة ؟
وضع (اراد نانا) سبابته على حنك الملك وقال :
- لا تفكر بهذه الامور يا عزيزي الملك .. انت الان مقبرة.
عمل الملك على تقسيم يومه الى اربع جرعات ، وما ان شرع بقتل جراثيمه حتى اكتشف فداحة التأثيرات السياسية والادارية التي خلفها علاجه البدائي. كان القصر يبدو مع المتسكعين في طيبة قلبه مثل كازينو سياحي ، وكانت الاراء والاجتهادات والاقتراحات تسمع بوضوح في الاروقة والطرق الحلزونية ، واصبحت الابواب السحرية والسراديب والغرف السرية والجدران المتحركة والبلاطات الميكانيكية المبتكرة خصيصا لانقاذ الملك اصبحت مباحة لتحركات الخدم والعبيد ، ووجد ان الربيع قد عاد في اثناء مرضه ووزع على كل صديق من اصدقائه الذين يتمتعون بالطموح شوكة جديدة خضراء.
في صباح اليوم الثاني ، عاد صوته ليستقر على وتر واحد. وفي اليوم الثالث بدأت الانتفاخات تخف ، واشرق بصره بالصفاء ، وغابت الحرارة في اليوم الرابع. ومع نهاية الاسبوع خرج على رأس جيشه لتأديب البلدان القريبة بعد ان ترك خلفه امرا بتغيير القرارات التي كان قد اتخذها في ظروف مرضه. وبعد عودته من النصر ، استقر عزمه على الاهتمام بالصحة ، ولكي لا تكون بدعة حكومية فقد كلف وزير الحرب بالعناية بالصحة العامة ، وفتح الدورات التمريضية للكهنة ، الا ان هذا الامر بقي في حدود الطبابة العسكرية لان الملك احتاج في ذلك الوقت الى نوع من الفساد الاداري في محاولة منه لنسيان ذلك المرض الذي كان ينشر العدل والرحمة والمحبة والافكار العظيمة. وسرعان ما اظهر كرهاً كبيرا للاطباء ورفض مقابلة (اراد نانا) اكثر من مرة وتوقف عن اجراء الفحص الروتيني والتحاليل الدورية. كانت تلك التصرفات هي ابشع ما حفظت ذاكرته ليوم ذهابه الى مصيره ولم يستطع كتم اعترافه بهذا الاثم فباح لطبيبه باسرار ثورته على نفسه وكيف حارب باصرار فوائد المرض ، وقال بان الخير هو ان تتخلى عن نفسك وهذا الامر لا يصح اذا كنت تريد ان تبقى كبير الرأس. ومن اقواله المهمة ايضا : ( نحن في الحياة نركض خلف القوة ونبحث عنها في المال والعافية والسلطة والعلم والسيف. ليس هناك من هو افضل منك أو اصلح ، بل هناك من هو اكثر منك قوة ). حاول (اراد نانا) البقاء في بيته اطول وقت ممكن كي لا يجعل الحراس يفقدون اعصابهم من مشقة البحث عنه. وفي فجر بارد سمع الطبيب وهو في فراشه الضجة التي عادة ما تحدثها عربة اخماد الانقلابات الا ان طريقة الاستدعاء كانت تليق بحضارة نينوى. وفي القصر أثار الاستقبال الفخم مخاوف (اراد نانا) ، واخذ الترحيب الحار يعصر قلبه ، وشعر بحكة في اصابع قدمه ، وكاد عصب عينه اليسرى المشدود يقفل بصره عندما ادخلته موسيقى المراسيم الى حجرة عارية الا من الملك الواقف بجوار الشباك. اراد الانحناء الا ان الملك امسك بقامته وضمه اليه بشوق ومحبة. وبعد ان تبادلا عبارات الترحيب والعتاب ، قال الملك بانكسار :
- لقد عادت الالام من جديد يا طبيبي.
