قديم 05-27-2009, 05:07 PM   #1
-||[قلم من الماس]||-
 
الصورة الرمزية @عميد كلية الحب
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: في قلب من أحب
العمر: 32
المشاركات: 753
معدل تقييم المستوى: 13
@عميد كلية الحب is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر AIM إلى @عميد كلية الحب إرسال رسالة عبر MSN إلى @عميد كلية الحب إرسال رسالة عبر Yahoo إلى @عميد كلية الحب
الرجل الحزين ...من منشورات كتاب العرب


من منشورات كتاب العرب
عميد كلية الحب

الرجل الحزين
الرجل الحزين، قبل أن تمتد إليه كف السائق فتقتلعه وتلقيه في العراء المظلم.. كان يجلس في النسق قبل الأخير من مقاعد الحافلة العامة التي اعتاد أن يسلمها، كالآخرين، جسده المنهك من تأثير الخمرة الليلية التي يتعاطاها مع جلساء لم يتأكد له- رغم السنين المديدة التي صاحبهم خلالها- ما إذا كانوا من الأشرار أم من الأخيار.‏
الحافلة تخب به وبغيره من الركاب إلى مقربة من منازلهم. وهم هادئون لا يعكر صفو هدوئهم السارح، غير انفتاح باب الحافلة بروية وهدوء لينسل منه راكب بحيطة وحذر حتى لكأنه يخشى إذا غادرها أن تتقطع به السبل أو يهجم عليه وحش لا يدري لـه رداً أو اتقاء؛ وكان يلي فتح الباب انغلاق قاس لـه يحدث جلبة وقرقرة كأنها صادرة من معدة دب جائع. ولم تكن تثيرهم خضخضة المقاعد من تحتهم ولا صرير الأغاني والمكابح؛ فهم ساهون عن كل ذلك وسواه، باستعجالهم الوصول إلى بيوتهم الكليلة البائسة ليلقوا فيها أحمالهم الخاصة من انتهار رؤساء العمل، ومزاحمات الحصول على أرغفة الخبز، واختلاجات الجسوم في الشوارع لزعيق منبهات السيارات، وانكسارات تكاد تأكل الصدور كلما عجزوا عن الحصول على المال الكافي لشراء ما وعدوا بجلبه معهم في المساء.. وما إلى ذلك من تبعات الأيام التي تتراكم كالبغاث حولهم وفي قلوبهم، مما يثقل الوجوه بالتغضنات.. فيبدون جميعاً طرازاً خاصاً مضحكاً من الشباب الكهول، ذوي عنفوان عجيب من العضلات والعبوس والفحولة والشرود.. كانوا يلقون كل ذلك شتائم للزوجات والأبناء بعد أن يغسلوا الأقدام والأيادي المتشققة والوجوه المتجهمة ويحوقلوا ثم يستغفروا الرب من ذنب ارتكبوه أو ذنب هو لهم بالمرصاد لكي يرتكبوه في مستقبل الساعات أو الأيام.‏
تلك الليلة لم ينم الحزين.‏
ظل واقفاً في العراء وحده. فقد شاله السائق وقذفه، لأنه أزمع على قول رأي في حوار كان يديره السائق مع معاونه، حول ما يحصل بين المرأة الوحيدة الخانعة والرجل النمطي في ظلماء غرفة موصدة.‏
فالرجل الحزين ومنذ أزمع أن يقول ما ود قوله، ارتاب فيه السائق، فاقتلعه من مقعده ورماه إلى العراء كأنه صرصور أجرب.‏
والرجل الحزين نفسه عانى من الاقتلاع الفظ كمسمار صدئ، ثم دخل داخل الهواء الأسود لا يدري أين صار. كل ما أصبح يشغله ويملأ عليه كيانه، هو استغرابه الطائل للكيفية التي استطالت بها يد السائق من كرسيه المتقدم في الحافلة، إليه هو، في صف المقاعد قبل الأخير، وقوتها التي قدرت على اقتلاعه كلمح البصر، وإلقائه إلى حيث هو الآن.‏
