قديم 10-27-2008, 12:31 AM   #1
المديـــــــر العـــــام
 
الصورة الرمزية Emad Alqadi
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
المشاركات: 23,990
مقالات المدونة: 35
معدل تقييم المستوى: 10
Emad Alqadi will become famous soon enough
افتراضي رغبة ... رهبة


رغبة... رهبة...
بقلم ... حسن الأشرف



تلسعك رغبة محمومة تماماً كما تلدغ الأفعى فريستها... جبينك يتصفد عرقا.. تتلألأ قطراته كأنك في سباقٍ مضني نحو صيد ثمين... تحمر وجنتاك خجلا من نفسك أم استجابة لنيران تضطرم في داخلك؟... عيناك المعلقتان في وجهك كمصباحين هرئين آيلين للتلف تزدادان اشتعالا كلما اقترب لهب جسدها منك... تصطك أسنانك الصفراء مثل أوراق ذابلة لا معنى لها... يلجم المشهد المثير لسانك فلا تكاد تبين شيئا... خياشيمك تفتح آلياتها على مصراعيها ليتزحلق شذى عبير الأنثى التي أمامك عبر جليد صيفك القائظ.. تقترب منها أكثر ورجلاك لا تقويان على حمل جثتك لا خوفا ووجلا وإنما ضعفا ووهنا.. تعتريك رعشة ساخنة تدب دبيب النمل في كامل أنحاء جسدك.. عطش في عينيك الزائغتين عن مكانهما كأنهما فأران تائهان ضلاَّ الطريق إلى جحرهما البئيس، ونهم بين شفتيك الجائعتين اللتين ترتعدان ارتعاد ذئبين متشردين لم يفترسا لحما منذ أمد طويل.. تطوف بخلدك صور كثيرة لمواقف مماثلة كنت فيها بطلا مغوارا لا يشق له غبار... فتوحات نسائية حفرت بذاكرتك المثقوبة بمعاول من صديد الإثم والزلل، ومغامرات لا حصر لها ولا عد ما تنفك تزين بها أحاديثك الكاذبة المنمقة... تجهر بما تفعله منتشيا كمن انتصر على عدو في حرب ضروس حتى صارت بذكرك الركبان وأضحت المدينة كلها تتحدث عنك وعن أعاجيبك التي فاقت كل حد.. تحملق في تضاريس جسدها المكشوف وتحفظها عن ظهر قلب كأي تلميذ نجيب، بَيْدَ أنك لا تدرك أن التضاريس التي فتنتك تخفي وراءها تضاريسا من نوع آخر.. وديان وأنهار من نيران سوداء لونها كالقر.. تستمتع بلحظات اللذة تلك فتحسبها أبدية خالدة غير أنك ما تلبث تعود القهقرى حين يبتعد عنك الأنيس والصديق، وحين تجلس وحيدا أعزلا إلا من نفسك المهشمة، وتضع رأسك الأجوف على وسادتك الخالية، فتغيب كل آثار غزواتك الآثمة ولا يبقى سوى ضميرك وحده... أتراه ما يزال حيا ينبض أم أنه مات من فرط غفلتك.. قد لا تكترث حالا لهذا السؤال، وقد تنفر منه وتشيح بوجهك إلى الناحية الأخرى حيث ترانيم الشيطان تنسج من حولك خيوطها العنكبوتية المتماسكة ببراعة فائقة.. تعود عيناك لتغرس سهامها المسمومة في بدنها.. تتعاظم الرغبة في نفسك وتستفزك حتى تحجب عنك ضوء الشمس، فتخسف بروحك في أرذل مقام يمكنك أن تتخيله!... لا تهتم لهذا الأمر أيضا كأنك لا تستسيغ كلام ناصح أو حديث واعظ.. تشرع في إلقاء كلماتك المعسولة وعباراتك المزوقة مثل خطيب مفوه أمام كاميرات التلفزيون.. مجرد كلمات مطلية بوهم كبير تعيشه ضحيتك الجديدة اسمه: الحب... غشاوة سميكة يصعب أن تنقشع من على عينيها... تتلاحق أمام عينيك صور أخرى تظل تتراقص في خيلاء زائف على وتريات كذبك المفضوح.. تتناغم الأنثى التي بجنبك على الإيقاع الطربي لكذباتك تلك... إنها تعلم أن ناصيتك كاذبة مخادعة، ومع ذلك تصفق لك وتطبل وتزمر..
تقول لك:" أطربني يا كروان.. أطربني واسقني بالتي كانت هي الدواء"، وتعلم أنت الآخر أنها مجرد أنثى مراوغة وماكرة تتقن فن الكر والفر، وأن صوتك لا يصلح للكلام حتى!.. هي أمور يقع توافق ضمني بين الطرفين حولها، ولا داعي لفضح طرف أمام الآخر.. كل واحد يؤدي دوره حتى ينال مراده ويقضي وطره... أدوار في مسرحية أنتما بطلاها أمام عيون متفرجين بلهاء لا يقدمون ولا يؤخرون.. تنبعث من فيك رائحة النبيذ مختمرا بمذاق لعابك المر مرارة حياتك التي تسير أمام ناظريك بإيقاع رمادي رتيب إلا من شطحاتك الهستيرية ونزواتك الغرائبية بحيث تركن إلى ركن مظلم مدلهم يقعد فيه الليل البهيم على جبينك يرفض الانزياح ولو قيد أنملة، مصرا على المكوث هناك طويلا، فلا تجد إلى بزوغ نور الصبح سبيلا، ولا تَلْفِ إلى شعاع شمس الأصيل طريقا.. حتى هذه الشمس تربأ بنفسها أن ترسل خيوطها الذهبية الصافية إلى ساحتك العفنة.. أما أنثاك التي بجانبك فتضرم النار في جسدها مرة كل يوم.. تموت بلا موت وتُسْجَن بلا سجن، وما فتئت تترنح في جو جنائزي بلا جنازة.. يكاد الصمت يلفها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها في بشاعة رهبة لا تضاهيها سوى بشاعة إبليس نفسه.. إنها تحدق في رغبتك الجامحة جموح حصان طروادة بكثير من العجز وقليل من الخواء.. لا تستطيع أن تغير فيك شيئا.. أمام المرآة، تنظر مشدوهة بعين ملؤها الرثاء الحزين إلى جسدها الذي لم تلمسه قط يدٌ طاهرة... وجهها الذي كان يوما كالبدر في أبهى حلله صار مثقلا بالمساحيق الساحقة والكدمات الصاعقة، ومترهلا من أثر السهرات المؤرقة.. بين ثنايا روحها المنهكة رَجْعٌ لصدى أسيف لكلمات تنتحر على أسوار أسواق النخاسة، وفي طيات صوتها المنكسر بوح عكرته زفرات يائسة، أما بين أناملها المرتعشة فينتصب الخوف كسيف حاد يختار الموت في جبروته وضمه لكل البشر موضوعا للوحة يرسمها دوما على عجل، ولكن الكبرياء يرمي أنثاك في غياهب اليم السحيق حيث لا تحسن العوم...