رد الطبيب محاولا ابعاد السبب عن مهارته :
- ان مرضك يا مولاي محط تقديس العقاقير ، وآلام عظمتك اشجع من ان تهزم بكبسولة.
- ولكنني اتألم.
- ونحن ايضا يا مولاي.
سأله الملك بعد استراحة :
- سمعت ان الطب قد تقدم في هذا الاسبوع.
اجاب الطبيب وفي عينيه اضواء الابتهاج :
- نعم ، وهذا بفضل مرضك المقدس يا مولاي .. بالامس اجريت عملية زرع رئة ، وفي صباح اليوم تمكنت من استنساخ حصان. لقد اصبح لدينا الان بفضل التهاب لوزتيك جيشا من جنود الانابيب.
- وماذا عن التهاباتي يا طبيب ؟
دار (اراد نانا) حول الملك الذي بدا برأسه الكبير مثل زهرة عباد الشمس وقال :
- من الممكن الان يا مولاي في ظل التطور الذي حدث ، اجراء عملية جراحية لاستئصال اللوزتين ، فقد استطعت قبل ايام من اختراع التخدير وجهاز تخطيط القلب ، ومن المؤكد ان هذه العملية ستنجح وستزول متاعبك الى الابد ،ولكنني لا استطيع ان ارتكب هذا الاثم ، فأنت تعلم يا مولاي بانك من الرموز المهمة في حياتنا ، واعضاء جسمك لها ارتباطات روحية بالمطر والمزروعات والفصول والطالع والخير والشر وتفسير الاحلام .. نحن لا نعرف يا مولاي غير العضو المرتبط بالخصب ، اما باقي الاعضاء فلا نعرف عنها شيئا. قد تكون للوزتيك علاقة بفصل الربيع او بهطول المطر او بتكاثر الحيوانات ، فهذا يعني ان الربيع سينزل الى العالم السفلي ، وان المطر سيتوقف ، وان الحيوانات ستنقرض .. هناك الكثير من المخاطر يا مولاي ، فربما بقطعنا للوزتيك نثقب طبقة الاوزون او نلوث البيئة.
اصفر لون الملك وهو يتساءل :
- واين الحل ؟
- ارى ان نرسل في طلب (الاشيبو) ليقوم باستخراج الارواح الزائدة من جسمك ، وانقاذك من ارهاب الشياطين.
- ولكن (الاشيبو) الاحمر وجماعته من الكهنة لا يفرقون بين الملك والفلاح ويستخدمون الفاظا بذيئة ويستعملون ايديهم وارجلهم في العلاج.
ابتسم (اراد نانا) قبل ان يقول :
- هكذا هي ديمقراطية المعابد يا مولاي.
فتحت قاعة التعازيم وتمدد الملك على الحصيرة وهو بعريه الرحمي في انتظار قدوم (الاشيبو) الاحمر الذي اخفى ساعة حضوره لكي يترك العين الشريرة تأخذ علاماتها وتعطيه الفأل الذي يريد. ولكن الانتظار طال اكثر مما يستطيع الملك احتماله وهو بلا غطاء ودون طعام وماء. حاول (اراد نانا) مد الملك بالعزيمة والصبر واخبره بانه اطلق عشرات الخنازير البيض في الشوارع المؤدية الى القصر لكي يشاهدها (الاشيبو) طارد الارواح وهو يقطع الطريق اليه. وفي الفجر اعلنت روائح البخور عن قدوم (الاشيبو). فتحت الابواب امام الخطوات الثقيلة والترانيم. بدا (الاشيبو) الضخم بثوبه الاحمر الواقي من الارواح ، وبالاغصان التي يحملها مثل شجرة الزواكيم الجهنمية. وبعد ان جلس (الاشيبو) على الارض ، قام خادمه بتغطيته بجلد السمكة ليعلن عن صلته بهايا آله المياه الجوفية والتعاويذ السحرية. وضع (الاشيبو) يده الباردة على بطن الملك وقال :
- الاشيبو الذي خلق فـي نينوى ، مدينة هايا المقدسة ، انا هو .. بيدي احمل عصا الصنوبر ، سلاح هايا المقدس .. بيدي احمل غصن شجرة الشعائر العظيمة فقل ماذا تريد من سيدك الكاهن.