قلّب الأمر على الوجوه كلها ولم يصل إلى سبب مقنع. لكنه تمنى لو كانت لـه ذراع تمتد إلى حيث يشاء، أو على الأقل إلى مسافة تكفي للوصول إلى السائق فلا يمنعه مما فعل فحسب، بل ليقتلعه ويجعله في عراء أكبر وأعم لا يخرج منه إلا إذا أُذنَ لـه بتخطي عشرات البوابات والمفازات.. لكنه أوقف سيل التمنيات مستدركاً بتساؤل عمن سيقود الحافلة لو كانت لـه تلك الذراع وتمكن من فعل ما تمنى.. فقد تذكر أنه لم يقد في حياته كلها سوى الأصوات، والأصوات، علت أو انخفضت، لا تخرج عن كونها إزاحات للهواء المحيط بالأفواه ولزمن محدود؛ فما هي إلا عوالم من هلام غير مرئي تنقاد، وربما تتظاهر بالانقياد.‏
آه لو كانت الأصوات سيارة أو دراجة أو حماراً..‏
هكذا قال، وانكفأ؛ فقد تأكد من انزلاق كتفه الأيمن التي قبض عليها سائق الحافلة ومن التصاقها بالكتف الأيسر.‏
أيقن أن لم يعد لـه صدر ولا رئتان ولا قلب. ولذا فليس معه إلا الروح وحدها. فانسدل كستارة مهترئة اصطبغت شراشيبها بالدخان وبالعنكبوت وبالبراغيث، فقد بهت لونه. صار كالترهات أو أشد لزوجة.‏
ود لو كان بقي في الحانة، بل لو أن الحانة بقيت فيه.. لكان عب بغير انقطاع ولا ملال. لكن ماذا هو فاعل وقد غدا في عراء البرية لا ونيس ولا نديم ولا كأس عرق يُسرّي..‏
ليس معه الآن إلا روحه، وأمامه مساحة بحجم ملعب تتراقص فيها عيدان البقدونس، كأنها بحر من هواء ممتزج بلون قادح لكنه لطيف.‏
تلفت حوله. احتضنته الظلمة التي كانت تملأ المكان وتملأه.‏
تمنى أن يصير حلَقاً وأن يتعلق بأذن نجمة ليجعلها أكثر النجوم إضاءة وبريقاً.‏
ألا كم يود المرء أن يظفر بنجمة طرية كفتاة.. إن النجمات الطريات كالفتيات الطريات، لا يعادلهن كل تاريخ العالم ونزقه.‏
تهالك على حلمه فرأى روحه تجلس قبالته هاجدة مستكينة، فسألها عن قيمة الأحلام والأفكار.‏
حدقت فيه الروح واستمهلته أن تتصعد لترى، لكنه خشي من ذلك فإن تصعد الروح يعني الموت، وهو لا يرغب في أن يموت اليوم في هذا المكان الموحش.‏
كاد أن يسترجع سؤاله لولا أن روحه جالت في خاطره وقالت: أجيبك وأنت في جلستك هذه، فانتظر.‏
راق لـه الرد واستسهله. فماذا إذا انتظر؟ إن مدار حياته كله هو الانتظار..‏
وهكذا جلس على كرسي الوقت الأليف خفيض الأحلام والأفكار، وخفيض الرأس.‏
رقَّ لـه قلب مرج البقدونس، فسأله أن يلاعبه لعبة يهواها. أمال رأسه الخفيض فانبرى عرق شاب أعطاه مضرب تنس وأبقى لنفسه واحداً.‏
ودون كرة، صَفَّرَ البقدونس كله صفرة واحدة ارتعدت لها البراري فأخذت المباراة مجراها أشواطاً لا تحصى، حتى إذا أيقن الرجل الحزين أن لا قبل لـه بالفوز.. صَفَّرَ صفرة ارتج لها المدى إيذاناً بخسارته وانتهاء المباراة؛ ثم تفصد عرقاً دافئاً، بينما كان عرق البقدونس يقهقه بانتشاء ويدني منه جملة خطابية بليغة سقطت سهواً من بين زبد فم الرجل الحزين فجعل يلوكها، ثم تلبسها حتى اللذة الكبرى هكذا أمام البصر، لا خجل ولا حياء..‏
أحس الرجل الحزين بالإجهاد وبالامتلاء من المشهد، فتمدد على صبره الكسير، حفياً باسترجاع ماضيه.‏
هبطت عليه طفولته العالية.‏
كان لـه ماض لم يعرف مثيل لـه قط.. ماض عاث بأعوامه الخمسين تقلبات شتى.‏