وأنت مازلت في مكانك لم تبرحه بعد، تستمرئ رغبتك وتدعو سدنتها لمد العون إليك، فأنثاك طفق يلوح على محياها بعض التبرم والنفور.. لاحظت أن شيئا من الاصفرار المشوب بالزرقة السوداء يعلو قسمات وجهها... تمسك بيدها اليمنى فتجدها باردة على غير عادتها... تشك في الأمر.. تتصاعد نبضات قلبك.. يفاجئك مشهد أنثاك تهوي على الأرض مباشرة.. أنينها يملأ أرجاء الغرفة... وحشرجات حادة تشق صدرها لتتلاشى في الهواء.. لم يسبق أن حدث لك هذا أيها البطل المغوار! كيف ستنقذها؟ وممن؟.. تمتلأ عيناك بالدموع.. تحاول رفعها للجلوس فتهوي ساقطة من جديد.. تسقط بين يديك جثة هامدة.. جثة هامدة؟!.. قتلتها يا مجرم!... تتراجع وتقول في قرارة نفسك مستدركا: "ومالي أنا.. فأنا لم أقتلها...". تزداد تراجعا إلى الوراء وتتساءل عن مصيرك بعدما حدث... بريء متهم أنت.. هكذا تصورت نفسك أمام تحقيق رجال الشرطة... تستعرض شريط حياتك كلها في ذهنك في لحظات قلائل... لم تعثر سوى على ما لا يسر أبدا... تحني هامتك في صمت قاتل، وتخرج وأنت تكفكف دمعا ساخنا رسم مجراه على وجنتيك... تندم على ما فرطت في حق نفسك وحق خالقك.. تعض على أناملك حسرة وخيبة.. فجأة، يأتيك صوت الأنثى ضعيفا وهنا: "أنقذني يا...".


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره
Emad Alqadi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 09:57 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.