ارتجف الملك وهو يقول :
- مولاي العظيم .. الشياطين تستوطن جسدي ولا سلطة لي عليها. اريد من سيدي ان يخرجها من جسدي بالخدعة ، وسأكون عبدا لسيدي مدة عام.
- لا تخف ايها العبد فكل الخنازير التي شاهدتها وانا في طريقي اليك كانت بيضاء اللون.
انقطع كلام (الاشيبو) وتحول الى غمغمة ايمائية ، ثم ما لبث ان جمع جسده وغاب تحت جلد السمكة ، وقام برقصة السباحة ضد التيار ، اعقبها برقصة التكاثر ، وانتهى برقصة الوقوع في شبكة الصياد. عندها عاد ليقول بصوت آخر :
- عد ايها العبد الى ايامك القديمة .. عد الى صباك وطفولتك وابحث في ذاكرتك عن امنية حقيرة لم يحققها لك احد .. فتش
عن رغبة شريرة لم يصل اليها قلبك.
ارجع الملك حياته الى الوراء وبحث عن شيء لم يستطع فعله ثم قال :
- النوم .. لم انم في حياتي لست ساعات بلا انقطاع .. والثانية ألا يكون قرار الموت في يدي.
قال(الاشيبو) بغضب :
- ابحث عن فعل شرير يغري الشياطين.
- نعم .. نعم .. كنت احلم ان املك دكانا صغيرا في السوق ابيع فيه الشاي والسكر والملح ، وان اعود الى بيت صغير لي فيه امرأة دميمة يعيش القمل في رأسها ، تحبل بالقبلة ..
- قلت لك ابحث عن فعل شرير.
- اليس هذا هو الشر يا سيدي ؟
القى (الاشيبو) الاحمر دائرة سحر هايـا وعصا الصنوبر ، ثم خلع جلد السمكة بحركة متهورة ، وبصق في كفيه ومسح الوان صلعته وانسحب من القاعة تتبعه جوقة الترانيم. ركض الملك خلف (الاشيبو) وهو بعريه الساطع واوقفه عند باب القصر امام حشد هائل من تلاميذ المعابد جاءوا للقبض على الشياطين. قال الملك وهو يلهث :
- استحلفك بالعزيز هايا ان تعود وتحاول من جديد.
استرد (الاشيبو) ذراعه من قبضة الملك وقال :
- عليك اللجوء الى (البارو) لعله يستطيع العثور على الذنب الذي ارتكبته.
طال انتظار الملك لكاهن (البارو) حتى طبعت الحصيرة الثلجية علامات الذل والفاقة على جسده المنكمش. شعر (اراد نانا) بالشفقة والحزن على الرجل ، وحاول اقناعه بان هذه المذلة الطقسية تزيد من احساس المرء باليأس ، وتدفعه الى الاعتراف ، وقال ايضا :
- من المهم ان تتعذب مثل المجرمين يا مولاي.
تساءل الملك وهو يسمع الترانيم والدفوف المرافقة للبارو :
- لماذا تتركون ثيابي وتمسكون بي ؟
احاط الراقصون (بالبارو) الحامل للدلو المقدس ، وبدأوا بتقليد جنون النار ، تحركهم الانغام الصاخبة ، ويساندهم دخان البخور ، وجوقة القراءات الصامتة. اخذ (البارو) الملفوف بقماش ابيض يرش الراقصين بالماء. خبت الرقصة ، وتهالك الراقصون ، وراحوا يزحفون مبتعدين باجسادهم السود عن دائرة الاحتفال. تقدم خادم المعبد والبس الكاهن فراء الثعلب. جلس (البـارو) على الارض ووضع يده
على بطن الملك ، ثم انشد :
- انا البارو كبير الوسطاء .. انا من تتكلم السماء في اذنيه فقل ما تريد.