كان أكثر ما تذكر، يوم جأرت فيه الحمية للخطابة، فصعد سطح المنزل وأراد أن يؤذن وأذن فعلاً قبيل صلاة المغرب، فأفطر الصائمون الذين سمعوه. وحين دوت مدافع الإفطار بعد أن شبعوا وابتلت العروق، سُمع قرع شديد على باب المنزل من جمهرة السكان يتقدمهم مختار الحارة ورئيس المخفر؛ وكان مؤذن جامع الحي يقف لـه بالمرصاد، وهو أول من ابتدره بصفعة أطارت صوابه وأوقعته مغشياً عليه يتلوى ويرتعد؛ ثم نشب واقفاً وأخذ يضحك ويضحك ويضحك.. حتى امتلأت جيوب الجمهرة بالضحك الصاخب؛ ولم ينفض جمع المهاجيمين إلا عندما قالت امرأة أبيه: اتركوه. إن الفتى قد جن.. وأمسكت يده بإحدى يديها ولفت الثانية حول خصره واصطحبته إلى الداخل وهو يضحك ويضحك ويضحك، فأجلسته على حجرها ثم فقأت بين شفتيه حبات من الكرز فهجد ضحكه. إذّاك أسلست أصابعها إلى مكان ذكورته؛ وعندما همت لتجلس فوقه وقد شمرت عن ساقيها، صاح صيحة خالتها المرأة نفخ الصور، فامتنعت عما أزمعت وأجرت على خده تربيتة قاسية قليلاً استقرت فوق ما أبقته أصابع المؤذن؛ فغادر المرأة.. وكم تأسف من الصيحة التي حالت بينه وبين ما يتمناه كل فتى في مثل سنه. لعن الصوت الجسور الذي له، وشابك كفيه على أسفل بطنه مداراة لما أصبح عليه، حتى استكان توثب جسده، فاندس رضياً في برد فراشه.‏
وها هو ذا في العراء وحيد، ليس لـه ثمة زوجة أب ولا أب.‏
آثر أن يغتبط باسترجاع صورة أبيه في ذهنه.‏
ابتهج لأن أباه هو الذي أورثه الصوت الجهور والجسور، فنجاه من التردي في حمأ البطالة المستشري، فصارت الشديَّات حرفة لـه يؤجرها ويعتاش من الكفاف الذي تدره عليه.. صحيح أن الكفاف لم يمكنه من الزواج وامتلاك جسد جديد، أو جسد مستعمل قليلاً أو كثيراً يختص به وحده، فتكون لـه أسرة يلاعب صغارها كبقية خلق الله ويحمل لها في الأماسي: الحاجيات والأطعمة أو الملابس أو سواها، في أكياس سود يدافع بها ركاب الحافلة العامة، كبقية خلق الله..‏
ولشد ما استغرب أن يكون شهيراً في المدينة كلها ويقبل السوقة والأكابر على شِدياته إقبالاً عظيماً، ثم يودي به إلى التهلكة التي هو فيها، مجرد الهمس بوجهة نظر لا تقدم ولا تؤخر، عن رجل وحيد وامرأة وحيدة، أو عن نساء وحيدات في غرفة وحيدة؛ فعاهد النفس ألا يخوض ثانية في ما لا يحب سائقو الحافلات الخوض فيه، إذا نجاه الله من الغم الذي صار إليه، أما إذا لم ينجه، وهذا مستبعد، فإنه سيستمع إلى رأي روحه وسيأخذ به أياً كان.‏
وبينما هو يتراوح بين الأخيلة والذكريات والمشاعر هطلت عليه غيمة الرشيد من جميع أثدائها بمطر إسفلتي كتيم اصطبغ به كأنه شارع؛ وأحاط بالعراء كله قوس قزح ما رأت عين مثله قط، فاشرأبت من شقوق الصخر أشجار من الزنجبيل والنخيل، عليها عصافير من الياقوت الأحمر والجاد الأخضر، ثم انبرى من بين الأشجار طاووس بهي جثمت على عرفه روح الرجل؛ فاختلج، وتفصد من جبينه عرق كثير.‏
قالت لـه الروح:‏
إن الأحلام أحلام. أما الأفكار فلا قيمة لها ما لم تدخل جذور العشب وتسري في إليات الخراف.‏
جحظت لذلك عيناه.‏
صعَّد أصابع قدميه إلى قبة رأسه.‏
صار وجهه طلسماً من الطلاسم، ينطلق منه شوك أشعث ما لبث أن تحول مجاري دم قان تبحث عن مصب.‏
سُمعت في الفلاة قهقهات كالدوي مقبلة من بعيد، ثم ما لبثت أن علت كالأفراح مع عبور الحافلة بسائقها ومعاونه، وهما يتحادثان عن امرأة كثيرة متشبثة برجل وحيد في غرفة وحيدة، وعن رجال عدد الرمل يُرفعون عن امرأة وحيدة ويُلقون من الحافلات ليكونوا بقدونس العراء.‏
دلق الرجل الحزين من فمه المزبد جميع ما حفظ من الشديات.‏
أسبل ساقيه وعينيه ورحه، وشاخ.‏
حلب 8 أيلول 1999‏