التزم الملك بالخشوع المسيطر على المكان وقال بصوت متصوف :
- اريد الشفاء لبدني ، والسكينة لقلبي.
ومثل افعى زحفت يد (البارو) على الجلد المعقم حتى قبضت على رقبة الملك. قال الكاهن شامتا:
- يبدو انك تعمدت اغضاب الالهة في امر ما.
رد الملك مستعطفا ظنون (البارو) :
- لقد حافظت عليها بقوتي ، وبنيت لها المعابد ، وقاتلت ضد اعداد كبيرة من زملائها ، وجلبت لها تماثيلهم مقيدة باغلال الذل والهزيمة.
- اين ذنبك ؟
رد الملك بصوت مختنق :
- لا ذنوب للملوك.
قفزت يد (البارو) وصفعته ، ثم عادت لتستقر خانقة رقبته :
- لا سلطة لك الان .. فتش ايها الحقير في حياتك عن ذنب ارتكبته.
- لم افعل شيئا.
قفزت يد (البارو) مرة اخرى وصفعت الملك :
- تذكر ايها النجس .. هل احرقت الزرع او تركت الاشجار تموت عطشا ؟
- فعلت هذا في انتصاراتي لاسباب اقتصادية حتى تتحكم نينوى بالاسواق وتحتكر الزراعة والقوت العالمي.
- تذكر ايها المجرم .. هل أسأت الى عقلك وروحك ؟
- منحت عقلي العلم وروحي الايمان.
- تذكر ايها الميت .. هل أسأت الى جسدك ؟
- البسته افخر الثياب واطعمته الذ الطعام ووفرت له الماء والنساء.
استمرت التحقيقات الالهية مع الملك حتى الفجر ، ومع الصباح تحول البحث عن الذنب ليشمل دوائر الامبراطورية ، وقام (البارو) بالتحقيق مع الخدم والحرس ونساء الملك ثم تنكر بزي بائع سمك ونزل الى الشارع ليحرض اهل نينوى على الكلام. وبعد اسبوع استلم الملك براءة ذمة الالهة من مرضه ، واستطاع وهو يستمع الى (البارو) من رؤية قداسة
تلك الدمعة التي هدرها الحزن :
- مولاي .. شرف كبير لنا ان تكون الوحيد الذي لا اثم له ، ويسعدني ابلاغك ان الالهة تأمل ان تستمر على نظافتك حتى النهاية.
بدأ الملك بالاستعداد للذهاب الى مصيره بلا عناد. ازدادت خسائره الجسدية ولكنه كان اكثر تعقلا من التكهنات. ترك الى الابد هواية القلق وكف عن عادة عد نبضات قلبه. منحته الحمى وقتا اضافيا للاسترخاء الفكري ، ووظف الاعياء في الجلوس لاطول فترة على عرشه. كان يخرج من اجتماع ليدخل في آخر دون ان تمس القرارات قناعته التي تقول ان العالم قد انتهى ، ولكن طموحه لم ينته عند تكريم المعابد له ، فقد عثر على المزيد من الافكار التي راح يدجنها لصالح ضميره ، وتوصل وهو يراقب الحياة من عيونه الكثيرة الى معضلة فلسفية شديدة التعقيد ، جاءته في مهرجان ترفيهي عندما كان يشاهد الاسود المروضة وهي تأكل الحشائش وتصافح الغزلان ، عندها خطرت له الخاطرة الباراسايكولوجية التي تقول : لم تعد العاهات والامراض هي الاستثناء.
وفي صباح متوازن الحرارة اكتشف الملك أن الامور فـي القصر تسير ابطأ من استرخائه ، وان الوظائف اصبحت اقـل من مستوى خموله المعتاد ، وانتبه الى ان الخدم فقدوانشاطهم النملي ، واحتل الهدوء الاروقة وقاعات الانتظار. وفي الساعة التاسعة المخصصة للحرب ، ولحظة ان كان (الترتانو) يشرح خطة الاستيلاء على الشريط الساحلي للبحر الابيض المتوسط ، انتبه الملك الى ان قائد الجيش يجد صعوبة بالغة في حمل عصا التعليم ، وانه كان يقاتل بضراوة متجنبا السقوط في منضدة الرمل. وعندما سحبه الملك الى الانفراد وفاتحه باستعداده للموافقة على منحه اجازة زمنية يعالج فيها مشكلته الصحية قبل الاقدام على الغزو ، قال له الترتانو باعياء :
- الاجازات الان تمنح للاصحاء فقط يا مولاي.
وبقي الملك بلا يقين حتى قرأ في الصباح الثاني تقارير الحالة الامنية للامبراطورية وعرف مقدار التضحية التي بذلت من اجل ألا يكون بمفرده مع المرض. ولارضاء قلبه قام بزيارات تفقدية في ارجاء نينوى وهو في عربة مصفحة بقوالب الثلج للبحث عن ادلة بصرية . و من محادثاته مع المتجولين و رجال المرور والارامل وطلاب المدارس استطاع العثور على اعراضه التي عممها الشعور الشعبي بالمصير الواحد.
احتفظ الملك بفرحته ، ولكن الخمول العام ، والحمى الجماعية ، والالتهابات الجماهيرية اخذت تتعارض مع همته العالية ونشاطه الاداري ، وبدا امام نفسه مثل رب اسرة منهك الجيب ، يركض قلبه وراء لقمة هربت منه في يوم زواجه. ومثل أب كبدته غرائزه بالابناء راحت رحمته تنظر الى معاناتهم ووجعهم الوفي. وهنا فكر الملك في خطورة ان تذهب نينوى باكمالها الى مصيرها ، وقال لنفسه قد يذهب الجيش اولا ، ثم تخيل الاحتمالات الاخرى ، واصابه الرعب من بقائه بمفرده في الامبراطورية بعد ان يذهب الاشوريون الى مصيرهم.
كان الطبيب في طريقه الى القصر عندما ارسل الملك عربة مكافحة الانقلابات لتقبض عليه. حافظ (اراد نانا) على هدوئه امام هذيان الملك الذي ضربت الحرارة رأسه :
- لم اكن اعلم ان فـي اللوزتين هذه الطاقة الطاعونية الرهيبة .. انها تفتـك بالاشوريين يا طبيبي .. خـذ كل الاسرى .. استخدم المصانع المدنية والحربية لتوفير كميات كبيرة من الاسبرين والامبسلين .. لا اريد ان ابقى هنا بمفردي لأتخوزق برماح اعدائي .. اريدهم اصحاء واقوياء فهناك المزيد من الاعداء.
حاول (اراد نانا) حمله الى السرير ، ولكن الملك فر منه وقرفص في زواية معتمة وهو يصرخ :
- الدواء .. الدواء.
قال (اراد نانا) مهدئاً :
- لا دواء للمحبة يا مولاي .. حدث هذا لهم لانك تعيش في قلوبهم. وظيفتك يا مولاي ان تشفق عليهم وتحزن على مصائبهم وليس العكس ، فانت من علمهم واطعمهم واغناهم وكبرهم وطورهم ، لذلك يجب ان تكون الاقوى على الدوام والارحم والاعدل والاجمل والاغنى .. كيف تريد للراعي في السهول ان يقول مسكين سيدي الملك انه لا يقوى على الحركة. وكيف تريد من ام فقيرة ان تفتديك ، فتمسك برقبة عنزتها الوحيدة لتهدر دمها على مذبح الدعاء وانت من يجلب السلامة لهم من السماء. هم ينتصرون يا مولاي على حزنهم وشقائهم وحياتهم الصعبة الذليلة لانهم خلفك ، لذلك فهم يشعرون انهم مرضى اكثر منك.
قال الملك بارتجاف :
- ولكن على احدنا ان يشفى.