التوقيع
@عميد كلية الحب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-28-2009, 07:01 AM   #2
-||[قلم من ذهب]||-
 
الصورة الرمزية *القلب الحزين*
 
تاريخ التسجيل: May 2009
العمر: 27
المشاركات: 200
معدل تقييم المستوى: 12
*القلب الحزين* is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر MSN إلى *القلب الحزين*
افتراضي


مشكوووووووووووووووور الله يعطيك العافيه



اختك *القلب الحزين*


التوقيع
اضغط هنا لتكبير الصوره



أسهرتنـي يا غـلا والنـاس هـجّـاعِ
النـوم عـنـي جـلا يا زيــن الأطـبــاعِ
الهم منـك اعتلى والصد بك شاعِ
ما قلت لي وش بلا العهد منك ضاعِ
من بدّ كـل المـلا عـيني لك تراعي
يا كـامـلٍ بالـحـلى ما للـجـنا داعــي
ارجع ترى لك وله من بين الأضلاعِ
إن جـيت لي يا هــلا مانـي بـطمـاعِ
اضغط هنا لتكبير الصوره
*القلب الحزين* غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قــوارب الحــياه,,, نـاعمة جده 2008 قسم المنقول من الخواطر 63 01-10-2021 07:24 PM
يحمل سلاحا قاتلا Emad Alqadi منتدي علم النفس و منتدى حل المشاكل الاجتماعية 26 11-06-2018 10:39 AM
رواية عشـــاق من احفـاد الشيـطان - كامله $$$ الحب الخالد $$$ قسم الروايات المكتملة 171 03-27-2017 04:01 PM
هذا حظي من على الدنيا وعيت $$حبيب حبيبته$$ قسم الروايات المكتملة 60 11-18-2016 02:52 PM


الساعة الآن 10:04 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
المقالات أو المشاركات أو الآراء المنشورة في شبكة منتديات برق بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لشبكة برق بل تمثل وجهة نظر كاتبها.