امسك (اراد نانا) بيده وهو يقول :
- الميت لا يمرض يا مولاي.
وفي المساء ذهب في غيبوبة طويلة ، وعندما عاد الى وعيه وجد كاهن (الاشيبو) و(البارو) ومعهما اتباعهما من حملة المشاعل والمباخر وقد شكلوا حلقة حزينة طوقت سريره. سألهم عن الوقت اولا ثم عن حملة احتلال سواحل البحر الابيض المتوسط ، فاخبروه بان الجيش لم يستطع عبور حدود بلدية تلكيف بسبب الحمى. وبعد ان خرج من غيبوبته الثانية ظن انه يسمع اصوات طيور العالم السفلي ، الا ان ذلك الصوت كان صفير سيارة المرسيدس البيضاء المزينة من الجوانب بشمس حمراء وقد كتب عليها بالخط المسماري عبارة :
( سيارة الاسعاف الفوري لمكافحة الانقلابات الصحية). دخل (اراد نانا) على الملك يحمل تحت ابطه جهاز قيـاس ضغط الدم ، ومن رقبته تتدلى سماعة طبية ولكن الملك ذهب في غيبوبة اخرى قبل ان يرد على تحيةالطبيب. كانت تلك الغيبة هي الاكثر انهاكا فقد بدا في رجوعه وكأنه وصل للتو قمة جبل (كردهار). وجد الملك ابتسامة (اراد نانا) المظلمة تملأ بصره. قال له الطبيب وهو يبحث عن صوت قلبه :- تشجع يا مولاي.
كـان الملك يجمع الحروف بصـعوبة ولكنه استطاع الاستمرار في القول :
- هذا ليس الوقت المناسب .. انا لا اريد ان اذهب الى مصيري قبل موسم الحصاد فالزرع كما تعلمون يموت مع الملك وتنقطع الامطار وتحزن الارض .. اخاف عليكم من القحط والجفاف .. كيف ستحصلون على القمح والرز اذا ذهبت الان الى مصيري ؟
استخدم (اراد نانا) عواطفه العلمانية ليقول بصوت خافت :
- لا تقلق يا مولاي .. سنستورد القمح والرز من استراليا وتايلند وفيتنام فاذهب بسلام.
كان الملك يتمتع بشجاعة كبيرة ، وبدا له هذا الامر اكثر سهولة مما كان يظن ، واقل صعوبة من آلام ختانه المتأخر.


(تمت)


التوقيع
ليست مشكلتي ان لم يفهم البعض ما اعنيه
وليست مشكلتي ان لم تصل الفكره لأصحابها
هذه قناعتي ..وهذه افكاري...وهذه كتاباتي بين ايديكم
اكتب ما اشعر به ... واقول ما أنا مؤمن به
ليس بالضروره ما اكتبه يعكس حياتي ... الشخصية
هي في النهاية.... مجرد رؤيه لأفكاري..
تخاطب من يمتلك عقلاً و وعياً كافياً ...
ابو حسين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصه حياة خالد بن الوليد !!!ADO!!! منتدي السيرة النبوية والسنة المطهرة 20 05-27-2020 11:46 PM
موقع خاص في كرتون انا ستايا وردة يابسة منتدى عالم الأنمى و الكارتون 6 01-27-2019 12:38 PM
سوزان تميم إمرأة دمرها جمالها رياحين الهوى منتدي الاخبار الفنية 13 03-17-2012 06:30 PM
مدينة الخليل مدينة سيدنا ابراهيم عليه السلام" تاريخ وحضارة"معلومات مفيده وصور تفصيليه عـاشق الاقصى منتدي السياحه (رحلات وسفر) و المغتربين 7 04-05-2011 05:49 PM
(( دموع لا تجف ))ما هى الا قصة المحبين المعذبين الذين يحترقون بالحب ويرتوون بالدموع يوبنكا منتدي القصص و الحكايات - الأدب الشعبي 29 03-02-2009 07:09 PM


الساعة الآن 05:23 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.